المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية بين الأمس واليوم


همس المشاعر
09-16-2011, 01:37 PM
بين الأمس واليوم






الجزء الأول





















دروب هذه الحياة المتشابكة والمتعرجة

فوضى الأفعال والكلمات

ثــم.. طريق اللا رجوع!!!







قد تتصرف تصرفا ما.. ثم لا تستطيع التراجع عنه أو رأب صدعه

أو قد تتفوه بكلمة ما.. ثم لا تستطيع درء أوجاعها وكبت سمومها





فانتبه للقلوب التي ستطأها بقدمي أفعالك أو حروفك

فالسنوات ستمر.. وستبقى أنت وماصدر عنك من قول أو فعل مشنوقين

بين ماض لم ينته.. وحاضر مضطرب.. ومستقبل مجهول

فهل أنت مستعد لكل هذا؟!!!









قبل أربع سنوات...




"تكفى يبه.. تكفى..

طالبك طلبة.. طالبك ماتخليها تدخل ذا الكلية"





نبرة باردة صارمة تفيض صقيعا مدروسا: أظني إني عادني حي.. وشورها في يدي

وأنا قلت لها إذا جابت ذا النسبة .. بأخليها تدخل اللي هي تبي





ينهار على ركبتيه..وينكب على يد والده يقبلها.. ويهمس باستجداء موجع.. موجع حتى عنان السماء..

موجع حتى نهايات الوجع الموغلة في اليأس والألم والتشبث بمعاني رجولته البدوية الغالية:

تكفى يبه لا تخليها تفضحنا.. تكفى..

والله ماعاد أطلب منك شيء في عمري كله

بس لا تردني.. تكفى.. تكفى

طالبك يبه.. طالبك طلبة

يبه تكفى.. ما تهمك سمعتنا بين الناس؟!!















والده ينتزع يده بحدة وهو يحترق ألما لهذا الجاثي المبعثر عند قدميه.. يود أن ينتزعه من الأرض ليزرعه بين النجوم.. أن يمحي نظرة الإنكسار الذابحة في عينيه فهو الذي علمه ألا ينكسر ولا ينحني ولا يتردد..

تركه جاثيا في مكانه وابتعد عنه ليهمس بثقة صارمة.. مرعبة.. نبرة من لا يهمه في الحياة سوى قناعاته هو:

أنا ما يهمني حد

وهي بتدخل اللي تبي

ولا حدن بقاهرها وأنا رأسي يشم الهوا










كسره..

كَــسَــرَه..

كَــــــــسَــــرَه!!

كان الشرخ الأول.. والأضخم بينهما!!

كان حدثا فارقا بين أحداث فارقة مرت.. وأحداث فارقة أخرى ستمر!!

ولكنه كان وجعا صِرفا صافيا لكليهما

وإن صرّح أحدهما بوجعه حتى البكاء

وأنكره الآخر حتى النسيان!!!



















************************


قبل واحد ثلاثين عاما

عالم غير العالم

ودنيا غير الدنيا

وبشر غير البشر










بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لـتنمو.. أو لـتُـنحر!!



يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما

يفرق بينهم الأصل والقبيلة

ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة

الكثير منها ثلاثتها

كثيرٌ من الفقر

وكثير من الصداقة

وكثير من الرجولة!!!
















"زايد.. هونها وتهون يأخوك"



" قهرتني ياخليفة.. قهرتني"



خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل



يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر الرائق: مهرة ياخليفة مهرة.. مهرة محدن عسفها



يبتسم خليفة: وانتي اللي تبّي تعسفها مع هالويه..؟؟!!



زايد يلتفت له بحدة.. ويهمس بغضب خفيض: وش فيه وجهي يابو وجه أنت؟!!



خليفة يهمس بنبرة حذر: تبي الصج وإلا ولد عمه؟!!



زايد بغضب مكتوم: خليفوه خلصني قدام أعصب



خليفة يبتسم وهو يلمس قفاه بحركة مقصودة: لا يأخوك كله ولا تعصب.. توني ماسلمت من تعصبيتك المرة اللي فاتت



زايد بذات الغضب المكتوم: تبي تقعد تغزل فيها وأسكت لك



خليفة يضحك ضحكته المجللة المغلفة بصفاء روح ما لوثتها المدنية: وأنا شعرفني إنها حبيبة القلب



زايد بغضب أكبر: هي أو غيرها.. احشم الناس اللي أنت جايهم



خليفة مازال يضحك ذات ضحكته التي تمنى زايد ألا تنطفئ من حياته يوما:

وهي ليه ماتغطي ويهها مثل باقي حريمكم.. أعرفكم تغطونهم من 12 سنة..

هذي صارت بقرة وهي كاشفة ويهها وتدور ببخنقها







زايد يلتفت ناحيته بحدة مهددة.. وخليفة يقفز ويبتعد عنه وهو يهمس بمرح: خلاص السموحة السموحة

هدي هدي خل نتفاهم

أنت الحين من جدك تبي تتزوج هالشمحوطة المزيونة اللي أطول منك يالقرد؟؟







زايد يحاول أن يهدأ: إيه.. وش فيها؟!! ولاعاد تقول المزيونة فقعت عيونك الثنتين

وقرد في عينك.. الرجال مخابر مهوب مناظر

وإلا يمكن بتقول لي مثل ماهي قالت لي.. إنه إبي كان راعي إبل عندهم قبل سنين.. وهي ماتزوج ولد الراعي







خليفة يبتسم بخبث : يمكن.. ليش لأ؟!!



زايد يعود للغضب الممزوج بكرامته المهانة هذه المرة: خليفة لا تقهرني مثلها..

أنت أكثر واحد عارف إنه إبي كان ضام حلالهم مع حلالنا.. يعني حن اللي متفضلين عليهم

لأنه إبيها جابها على كبر..وماعنده غيرها ولا يقدر على الأبل.. فأبي مساعدة منه كان مخلي حلالهم مع حلالنا

يعني سالفة الراعي ذي ما أدري من وين جابتها اللي ما تستحي؟؟









خليفة يهمس بهدوء يحاول به امتصاص غضب زايد: هذا أنت قلتها بنفسك.. يعني زود على أنها أنكرت فضلكم عليهم

تسبك وتقول ياولد الراعي.. يعني خلتكم إنكم جنتو ترعون عندهم وجنها هي بنت الشيخ

مع إن هذا موب صحيح والناس كلهم عارفين.. وش تبي فيها؟؟ هذي ناكرة يميل







زايد بألم شفاف.. شفاف.. شفاف.. مغرق في الشفافية وكأنه يحدث نفسه المتيمة في هواها:

كبرت قدام عيني.. وكل يوم يزيد غلاها.. لين ماعاد لغلاها محل

أحبها ياخليفة.. أحـــبــهــا







خليفة ببعض غضب: حبتك قرادة.. قول آمين.. خلها تولي



زايد بذات الألم الشفاف: تدري ياخليفة: لو أنا أخطبها من إبيها.. صدقني بيوافق علي على طول.. إبيها شايل همها عدا أنه يعزني واجد

تخيل إني تيك المرة يوم أنت شفتها ضربتها قدامه.. وهو ماقال شيء لأنه يدري إنها غلطانة

بس أنا كنت أبي أشوف رأيها قبل.. هذي بنية يتيمة.. وماعندها أم ترد لها الشكيا

ويمكن أحلامي صورت لي إنه يمكن في قلبها نفس اللي في قلبي

صدمتني بقسوتها.. ما تخيلتها كذا











خليفة يحاول أن يتكلم بمنطقية: زين خلنا من إنها تبيك أو ما تبيك

أنت واحد طفران.. ماعندكم إلا ذا الابل اللي أصلا كلت اللي وراكم وجدامكم





زايد بهدوء: جماعتنا كثير منهم مثلنا.. وش حن عايشين عليه إلا على ذا الابل؟!!



خليفة ينظر للبعيد: والله يازايد أنت والابل.. مثلي أنا والبحر والسمج

مالقينا فايدة.. لا تعليم تعلمنا ولا فلوس حصلنا

ثم همس بما يفكر به منذ وقت وكان ينتظر الوقت المناسب لمصارحة زايد به: زايد امش معاي للدوحة

الشباب هناك يقولون خير ربي.. الشغل وايد.. وفيه مدارس العصر

الناس كلهم راحوا للدوحة ماعاد باقي الا احنا اللي ساكنين في مناطق برع (برا) الدوحة.. وش ناطرين؟؟

خل نشتغل الصبح وندرس العصر.. وبعدين احنا درسنا عند الكتاتيب ونعرف نقرأ ونكتب زين.. يعني بنطوف لنا كم صف













زايد يهمس بخفوت كأنه يخاطب نفسه والفكرة تدخل إلى رأسه وتسيطر.. فلطالما كان ينفذ ما يقتنع به دون تردد: ليش لا..؟؟






بعد ذلك بشهرين





بيت قديم مُستأجر فيما يعرف اليوم بمنطقة الأسواق

بالقرب من سوق واقف





يدخل بتثاقل كأن أقدامه مغروسة في الأرض ..يعاني نزعها.. ليعاود غرسها مرة أخرى..

يلقي غترته على السرير الحديدي المفرد

ليلقي فوقه بأشلاء جسده الممزق ذهولا وألما

أي هم هذا؟!!

أي ألم يمزق روحه الشابة بمناجله المسمومة الصدئة؟!!











خليفة الذي كان يكتب واجبه أزاح الدفتر جانبا وهمس لزايد بقلق: زايد أشفيك؟؟



زايد يــنـــزف.. يـــنـــزف..

يشعر أنه لابد أغرق الأرض بنزيف روحه

همس وكأنه يتقيأ الوجع:







مـزنـة...... تــزوجـت


منتدى ليلاس الثقافي


" آه يامزنة.. آآآآآآآه

أما آن لك أن تقتربي

مزنة ياحلمي الذي حلمت به حتى ملَّ الحلم مني

يا أبجديات الحلم التي ماعرفتُ يوما سواها

كيف استطعتِ أن تكوني قاسية هكذا.. ومتوحشة هكذا؟!!

أ هان عليكِ قلب زايد المتيم؟!!

أ هان عليكِ دمه المسفوح تحت قدميكِ؟!!

أ هان عليكِ أن تبعثري ما بقي من روحه المعلقة بأهداب عينيك؟!!

هل سيحبك هو كما أحبك أنا؟!!


هل ستشرق شمسه مع ابتسامتكِ؟!!

هل سيهذي باسمكِ كما أفعل؟!!
هل ستغرد روحه إن وصلت همساتكِ إلى أطراف سمعه حتى لو من بعيد؟؟
تعبت من الآهات.. تعبت
ماعادت آهات.. بل سهام تنغرز في روحي الثكلى لتبكي على مابقي من أطلالكِ
وداعا يا حلمي.. وداعا

وداعا يا مزنة !! "
























بعد أقل من عام




زايد يأخذ خليفة من عمله على سيارته الجديدة gmc موديل 1980



خليفة يلتفت له وهو يهمس بحماس حقيقي: ها بشر؟؟.. وافقت عليك ؟؟



زايد يقلب شفتيه وهو يثبت يديه على المقود ويهمس بحياد: لا



خليفة يهمس بغضب عميق: إش عندها ذي.. أرملة وعندها ولد.. لا وويه نحس بعد.. ريلها مات وهي حامل

على شنو شايفه حالها؟؟!! أنت بس اللي معطيها ويه!!

أنت الحين ماشاء الله وضعك صار زين واستأجرت بيت في الدوحة

تزوج زايد.. تزوج شيختها اللي تسواها وانساها.. هي الخسرانة









زايد يهمس بثبات وعيناه تبحران.. تبحران: ماحد عندي يسوى أم امهاب



خليفة باستغراب: نعم؟؟ شنو اسم ولدها؟؟



زايد بهدوء موجوع: امهاب اللي المفروض يكون ولدي أنا..

مُهاب على قولت مدرسين العربي.. هي اللي اختارت ذا الاسم لولدها.. من يومها وهي غير وتفكيرها غير





خليفة يبتسم: بصراحة اسم غريب وايد.. بس حلو

ثم يردف في محاولة لإبعاد زايد عن أفكاره المرة: و على طاري مدرسين العربي.. ترا المدير يقول مستوانا متقدم وايد على مستوى اللي معنا

نقدر ندرس سادس هالصيف ونطلع أول إعدادي مع فتح المدارس

وندرس ثاني اعدادي الصيف الياي












بعد عدة أشهر




صفوف مدرسة قديمة.. كانت جديدة في حينه.. شباب صغار مثقلين بالحلم يجاورهم شيوخ مثقلين بالأمل..

وشتان بين حلم باللحاق بمستقبل قبل أن يمضي

وأمل في تصحيح ماض مضى!!








خليفة وزايد يجلسان متجاورين في انتظار المدرس..زايد يتنهد ويهمس بنبرة محايدة جافة كأرض بور: خليفة أنا خلاص بأتزوج



خليفة يبتسم بسعادة حقيقية وهو يشعر بصدمة حقيقية "أ يعقل أن هذا المجنون قد شُفي من هوسه المستعصي المسمى مزنة؟!! " : وأخيرا خلصنا من خبال مزنة



زايد بابتسامة هازئة مرة.. ابتسامة أشبه بالبكاء: ماخلصنا.. هي اللي خلصت

مزنة تزوجت مرة ثانية..عيّت مني وخذت واحد مثل الأولي والله مايستاهلون ظفرها

بس شأسوي.. مالي إلا القهر!!

أنا خلاص ياخليفة بأعرس وأجيب لي بنت وأسميها مزنة.. أبي على الأقل أدعي اسمها في بيتي










" هل هذا ما أردته يا مزنة؟!!

هل هذا ما أردته؟!!

تنتقلين من أحضان رجل لأحضان آخر

لتتركي أحضاني تحتضن خيالا مرا شاردا يبعث برودة أشبه بصقيع الموت في أوصالي

ثم لتسكن هذه الأحضان المنبوذة امرأة أخرى سواكِ

يصبح أقصى أمنياتي أن تنجب هي لي مزنة..

صغيرة أهمس باسمكِ حين أناديها.. وأرى في أطيافها بعضا من أطيافكِ الهاربة"


















بعد ذلك بـ 8 سنوات وقبل 22 سنة من اليوم




خليفة بابتسامة أخوية صافية: مبروك جاتك مزنة أخيرا عقب كسّاب وعلي



زايد بفرحة حقيقية وروحه تغرد.. تغرد: الله يبارك فيك

والله يافرحتي بذا البنت مثل فرحتي بعشر عيال

بس تراني ما سميتها مزنة.. سميتها مُـزُون

مابغيت أجرح مرتي إني أسمي بنتها على اسم اللي كنت أحبها حتى لو ماكانت تعرف

ومن ناحية ثانية قلت إذا دلعتها بيكون نفس دلع مزنة

أبرد قلبي شوي.. ولو أن قلبي عمره مابرد

عــمـــره مــــابـــــرد

















**************************





قبل أربع سنوات من اليوم




الدوحة

منطقة رأس أبو عبود

كلية قطر لعلوم الطيران

مكتب رئيس الكلية تحديدا










يجلس خلف مكتبه العريض بطلته المهيبة وهو يرتدي لباس الطيارين المعتاد رغم أنه توقف عن قيادة الطائرات منذ سنوات

ولكنه تقليد برتوكول الطيران العتيد





يقلب الأوراق أمامه ويعيد النظر للشابة الواقفة أمامه والتي لا يظهر أي شيء منها بتاتا وهي مغطاة بشكل كامل بالسواد

وبالكاد تظهر رفات رموشها من خلف فتحات النقاب الضيقة

يهمس باحترام ممزوج بالتهذيب والحنان الأبوي: يابنتي هالتخصص ما يناسبج

أنا أقولها لج مثل بنتي









الشابة بصوت خافت فيه رنة الحياء الطبيعية ولكن يصدر معه روح ثقتها الواثقة:

هل معدلي ما يسمح؟؟





القائد يتنهد ويهتف وهو يعرف سبب سؤالها: لا.. وأنتي عارفة إنه معدلج أكثر مما يسمح بعد.. أعلى معدل بين كل الطلاب المتقدمين



بنفس الثقة الخجولة: هل فشلت في أي من اختبارات القبول التحريرية أو العملية أو حتى اختبار قمرة القيادة؟؟



يبتسم القائد: يابنتي ليش تسألين أسئلة أنتي عارفة إجابتها؟؟



الشابة بثقة: وأنت ليش تبي تثنيني عن شيء أنا قررته خلاص؟؟



القائد بابتسامة أبوية: يا بنتي أنا في مجال الطيران لي أكثر من 25 سنة وأقول لج بكل صراحة وموضوعية إنه ما ينفع لمرة اطلاقا

وخصوصا لما تكون وحدة مثلج





الشابة تتنهد: أنا أعرف إنه فيه بنات قطريات في التخصص سابقيني.. وش معنى أنا؟؟



القائد تعب من الجدال معها ولكنه هتف بثقة: هم موب مثلج.. هم وضعهم غير.. حتى أشكالهم غير.. تسمح لهم بحرية حركة أكثر



الشابة ببعض عتب: يعني عشان أنا منقبة؟؟



القائد بصراحة: ممكن يكون هذا أحد الأسباب.. الشيء الثاني أنتي معدلج عالي وايد.. وأنتي بنت زايد بن علي آل كسّاب الـ

يعني يا بنتي ماشاء الله تبارك الله أبوج ريال معروف وخيره وايد يقدر يوديج أي ديرة تدرسين اللي تبين

عدا إن معدلج إييب لج أحسن بعثة لو بغيتي







مزون بثقة: وأنا ما أبي إلا ذا التخصص





بعدها بساعة

في أروقة الكلية





مزون مع أخت صديقتها التي هي في السنة الثالثة من تخصص المراقبة الجوية

والتي ساعدت مزون على انهاء إجراءاتها

تهمس لمزون بحذر: مزون ترا للمرة الأخيرة أقول لج الفرصة قدامج تراجعين

صدقيني ماراح يمشي حالج مع شروطج

ما تبين تركبين مع الطيّار في القُمرة بروحج

ولازم المساعد الثاني يكون مرة بعد

وما تبين تسافرين لديرة غير الخليج ولا رحلة تضطرين تباتين فيها

يعني من أساسها شروط كلها ما تنفع لوحدة تبي تصير كابتن طيران

والكلية لولا واسطة أبوج الكبيرة ماكان قبلوج أساسا مع شروطج



















مزون تنظر للبعيد: أبي أسوق طيارة لو مرة وحدة في عمري.. بس مرة

وعقبها أنا بأطلب العمل مع الطواقم الأرضية أو في عمل مكتبي

لأني عارفة إنه مجال الطيران ما ينفع لوحدة مثلي لا شرعيا ولا اجتماعيا

أبي بس أحقق أمنيتي بدون ما أرتكب أي ذنب









أخت صديقتها بدهشة عميقة: تضيعين عمرج عشان أمنية غريبة مثل هذي؟!!



مزون بشبح ابتسامة: مثل قصة البنفسجة الطموح لجبران خليل جبران.. تكفيني ساعة وحدة أحقق فيها طموحي




غير بعيد منهما

شابان يقفان يهمس احدهما للآخر بخفوت: أنت عارف البنت المنقبة بنت من؟؟





الشاب الآخر بعدم اهتمام: بصراحة هيئتها مهيب هيئة بنات الكلية بالمرة

هي وش جايبها؟؟





الشاب الأول بهمس خافت: بنت زايد آل كسّاب

لا وجايبة أعلى نسبة بين المتقدمين الجدد.. وتبي تخصص قائد جوي





الشاب الآخر يلتفت للفتاة بحدة محرقة وهو ينظر لها نظرة تقيمية: من جدك؟؟

بنت زايد آل كسّاب ماغيره؟!!

ثم أردف بغضب حقيقي: اللي ضاعت علوم العرب ومراجلهم؟!!







الشاب الأول بشبح ابتسامة: يعني عشانها من جماعتك؟!!



الشاب الآخر بغضب مكتوم: على شحم ومهوب شغلك



ثم مشى باتجاهما وهو يجره معه ويهتف بصوت مسموع جمع فيه كل الاستهزاء والبرود رغم أنه كان يغلي كمرجل مشتعل تستعر ناره:

اللي رخصوا الرياجيل

إذا زايد آل كسّاب مخلي بنته تدرس مع الرياجيل عشان تدور عقبها من ديرة لديرة

وش خلو لمضيعين أصلهم؟!!

ياخسارة النقاب والأصل اللي ماعاد لهم معنى ولا حشمة!!











حينها شهقت مزون بعنف وهي تلتصق بالحائط

بينما أنعم عليها صاحب الكلمات المسمومة بنظرة احتقار

تكاد تقسم أنها شعرت أنها شطرتها شطرين.. من صدرها حتى آخر سلسلة ظهرها.. شطران متهاويان وجعا وإهانة

تجاوزها ..وهو يعلم أنها أصاب كرامتها في مقتل دون أن يهتم أو يرف له جفن

ما يهمه أنه أشفى بعضا من غضبه وغيظه حين علم أن واحدة من بنات جماعته دخلت معه إلى ذات تخصصه المرفوض بشكل قاطع لأي امرأة











همست أخت صديقتها بمساندة: ماعليج منه مزون.. هذا مُهاب معروف إنه مستحيل يخلي كلمة تقرقع ببلعومه



مزون بصوت مختنق: بس هو ما يعرفني عشان يهيني كذا

أشلون باستحمل منه كلمة ثانية يقطها علي





الشابة الأخرى بذات المساندة: إن شاء الله ما تصدفينه مرة ثانية

هذا الفصل آخر فصل له أصلا

هو ترا كبير عن كل طلبة الكلية حتى طلاب سنة رابعة هو أكبر منهم بوايد

لأنه تأخر ثلاث سنين قضاهم نقاهة من حادث

تكسّر فيه تكسير

وتوه رجع السنة اللي فاتت وخلاص هذا هو بيخلص ويروح














ولكنها لم تكن المرة الوحيدة التي تخترق مسامعها كلماته المسنونة

لم يتحادثا مطلقا وجها لوجه

ولكنه لم يترك فرصة واحدة طوال فصله الدراسي الأخير لإسماعها كلمات مغموسة بالتحقير والاستهانة وأبشع أنواع الأهانة

هكذا أراد الله أن يبتليها به

أن تُجبر على سماعه

وتجد نفسها عاجزة عن الرد أو حتى مجرد الشكوى

ابتلعت الإهانة على مضض وروحها تذوي وجعا مرا

فتجرع الإهانة دون القدرة أو الرغبة على الرد هو أشبه ما يكون بسم بطيء المفعول..

يقتلك شيئا شيئا


وفي رحلة القتل هذه لابد أن تعاني أبشع الآلالم بصمت متوحش حتى تذهب روحك إلى الفناء....


الـــفــنـــاء!!





















كانت تلك الشهور هي الأسوأ في حياتها ضمن السنوات الأسوأ التي بدأت منذ ذاك الحين

تمنت أن تقيم احتفالا حين تخرج مُهاب وغادر الكلية بعد أشهر قليلة

ولكن الاحتفال يعني فرحا من نوع ما..

وهي فقدت الإحساس بطعم الفرح الحقيقي أصلا.. فلِـمَ الاحتفال؟!!












**************************





اليوم....




ضحى يوم سبت

الجو مشبع برطوبة خانقة شعرت بها وهي تخرج من باب المطبخ الخلفي وتنزل جلالها على وجهها رغم أنها تعلم يقينا أنه يستحيل أن تصل عين متلصصة إلى عمق منزلهم ولكنها اعتادت على هذا

ومن ناحية أخرى لا تريد أن تسمع كلمة ما من والدها أو شقيقيها







"آآآآآآه " تنهدت بوجع

أي شقيقين؟؟!!

قبل أربع سنوات كان لها أبوان وشقيق واحد..

ولكن الآن هناك أب وشقيق.. وثالث ماعادت تعرف له تسمية









وصلت بعد عدة خطوات لمبتغاها

فيلا صغيرة أنيقة تقبع خلف القصر الضخم ومعه في ذات السور

دخلت دون أن تطرق الباب

ألقت بجلالها على المقعد الأقرب للباب

وهي تدلف للبهو البالغ الأناقة المؤثث بذوق أنثوي شديد الرقي

عدلت من هيئتها في مرآة المدخل

وملامحها الحزينة تنعكس على صفحة المرآة لتعكس ماهو أعمق وأكثف من جمال شديد التواضع يبدو لثقة صاحبته معدوما تماما

تنهدت.. ثم رفعت صوتها وهي تنادي بحماس رقيق: خالتي

خالتي عفرا


خالتي وينش؟؟





















خرجت عفراء من المطبخ وهي تجفف يديها وتهمس بحنان: تريقتي وإلا تريقين معي؟؟



مزون تحتضن خالتها بحب كبير وتهمس لها وهي تقبل أذنها:

أنتي عارفة إنه ريوق السبت ماله حلا إلا معش





ابتعدت مزون وهي تنظر لخالتها باستحسان: حلوة القصة عليش خالتو



عفراء تعيد شعرها خلف أذنيها وتهمس بمرح حنون: أدري



مزون تقلب شفتيها: عشتو.. صدقت أبلة عفرا العجوز



عفراء بابتسامة: عجوز في عينش.. توني 37 سنة يا كابتن مزون



مزون تضحك: ويعني 37 منتي بعجوز؟!! وبنتش اللي صار عمرها 19 نعطيها للجيران عشان ندس عمرش؟!!



عفراء تدلف إلى المطبخ ومزنة خلفها وهي تبتسم وتجيب (بعيارة): لو أني عجوز ماكان يجيني خطّاب أصغر مني



مزنة غمزت بعينها وهمست بخبث رقيق: وليش ما وافقتي على الخطيب اللي أصغر منش؟!!



عفراء تصف أواني الفطور على الطاولة الصغيرة في زواية المطبخ وهي تهمس بذات المرح: لا تستعبطين

شاب عمره 32 سنة يتزوج وحدة في عمري!!!

هذا على فرق العمر اللي يبان على المرة ومايبان على الرجّال.. بعد عشر سنين عاده في عز شبابه وأنا بأكون خلاص أقول يا الله حسن الخاتمة

هذا المسكين شيسوي.. يبي يتقرب من كسّاب ومالقى قدامه حد غير خالة كسّاب









تنهدت مزون في داخلها بحسرة وأمران موجعان يتبادران لخاطرها

أولهما كسّاب ذاته

وثانيهما أنه صديق كسّاب سيخطب خالة كسّاب ولكن هي لم ولن يخطبها أحد

فمن سيريد فتاة دميمة مثلها؟!!

بل وعلى وشك استلام عملها في مجال قيادة الطائرات!!











ولكن مزون حاولت تجاوز كل هذا.. فهذا الحزن وخصوصا مع ذكرى كسّاب ذاته شيء بات يتغلغل في روحها واُجبرت على التعايش معه

لذا همست بمرح خبيث: زين ويوم إنش ما تبين اللي أصغر منش

كان خذتي اللي أكبر منش







عفراء أنزلت الصحن الأخير على الطاولة وجلست وهي تهمس بحرج:

مزونتي قلبي.. كم مرة قلت لش لا عاد تفتحين ذا الموضوع





مزون تمد يدها لكأس الكرك الذي صبته لها خالتها وترتشف منه وتهمس بهدوء:

ولا عمرش اقنعتيني بأسبابش

أنا بصراحة ما أشوف السبب اللي خلاش ترفضين إبي عقب ماتوفت أمي







عفراء تقضم طرف قطعة الخبز وتهمس بمودة: خلاص هذا موضوع انتهى من سنين

وأنا خلاص خلصت من العرس كله.. ما تزوجت وبنتي صغيرة

أتزوج الحين عقب ماصارت هي عروس







ثم أردفت بحزن عميق وكلمة عروس تقلب الكثير من المواجع:

أنتي عارفة إنها كانت قبل مرضها ذا تخطب مني.. لكن الحين ؟!!

الله يشفيها لي بس







مزون أنزلت اللقمة التي كانت على وشك تناولها لأنها خشيت أن تغص بها وهي تهمس بحزن مختنق:

خالتي والله حرام تخلين جميلة على ذا الحال

سافري فيها مع كسّاب وإلا علي

هذا هم اثنينتهم يحنون عليش









عفراء تنهدت بحزن: يا قلبي يا مزون.. جميلة ما عاد هي بصغيرة.. صارت مرة

ولا علي ولا كسّاب حلال عليها يكشفونها

لو كان مرضها غير ذا المرض كان قلت عادي أنا معها

لكن هي الحين حتى ما تقدر تغطي وجهها ولا حتى فيها حيل تغطي أي جزء ينكشف من جسمها

الشيء الثاني.. أنا أملي بالله كبير إنها تتحسن إن شاء الله











مزون تعلم أن هذه الأسباب وإن كانت من ضمن الأسباب إلا أنها ليست كلها!!..

لذا صمتت وهي تقف ثم تهمس بحنين: زين أنا بأروح أطل عليها.. بتوعى فيني؟!!





عفراء وقفت معها: أصلا هي واعية.. أنا طليت عليها قبل شوي..

عصبت علي وعصبت عليها عشان الريوق





الاثنتان تتجهان للأعلى ومزون تهمس: زين والجامعة بترجع الفصل الجاي وإلا لأ؟!!



عفراء بألم عميق: قولي إن شاء الله..



مزون تحاول تغيير دفة الحديث من أجل الحزن الذي فاض من عيني خالتها: والمدرسة وش أخبارها؟؟



عفراء بسخرية مرة: لا تسألين لأنه هذي ماعادت دراسة ولا مدارس.. هذي مأساة من مآسي ذا الزمان

خلينا من ذا الموضوع الغثيث الحين.. وصلنا غرفة جميلة







*****************************





قلب الدوحة

ذات ضحى السبت

بالقرب من شارع حمد الكبير المعروف بـ"شارع البنوك"








يوقف سيارته في موقفه الخاص

ويصعد إلى مبنى شركته الصغيرة الأنيقة التي تحمل في كل جنباتها رائحة ذوقه وطرازه.. وحتى جموده!!





يخلع نظارته الشمسية وهو يدلف من الباب الزجاجي الضخم لتبرز عيناه المتيقظتان كعيني والده تماما

هاتان العينان هما الشيء الوحيد الذي ورثه من والده

وفي بقية ملامحه كان شيئا مختلفا..

ملامح حادة مرسومة بدقة.. توحي بحنان مندثر أصبح ذكرى منقرضة

جسد استثنائي التكوين بعضلات نافرة متحفزة تظهر بوضوح بارز تحت الانسياب الأنيق لثوبه الأبيض.. عضلات لم تكن موجودة مطلقا قبل أربع سنوات..

فلو لم يفرغ كل طاقة غضبه حينها في رفع الأثقال يوميا حتى كان يوشك على الانهيار من التعب في نهاية اليوم

أو ربما كان انهار وقتها من الغضب والحقد والخزي والانكسار!!!

ثم بعد ذلك بأشهر.. سفره الغامض الذي استغرق عاما.. عاد بعده بشهادة الماجستير

وعاد كذلك -ويالا غرابة التغيير الجذري- ببنية جسدية مفرطة في القوة لدرجة مرعبة.. وروح مغرقة في القسوة لدرجة أكثر رعبا!!




















وصل لمكتبه

ألقى سلاما باردا على سكرتيره

ثم دلف إلى مكتبه

لحق به سكرتيره وهو يضع ملف المراسلات أمامه ويهمس باحترام مهني:

سكرتير عمي زايد اتصل ويقول عمي أبو كسّاب يبيك تمر عليه











التفت له بحدة وهو ينظر له بقسوة متوحشة: نعم وش قلت؟؟



ابتلع السكرتير ريقه.. فهو يعرف هذه النظرة وليس مستعدا لتبعاتها التي يعرفها جيدا: فيه شيء طال عمرك؟!



همس بنبرة محرقة: أظني في ذا الشركة مالك إلا عم واحد هو.. أنـــــا..

مفهوم؟!!!





السكرتير يتراجع وهو يحاول الخروج بأقل الخسائر: أكيد طال عمرك.. أكيد



خرج السكرتير

بينما عاد هو لإرخاء جسده المتصلب

الحالة التي لا بد أن تصيبه كلما سمع اسم والده

لماذا رباه على كل هذا الاعتزاز والحمية والأنفه إن كان هو من سيكسره في النهاية؟؟

لـمـاذا؟!!

لـــمـــاذا؟!!

يحاول أن يتناسى الذكرى الموجعة التي تأبى الانزياح

همسات الرجال المحتقرة في المجالس (هذا اللي أخته العوبا تدرس طيران)

اضطراره لبدء حياة جديدة ابتعد فيها عن كل أصدقائه القدامى.. وأغرق نفسه في العمل


حصر علاقاته في علاقات العمل فقط

وغلف روحه بكل البرود والجمود الممكنين
حتى يستطيع التعايش مع هذا الخزي الموجع كما يراه هو
لولا خشيته من فضيحة أخرى أو كان ترك بيت والده وسكن في مكان آخر
وهاهو يعيش معهم بالاسم فقط.. بينما هو بعيد.. بعيد
بــــعـــــــيـــد جدا!!!

أو..... ربما يظن نفسه كذلك!!!
























************************







مزون تنزل الدرج وهي تمسح دموعا لا تريد أن تراها خالتها

رغم أنها تطل على ابنة خالتها كل يوم ولكنها كانت تجدها غالبا نائمة

اليوم كانت مستيقظة.... بدت لها غاية في الضعف

وجهها الذي كان في مضى غاية في الرقة والعذوبة كان اليوم خاليا من الحياة وعظام خديها تكاد تبرز من وجنتيها

عيناها غائرتان في فجوتين من هالات سوداء مرعبة أخفت حسنا كان لا يخفى..

شفتاها مشققتان جافتان على طرفيهما بقايا دم متخثر بعد أن كانتا أشبه في توردهما بفاكهة صيف ندية

اخضرار عروقها كان يعبر بوضوح مساحات قاحلة من ضمور جسدها المتهالك

فجوات كثيرة برزت في مفارق شعرها بعد أن تساقط الكثير من شعرها الذي كان رائعا بكثافته ونعومته


















مزون جلست في الصالة السفلية وهي تخفي آثار دموعها

تبعتها خالتها بعد دقائق بعد معركة أخرى مع ابنتها جميلة

جلست الخالة وهي تنتفض غضبا:جننتني.. جننتني.. مارضت تأكل شيء.. وفي الأخير غصبتها على لقمتين







مزون بمساندة: هدي خالتي.. هدي.. أنتي عارفة إنها تصير عنيدة في موضوع الأكل



انتقلت عفراء من النقيض للنقيض من الغضب العارم للحزن المقيم وهي تهمس بوجع مستشرٍ:

مزون أنا صايرة عايشة في رعب إني بجي أصيحها يوم بألاقيها جثة

أنا الحين ماعاد أقدر أنام وأنا كل شوي أحط يدي على قلبها عشان أتأكد من دقات قلبها

وأحطها قدام خشمها عشان أتاكد إنها تتنفس









انتفضت مزون بجزع: بسم الله عليها خالتي.. لا تفاولين عليها



همست عفراء بألم عميق.. عميق: الله يخليها لي



مزون تقترب من خالتها وتحتضن خصرها وهي تهمس بمرح مصطنع لإبعاد خالتها عن التفكير المؤلم:

يعني أنا ما يخليني لش؟!!





عفراء احتضنت مزون وهي تهمس بحنان: أنتي عارفة إنه كلكم أنتي وجميلة وكسّاب وعلي كلكم عيالي وغلاكم واحد



مزون همست بخفوت وهي تبتعد عن خالتها قليلا: خالتي كسّاب أشلونه؟؟

ما يقول لش إنه يبي يتزوج؟؟ بأموت نفسي أشوف عياله هو بالذات





عفراء ابتسمت وهي تقرص خدها بحنان: وعلي المسيكين.. ماتبين تشوفين عياله يعني؟!!



مزون همست بألم: أقول يمكن كسّاب لو تزوج وجاب عيال.. يطلعون حنانه

ويرجع كسّاب القديم

يا الله يا خالتي وش كثر مشتاقة له

أربع سنين مروا مايقول لي الا كلمتين كل كم شهر









صمتت خالتها.. فهي في هذا الموضوع بالذات تقف على الحياد ولأسباب كثيرة!!



أكملت مزون بذات الألم: الله يأخذ ذا الدراسة اللي بعدته عني

والله لو دريت إن ذا كله بيصير إني ما أدخل ذا التخصص

وليتني قعدت على اقتناعي حتى

يالله يا خالتي وش كثر ندمانة !!









خالتها بمؤازرة: خلاص يا بنتي اللي راح راح



مزون بألم أكبر: أنتي عارفة ياخالتي إني بعد شهر واحد بس.. كنت أبي أطلع من الكلية عشان كسّاب واللي شفته صار له

ما توقعت إن كسّاب بيتأثر بذا الطريقة.. قلت بيعند أسبوع وإلا أسبوعين ويتقبل الموضوع وتمشي السالفة

ما توقعت حياتنا تتعقد كذا بسبت دراستي..جيت بأطلع عشانه لكن إبي حلف علي

تدرين خالتي واحنا بزران كل طفل دايم يحلم حلم مجنون.. إنه بيكون رائد فضاء مثلا

مشكلتي إني حلمت حلم غير معقول كان المفروض إنه ما يتحقق.. لكن لاني بنت زايد آل كسّاب.. الحلم تحقق

جيت بأتراجع عنه.. زايد ما خلاني..

والله العظيم لو خيروني بين كسّاب وكل تخصصات الدنيا.. كفة كسّاب ترجح

كسّاب ماكان إخي بس.. كان إبي وأمي

من عقب ذا التخصص لا بارك الله فيه.. الكل تغير.. وحياتنا كلها تغيرت



















حينها ماعادت تحتمل.. ماعادت تحتمل

انخرطت في بكاء حاد موجع..فمشاعرها كانت مستنزفة تماما

ابنة خالتها أولا..ثم موضوع كسّاب ثانياً

خالتها انتفضت بجزع وهي تحتضنها بحنو وتهدئها:

بس يا قلبي.. بس

تراني ماني بمستحملة.. لا تبكين...أخورها الحين معش















*****************************





قبل 17 عاما




يجلس على سريرها منحنيا عليها بجذعه النحيل.. يمسح على رأسها الصغير الذي أرخته على ساقيه الهزيلتين اللتين تصلبتا من الألم لطول ما طواهما تحته

تأخر الوقت.. ونامت الصغيرة.. والألم في ساقيه يتزايد ولكنه يتحامل على نفسه

وهو يحاول احتمال الألم الذي يزيد عن طاقة احتمال طفل في الثانية عشرة بكثير

كان لا يريد سحب قدميه من تحتها خوفا أن تصحو من نومها..

فهي نامت للتو بعد ساعات طويلة من البكاء والسؤال الذي لم يتوقف عن والدتها











تطل عليهما بوجهها المتورم من البكاء وعينيها الذابلتين بعد أن ذهبت آخر المعزيات.. لينقلب إرهاق وجهها الحزين إلى صدمة ألم وهي تقترب من الجسدين الصغيرين:

كساب حبيبي أنت على قعدتك ذي من عقب المغرب؟؟





كساب برجاء طفولي: تكفين خالتي قصري صوتش مابغت تنام.. قطعت قلبي من كثر ماسألت على أمي



عفراء تمد يديها لترفع مزون عن ساقيه.. ويشير كساب الصغير بيديه لا:

تكفين خالتي خليها.. إذا قامت وما لقتني بتبكي





عفراء ترفعها بحنو وتضعها على سريرها وهي تهمس له بحنان موجوع: جعل مزون ما تذوق حزنك ياقلبي

قوم يأمك تعشى وعقبه كلنا بنام عندها..





يحاول كساب الوقوف ليتهاوى ساقطا من ألم ساقيه المتصلبتين.. تنحني عليه عفراء بجزع لتجلس جواره على الأرض وهي تمسك به بحنو: وش فيك ؟؟



يهمس بألم وهو يحاول منع دموعه من الانحدار: أرجيلي توجعني..



حينها لم تستطع عفراء منع نفسها من الانفجار في بكاء جنائزي مكتوم وهي تحتضن كساب بكل قوتها

فكساب بالذات طوال اليومين الماضيين كان هو من يثير أقسى أوجاعها.. بين إدعاء رجولة مبكرة وهو يتلقى مع والده التعازي في وفاة أمه

وبين دور أمومة جديد وزعه بين علي ومزون وخصوصا مع مزون التي بدأ بقضاء أكثر وقته معها حين رأى سؤالها الدائم عن أمها

وهو في كل هذا يستهلك طاقة جسده الصغير.. ويمنع نفسه من الانهيار في حزنه الطفولي اليائس

كانت تعلم أنه أكثرهم حزنا وإن أخفى حزنه ودموعه.. فهو ابن وسمية البكر.. وللبكر دائما قربا خاصا من روح والدته.. وبينما خيط تواصل عصي على التفسير

وهو كان من قضى معها الوقت الأطول.. وهو الأكبر سنا والاكثر استيعابا بين أشقائه.. يعرف معني اليتم وكيف ستكون الحياة مرة قاسية بدونها.. لذا هو من سيحس فعلا بمرارة فقدها وخلاء المكان والروح بعدها













سالت دموعه بصمت في حضن خالته.. وشعرت عفراء أن البلل الذي بدا يغرق صدرها.. كما لو كان يغرق روحها في دوامات عاتية من حزن أسود سرمدي

همست عفراء بحنو ذائب وهي تمسح على خصلات شعره الناعمة: أنا بأشلك حبيبي وأنزلك تحت تتعشا





حينها تصلب جسده وهمس بصوت مبحوح حاول أن يخفي رنة البكاء فيه وهو يصرخ مستنكرا: تشليني؟؟ ليه أنا عويق؟؟

ثم أردف بثبات: دقيقة وأقوم معش.. بس ما أبي عشا

أبي أروح أشوف عليان تعشى وإلا لأ







همست عفراء بحنان: عليان تعشا وراح مع أبيك لغرفته.. وأنت لو ما تعشيت والله لا أزعل عليك

ثم أردفت بحنان أرق وهي تنزل نقابها المرفوع فوق رأسها على وجهها:

أمش أنا وياك نتعشى ونعشي جميلة.. خليتها تحت تبكي عند الخدامة









************************





سويسرا

مدينة جنيف حيث المقر الدائم للأمم المتحدة

توقيت أبكر بساعتين









يصحو من نومه ويتجه للحمام ليغتسل ويتوضأ ليصلي ضحاه

اليوم إجازة لكل منسوبي القنصلية وهو ومن ضمنهم

ينظر في المرآة الطويلة لانعكاس صورته.. لوجهه الطفولي النحيل

لطالما كان في شكله مناقضا لشكل كسّاب

كان أطول من كسّاب وأنحف وأكثر وسامة..ولكن ملامحه فيها طفولة غريبة على عكس ملامح كسّاب المثقلة بالرجولة

يبدو للرائي كما لو كان في السادسة عشرة مع عارضه الخفيف ونظرة البراءة المتلألة في عينيه الواسعتين رغم أنه يعبر أبواب السادسة والعشرين

وعلى طرف الطباع كان دائما أكثر هدوءا واتزانا وعمقا من كسّاب المشتعل الصاخب

كانا على طرفي نقيض شكلا ومضمونا

















حينما أنهى صلاته.. تناول هاتفه ليتصل

حينما وصله الصوت الفخم على الطرف الثاني همس باحترام حماسي:

حيا الله أبو كسّاب

ها.. تجيني وإلا أجيك ذا الصيفية؟!!!











*****************************






مزون تمد يدها لكأس الماء أمامها ترتشف منه وتهمس بشفافية: بس جد خالتي ماشاء الله عليه كسّاب

شاب مثله وشركته مالها ثلاث سنين.. صارت محققة ذا النجاح كله.. وباعتماده على نفسه





حينها ضحكت عفراء ضحكة قصيرة: ليه أنتي صدقتي التمثيلية ذي؟؟



مزون باستغراب: أي تمثيلية؟!!



عفراء بابتسامة: أنه كسّاب حقق ذا النجاح كله بروحه بدون مساعدة



مزون بتساؤل مدهوش: أجل؟؟



عفراء بذات الابتسامة: حبيبتي كسّاب نجح لأنه ولد زايد.. حتى لو كان يوم سوى شركته سواها من ورثه من أمه وماخذ من زايد ريال واحد

فلمعلوماتش ولو ما كنتي تعرفين.. زايد كان يدفع من عنده الفرق عشان الشركات تعطي مشاريعها لشركة كسّاب اللي كانت شركة صغيرة جدا ومهيب معروفة

حتى في المواد الأولية اللي كان يشتريها.. زايد يطلب منهم يعطونها كسّاب بأقل من سعرها وهو يدفع الباقي

لحد ما وقفت شركة كسّاب على أرجيلها خلال فترة قياسية مستحيلة لولد في عمره وشركة في إمكانية شركته اللي كانت بدون امكانيات اساسا









مزون بدهشة عميقة: وأنتي اشدراش؟؟



عفراء هزت كتفيها: لي مصادري.. والمهم إن كسّاب مايدري عن شيء من ذا الكلام

ما نبي نكسر اعتزازه بنفسه وفرحته بنجاح شركته واعتماده على نفسه





مزون بثقة رغم عجزها عن تصديق كل هذا: أكيد خالتي

ثم اردفت بحنان عميق: فديت أبي ياناس.. نعنبو لايمني في حبه

ثم أردفت بحماس: بس والله إن زايد مخ.. شوفي إبي مامعه إلا ثانوية وكسّاب معه ماجستير إدارة أعمال

ومع كذا شوفي أشلون إبي حقق ذا النجاح كله باعتماده على روحه بس.









عفراء تبتسم: إبيش ماشاء الله مخه نظيف.. وعنده حاسة اقتصادية عجيبة

والشيء الثاني ترا إبيش يوم بدا شغله بدا برأس مال مهوب شوي

يعني زايد باع أكثر نصيبه من إبل أبيه اللي كانت كلها من الابل الطيبة وجابت له مبلغ مهوب بسيط أبد







ضحكت مزون: بس عقب سنين رجع واشتراهم..



ضحكت عفراء: البدوي أعز ماعليه حلاله.. غلاها من غلا عياله..

تدرين وسمية الله يرحمها كانت تقول إنه تيك السنين كان مثل اللي مضيع له شيء وفيه حزن لين رجعهم





مزون بحنين وحزن: الله يرحم أمي.. مالحقت أعيش حنانها ..

ثم أردفت بحب غامر وهي تضع رأسها على كتف خالتها: والله يخلي اللي ماخلتني أحس بغياب أمي وكانت هي أمي وأعز..





عفراء بتأثر: أنتو وصات وسمية الغالية لي.. والله لو تبون عيوني ماغلت عليكم..



مزق أجواء حديثهما المنسجم صراخ الخادمة من الأعلى: مـــامـــا مـــامـــا

تعالي شوفي جميلة





عفراء قفزت وهي تتعثر برعبها وجزعها على صغيرتها وهي تركض صاعدة للأعلى ومزون تجاوزتها لتركض أمامها

حين دخلتا وجدتا الخادمة تحاول رفع جميلة عن أرضية الحمام

حينها انخرطت عفراء في بكاء هستيري: شفتي يا مزون شفتي!!

راحت ترجع اللقمتين اللي غصبتها عليهم

شفتي!! شفتي!! تبي تموت ذا البنت!! تبي تموت











مزون همست بتهدئة وثبات وهي تقترب من جميلة: هدي خالتي فديتش.. مافيها إلا العافية وأظني صرتي متعودة على كذا



كانت مزون تحاول التجلد وهي تمسح وجه جميلة وتنظفه ثم تحملها بخفة كما لو كانت تحمل طفلا

فكل ما بقي من عود جميلة الريان هو وزن طفل في السابعة من عمره

حوالي 28 كيلوجراما مازالت في تناقص

كل مابقي من ذلك الجمال الملائكي العذب هو خيال شاحب لمومياء توشك على مغادرة الحياة..

عروق بارزة وعظام ناحلة وجسد خالٍ من كل معالم الحياة











مزون وضعت جميلة على سريرها ثم همست في أذنها: جميلة حرام عليش اللي تسوينه في نفسش وفي أمش



جميلة أدارت جسدها الجاف كغصن ذاوٍ..وهي تهمس بصوتها المختنق الضعيف الذابل:

تكفين مزون اخذي أمي وخلوني في حالي







*************************





الدوحة

منطقة الأبراج بالقرب من الكورنيش

مقر مؤسسة ضخمة من أكبر مؤسسات قطر تضم تحت لوائها عدة شركات وتحتل بمجمل شركاتها برجا ضخما







الطابق الأخير من البرج




مكتبه الضخم البالغ أقصى حدود الفخامة والأناقة

يراجع عدة أوراق أمامه.. بحسه المتيقظ دوما.. لا يمكن أن تفوته صغيرة ولا كبيرة..

ذكاءه الفطري متحفز دوما.. وهاهي شركاته تمر بمرحلتها الذهبية التي صنعها هو أولا وأخيرا

طلته مهيبة رغم أنه للقصر أقرب.. وكأنه بهذا يلغي مقولة عاشت في الأذهان وتجذرت "الطول هيبة"

غزت الشعيرات البيضاء رأسه ولكن عارضيه مازالا يقاومان الغزو الأبيض مع شدة سوادهما

رن هاتفه.. رأى الاسم وابتسم...كم اشتاق لهذا الفتى الغائب!!

مع علي يشعر براحة عميقة..فلهذا الفتى قدرة هائلة على الاحتواء

معه لا يشعر بتحفز كسّاب ولا حزن مزون

بات عاجزا عن تفهم الشابين اللذين يساكنونه...ويشتاق لهذا الساكن بعيدا عن حناياه


يشتاق لعلي الذي كان يفهمه بدون لغة الكلمات الممجوجة

حينما كان أولاده صغارا..كان ارتباط كسّاب ومزون ببعضهما أكبر
بينما علي كان مرتبطا به هو..رغم مشاغل زايد المتعددة كان دائما ملتصقا به
ومع ذلك كان علي بعد كل هذا من أصرَّ على الابتعاد والعمل في وزارة الخارجية

رغم رفض زايد لعمله الذي أجبره على التنقل من بلد إلى بلد منذ التحاقه به منذ أربع سنوات





















"هل أردت أن تهرب من أحضاني يا علي؟!!

أفقد الولدين وفي وقت واحد!!

كسّاب فقدته وهو يسكن معي في بيت واحد..وعلي فقدته بالبعد

وحتى مزون ماعادت مزونا..حزن عميق يغلف نظرة عينيها الغالية

مابهم أولادي؟!!

ما بهم؟!!"













أشجانه طاردته مع اسم علي المضيء على الشاشة

فتح الاتصال وهمس بصوته الثقيل العميق الموغل في الفخامة.. صوت من اعتاد أن يأمر فيُطاع:

هلا والله إني صادق!!







صوته المرح العميق: حيا الله أبو كسّاب.. تجيني ذا الصيفية وإلا أجيك؟!!



ابتسم بذات الفخامة: إلا تجيني أنت و أنت سنافي ونشمي..

ولو أنك تخليني أكلم الوزارة كان ريحتك من ذا الشحططة من ديرة لديرة..وتقعد في الدوحة





يبتسم علي: أنا مرتاح كذا



تنهد زايد في أعماقه بحرارة

لا يريد أن يستجديه.. رغم أنه يتمنى أن يستجديه..ويستجديه ويستجديه

يستنزفه الاشتياق له

فمهما يكن هو أب وهذا صغيره

أتعبه هذا الاشتياق وهذا البعد الذي بات يحيط بروحه إحاطة السوار بالمعصم











همس زايد بهدوء حازم: جعلك مرتاح دوم

ثم أردف: وها متى جاينا إن شاء الله؟!!





علي باحترام ودود: شهر شهرين.. في ذا الحروة



زايد بجزع لم يظهر في صوته الثقيل: ياكبرها عند الله يأبيك..قد لي 3 شهور ما شفتك



علي بمودة: سيّر عليّ جعلني فدا عينك



زايد يتذكر شيئا ثم يهمس بحزم أبوي: أنا الأسبوع الجاي عندي سفرة لفرنسا

تعال لي أنت هناك





علي بحماس: من جدك؟!!

أبشر.. أبشر أنا اللي باستقبلك في المطار.. بتلاقيني بايت في ديغول من قبلها بليلة





زايد بذات الحزم الأبوي: لا لا تعطل شغلك.. تعال لي في الويكند حقك المهم أشوفك..



علي برجاء لطيف: يبه تكفى جيب مزون معك.. هي قالت لي أمس إنها خلصت امتحاناتها خلاص



زايد يبتسم: أنت عارف إن مزون مستحيل تطلع من الدوحة وكسّاب وراها.. تقول أخاف يحتاج شيء



علي بألم لم يظهر في صوته: ويعني لو أحتاج بيطلب منها أو من غيرها؟!!



زايد بذات طريقة الرد ..الألم المختبئ خلف حزم صوته: المهم هي مرتاحة كذا





***************************





بيت زايد آل كسّاب

أروقة الطابق العلوي الشاسعة والممتدة

الساعة الحادية عشرة ليلا








تقف أمام باب غرفته منذ أكثر من عشر دقائق

ليست المرة الأولى التي تدخل غرفته حتى تعاني هذا التردد الذي يقتلها

فهي تدخل غرفته بشكل يومي

فهي لا ترضى أن ترتبن الخادمات ملابسه أو ملابس علي أو والدها.. فهي من اعتادت على فعل هذه المهمة يوميا...ولكنها كانت ترتب في غرفة خاليا من حضوره

مرت أشهر متطاولة لم يتبادلا فيها حوارا بالمعنى المفهوم للحوار

فكيف بهذا الموضوع الذي جاءته به الليلة؟!!













تنهدت بعمق وهي تستجمع كل قواها الخائرة وكل ثقتها التي توشك على الهرب خوفا من سطوة كسّاب

كساب منذ مراهقته المبكرة وهو حاد الطباع وسريع الغضب.. ولكن شتان بين حدة الطباع مع طيبة قلبه البالغة سابقا.. وحدة الطباع مع شخصيته القاسية المتحفزة الجديدة التي برزت في السنوات الأخيرة





طرقت الباب

وصلها صوته الحازم فيه رنة غضب " نعم؟؟"





ابتلعت ريقها وكانت على وشك الهرب من أمام الباب لولا أنها فُجعت بالباب يُفتح وكسّاب يقف أمامها في فرجة الباب المفتوح بكامل اتساعه

لا ينكر أنه تفاجأ أن تكون هي الطارقة

ولكن تفاجئه لم يظهر لصوته الحازم البارد: "نعم؟!!"







مزون تبتلع ريقها: ممكن أتكلم معك شوي؟!!



همس بذات الصوت البارد الحازم: آسف ماعندي وقت



ثم أغلق الباب في وجهها بصوت مسموع..

وقفت مصدومة لثوانٍ.. ولكن صدمتها تبددت قسرا

فليس هذا أسوأ ما قد يفعله تجاهها!!

فطوال السنوات الماضية مارس ضدها صنوفا مختلفة من التجاهل الموجع

وحين يقرر بعد أشهر أن يخترق أسوار التجاهل ليشعرها أنها قد تكون مخلوق مرئي يسكن على مقربة منه

يكون اختراقه للتجاهل أكثر قسوة من تجاهله.. كلمات جارحة قاسية حادة وقصيرة.. لكن أثرها عميق.. متوحش.. وطويل.. طــويـــل !!














تنهدت وهي تقوم بمحاولة جنونية لم تقم بمثلها مطلقا

فالموضوع الذي تريد محادثته فيه لا يحتمل التأجيل





لذا فتحت الباب ودلفت للداخل..ام تجده في الصالة حيث توقعت أن تجده

فتجاوزت صالته لغرفة نومه بخطوات مترددة وجلة وهي تدفع كل القوة في عروقها المتهاوية وجلا

كان يتمدد على سريره ويقرأ كتابا

حين رأها دخلت.. قفز وهو يهتف بغضب حقيقي: أشلون تجرأين وتسوين كذا؟!!









حاولت أن تهمس بهدوء واثق مصطنع: فيه موضوع مهم أبيك فيه



كسّاب بذات الغضب المحرق: صدق مافي وجهش سحا

بس وش نتوقع مع وحدة تدرس مع الرياجيل كتف بكتف؟!!

وبكرة بتروح تهيت من ديرة لديرة..

إذا جا العيب من أهل العيب ما يكون عيب









شهقت بعنف..شعرت أنها عاجزة عن التنفس..

كانت طعنته مؤلمة.. مؤلمة حقا!!

تكاد تقسم أنها شعرت بملمس نصل طعنته وهي تخترق لحمها بقسوة ثم تشعر بدمها يفور ويتدفق لزجا ساخنا ملتهبا

ولكنها لم تعلم أنه بطعنته آلم نفسه قبل أن يؤلمها.. ونصل طعنته انغرس في روحه المثقلة الموجوعة

وكلماته جرحت رجولته قبل أن تمزق بقايا أنوثتها











تنهدت بعمق موجوع..

التحسس من هذا الموضوع بات ترفا ماعاد يليق بها

ولكن ماذا تفعل.. لا تستطيع منع نفسها من الاحساس بكل هذا الألم

ولكن بما أنها الآن تتألم.. ويستحيل أن تتألم أكثر من هذا

فلن تسمح له أن يثينها عما جاءت من أجله

همست بهدوء كانت روحها تتمزق خلف متاريسه: ماني برادة عليك

تدري ليش؟!!

لأني شعرة من شعر وجهك

هيني.. هيني مثل ماتبي.. لأنك بتهين نفسك معي منتدى ليلاس الثقافي



















أصابته في الصميم

الـــصـــمـــيم

هذا وهي لا تريد الرد عليه فكيف لو كانت سترد؟!!







تقلصت قبضته التي كان يكورها ويعتصرها بينما أكملت مزون حديثها وهي تهمس بذات الثقة:

أنا أدري إني ما أهمك في شيء..وأنا ماني بجاية عشان موضوع يخصني

أنا جايه عشان خالتي عفرا..وأدري إن خالتي لها معزة كبيرة عندك







قاطعها كسّاب بحدة: خالتي عفرا طيبة وبخير وتوني مكلمها

ووريني عرض مقفاش الحين





لم تهتم لطرده له وأكملت: وبنتها بعد طيبة وبخير؟!!



بذات النبرة الحادة: والله بنتها اللي جابت ذا كله لنفسها



شهقت مزون: يعني عاجبك حالها؟!!



عاد كسّاب للجلوس على السرير وهو يهمس ببرود: على قولت الشوام.. اللي من إيده الله يزيده



شهقت مزون بعنف أكبر: حرام عليك



حينها التفت لها كسّاب بحدة: واللي تسويه هي في نفسها مهوب حرام

تدرين بنت خالتش هذي لو ماتت بتكون من أهل جهنم والعياذ بالله





انتفضت مزون بجزع كاسح: أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. استغفر ربك.. استغفر ربك



كسّاب يرفع حاجبا وينزل الآخر: بنت خالتش لو ماتت بتكون منتحرة

والمنتحر وش مصيره عند ربه؟!!





مزون بدأ صوتها بالاهتزاز: حرام عليك.. هذي وحدة مريضة



كسّاب بسخرية: مريضة؟؟

هذا والله مرض البطرة!!

جميلة عشان الله رزقها شوي صحة وجمال.. ماقالت الحمدلله على النعمة.. تبطرت

لو عرفت وش معنى إنها تشتهي الأكل ولا تلاقيه؟؟

لو عاشت في فقر وحاجة؟!!

لو حتى بس شافت الأخبار وشافت الناس اللي عايشين في المجاعات كان عرفت قيمة النعمة اللي كانت فيها قبل تضيع من يدها













مزون بصوت مختنق: حرام عليك كسّاب.. مرض فقدان الشهية مرض نفسي في المقام الأول



كسّاب بذات السخرية:نفسي؟!! حلوة ذي!!

وويش كان سبب المرض النفسي على قولتش في البداية؟!!

لإنها كانت تبي تضعف مع أنها ما كانت متينة أساسا..







مزون بارتجاف: لا مهوب كذا ..وهذا مهوب موضوعنا.. أنت ماتبي تساعدها؟!!



كسّاب بثقة حازمة: أنا عشان خالتي عفرا مستعد أسوي أي شيء

لكن جميلة ما تستاهل

وأظني أني أكثر من مرة قلت لخالتي خل نسفرها برا هي اللي عيت

وخالتي ما تبي وسيط بيني وبينها

عشان كذا اقصري الحكي اللي طال أكثر من اللازم.. وهوينا

ماني بطايق شوفتش قدامي













مزون تنهدت بعمق أكبر والكلمات تخرج من بين شفتيها مرتجفة متقطعة خائفة:

كـــسّـــاب

تكفى عشان خالتي اللي غلاها عندنا كلنا مثل غلا أمي

تكفى...تزوج جميلة.. تكفى

همس المشاعر
09-17-2011, 12:31 AM
بين الأمس واليوم / الجزء الثاني





كسّاب بثقة حازمة: أنا عشان خالتي عفرا مستعد أسوي أي شيء
لكن جميلة ما تستاهل
وأظني أني أكثر من مرة قلت لخالتي خل نسفرها برا هي اللي عيت
وخالتي ما تبي وسيط بيني وبينها
عشان كذا اقصري الحكي اللي طال أكثر من اللازم.. وهوينا
ماني بطايق شوفتش قدامي


مزون تنهدت بعمق أكبر والكلمات تخرج من بين شفتيها مرتجفة متقطعة خائفة:
كـــسّـــاب
تكفى عشان خالتي اللي غلاها عندنا كلنا مثل غلا أمي
تكفى...تزوج جميلة.. تكفى


حينها التفت كسّاب لها بحدة.. وهو يقول لها بقسوة من بين أسنانه: نعم؟؟ عيدي ما سمعتش عدل


تراجعت مزون خطوتين وهمست باختناق: تكفى كسّاب.. البنت بتموت
وأنت عارف إن خالتي مستحية وماتبي تثقل على حد عدا أنها مستحرمة سفر جميلة مع حد منكم


كسّاب تنهد بعمق في داخله ثم جلس على سريره وهمس ببرود: أظني الكلام بيننا انتهى
وأتمنى ما تشرفيني بذا الزيارة مرة ثانية


حينها جثت مزون على ركبتيها لتجلس على الأرض جواره وتناولت كفه تقبلها باستجداء محزن مهين
كسّاب انتفض بعنف وهو ينتزع يده بحدة ويقف ليبتعد عنها وذكرى جلسة استجداء مريعة ومؤلمة كان هو بطلها قبل أربع سنوات تعود لذاكرته..
وكأن الذكرى المقيمة في خلايا ذاكرته غادرته أصلا!!
بينما كانت مزون تهمس بوجع حقيقي ورجاء مثقل بالألم: تكفى كسّاب ماعرفنا لنا أم صدق إلا خالتي عفرا
ولو صار لجميلة شيء خالتي بتموت من الحسرة
تزوجها لو تبي تطلقها عقب ما تشافى


كسّاب بذات النبرة الباردة المحايدة: زواج بنية الطلاق أنتي عارفة عدل إنه حرام
والشيء الثاني جميلة طول عمري اعتبرها اختي الصغيرة ومستحيل أفكر فيها زوجة


مزون بوجع: زين والحل؟؟


كسّاب يشعر بصداع فعلي وأعصابه على وشك الانفلات من تزايد الغضب.. الحالة التي لابد أن تصيبه كلما رآى مزون
همس من بين أسنانه: الحل مهوب شغلش.. ويالله.. برا.. اطلعي برا


مزون توجهت للخارج مجبرة.. تجر أذيال خيبتها وحزنها للباب
ولكن قبل أن تخرج رأته يلتقط شيئا من جيب ثوبه المعلق ثم يخرج لشرفة غرفته
عادت وتبعته وقلبها تتصاعد دقاته رعبا من المشهد الذي تتوقع أنها ستراه بعد أن لمحت الشيء الذي أخرجه من جيبه
كانت عاجزة عن مجرد التصديق
أ يعقل؟!!
أ يــــعــــقـــل؟!!!!


حين وصلت للشرفة وقفت أمام بابها ثم شهقت بكل الرعب:
تدخن كسّاب؟؟ تدخن؟؟
من متى؟؟ وإبي يدري عنك؟؟


كسّاب تفاجأ برؤيتها.. لم يكن يريدها أن تراه بهذا المنظر
رغم كل الألم الذي بعثته في حياته.. ورغم كثرة ما تبادلا الجرح
ولكنه يبقى منظرا يكره الرجل الحر أن تراه محارمه
"تلك الرفيعة اللعينة تنثر دخانها وتتمدد بين شفتيه!!"


همس كسّاب بسخرية مرة وهو يلقي السيجارة على بلاط الشرفة ويدهسها بقدمه العارية دون أن يهتم باللهيب المحرق الذي انطفأ في باطن قدمه :
الحين تبين إبي يحاسبني أنا الرجّال على أني أدخن
وهو ما حاسب البنت اللي سوت أكثر من التدخين بواجد..
احنا بيت القيم عنده مقلوبة..
جات على التدخين يعني؟!!


مزون امتلئت عيناها بالدموع: كسّاب حرام عليك اللي تسويه في نفسك
أخرتها تدخين.. وش عندك بعد تبي توجعني فيه؟!!


كسّاب يعطيها ظهره وهو يتسند على طرف حاجز الشرفة ويهمس ببرود قارس:
وهو كل شيء في حياتنا كلنا لازم يتعلق فيش يعني؟؟!!
مزون اطلعي برا.. وحياتي مالش دخل فيها
إذا أنتي سويتي اللي في رأسش..تبيني أنا كسّاب ما أسوي اللي في راسي
أدخن ما أدخن مهوب شغلش
لو حتى شفتيني أحرق روحي بغاز.. مهوب شغلش ولا تدخلين


خرجت وهي لا ترى طريقها من عينيها الغارقتين في طوفان من الدموع..
بينما هو زفر بحرارة لاهبة أحرقت صدره قبل تغادر روحه المثقلة بالغضب
وهو يوجه للحاجز الحجري عدة لكمات فرغ فيها بعضا من غضبه.. ولم يشعر بنفسه إلا مع تصاعد الألم في كفيه
ليتناول علبة السجائر ويقذف بها إلى أبعد مدى عبر الشرفة
ليمنع نفسه من تناول سيجارة أخرى
فهو منذ بدأ التدخين في ذلك التاريخ المشؤوم قبل أربع سنوات
لم يكن يدخن إلا حينما يغضب.. ولا يتجاوز ما يدخنه سيجارة واحدة في اليوم..
شبكة ليلاس الثقافية
وقد تمر أيام كثيرة لا يدخن مطلقا إن لم يعكر مزاجه شيء
كان يستطيع تركها بسهولة.. ولكنه احتفظ بهذه العادة الرديئة حتى يحرق أعصاب والده فقط!!
الذي كلما رأى السجائر معه غضب ليعنفه حينا.. ويعاتبه حينا آخر
ليرد كسّاب عليه ببرود وقح: واحد أخته كابتن طيار.. وش تتوقع منه يسوي؟؟




بعد ذلك بساعة
غرفة مزون


مازالت مستمرة في بكاءها الهستيري
فاليوم كان أكثر من احتمالها بكثير
جميلة أولا ووضعها المتردي
ثم حوار طويل مع كسّاب لأول مرة منذ سنوات
ثم ختامها تدخين كسّاب


أي نهار مريع هذا؟!!
بل أي حياة مريعة هذه؟!!
هاهي أنهت دراسة كرهتها .. وعلى وشك استلام عمل لا تعلم إن كانت ستكرهه أيضا
ولكنها لا تستطيع التراجع
فهي فقدت معنى الفرح في حياتها من أجل أن تحقق حلمها المجنون


ماعاد للتراجع قيمة الآن..
عائلتها تغيرت قبل أربع سنوات.. تغيرت للأبد
كلهم تغيروا.. وكانت هي السبب
عناد كسّاب الموجوع المطعون في رجولته وثورة شبابه المعتزة في مقابل تشبث والدها بقراره الذي كانت هي من دفعته نحوه دفعا
مع رفض علي الذي لم يكن راضيا مطلقا ولكنه آثر التعبير عن رأيه بهدوء
ثم قرر الصمت والرحيل
حان لها أن تحصد الحصاد المر.. بل هي ظلت تتجرع مرارة هذا الحصاد قبل أن ينضج حتى
وهاهو نضج.. نضج تماما.. فلتتذوقه رويدا رويدا
تشعر أن خلاياها تتمزق ألما وتصرخ يأسا
فهي لم يكن لها أي حياة مطلقا بعيدا عن أسرتها.. هم محور تفكيرها وسعادتها الماضية
والآن محور آلمها!!!
فأي ألم هذا؟!! يحز في خلاياها وشرايينها وتلافيف عقلها الموجوع المثقل بالوجع والتفكير والهم الذي أضاف لعمرها سنوات كثيرة!!





***************************





قبل أربع سنوات




طرقات خافتة على باب مكتبه في بيته.. يرفع صوته بحنو وهو يتعرف الطارقة من رقة الطرقات: تعالي يأبيش.. ادخلي


رغم أنه في داخله كان يتمنى ألا يراها الآن، فلديه من الهموم الكثير.. هموم ولدّها خبران قصما ظهره تماما.. خبران كانت هي سببهما!!


تدخل بخطوات مترددة.. قلقة وهي تخفي وجهها المحمر عن مدى نظراته.. نظراته التي كانت على أوراق أمامه: اقعدي.. دقيقة وحدة وأفضي نفسي لش


تجلس على المقعد المقابل وهي تدعك كفيها بتوتر.. وتمسح بشكل متكرر أنفها المتفجر احمرارا


يرفع رأسه وهو يبتسم لتتحول ابتسامته لتجهم قلق وهو يقف ليتوجه ناحيتها ويرفع وجهها
ويهمس بقلق مبطن بالتدليل: وأشفيش يأبيش؟؟ كنتي تبكين.. أفا ياذا العلم.. وش اللي مضايق حبيبة أبيها؟؟


لم يُحمل الأمر أكثر مما يحتمل.. فهي مدللة.. وكثيرا ما تستخدم دموعها للضغط عليه.. فهو يدلل وكساب كان يدلل.. وعلي يدلل.. وخالتها تدلل
فكونها الأصغر التي لم تتمتع بحنان أمها..فجّر حنانهم كلهم عليها


ولكن قلقه كله تفجر حين انفجرت في بكاء هستيري: ما أبي الكلية خلاص.. ما أبيها.. أبي أطلع.. تكفى يبه خلاص


زايد يتنهد بحزم: والسبب؟؟


مزون بين عويلها: ما تشوف كسّاب أشلون تغير.. وأشلون يعاملني.. البيت ما يجيه إلا أخر الليل.. ولو شافني يصد ويقلب وجهه كنه شايف زبالة
تكفى يبه.. خلاص ما أبيها..


زايد يتركها ويعود لمكتبه ليجلس ويقول بكل حزم: ماعاد هو بعلى كيفش
تحملي نتيجة قراراتش..
قبل شهر يوم جيتيني.. وقلتي لي أبي طيران... قلت لش هذا تخصص ما يدخلونه بنات الحمايل ولا ينفع لش..
حاولت أقنعش بأي تخصص ثاني بس أنتي ما رضيتي
كسّاب عصب وكسّر الدنيا.. وحتى علي بين لش إنه رافض نهائيا تدخلين ذا التخصص
ومع كذا أصريتي.. وقعدتي تبكين عندي.. أنت وعدتني أنت وعدتني..
خليتي وعدي لش سيف على رقبتي
زعلت خلق الله عشانش
خليتيني قطيت وجهي عند الوزراء والشيوخ عشان أدخلش الكلية بشروطش
وكل واحد منهم أكلمه يقول لي: يازايد من جدك تبي تدخل بنتك طيران
لكني بديت رغبتش على كل شيء.. حتى على قناعاتي أنا


ثم انفجر زايد وهو يقف بعنف و براكينه المكتومة منذ أكثر من شهر تثور وتثور:
أثرش شايفة السالفة لعبة من ألعابش.. تلعبين فيها شوي وتقطينها
تبين تراجعين الحين عشان كسّاب.. وينش منه وهو مرة يترجاش ومرة يعصب عليش مرة؟!! .. ماكسر خاطرش؟!!.. هان عليش تسوين فيه كذا؟؟..


وإلا يمكن قلتي لنفسش أنا دلوعتهم.. يوم ويومين وينسون
كنش ما تعرفين كسّاب وعناده يعني...
كسّاب لو مابعد دريتي سجل في جامعة في أمريكا خلاص.. وبيروح عقب شهر بالكثير
وعلي طلب نقله لمكاتب التمثيل الدبلوماسي الخارجي


خلاص يامزون اللي انكسر ما يتصلح...وطريقش بتكملينه لين آخره.. برضاش، غصبا عنش بتكملينه..
أنا ما خسرت ذا كله عشان لحظة طيش منش وعناد... مثل ما أتخذتي ذا القرار وأنتي تقولين مقتنعة... تحملي نتيجة اقتناعش..
ويا ويلش لو ما نجحتي وتفوقتي بعد.. والله لا تشوفين شيء عمرش ماشفتيه
وإن قد تشوفين وجه زايد الثاني اللي مابعد شفتيه



زايد أنهي سيل كلماته المتفجر.. وخرج..
كان يريد الاختلاء بنفسه.. لأول مرة ينفجر في صغيرته هكذا.. ولكنه وصل منتهاه.. بل أقصى منتهاه
أ هكذا تفعل به.. وبإبنائه.. ثم تقول تراجعت.. لا أريد..


" ماعاد الأمر بيدك يا مزون.. ماعاد بيدك
فكل شيء خرج عن السيطرة من أجل تحقيق رغبتك المجنونة
حققيها إذن!!
حققيها..
تذوقي ما كسرنا بقلوب أخوتكِ من أجله
اجعلي تضحيتي بهم من أجلك تستحق"



انهارت مزون في بكاء أعمق وكلمات والدها تنزل فوق رأسها كالصواعق...
كيف تعيش من غيرهم.. كيف يرحلون ويتركونها.. كيف؟؟!!
كيف تصمد من دون فوضاهم المرحة المليئة بالحياة حولها؟!!
كيف تعيش دون عبق رجولتهم الحانية يحتويها؟!
كيف ستعيش في هذا القصر الضخم مع الأطلال والخيالات الموحشة؟!!
أ تهجر البيت لتسكن مع خالتها؟! وزايد ؟؟ زايد الذي ضحى بكل شيء من أجلها.. لمن تتركه؟؟ لمن؟؟
ستبقى من أجله.. ليتجرعا الحزن والوحدة سويا!!



كان هذا قبل أربع سنوات..
وكم تغيرت خلال هذه السنوات الأربع
من فتاة عنيدة مدللة خالية من الهم.. لأنثى مكسورة على كتفيها أطنان من الهموم..
قبل ذلك لم تكن حتى تلحظ تواضع جمالها.. كانت ترى نفسها جميلة
فروحها محاطة بالاحتواء والود وكل ذلك كان ينعكس على نفسيتها وصفاء روحها
ولكنها الآن أصبحت ترى نفسها خالية من أي حسن.. وكأن تمّزق روحها ويأس مشاعرها انعكس على صفحة وجهها البائس..
وكانت كلما ازدادت حزنا.. كلما ازدادت في دراستها تفوقا..
مثل بعض ممن يعانون من السمنة.. كلما إزداد تاثره من سمنته.. كلما ازداد أكله وكانه بذلك يعاقب نفسه..
وهي كانت تعاقب نفسها...
كانت تدرس وهي تكره الكتب.. وتود لو تمزقها بأسنانها
كانت تتدرب على قمرة القيادة وهي تود لو تحطم كل هذه الأزرار والأضاءات وتنتزع كل هذه الأسلاك
كانت تؤدي الامتحانات كأفضل ما يكون وهي تشعر أنها على وشك التقيء على ورقة الامتحان


" أ لم أضحي بالجميع من أجل هذه الدراسة التي أصبحت تثير غثياني؟!!
إذن لأزدد غثيانا..
لأزدد غثيانا!!"





************************






اليوم التالي يوم أحد
بيت آخر في الدوحة
العصر



في صالة البيت السفلية تجلس بعد أن صلت العصر قبل أكثر من نصف ساعة وأمامها قهوة وفوالة العصر المعتادة
تحكم لف جلالها حول وجهها.. فهي وإن كانت لا تلبس برقعها في بيتها حين لا يكون عندها زائرات
فإنها اعتادت ألا تكشف شعرها مطلقا ودائما جلالها ملفوف حول رأسها بإحكام
رغم أنها وهي في الخامسة والأربعين مازال شعرها جميلا بلونه الكستنائي الذي ناسب الحناء التي لا تستغني عن وضعها
ولم يكن شعرها هو الشيء الوحيد الذي مازال جميلا.. فهي بمجمل تفاصيلها مازالت رائعة الجمال
ولكن لم يعد لملامحها ذات التحدي الموجع الذي كان يلسع القلوب ، فالأمومة ومرور السنوات أكسبا ملامحها رقة دافئة
وإن كانت روح التحدي مازالت تقبع داخل تلك المهرة التي ما أخضعها رجل يوما حتى مع زواجها مرتين..
ولكن روح التحدي الشرسة الوثابة أورثتها مضاعفة أضعافا كثيرة لسواها!!!!!



"يمه.. يمه.. شفتي جوالي؟!!"


همست بهدوء وهي ترفع عينيها للشابة التي تنزل الدرج في غلالة جلابية من حرير سماوي:
زين قولي السلام عليكم أول.. داخلة على مسلمين مهوب يهود


ابتسمت الشابة وهي تصل وتطبع قبلتها على رأس والدتها وتهمس من قرب بصوتها الحريري ببحته المستحيلة: السلام على أحلى مزنة في تاريخ البشرية


كان صوتها خليطا مستحيلا من برودة الفولاذ وقسوته.. ونعومة الحرير وانسيابيته..
صوت تعجز عن تصنيفه.. هل هو أشبه بتغريد العصافير؟!! أم بطبول الحرب؟!!
ولكن المؤكد أن تأثيره هو خليط منهما.. سكون العصافير وتدمير الحروب
حين تتكلم العيون والآذان تتجه فورا لهمسها وكأن به سحرا يجبر الآذان على البحث عنه للاستزادة منه.. أو الهرب منه!!


همست مزنة بذات الهدوء: جوالش أنا خذته أكلم فيه امهاب.. عشان شحني فضا وحطيت تلفوني على الشاحن


الشابة بعذوبة صوتها المستحيل: الجوال وراعيته فدوتن لعيون أم امهاب


ابتسمت مزنة : ماذا بعندش وأنتي نازلة تصايحين كنش مفلوجة


الشابة بابتسامة: خلاص عديها يا مزنة
ثم أردفت وهي تتلفت: وين جدي.. مابعد جابه سليم من المسجد؟!!


مزنة بحزم هادئ: جاء قبل شوي ودخل ينسدح
الحين اقعدي خل أتكلم معش وعقب روحي جيبيه من غرفته


الشابة تعقد حاجبيها مستفسرة: عسى ماشر؟؟


مزنة بذات الحزم الهادئ: الناس اللي يتنون ردنا.. وش أقول لهم؟؟


الشابة برنة سخرية: ليه أنتي مابعد رديتي عليهم؟!!


مزنة بنبرة بها بعض غضب: ليه أنتي رديتي علي عشان أرد عليهم


تقف وتهز كتفيها باستهزاء: طبعا مرفوض.. وخلني أروح أجيب جدي أحسن من ذا السيرة


حينها وقفت مزنة وأمسكت عضد ابنتها بقوة وهمست بغضب حازم:
اقعدي لين أكمل كلامي ياقليلة الحيا..
بتروحين وأنا عادني أحكي يا للي ما تستحين؟!!


حينها التفتت الشابة لوالداتها بحدة ولهيب آسر يشتعل في موج العينين الأسطوريتين..
الليل الموغل في السواد والسحر والتعذيب.. الذي تقف أهدابها حوله كرماح متراصّة من سواد صقيل :
أنا يمه اللي ما أستحي؟!!


تنهدت مزنة وهي تحاول السيطرة على غضبها فهي تعرف أن ابنتها تشبهها
ولو غضبت فيستحيل أن تكمل معها الحديث الذي لابد من انهاءه
وبما أنها الأم ومن يجب أن يمسك بزمام الأمور خففت حدة صوتها وهي تدفع في صوتها بعض الحنان المدروس:
يأمش ما يصير يشب شبيبش كل ما جبنا ذا الطاري
اقعدي يأمش.. اقعدي الله يهداش


تنهدت الشابة وهي تعاود الجلوس رغم أنها لا تريد الجلوس إطلاقا:
يايمه قلت لش من أول يوم ما أبيه


تنهدت مزنة: وأنا قلت لش فكري


أجابت بنفاذ صبر: وأنا قلت لش ما أبي أفكر.. وحسبت الموضوع انتهى خلاص


مزنة تعاود التنهد للمرة الالف حتى لا يتفجر غضبها الذي تحاول كتمه:
أنتي يا بنتي ماعادش بصغيرة قدش بتكملين 26 سنة
احمدي ربش عاده يجيش خطّاب..


حينها رفعت الشابة حاجبا وأنزلت الآخر وهي تهمس بغرور حقيقي غير مصطنع إطلاقا:
هم اللي يحمدون ربهم إنه كان لهم شرف المحاولة
يمه.. من هي مثلي المفروض تاخذ ملك.. مهوب ذا البزارين التافهين اللي الواحد منهم مايستاهل ظفر رجلي


والدتها بغيظ: تراش مسختيها.. إذا على شوي الزين اللي عندش.. ترا المزايين واجد..


الشابة بسخرية: شوي الزين؟!!!
ثم أردفت بثقة: يمه حلفتش بالله قد شفتي من هي أحلى مني في الحقيقة وإلا حتى في التلفزيون
يمه ذا الزين كله حرام يضيع على واحد تافه إمعه
أكيد الله سبحانه ماعطاني ذا الزين وذا الذكاء كله عبث.. أكيد له حكمة


تنهدت مزنة للمرة المليون: يأمش الزين من زانت أفعاله
والرجّال اللي جايش رجّال فيه خير.. نقيب في الجيش ومن ناس معروفين وعندهم خير
ومهوب صغير في السن.. عدا الثلاثين


الشابة بذات السخرية: يعني آخرته طار وإلا وقع جندي..
وخير ياطير 30 سنة؟!!.. بزر بعد
ويوم إنه عاجبش كذا.. عطيه بنتش اللي ما منها فود


مزنة بغضب: عيب عليش ذا الكلام
وضحى مهيب بايرة..تقطين عليها اللي ماتبينهم.. بيجيها نصيبها..لكن أنتي الكبيرة
وأم الرجّال جايتش أنتي على الوصف.. جعل أمحق وصف وزين ماعينا من وراه إلا يباس رأسش


الشابة وقفت وهي تتنهد لتنهي الموضوع: يمه فديتش خلاص جعلني الأولة..
تأخرت على جدي


ثم تركت والدتها غارقة في غضبها وابتعدت لناحية أخرى من البيت حتى وصلت لغرفة لها بابان
باب لداخل البيت وباب يفتح على حوش المنزل من ناحية مجلس الرجال
حركت مزلاجا يقفل الباب من ناحيتهم وفتحت الباب فتحة صغيرة جدا وهتفت بأمر حازم: سليم اطلع روح المجلس
بقيت واقفة خارج الباب حتى سمعت صوت الباب الآخر يقفل
حينها دخلت وأغلقت الباب المتوجه للخارج
ثم توجهت لسرير جدها النائم
جلست بجواره وهي تنظر لوجهه الأسمر المتغضن بحنان بالغ
جدها هو الوحيد الذي يذيب خلايا قلبها.. معه تتحلل من عنادها وتسلطها وغرورها
مدت يدها تمسح على جبينه المحفور بتجاعيد غائرة
تتمنى لو أستطاعت أن تمسح هذه التجاعيد علها حين تمسحها تطيل في عمره
فأكثر ما تخشاه في هذه الحياة أن تكون حياة خالية من وجود هذا الشيخ


" ريحة يدش المعطرة ما تخفاني"
همسه الموغل في الشيخوخة وصل طيات روحها قبل أن يصل أذنيها


ابتسمت بحنان ومرح: ماشاء الله عليك يبه.. عديت التسعين.. وعادك تشم كذا


ابتسم وهو يفتح عينيه الغائرتين في تجاويفهما ليكشف عن فم شبه خال من الأسنان: ول عليش.. كلمة نضول


انحنت لتقبل يده الممددة على صدره وتهمس من قرب: جعل عمرك طويل.. وجعلني ما أذوق حزنك


مد يده لتساعده على الجلوس وهو يهمس بما يشبه اليقين: اللي بتذوقينه يأبيش


انتفضت بجزع حقيقي وهي تمد يدها لتعدل من جلوسه وتحتضن كتفيه ثم تقبل عضده وتهمس:
تكفى ما تقول كذا.. ما تدري يمكن يكون عمرك أطول من عمري
شبكة ليلاس الثقافية
حينها كان هو من انتفض بجزع بعمق شيخوخته: جعل ربي ما يفجعني في حدن منكم.. مثلي يا أبيش يقول يالله حسن الخاتمة
قد الموت أحسن لي من الحياة..
ماعاد باقن من صفتي حد.. (أي أن أبناء جيلي كلهم ماتوا)


حينها ابتسمت بشفافية: لأنه أنت نادر يبه.. والنادر ما يقارن نفسه بصفته ولا غيرهم


همس بهدوء عميق: ماعلى الموت نادر..


يضايقها هذا الموضوع كثيرا.. تكره مجرد التفكير فيه.. ولكنه بات موضوعه المفضل.. مشغول بالموت وانتظاره بل وتمنيه..
مشتاق للقاء ربه وإنهاء رحلة هذه الحياة التي طالت كثيرا..
ولكنها تريده جوارها.. ولا تعرف للحياة معنى بدونه.. هو الأحب إلى قلبها
تحبه أكثر حتى من والدتها وأشقائها.. بل حبها له لا حدود له.. تفضله على كل شيء في العالم
ومستعدة للتضحية بكل شيء وأي شيء من أجله وحده


همست بشبح ابتسامة: أفا ياجابر تبي تروح ما زوجتني..لازم تزوجني أول..


همس بضعف باسم: والله يأبيش مابقى من هل ذا المقطر حد ماخطبش.. صبيهم وشيبتهم.. صاحيهم وخبلهم .. (المقطر: كلمة تستخدم لحي متجاور من الخيام)


ابتسمت بعذوبة لتكشف الشفتان المتوردتان المثيرتان عن صف أسنان استثنائي في صفائه وصفوفه: شأسوي يبه لحد الحين ماجاء الرجّال اللي في بالي


ابتسم الجد جابر ثم قال بجدية: أنتي يأبيش ما تأخذين رجّال.. تأخذين خروف


قطبت حاجبيها بغضب عاتب: هذا قدري عندك يبه؟!!.. تزوجني خروف؟!!


عاود الابتسام: يأبيش أنتي أصلا رجّال.. واللي مثلش مايقدر يعيش معها إلا خروف تعقد حبلها في رقبته وتقوده..


هذه المرة قطبت حاجبيها بحزن.. لو كان من قال لها هذا الكلام أحد سواه لم تكن لتقبل حتى حرفا واحدا.. وكانت أشعلتها حربا شعواء:
كذا يبه.. هذا وأنت الغالي عندي!!!


لم يعلق على كلامها.. بل واصل كلامه بنبرة منطقية: تدرين يأبيش.. أنتي كنش أمش..
من غير حقران في أبيش ولا في أب امهاب الله يرحمهم اثنينتهم.. لكن أمش كانت أرجل منهم.. والثنين كانت مزنة شايخة عليهم
والواحد منهم مايقدر يخطي لها كلمة.. ولولا أنهم كذا أو ماكانوا صبروا عليها.. وأنتي مثلها .. اللي بتأخذينه إذا ماشختي عليه.. منتو بعايشين سوا


قطبت جبينها: مابي واحد أشيخ عليه.. أبي لي رجّال صدق.. رجّال يهز المجالس
وأمي لو كان لقت رجّال مثله ماكان عيّت منه..الله يرحم أبي وعمي أبو امهاب


تناول غترته من جواره بيد مرتعشة ليضعها على رأسه ويلفها حول وجهه ويهمس بهدوء:
أمش جاها الرجال اللي يهز المجالس بدل المرة مرتين وعيت منه.. وأنتي كنش إياها
والرجّال اللي جايش ذا الحين مافيه قصور..


همست بغضب: يبه لا تقارنني كل شوي بأمي.. والرجّال اللي جايني ما أبيه.. مايملأ عيني..


مد يده يبحث عن عصاه ليتوكأ عليها وهمس بذات الهدوء العميق: وش اللي يملأ عينش يا بنت مزنة؟؟


همست وهي تمد يدها لتسنده وتقوده لصالة البيت ليتناول قهوته مع والدتها.. همست بما يشبه الحلم: أبي رجّال صدق.. رجّال بمعنى الكلمة
ولو مالقيته الأحسن أقعد في بيت هلي




*******************************




جامعة قطر
بوابة كلية العلوم بنات
الساعة الرابعة عصرا



شابتان متسربلتان بالسواد تقفان قريبا من الباب من الداخل
صبا المشاعر.. وحزن في القلب.. كلاهما تطوي حزنا ما في قلبها الغض!!
حزن لم تكن هي سببه.. ولكنها نشأت فيه!!
تحاول أن تنحيه في نقطة عميقة من أعمق خفاياها..تنساه أو تتناساه!!
ولكنه لا يلبث أن يطل برأسه القميء!!



تهمس أحداهما للأخرى: وضوّح من اللي بيجي يأخذش.. لو السواق بأروح معش


تهمس وضحى بهدوء عذب: مالش لوا اشعيّع.. بيجيني تميم..


تبتسم شُعاع بخبث مرح: أحسن بأروح معش.. ماتقولين إن تميم يدور عروس.. هذا أنا موجودة.. خسارة يروح عليّ ذا المزيون


نظرت وضحى لشعاع بشكل مباشر وهمست بنبرة عتب مقصودة: وأنتي جد بتوافقين على تميم؟؟


حينها ابتلعت شعاع ريقها بحرج: تميم من غير قصور فيه.. بس أنتي عارفة إني أمزح..


هزت وضحى كتفيها بألم: رجاءً شعاع.. تميم مهوب موضوع تمزحين فيه


شعاع بحرج حقيقي: خلاص وضحى.. أنتي عارفة إنه تميم ولد خالي.. ومثل إخي وأنا ما أقصد شيء


وضحى وهي تنظر لشيء غير مرئي: أو حتى تقصدين.. ما أقدر ألومش..


شعاع تحاول تغيير دفة الحديث والتغطية على حرجها: أشرايكم تسيرون علينا الليلة..


وضحى بشبح ابتسامة باهتة: ماله داعي.. أنتي عارفة إنه أختي وأختش ما يتواطنون.. والقعدة تصير مملة وأختش تحاول تستفز أختي


شعاع بعتب: وأنتي ليش تحطينها برأس جوزا.. كأن أختش هي اللي ملاك ماتسوي شيء


وضحى بذات الابتسامة الباهتة: صحيح أختي عيوبها واجد.. وأنا ما أدافع عنها
لكن إذا جينا للحق.. تراها تكبر عقلها واجد على خبال أختش
ترا أختي ما تنغلب في الكلام وسهل عليها تخلي جوزا ماتسوى بيزة.. بس هي تحشم عمتي


شعاع بابتسامة: زين خلينا منهم.. جد وضحى وبدون زعل وبصراحة وبيني وبينش.. أنتي وأختش علاقتكم ببعض طبيعية.. مثل الخوات العاديات؟؟


هزت وضحى كتفيها وهمست بطبيعية: لا..


شعاع باستغراب: لا.. بكل بساطة..؟!!


وضحى تبتسم: ليه أنتي شايفة (كاسرة) أخت عادية.. عشان تكون علاقتي فيها عادية؟؟


شعاع تبتسم: بصراحة كاسرة توصف بأي وصف إلا أنها عادية .. بداية من اسمها لشكلها لشخصيتها
تدرين وأنا صغيرة كنت متوقعة إن كاسرة لما تكبر بتغير اسمها.. استغربت اعتزازها فيه


وضحى بهمس: كاسرة اسمها لابسها تمام.. كاسرة وهي كاسرة.. أمي لما سمتها ذا الاسم كانت قاصدته تبيها تكون كاسرة في زينها وشخصيتها
وياسبحان الله.. صارت اسم على مسمى


شعاع بتساؤل: زين وليش علاقتش فيها غير عادية؟؟


وضحى تتنهد وهي تنظر للبعيد: احساس صعب إنك تكون موجود جنب شخص نوره يخليك غير مرئي.. يخليك مخلوق حقير جنبه..
مهما حاولت تبرز نفسك.. محاولاتك كلها تضيع


شعاع تنتفض بجزع: وضحى أنتي مافيش قصور عشان تقللين من قدر نفسش


وضحى تبتسم الابتسامة الباهتة اياها: زين أنا ماعلي قصور.. وكاسرة شتقولين عليها؟؟


شعاع بصراحة باسمة: كاسرة خليها برا المقارنات عشان ما نتحطم كلنا.. قارني نفسش فيني مثلا وانبسطي


وضحى بشبح ابتسامة لا لون لها : بس المقارنات غصبن عني وعنش تحضر
من وحن صغار والنسوان يقولون قدامي لأمي: أنتي اللي عندش من الزين كله عطيتيه كاسرة وزود.. ووضيحى ماخليتو لها شيء
وحتى بعيد عن الشكل لو عزيت نفسي أنه أساسا مستحيل أي وحدة مهما كانت حلوة إنها تقارن نفسها في كاسرة
كاسرة شخصيتها القوية ألغت وجودي .. أحيان كثيرة أحسهم ينسون أني في البيت في الوقت اللي هي لو غابت خمس دقايق يقلبون البيت عليها



كم هو مر هذا الإحساس الذي تجرعته وضحى منذ طفولتها!!
إحساسها أنها مخلوق زائد العدد في أسرتها.. مخلوق مجرد من الأهمية والمميزات
شبح إنسان يعيش على أطراف حياتهم
ورغم هذا لكنها لم تكن تكره كاسرة مطلقا.. بل كانت مولعة بها في ذاتها
ولكن مرارة الإحساس جاءت لأنها أصبحت تشعر مع مرور السنوات أنها مخلوق هلامي بلا شخصية
وفي الوقت الذي كانت كاسرة تزداد جمالا وتسلطا كانت هي تزداد بهوتا وضعفا
وكأن كاسرة تمتص منها كل شيء.. تقتات منها لتبرز هي..
لذا كانت علاقتهما مرتبكة غريبة ملتبسة.. بالتأكيد الحب موجود بينهما لأن هذه هي الفطرة السوية .. ولكن للحب ألوان عجيبة مجهولة وعصية على الفهم والتفسير
فكاسرة لا تفتأ تستهين بها وهي تتقبل الاستهانة بصمت.. لأنها تشعر أنها ليست
ندا لكاسرة ولا بأي شكل من الأشكال
تشعر أنها جوارها غير مرئية..
"فمن سيرى حصاة معتمة بجوار شمس شديدة الإشراق؟!!!"
رغم أنها هذا غير صحيح.. غير صحيح!!
فوضحى لها شخصية مثيرة لها اعتباريتها الكبيرة داخل أسرتها
ولكن هي لا تشعر بذلك.. ووجود كاسرة جوارها يشعرها بالضآلة!!





**************************





مزنة تتحادث في الهاتف وحرجها يتصاعد من الطرف الثاني
بينما كاسرة تجلس بجوار جدها تسكب له القهوة وإبتسامة مرحة ترتسم بإثارة على شفتيها وهي ترى حرج والدتها من الطرف الآخر.. ومحاولتها لإيجاد أعذار ليست مطلقا الحقيقة


أنهت مزنة اتصالها لتلتفت إلى كاسرة بغضب: عاجبش كذا؟؟ خليتني في نص هدومي من المرة.. فشلتيني فيها وهي تقول ولدي وش عيبه تردونه
وأنا أتحجج لين عجزت.. كله من خبالش


حينها انفجرت كاسرة في ضحكات عذبة: شكلش يمه كان تحفة.. بس احمدي ربش إنها اتصلت قبل تجي.. عشان ما تنحرجين منها فيس تو فيس


مزنة بغيظ: أحر ماعندي أبرد ماعندها... والله إن الرجّال ماعليه كلام.. ضيعتيه من يدش كذا..


كاسرة مازالت تضحك: المركب اللي تودي..


حينها همس الجد بإبتسامة ولّدّها رنين ضحكات كاسرة التي تصب في روحه لتنبئه أن هذا العالم بخير ما دامت تعمره ضحكاتها الغالية:
خليها يامزنة.. بنتي ذي مهرة.. والمهرة ما تغصب


مزنة بغضب: ماحد مقوي رأسها إلا أنت.. كل ماجاها رجّال فيه خير عيت منه بدون سبب


جابر بهدوء عميق: مثل ما قويت رأسش قدامها.. وافقتش يوم عيتي من زايد


حينها ضحكت مزنة: يبه ما سجيت.. ياه يبه ذاك زمان مضى


جابر بذات هدوءه العميق: والله يأبيش كل ما أشوفه إلى ذا الحين.. يطري علي أشلون أسود وجهه يوم رديته.. ما يستاهل أبو كسّاب من يرده..
أنا أشهد إنه قرم.. وإنه واصل.. ما يسج منا ياشيبانه


حينها قاطعت كاسرة الحديث بإعجاب: بس يمه من جدش ومع احترامي لش.. فيه وحدة في كامل قواها العقلية.. تعيي من زايد آل كساب.. هذا مدرسة اقتصادية ذا الحين
عــبــقـــري!!


ابتسمت مزنة بروح خالية.. فما مضى مضى بالنسبة لها: يأمش زايد الله يهداه كان شديد بزيادة..
يوم كانوا جيراننا كان مجنني.. لا تطلعين.. لا تدخلين
وحتى الضرب ضربني.. وأنا إبي اللي هو إبي عمره ما مد يده علي
ثم أردفت بضحكة: لو أنا خذت زايد كان ذبحني .. أو أنا ذبحته


همست كاسرة باستفسار: تعرفين مرته الحين؟؟


مزنة بتأثر: وسمية بنت محمد.. الله يرحمها ماتت شباب.. وخلت عيالها بزارين
ثم أردفت بإعجاب: بس أنا أشهد إن خالتهم عفرا ماقصرت معهم.. حاضتهم كنهم عيالها.. (حاضى=أهتم بـ)
ثم أكملت بتاثر: الله يشافي لها بنيتها.. عين ما ذكرت الله.. شفت بنتها مرة وحدة قبل سنتين في عرس.. وقلت لها: ماتزوجينا ذا المزيونة..
هي ضحكت يا حليلها وقالت: امهاب ما ينرد.. بس بنتي عادها صغيرة..


ثم أردفت كاسرة بخبث: زين وليش ما خطبتي له بنت زايد بنفسها..


ضحكت مزنة: تبين امهاب ينجلط.. من يوم دخلت بنت زايد كلية الطيران.. وهو مولع ومحترق من زايد وبنته..
بس بصراحة إن زايد استخف على ذا الخبال.. يفضح روحه كذا..


كاسرة بإعجاب عميق: إلا رجّال بمعنى الكلمة.. اللي هو مقتنع فيه يسويه وما عليه من حد..
خلها تدخل كلية الطيران.. وتحرق أعصاب ولدش إللي يحسب إن مافيه طيارين غيره...





*****************************




إنه مساء الدوحة...نقرات ناعمة خافتة على الباب.. ثم تنهدت وضحى بألم وهي تتذكر وتضغط زرا بجوار الباب..
حينها فتح الباب لها شاب طويل قوي البنية وعلى وجهه الوسيم ترتسم ابتسامة دافئة حنونة وأشار لها أن تدخل بعلامة ترحيبية
فهذا الزر عند بابه يشيع ضوءا في غرفته ليعلمه أن هناك من يطرق بابه
أشارت له وهي تبتسم: ليش ماتعشيت؟؟


ابتسم وهو يشير لجسده القوي: لازمني حمية شوي.. زايد وزني


حينها ضحكت وهي تشير وتهمس بصوت مسموع: إذا أنت زايد وزنك ..وش نقول على امهاب؟؟


حينها قاطعهما صوت قوي ومرح يدلف مع الباب المفتوح: سامع اسمي الله لا يبيح منكم


حينها دخل ليغمر المكان بإشعاع حضوره المختلف
كان أطول من تميم وأعرض ورغم أنه لم يكن وسيما بالمعنى المتعارف عليه
ولكن له حضورا استثنائيا يوحي بالرهبة والحنان في ذات الوقت ..
هاهو أصبح في الثلاثين: مسؤولياته تشغله عن كل شيء.. مسافر دائما
ولكن أسرته ترتحل معه وفي ذاكرته منذ أن تحمل مسؤوليتها بعد وفاة زوج أمه قبل أكثر من خمسة عشر عاما
وكانت حينها وضحى في عمر السابعة وتميم في التاسعة وكاسرة في الحادية عشرة


ابتسمت وضحى: ماقلنا شيء غلط نقول تبي لك شوي ريجيم..
همست بالجملة وهي تشير بها في ذات الوقت
هكذا اعتادت أن تتكلم في وجود تميم حتى لو لم تكن توجه الحديث له
كانت تهتم كثيرا لإشراكه معهم.. لذا كانت من أصرت منذ بلغت الرابعة عشرة على تعلم لغة الإشارة على أصولها
قد يكون جميع أهل البيت لديهم القدرة على التفاهم الجيد مع تميم.. لكن هي لديها قدرة على التحادث معه مطولا بلغته الخاصة
فهي كانت من لاحظت أن تميما بدأ بالتباعد في عوالمه الخاصة لأنه لا يجد من يتحدث معه بعيدا عن المدرسة
حينها أحبت أن تصنع شيئا لا تستطيع كاسرة التغلب عليها فيه وفي ذات الوقت تحتفظ بقرب تميم منها
لذا تعلمت لغة الإشارة على يد معلمة خاصة وتعبت كثيرا وهي تتعلمها لتتفاهم مع تميم
رغم أن تميما رفض بداية أن تتعلم هذه اللغة من أجله..
ولكنه فيما بعد قدّر كثيرا جميلها هذه وهو يجد من يستطيع أن يتحاور معه بطلاقة..
وبدأت وضحى تفكر جديا حين تنهي دراستها أن تعمل في مجال تعليم الصم والبكم..


"وضحى وتميم عالمان زاخران مثقلان بالعمق والغموض.. "



تميم العالم المجهول المغلق على أفكاره.. أنهى الثانوية في مدرسة التربية السمعية بمجموع كبير ولكنه لم يستطع دخول الجامعة
لأنه لا توجد هنا جامعة لمن هم في مثل حالته..
شكّل هذا الأمر له احباطا كبيرا وحزنا أكبر..
أن تعلم أنك قد تكون أفضل من مئات ممن دخلوا الجامعات
ولكن لأنهم يمتلكون حاسة لا تمتلكها تكون فرصهم في الحياة والدراسة أفضل
ولكن هذا الاحباط لم يوقفه..فبعد عدة أشهر بدأ تميم يعلم نفسه ذاتيا على تفكيك أجهزة الحاسوب مستعينا ببرامج للتعليم الذاتي على الانترنت


هذا العالم جذبه وسحره.. مع هذه الحواسيب والبرمجيات لم يكن يحتاج للحديث أو لمن يسمعه
تكفيه هذه العلاقة التي صنعها بأنامله الذهبية.. علاقة حساسة ثرية ومفعمة بالتفاهم والود
وكأن هذه الأجهزة تستجيب لرقة أنامله.. لتفكك ماهو عصي منها وتصلح ما استعصى على الإصلاح


وقبل عامين أنشأ محله الخاص.. وأصبحت له سمعته الرائعة في السوق
ولأن هذا العصر هو عصر الحواسيب بالفعل.. فعمله كان مزدهرا حقا
ومدخوله الشهري يتجاوز راتب وزيرين معا


ولكن...
هذه الروح الوثابة المسجونة بين أضلاع صدره كانت تتوق للانعتاق
يشعر أن علاقته بالحواسيب باتت أقوى من علاقته بالبشر
فهذه الآلات صامتة وحساسة.. مثله تماما
ولكنه يتوق لروح إنسانية تحاوره وتتمازج معه.. تعايش معه همومه وأفكاره وآماله وطموحاته


لـــــذا
قرر أن يتزوج رغم صِغر سنه!!


ليصتدم بمشكلة أخرى:
"والـــدته!!"


فهو يريد أن يتزوج من فتاة تكون بنفس حالته
يريد شريكة يتفاهم معها بلغته التي يستطيع التعبير بها
يريدها أن تكون لغتها أيضا حتى يكون تعبيرهما على ذات المستوى من العمق والإحساس
لم يرد للمرأة التي تشاركه الحياة أن تشعره بالنقص وأنها تتفوق عليه
وأنها حين تحادثه بالإشارة فهي تتنازل من عليائها لكي تصل لمستوى فكره
كانت هذه الفكرة تؤذيه وتؤذي كرامته واعتزازه بذكائه وقدراته
ولكن مزنة كانت ترفض فكرة بشكل قاطع أن يتزوج من بكماء صماء مثله!!
فهي تفكر بالمرحلة الأبعد:
"أحفادها!!"


الأطفال حين ينشأون يتعلمون من أبويهم
وتميم وزوجته المفترضة قد تحكم ظروفهما مستقبلا أن يعيشا في بيت مستقل
فلو بكى الطفل من الذي سيسمعه
ثم حين ينشأ.. كيف سيتعلم اللغة ؟؟ من أبوين أبكمين؟!!
عدا أنها تخشى أن يكون للوراثة دورا فيؤدي ذلك إلى أطفال يعانون ذات الإعاقة
وكانت تعلم يقينا أن ابنها مع إعاقته سيجد من هي صحيحة الحواس لتوافق عليه
فهو شاب بكامل فتوته وصحته ووسامته ومقتدر جدا.. وتعلم أن نقطة الاقتدار وحدها تشكل إغراء يحسن فرصه في الزواج
فلماذا يتزوج من بكماء صماء؟!!!




***********************





بيت آخر في الدوحة
بيت فاضل بن عبدالرحمن زوج أم عبدالرحمن عمة أبناء مزنة
الطابق العلوي
غرفة شُعاع




وجه ودود حنون يطل مع الباب: بنات تبون شيء قدام أرقد؟؟


الصوتان معا: لا يمه فديتش..
ثم أردفت شعاع باحترام: حن أصلا يمه بعد شوي بنصلي قيامنا وبنام بعد


ثم أردفت الأخرى بمرح: شفتي يمه الطردة المحترمة.. تبي تعلمني إني طولت السهرة عندها وأقوم أفارق أحسن


ابتسمت أم عبدالرحمن: روحي لولدش يأمش لا يتوعا ويتروع وهو بروحه


رفعت جوزاء جهازا في يدها أشبه بشاشة صغيرة وهمست برقة: الجهاز شغال عنده يمه


حينها ضحكت شعاع: شيبه عمره ثلاث سنين وعادش حاطه جهاز البزارين عنده..
يا بنت الحلال غرفتش جنب غرفتي.. خلي الباب مفتوح وبنسمع صوته


جوزاء باستنكار: يا سلام عليش عقب ما يقوم ويتروع بروحه.. لا أنا أحب أكون عنده أول ما يقوم


شعاع بحنان: فديت روحه.. الدلوع حبيب خالته


جوزاء همست بحنان مصفى: الله يخليه لي.. ماطلعت من الدنيا إلا بذا الولد


شعاع باستفسار مُلح: جوزا أنتي توش صغيرة.. حرام عمرش 25 سنة بس..
بتقعدين على ذا الولد بس؟؟.. منتي بمتزوجه؟؟.. المرحوم له أكثر من ثلاث سنين من يوم توفى


جوزاء باستنكار: لا إن شاء الله.. تبين عمام ولدي وجده يلاقون سبب يأخذونه مني..


شعاع بمنطقية مستنكرة: لا تصيرين غبية.. أنتي عارفة إنه الولد في حضانتش.. وحتى لو تزوجتي.. وأعمامه وجده رفضوا حضانتش له.. الحضانة بتكون لأمي مهوب لهم..
ثم غمزت بعينها: وإلا تزوجي عم ولدش اللي خطبش أكثر من مرة.. وحلي المسألة كلها


جوزاء بغضب: تدرين.. أنتي الليلة مستخفة!!
تبين أتزوج رجال متزوج وعنده عيال؟؟!!


شعاع هزت كتفيها: بس أنا سامعة إنه مرته لها شهور زعلانة عند أهلها
لو بترجع كانت رجعت من زمان


جوزاء بنفاذ صبر: تكفين شعاع لا تدخلينا في ذا المواويل
أنا أعرف صالح يحب مرته.. مهوب بس يحبها إلا يموت فيها
وش صاير بينهم ما أدري.. بس أكيد بترجع...وأنا خلاص ما أبي أتزوج عقب عبدالله الله يرحمه..
ثم أردفت بوجع عميق كأنها تنتزع ذكرى أليمة من بئر وجع لا تنضب: كفاية اللي صار لي.. والله كفاية!!
وانا خلاص مابي من ذا الدنيا شيء إلا أني أتفرغ لولدي


ثم أردفت لتغيير الموضوع: وينه الدكتور عبدالرحمن.. وش فيه تأخر الليلة؟؟
ماعنده محاضرات بكرة؟؟


شعاع تبتسم: حلوة قلبت الموضوع ذي.. دكتور دحومي عند كابتن امهاب..


جوزاء بسخرية: أخيش هذا ما يمل.. يبي يكون قريب من ريحة حبيبة القلب يعني؟!!


شعاع باستنكار: جوزا عيب عليش ذا الكلام.. أنتي عارفة إنه عبدالرحمن وامهاب ربع من يومهم بزارين
وبعدي كاسرة عن الموضوع.. ترا شكلش يصير سخيف وأنتي يبين عليش غيرانة منها


جوزاء باستنكار مشابه: أنا غيرانة منها؟!!


شعاع بتأكيد مستفز: إيه غيرانة.. وإلا شتسمين الحركات البايخة اللي تسوينها كل ما تشوفينها


جوزاء بغضب: أنا لا غيرانة يا شعاع هانم ولا شيء.. السبب الوحيد إن بنت خالش هذي تستفز الواحد وتطلعه من طوره بغرورها وبرودها


شعاع تتنتهد: زين هي مغرورة وباردة.. أنتي كبري عقلش عليها
الحين الناس صايرين يقولون إنها هي اللي مكبرة رأسها عليش


جوزاء باستنكار أشد: أنا؟؟ أنا؟؟


شعاع بثقة حنونة: إيه أنتي.. أنا أدري إنه أطيب من قلبش مافيه.. بس لو تمسكين ذا اللسان شوي
تكفين خلي كاسرة في حالها.. ومافيه داعي تخلين حزازيات بيننا وبين بيت خالي


جوزاء وقفت وهي تقول بغضب هادر تنقلب فيه من النقيض للنقيض:
إيه.. إيه!!!
أنتي تبين الشيخ امهاب أخ عيال خالش وأخيش يبي الشيخة كاسرة.. وزيتنا في طحينا
وأنا اللي صرت العزول اللي مخرب عليكم الجو ومسوي حزازيات


شعاع وضعت يديها على رأسها استنكارا.. في الوقت الذي خرجت فيه جوزاء تنتفض غضبا وصفقت الباب خلفها بصوت مسموع




*********************






تأخر الوقت لم يتبق جالسا سواهما في مجلس مُهاب..
رفيقا الطفولة والصبا والشباب.. وحتى الغربة لم تستطع مطلقا قطع تواصلهما
حينما سافر عبدالرحمن للدراسة في بريطانيا.. حوّل مُهاب ما أستطاع من جدول رحلاته إلى مطارات لندن بين مطار هيثرو ومطار غاتويك
لذا كان يراه بشكل شبه أسبوعي..فالصلة الروحية بينهما استعصت على كل شيء
حتى حينما أراد عبدالرحمن كاسرة.. كان مُهاب هو أحد الأسباب الجوهرية للخطبة..
عبدالرحمن يعلم أن كاسرة رغم جمالها الموجع هي غير قابلة للاحتواء
ويعلم أنها حين تتزوج ستعاني ليعاني معها مُهاب وربما كل أسرتها
أراد أن يجنبهم جميعا هذا المصير..ولكن كاسرة أمعنت في رفضته ولعدة مرات
لا ينكر أن ذكرى جمالها الفتي المراهق قبل أن تتغطى عنه مازال يسكن ويسكر ذاكرته
ليبعث رعشة عميقة في أوصاله
ولكنها سلطة الجمال فقط!! فلم يكن عبدالرحمن من يشغله مظهر المرأة عن جوهرها
ولكن كاسرة كانت كاسرة بالفعل!!


همس بهدوء حذر: ها امهاب وافقت كاسرة على الخطيب الجديد؟؟


مُهاب يقلب شفتيه: لا.. مثله مثل اللي قبله


عبدالرحمن بذات الهدوء: وبما إنه خلاص الخطيب ورفضته كاسرة.. فهل لو رجعت وتقدمت بعد مرة... بترفضني؟؟


مُهاب بامتعاض: عبدالرحمن وش لك بذا السالفة كلها؟؟ ترا كاسرة هي الخسرانة.. المره اللي ما ترضى فيك، حظها مهوب حولها


عبدالرحمن بهدوء عذب: أبي قربك ياسنايدي


مُهاب بهدوء مدروس: تبي قربي؟؟ أظني عندي أخت غير كاسرة وأحسن منها

همس المشاعر
09-17-2011, 12:33 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الثالث







بعد عدة أيام



جامعة قطر



إحدى قاعات المحاضرات





تدخل وضحى القاعة .. تجلس .. تخلع نقابها وتطويه جوارها لأن محاضرتها هذه عند دكتورة



تجلس بجوارها فتاة منقبة يظهر بياضها الشديد المشرق من خلال فتحات النقاب



ومن خلال أناملها الكريستالية الشفافة التي كانت تحركها برقة مرحة



وهي تهمس بمرح طبيعي ينبع من طبيعتها: وضحى صدق الدكتور عبدالرحمن ولد عمتش؟؟




وضحى بعدم اهتمام وهي تفتح دفتر محاضراتها لتسجل التاريخ: والله يقولون كذا




الفتاة الآخرى بذات المرح: ياثقل الطينة.. ترا التكشير يجيب التجاعيد يالخبلة




وضحى تترك القلم وتلتفت لها لتبتسم باصطناع ضحكة سخيفة: هذا أنا ابتسمت.. قومي فارقي لمحاضرتش يالأذوة.. وش جابش وراي؟؟



أنا أكيد أمي دعت علي عشان كذا تصاحبنا




الفتاة بذات الابتسامة الشاسعة وهي تتجاهل عبارة وضحى: ليش ماقلتي لي إن دكتور عبدالرحمن ولد عمتش؟؟




وضحى بهدوء نافذ مرح: سميروه يالدبة أنتي تعرفين عمتي وعيالها زين مازين.. وتدرين عندي ولد عمة اسمه عبدالرحمن.. وش تبين أقول لش بعد؟؟



هذا وأنتم أصلا كنتم مناسبينهم.. وولد عمش عبدالله الله يرحمه كان رجّال جوزا بنت عمتي




سميرة بابتسامتها المرحة: بس مادريت إنه عبدالرحمن أخ اشعيع هو نفسه الدكتور عبدالرحمن..




وضحى بنفاذ صبر: هذا أنتي دريتي.. قومي فارقي الدكتورة بتجي الحين




سميرة بحالمية مصطنعة: وه فديت قلبه بس.. يهوس يخبل طيّر برج من عقلي وأنا عقلي أصلا كل اللي فيه نص برج



ثم أردفت بمرح: ما تبون عروس له؟؟ تكفين.. إكسبي أجر في وخيتش العانس




وضحى بشبح ابتسامة خبيثة: والله هو يبي كاسرة.. تحبين تنافسينها؟؟




سميرة بضحكة مدوية: كاسرة مرة وحدة.. مهوب هين ذا الدكتور.. لا يأختي.. وين أنافس كاسرة.. زين الواحد يعرف حدوده



ثم أردفت باهتمام وهي تتذكر شيئا: ترا جميلة تعبت زيادة ودخلت المستشفى قبل كم يوم.. أشرايش نروح نزورها؟؟




وضحى بحزن: والله مسكينة جميلة.. وش ذا المرض اللي مص عافيتها.. ياحرام ذاك العود الملفوف والوجه اللي ماينشبع من شوفته..




سميرة بذات الحزن: عين ماذكرت الله.. هاه تروحين معي؟؟.. فيه كم بنت متفقين نروح سوا هنا من الجامعة




وضحى باهتمام: أستأذن أمي أول وأكيد بأروح معكم..



ثم أردفت بخفوت وهي تفتح الدفتر: يالله قومي الدكتورة جات







*************************







إحدى هيئات الدولة



مقر عمل كاسرة التي تُعد أصغر رئيس قسم في الهيئة



وتولت هذا المنصب بطريقة استثنائية تجاوزت فيها عدة ترقيات.. فرئيس القسم ووكيله كلاهما أصيبا في رحلة عمل مشتركة



ليترشح للمنصب عدة موظفين كانت كاسرة أفضلهم.. لتفوز هي بالمنصب..





في أحد مكاتب القسم الذي يتوزع بطريقة خاصة منفصلة ليعطي خصوصية للموظفين من الجنسين..



وخصوصا بعد تولي كاسرة لرئاسة القسم التي اهتمت بهذه الناحية كثيرا




زميلان منكبان على إنهاء بعض المعاملات.. يرفع أحدهما رأسه ويهمس بضيق:



ضيقت علينا ذا الكاسرة الله يضيق عليها.. الواحد مايشم حتى شوي هوا




الآخر بدون أن يرفع رأسه: والله رئيسة القسم ما طلبت منك أكثر من الشغل اللي تاخذ راتبك عليه



إشتغل وأنت ساكت..




الأول بغيظ: صدق حظها يفلق الحجر.. أصغر مني وتصير رئيستي.. كان المفروض إني اللي خذت المنصب




الآخر وهو مازال منخرطا في عمله: والله مؤهلاتها أحسن من مؤهلاتك..وزود على كذا وش قرب وحدة متخرجة بامتياز بخريج مقبول مثلك



السالفة موب صغر وكبر..




الأول بنبرة خبث: بس تدري.. والله الواحد يستغرب وحدة بذا الجمال اللي ما أنخلق مثله.. تكون مفترسة كذا..




الثاني يلقي بالقلم ويهمس باستنكار: استغفر ربك.. استغفر ربك.. وش تبي بالمستورة.. البنت ما يطلع منها حتى ظفر في الاجتماعات..



وعمرها ما خلت حد منا يدخل عليها إلا في وجود سكرتيراتها الثنتين.. فشلون تكلم على شكلها؟؟




الأول يهز كتفيه: والله سمعت.. ماجبت هالكلام من عندي..




الثاني: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. وهل يكب الناس على وجووههم إلا حصائد ألسنتهم.. ليس كل ما يسمع يُقال..




الأول بذات الخبث: يعني أفهم من كذا إنك أنت بعد سمعت.. بس مسوي نفسك ما سمعت



ثم أردف وهو يخفض صوته: يعني عمرك ما حاولت تتخيل هالغولة المرعبة أشلون الجمال يركب عليها




الثاني يقف ليخرج وهو يهمس بغضب: أنت جمعت الشياطين كلهم فوق روسنا.. أعوذ بالله.. أعوذ بالله منك ومن شرك






ذات الوقت.. في مكتب كاسرة..



تحاول ألا يرتفع صوتها المشحون بالغضب: أشلون يمه تخلينها تروح مع بنات من الجامعة.. سايبة يعني وإلا مالها والي



يعني ماكانت تقدر تنتظر للعصر تروح معي أو معش




مزنة بحزم: كاسرة اقصري الحكي.. مري أختش في مستشفى حمد ورجعيها معش للبيت إذا طلعتي من دوامش وبس بدون كثرة حكي.




كاسرة بذات الغضب: ياسلام.. وهذي صارت القضية.. اشلون تخلينها تروح من غير وحدة منا



بس زين دواها عندي




مزنة بحزم شديد: والله لو أدري إنش قلتي لها كلمة.. أنتي اللي دواش عندش



بنتي وترخصت مني.. ورخصت لها..



وش حارق بصلتش أنتي؟؟




كاسرة بغضب متزايد: زين يمه زين.. إذا رجعت البيت تفاهمنا







*****************************






ذات الوقت..كسّاب في مكتبه.. كان مستغرقا في تقليب أوراق أمامه.. دخل السكرتير وهمس بنبرة احترام تقليدية: العم منصور برا..




كسّاب رفع عينيه بغضب: أنت ماتفهم؟؟!!.. كم مرة قايل لك عمي منصور لا جا ما تخليه ينتظر برا.. تدخله على طول




السكرتير بارتباك: والله قلت له.. بس هو أصر أني أقول لك أول




كسّاب بذات الغضب: دخله لا بارك الله فيك




دخل العم منصور



اســـتــثــنــائــي



اســـــتـــــثــــنـــائـــي



استثنائي تماما.. تـــمــاما هذا العم منصور.. وإطلالة العم منصور .. وحضور العم منصور!!



قائد .. قـــائــد فعلا... كما هو عمله.. وكما يوحي بفخامة مظهره الشديد الفخامة.. وانعكاس تأثير مخبره القيادي



رجل اعتاد على القيادة!!!



بل تشرب بها.. لتشع روح القيادة من جنباته !!




وقف كسّاب ووجهه يتهلل وهو يتجه ناحية عمه



بينما همس منصور بصوته الموغل في العمق والفخامة والرجولة: حرام عليك وش سويت في السكرتير.. طالع المسكين يتنافض




كسّاب يبتسم: ألف مرة قايل له أنك لا جيت تدخل على طول




منصور بابتسامة مشابهة: وأنا ألف مرة قلت لك أحب اللي يمشي على غيري يمشي علي




حينها وصل كسّاب لعمه ليسلم عليه.. وينحني منصور من عليائه بطوله الفارع ليسلم على كسّاب



ابتسم كسّاب بمرح غريب عليه.. مرح لا يحضر حتى يرى شخصين منصور أو علي:



تدري ياعمي لولا فرق الـ14 سنة اللي بيننا وإلا والله ماعاد أقوم في وجهك.. تفشلني وأنت تدنق علي..




منصور بمرح شفيف: إذا أنت تقول كذا وفرق الطول بيني وبينك بسيط..أجل زايد المسكين وش يقول؟؟




كسّاب بمرح: شايل حسرته في قلبه.. شكلك ياعمي مصيت عافية جدتي.. عشان كذا ماعاد جابت حد عقبك




منصور يبتسم: ول عليك ياولد.. تنّظل عمك؟؟




كسّاب بذات الابتسامة الدافئة: والله عمي مفشلني بذا الطول..




منصور بفخامة: أفا عليك ياولد.. عمك يعر الرياجيل مهوب في الطول بس (يعر: يهزم ويغلب)




كسّاب بفخامة مشابهة: كفو يابو كسّاب..




منصور يجلس وهو يقول بمرح: ومن اللي قال لك باسمي كسّاب واثق الأخ من إني باسمي عليه؟!!




كسّاب بابتسامة: زين أبو علي؟؟




منصور بهدوء مرح: ولا علي..




كسّاب بتساءل: أجل؟؟




منصور بثبات حميم: زايد..




كسّاب باستغراب مرح: غريبة مهوب عوايد..




منصور يبتسم: صحيح أنا وزايد نتناقر دايم.. بس أنت أكثر واحد تدري إن زايد غلاه عندي غير..



يمكن ما بيننا إلا سبع سنين.. بس زايد اعتبره أبي مهوب أخي الكبير بس..



ماعاش على أمي وأبي غيري أنا وياه




كسّاب يعود للجلوس خلف مكتبه.. ويضغط الجرس للساعي ليحضر لهما قهوة ليقول بعدها بابتسامة: أنت الحين تزوج يالشيبة وعقب سمي الولد اللي تبيه



ثم أردف بخبث مرح: أصلا يمكن لا تزوجت ماعاد تجيب عيال.. شيبت ياعمي!!




منصور يضحك: شابت عظام عدوينك..ثم أردف بابتسامة: عادي.. استفزني مثل ما تبي



ماني بمتهور وقايل لك بأتزوج بكرة وأوريك




كسّاب باهتمام: جد عمي.. ما مليت من الوحدة في بيتك الكبير اللي مافيه إلا أنت والصبيان..




منصور بابتسامة: تعال اسكن عندي وونسني..




كسّاب يبتسم وهو يخفي خلف ابتسامته حزنه المتجذر: لو عليّ.. أنت عارف إنه ودي أسكن عندك من سنين.. خلها على الله



ثم أردف لتغيير الموضوع: لك أكثر من عشر سنين من يوم طلقت مرتك رقم 3.. جرب رقم أربعة يمكن تضبط معك ذا المرة




ضحك منصور: الله يرحمها أمك.. ذكرتني فيها وهي تحن علي أتزوج.. وعقبها خالتي الله يرحمها ياكثر ماحنت



حنت علي خالتي أخر مرة وهي تقول: "الثالثة ثابتة يأمك.. أخر مرة.. "



وماحد طلع عيني مثل الثالثة..




كسّاب يضحك: بعد ياعمي.. مرتك مهيب جندي عندك في الثكنة..



المرة تبي شوي حنية..




منصور ينزل حاجبا ويرفع الآخر: عشتو... شوفو اللي يتكلم عن الحنية بس..



وعلى العموم ياعمك.. خلاص الدور دورك



أنا راحت علي.. مالي خلق على الحريم خلاص..




كسّاب مازال يضحك.. فحضور عمه بعث في روحه سعادة اختلسها في غفلة من أطنان ضيقه المتراكم:



والله ياعمي مهوب ذنب حريمك إن الله خلقك طويل ومزيون وتلفت الانتباه..



يعني حق لهم يغارون.. وانت حتى الغيرة ماتبيهم يغارون




منصور بغضب: تدري إنك سخيف ياولد أخي.. احشم عمك لا بارك الله في عدوينك..



ولا تسخف مشاكلي مع حريمي.. أنت عارف إن هذا مهوب الموضوع




كسّاب يضحك: خلاص خلاص لا تحمق علينا ياحضرة العقيد




منصور يتوجه لكسّاب بنظرة مباشرة كنظرته لمجندينه في الثكنة:



أنت هاللفة كلها عشان تهرب من سالفة عرسك اللي أنت عارف إني جاي أكلمك فيها




كسّاب يهز كتفيه: أنت عارف زين ياعمي إني ما أهرب من شيء



السالفة كلها إني مالي خاطر في العرس الحين.. وأنا عارف إن أبي هو اللي دازك علي عقب ما تعب مني..



أبي ظنه إن العرس بيصلح حالي.. ما درى إن حالي ما تصلحه مرة



ثم أردف بألم عميق من أعمق نقطه في روحه لم يظهر في نبرة صوته الباردة:



وعلى العموم قل له يريح باله.. مافي داعي نفشل روحنا..



من الرجّال اللي فيه خير اللي بيزوج بنته لواحد أخته كابتن طيران؟!!



وأنا مستحيل أتزوج إلا بنت رجّال فيه خير.. بنت الرخمة مالي حاجة فيها




منصور انتفض بغضب: أخس واقطع ياولد.. وش ذا الحكي؟؟




كسّاب بهمس مهموم مغلف بالسخرية: عمي مافيه داعي نمثل على بعض..



أنت بروحك مستوجع من ذا الموضوع حتى لو أنكرت..



وإلا ناسي إنك كنت بتتذابح أنت وإبي على سبت ذا السالفة..



وعقب تقول لي: اخس واقطع ياولد !!







****************************






مساء ذات اليوم



مستشفى حمد العام



إحدى غرفه





تحيطان بسريرها وهما تنظران بألم لجسدها الذابل الموصل بأنابيب التغذية.. وطاقم التمريض يحقنونها بشكل مستمر بمنوم حتى لا تصحو وتنزع الأسلاك عن جسدها




همست مزون بحنان: خالتي صار لش كم يوم غايبة عن المدرسة



أنا ماعندي شيء.. روحي وأنا باقعد عندها




عفراء تمسح بحنان على ذراع ابنتها الجاف المتخشب وتهمس بألم عميق:



وش مدرسته؟؟ ما أقدر يامزون يأمش أخليها.. قلبي مهوب مرتاح



وعلى العموم أنا قدمت على إجازة



وأنا أدري إنش تنتظرين موعد المقابلة الشخصية




مزون بانقباض يعيدها لمأساتها: تكفين لا تذكريني خالتي... متخوفة.. وقرفانة..



ثم أردفت بكره شديد: لا خالتي وتخيلي مثلا أرجع أقابل امهاب لسان الحية الله يقطعه ويقطع أيامه




خالتها بطمأنة: مهوب لازم كل الطيارين يشوفون بعض.. مواعيد الرحلات متضاربة



وإن شاء الله ما تصدفينه




مزون برجاء عميق: الله يسمع منش ياخالتي.. الله يسمع منش.. أحس إني لو شفته عقب ذا السنين يمكن أسوي فيه شي



وأطلع العذاب اللي شفته السنين اللي فاتت على رأسه



عمري في حياتي ماحد ذلني مثله




عفراء تبتسم بإرهاق: إنسي يا بنتي انسي.. الحقد ما يأكل في شيء كثر ما يأكل من روح صاحبه




مزون تبتسم لتغير الموضوع: يا حليلهم صديقات جميلة اللي جاونا اليوم.. يجننون.. حبيتهم بصراحة




عفراء بألم عميق: ياقلبي ياجميلة ولا درت عندهم.. كانت بتنبسط فيهم..



ما أقول إلا الله كريم




مزون تحتضن كف خالتها: الله أكرم من كل شيء ياخالتي.. ورحمته وسعت كل شيء.. كل شيء




عفراء بأمل عميق: الله كريم




أملها شاسع.. فهذا القلب قلب أم.. الشيء الاكثر رحابة في كل الكون



تقنع نفسها أن طفلتها بخير وأنها تتحسن.. وأنها ستعود لأحضانها



وتحاول أن تتناسى بكل قوة الحقيقة التي تعلمها جيدا



طفلتها تذوي.. تذوي!!



تقترب من الموت بخطى حثيثة



فهذا الجسد اليابس كأرض بور شققها الضمأ ينتظر لحظاته الأخيرة



ماعاد به من ملامح الحياة سوى نفس ضعيف يتردد في صدرها يوشك على المغادرة وترك كل شيء خلفه



صبا لم تعشه..



وأم نذرت حياتها لسواها..



وقلوب أثقلها الهم



وذكريات لم تعطرها رائحة أب أثقلتها الأماني للقائه!!







**********************








الوقت أصبح منتصف الليل ووضحى مستغرقة في طباعة بحث على الحاسوب.. تدخل عليها كاسرة.. لتتنهد وضحى بعمق.. فهي تعلم تماما ما الذي سيحدث الآن



لذا همست برجاء عميق قبل أن تتكلم كاسرة: تكفين كاسرة عندي بحث لازم أخلصه وأسلمه بكرة




كاسرة بنبرة هادئة صارمة: عندش دقيقة وحدة تسيفين شغلش.. قبل أطفي الكمبيوتر..




وضحى برجاء أعمق: تكفين كاسرة




كاسرة وكأنها لم تستمع مطلقا لرجاءتها: قومي صلي قيامش الحين ثم نامي.. وكملي بعد صلاة الفجر



مهوب مسموح لش تسهرين أكثر من كذا..




وضحى برجاء أخير مستجدي: تكفين كاسرة ماراح يجيني نوم وأنا ماكملت شغلي



بترت جملتها وابتلعت ريقها وهي تردف وتنظر لنظرة كاسرة الباردة الصارمة: خلاص إن شاء الله إن شاء الله




لا تعلم لِـمّ تمارس عليها كاسرة هذا التسلط؟!!



خوفا عليها؟!! اهتماما بها؟!!



أو مجرد اثبات لسلطتها المطلقة وأنه ليس هناك من يعارض قراراتها؟!!



وتعلم أنها لابد أن تستجيب وخصوصا أن كاسرة سكتت على مضض على موضوع ذهابها اليوم مع صديقاتها لزيارة جميلة



لأن والدتها أوقفتها عند حدها.. وهذا الشيء أغضب كاسرة لأبعد حد



ولو أتاحت وضحى لكاسرة الفرصة الآن فهي لن تتوانى عن فتح الموضوع وتقليب الدفاتر



وهي تعرف تماما كيف تُعنف بمهارة.. وخصوصا بعد أن أصبحت رئيسة قسم صُقلت هذه المهارة لأبعد حد..



تعرف كيف تجعل من أمامها يشعر بالذنب والضآلة من شدة كلماتها المُعنفة الـمُختارة بعناية!!




لذا أطفئت وضحى حاسوبها وهي تستعد للصلاة ثم للتمدد وهي تعلم أنها لن تستطيع النوم..



ولكنها لابد أن تجبر نفسها وكل ما تستطيع فعله أن تكثر الدعوات أن يقرب الله الفجر



شعور مر بالانهزام والخيبة يجتاح خلاياها..



قد يكون الموضوع بمجمله بسيطا.. ولكن مايبثه فيها من مشاعر معقدة مؤذية ليس بسيطا مطلقا.. مطلقا



انقلبت على جنبها اليمين وهي تولي وجهها للقبلة



لتسيل دمعة شفافة من بلور وألم!!






*************************






قبل واحد وثلاثون عاما






منطقة في غرب قطر... بيوت طين قديمة متلاصقة.. أجري على بعضها بعض التعديلات.. ليدخل إليها الحجر والتسليح وأسقف الألمنيوم



فقدت بعضا من رونقها القديم وبعضا من روحها المثقلة بالأصالة.. ولكن رائحة العمق الإنساني مازالت تعبق بعطر شفيف





صلت للتو صلاة الظهر بعد أن أنهت صنع غداء والدها مبكرا.. وهاهي تكنس (الحوش) تحت شمس لاهبة



طرقات هادئة على الباب.. توجهت لفتح الباب لوالدها..



شرعت الباب على اتساعه لتقف في فرجته بخديها المحمرين في صفحة وجه ذي اسمرار لذيذ



لوحته شمس لم تخجل من ملامسة هذا الحسن المهيب الذي بدأ ينضج للتو!!



خصلات شعرها الفاتحة من أثر الحناء تطايرت في خصلات عنيدة أبت إلا أن تخرج من تحت أطراف (بخنقها) الذي أحاط باستدارة وجهها



ومازال غبار الحوش عالقا بوجهها وببخنقها مختلطا بحبات عرق تساقطت على جبينها الأزهر وعينيها النجلاوين..



فوجئت بالطارق يوليها جنبه ليتأخر إلى طرف الباب ويستند إلى ضلفته الجانبية



احتراما لأهل البيت أولا



وثانيا حتى لا ينهار على الأرض ورؤيتها بهذه الصورة الموجعة الموغلة حسنا وألما حتى أقصى درجات التعذيب.. تغتال كل مشاعره وتهزه كزلزال لا حدود لقوته



فهو كان منهكا من الشوق الذي أذاب مابقي من جَلده وصبره!!




تماسك في ثوان ليهمس بصوت غاضب مبحوح يحاول فيه تهدئة وجيب قلبه الذي يكاد يقفز من بين جنبيه:



كم مرة قايل لش لا تفتحين الباب لين تسألين من



وعقب تفتحينه وأنتي مندسة وراه.. مهوب تشرعينه وتوقفين على طوره ياللي ما تستحين



نعنبو دارش مافي وجهش سحا أنت!!




أجابت في غيظ: وأنا شدراني إنه أنت.. أمك تقول إنك فارقت بتسكن في الدوحة.. وش ردك علينا؟؟!!




زايد في غيظ أكبر: يعني إن غاب القطو العب يافار.. عشانش دارية إني ما انا موجود تخالفيني..




مزنة في غيظ أكبر وأكبر: على شنو أنت شايف حالك أخالفك وإلا ما أخالفك..



أظني اسمي مزنة بنت جابر.. مهوب مزنة بنت زايد




زايد بغضب: سكري بابش عليش.. قدام أدخل وأوريش شغلش الحين



وأنتظري علي كم شهر إذا ماجبتش لبيتي وأدبتش فذا الشنب مهوب على رجّال وأنا ولد إبي




حينها أطلت مزون عبر الباب ووجهها محمر من الغضب: شوفوا من اللي يهدد؟؟



"ولد الراعي شبر القاع"..



ثم أردفت وهي تلمس شعرها من خلف بخنقها: نجوم السما أقرب لك مني يا ولد الراعي




ثم أغلقت عليها الباب رعبا وخوفا بسرعة قبل أن يقتحم زايد البيت عليها.. كما فعل قبل عدة أشهر وفي وجود والدها



ليصفعها وأمام والدها






ـــــــــــــــ






نهار حار كان ذلك النهار.. بعد صلاة العصر.. للتو تعتاد على لبس البرقع الذي لبسته قبل عدة أشهر رضوخا لأوامر والدها..




طرقات حادة على الباب وصوت أنثوي يرتفع خلف الباب.. يهمس لها والدها وهو أمام قهوته: قومي البسي برقعش وافتحي لأم زايد شوفي وش تبي




مزنة برجاء: يبه حر موت.. ماني فاتحة الباب كله.. بافتحه شوي وأوقف وراه وأشوف وش تبي




والدها بحزم: زين إياني وإياش تطلعين رأسش




مزنة قفزت وهي تعدل وضع بخنقها على رأسها.. وتفتح الباب قليلا وتهمس بمودة: ادخلي ياخالة..




أم زايد بمودة مماثلة: لا يامش هاش اخذي ذا العصيدة.. عادني بأروح أودي لأم ناصر قسمها




مزنة بأريحية: خلاص عطيني حق أم ناصر وأنا بأكفيش..




أم زايد بمودة أكبر: لا جعل عيني ما تبكيش.. بأروح أتقهوى معها.. هاش اخذي




وفي الوقت الذي كانت أم زايد تمد يدها للداخل أخرجت مزون رأسها لتتناول الصحن من أم زايد.. لم تتوقع أن يكون أمام بيتهم أي مار في هذا الوقت.. لتصدم بل تفجع أن زايدا ومعه رجل آخر يجلسان في دكة بيت أبي زايد المقابل لبيتهما..



تراجعت مزنة بسرعة لأنها شعرت أن دقات قلبها تصاعدت للحد الأعلى من نظرات الرجلين.. نظرات الغضب العارم في عيني زايد.. ونظرات الإعجاب في عيني الآخر




كانت على وشك إغلاق الباب بسرعة ورعبها يتزايد.. لولا صدمتها المرة الفاجعة بالساعد الأسمر الذي امتد لمنعها من قفل الباب..



لم تحتج أن تعرف ساعد من هذا..ولا ماذا ينوي أن يفعل بها..



لأن نظرته التي تلتها قفزته السريعة ثم ركضه السريع اتجاهها.. أنبأتها أي مصير سيء مرعب ينتظرها



رغم أنها في شخصيتها أبعد ما تكون عن الجبن ولكنها في تلك اللحظة شعرت أن قلبها توقف من الرعب وهي تركض باتجاه والدها



ولكن زايدا وصلها قبل أن تصل إليه وتختبئ وراء ظهره.. ليمسكها من عضدها ويديرها ناحيته



تكاد مزنة أن تقسم أن هذه اللحظة كانت كانت أكثر لحظات حياتها كلها رعبا




شعرت كما لو أن الهواء سكن وتوقف عن المرور بينها وبين زايد..



كما لو كان هرب خوفا من زايد تاركا رئتيها تئنان من الضغط الناتج عن قلة ضخ الهواء



وعينا زايد ترسلان لها شرارات من لهب مرعب شعرت بها تلسع وجهها وتحرق عينيها



ويده التي تمسك بعضدها كما لو كانت وصلت لعمق عظمها لشدة الضغط والألم الذي شعرت به يتفجر في خلايا عضدها




كل هذا الرعب ومازالت يده لم تصل خدها!!!




.. ولكنها وصلت ختاما.. شعرت حينها كما لو أن رأسها يطن من قوة الصفعة.. وصفير مرعب يمزق أذنها اليسرى ألما




قفز والدها بغضب كاسح ولكن زايد عاجله وهو يصرخ بغضب مشتعل:



الحيوانة طالة مع الباب بدون برقع وشافوها الرياجيل اللي في دكتي عيني عينك




رغم الألم الموجع الذي انتشر في روح جابر وهو يرى وحيدته تُصفع أمامه



شعر كما لو كان يريد البكاء معها وهو يرى عينيها الغاليتين تتفجران بدموعها الأغلى



ولكنه عاود الجلوس وهو يصطنع الثبات ويتناول فنجانه ويقول بحزم: حجت يمينك.. لو أنك ما ضربتها أنا كان ضربتها



هذا وأنا ناهيها ألف مرة ما تطل من الباب ماعلى وجهها شيء




حينها شعرت مزنة بقهرها يتزايد يتزايد ووالدها يخذلها بهذه الطريقة.. ليرتفع صوت نحيبها المفاجئ وهو تركض باتجاه غرفتها



كانت المرة الوحيدة في مطلق حياة مزنة التي بكت فيها بهذه الطريقة الهستيرية



المرة الوحيدة!!!






ــــــــــــــ






كما كانت صفعة زايد هي الصفعة الأولى والأخيرة في حياتها



لذالم تسامح زايد مطلقا عليها..



قررت أن تجرحه!! تهينه!! أي شيء يبرد بعضا من نارها فيه!!




وجاءها الانتقام سريعا.. بعدها بأيام.. ويالا جرأته !! جاءها ليخبرها بعشقه لها ورغبته في الزواج منه



يصفعها بوحشية.. ليعود لها عاشقا يريدها أن تبادله العشق!!



لذا كانت حكاية ابن الراعي الطفولية التي اخترعتها



لا يهمها ان تكون قصة كاذبة



المهم أن تؤلمه.. تؤلمه كما آلمها.. كما جرح كبرياءها الثمين




كما تعلم أنه يتألم الآن وهو يقف خلف الباب يعتصر كفيه حتى لا يحطم الباب عليها



وهي تقف وظهرها مسند للباب وتضم كفيها لصدرها الذي تمزقه مطارق دقاتها الصاخبة هلعا.. وتدعو الله أن يحضر والدها بسرعة



فهو وإن كان لم يدافع عنها في المرة الأولى لأنه رآها مخطئة



فهو يستحيل أن يسمح لزايد أن يمد يده عليها للمرة الثانية




وهاهو زايد بالفعل يقف مسندا ظهره لحائط بيتهم



غارقا في ألم عميق عميق عميق



لا يهمه تهجمها الطفولي بقدر ما يؤلمه معرفته أن مشاعره المتجذرة التي تمزق صدره بلا رحمة بلا هوادة..لا صدى لها مطلقا في قلبها الغض






***************************







قبل 38 سنة..




أول أيام عيد الفطر



قصر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في منطقة الريان



مجلس الاستقبال




كان الشيخ خليفة يستقبل أفواج المهنئين بالعيد



وفي ليوان المجلس مجموعة من الأطفال الذين حضروا مع أبائهم وينتظرون دورهم للسلام على الشيخ



(الليوان : بهو مفتوح يقوم على أعمدة)




جلسا متجاورين مصادفة.. ولم يعلما أن هذه الصدفة شاء الله عز وجل أن ترسم تغييرا في مسار حياتهما لتربطهما معا وللأبد



- شاسمك؟؟



- خليفة



- زايد



بعد عدة جمل حوارية



- أنت ليش تحكي كذا؟؟



- وأنته ليش تتحجه جذيه؟؟



ضحكتان صافيتان محلقتان والروحان تتعانقان كالسحر تماما



سحر إنساني خالص آلف بين قلوب تشابهت



مضى وقت لم يكن له حساب ملموس في حساب الزمن.. حتى تلقيا أشارة والديهما للدخول



سلما كما سمعا من والديهما عشرات المرات من نصائح مكررة حتى حفظاها..



فهذه مرتهما الأولى ولابد أن يثبتا أنهما رجلان يستحقان السلام على الشيخ حتى يضمنان حضورهما في عيد الأضحى أيضا




خرجا وكل منهما يده في يد والده وكل منهما يشير للآخر بالتحية



- يبه ماعليه أروح أسير على خليفة/ زايد في بيته؟؟



- ما يخالف.. مايخالف يصير خير







***********************









يجلس في صدر مجلسه الضخم المفتوح على الشارع مباشرة بعد أن صلى المغرب



يمرر يده على شعيرات عارضه.. مشغول بالتفكير والهم



يكاد يموت قلقا على هذه الصبية التي أبلغته ابنته مزون أن وضعها الصحي يتدهور



فهذه الصغيرة لها مكانة أثيرة وشاسعة في قلبه.. فهي تزاحم ابنته مزون على افتراش هذا القلب



" كيف تركتها حتى وصلت لهذا الحد؟!!"



"لكنك لم تراها.. وهم لم يخبروك بحقيقة تدهور صحتها"



" لا تبحث لنفسك عن عذر يازايد.. لا عذر لك.. لا عذر لك"




منذ دخول الصغيرة للمستشفى قبل أيام...ومعرفته عن تفاصيل وضعها الصحي المزري



وهو مشغول بالتجهيز لسفرها.. الذي سيكون بعد يومين



لن يستمع بعد الآن لعفراء..ولا لرفضها



مادام الله قد وهبه الوسائل.. سيحارب حتى تبقى أنفاس جميلة تعطر الكون





"فما فائدة كل أموال العالم إن كانت لن تنقذ ما تبقى من رائحة خليفة؟!!"







***************************







قبل عشرين عاما





"خليفة؟؟"




"إيه خليفة... وش فيه؟"




أم كسّاب بتردد: مافيه شيء والنعم.. بس أختي يتيمة وفي ذمتنا ويجيها خطاطيب واجد ماشاء الله



ليش نزوجها حضري مهوب منا.. يبعدها عنا




زايد بغضب عميق: ذا الحضري أطلق من شارب كل اللي خطبوها




تراجعت أم كسّاب بوجل..بينما تنهد زايد وهو يزفر بعمق:



أنتي عارفة إنه عفرا مثل أختي الصغيرة.. ومن يوم توفوا هلش في الحادث عقب عرسنا بكم شهر.. وهي في بيتنا



ووالله إني مابي إلا مصلحتها



ومستحيل نغصبها على شيء



خليني بس أكلمها.. ومايصير إلا خير




سكتت وسمية على مضض.. لم تكن تريده أن يكلم شقيقتها قبل أن تكلمها



فهي تعلم مدى احترام عفراء الأسطوري له..



ويستحيل أن ترفض شيء هو مقتنع به



كانت تتمنى أن تكلم أختها أولا.. لتسمع رأيها قبل أن تتأثر برأي زايد



ولكن هذا لم يحدث.. لم يحدث..!!




ظلت دائما تشعر بحسرة ما.. حسرة ولّدها التفكير المترسخ الذي عاشت به



"ثنائية البدو والحضر الممقوتة"



وخصوصا حين توفي خليفة بعد ذلك بأشهر قليلة.. تاركا أختها تحمل طفلا في أحشائها..



ذكرى ربطتها به.. وظلت وفية لها.. وشبابها الغض يذوي.. وزهرة سنين حياتها تتسرب على أطلال رجل لم تعرفه حقا



ولكنها احترمته حتى التقديس.. احتراما لذكراه في عقل وقلب زايد..



كرهت أن تخدش أو تجرح هذه الذكرى المقدسة بزواجها مرة أخرى



وكان هذا أيضا سببا ثانويا من ضمن أسباب جوهرية جعلتها ترفض الزواج من زايد نفسه بعد ذلك بعدة سنوات!!!







****************************







قبل أكثر من 19 سنة



مقبرة أبو هامور





رائحة الموت تغمر الأجواء..رائحة ثقيلة خيمت على المكان.. خليط من الوجع الجارح والسكينة الهادرة




الناس متجمهرون وهم يدخلون الجسد الملفوف بالبياض إلى اللحد



صراخ يتعالى.. ورجل يحاول التفلت ليلقي بنفسه داخل القبر




" بس يازايد.. بس.. فضحتنا.." يهمس في أذنه بصوت مكتوم وهو يكتفه بقوة وينحني عليه من أعلى




"فكني يامنصور.. فكني ياخيك.. مابي حياة مافيها خليفة" صراخه المكلوم الموجوع يتعالى



كان ينشج من أعماقه كأنه نشيج مذبوح في لحظاته الأخيرة..



مليء بالأنين.. مليء بالوجيعة.. مليء بالحسرة




منصور مازال يكتفه وزايد يحاول التخلص ونشيجه يتعالى وهم يراهم يهيلون التراب على القبر..



وكأنهم مع كل كومة تراب يهيلونها على القبر.. يهيلون على روحه أطنان من الوحشة المعتمة



يحاول التخلص.. يريد منعهم من طمر روحه تحت التراب.. يشعر أن هذا التراب ينسكب في رئتيه وأنه عاجز حتى عن مجرد التنفس..



يحاول التخلص للمرة الألف وهو يضرب بكوعيه في صدر منصور بكل قوته.. ولكن منصور لم يفلته مطلقا وهو يهمس في أذنه بصرامه: زايد طول عمرك رجّال.. خلك رجّال



حتى يوم ماتوا أمي وأبي ماسويت كذا



أطلب له الرحمة.. أطلب له الرحمة







**************************






مازال زايد جالسا في مجلسه ينتظر آذان العشاء..والمجلس خال على غير العادة



والهموم تتزاحم على كتفيه.. والذكريات المؤلمة تغتال ذاكرته.. لينتزعه من كل هذا رنين هاتفه



نظر للاسم ورد بقلق: هلا أم جميلة




جاءه صوت عفراء المرهق المبحوح: هلا بك أبو كسّاب




زايد بقلق: بشريني من جميلة




عفراء بذات الإرهاق: على حالها..



ثم أردفت بتردد: أبو كسّاب.. طلبتك.. قل تم




زايد بحمية: أفا عليش يابنت محمد.. آمري لا تطلبين..




عفراء بهدوء حذر: أنا أبي أسفر جميلة.. بس تكفى تخليني أحجز.. أنت عارف إنه الخير واجد.. ورثي من هلي ثم ورثنا من خليفة



وأنت أساسا ماتخلينا نصرف شيء.. طلبتك أبي أسفر جميلة أنا..




زايد بثقة بها بعض من غضب: مالش لوا يا بنت محمد.. أول شيء الحجز خلاص حجزت.. حتى جوازاتكم في السفارة الفرنسية عشان الفيزا..



وحجزت المصحة خلاص وبأسافر معكم أنا ومزون وبيستقبلنا علي هناك




عفراء باستنكار خجول: بس يابو كسّاب




زايد يقاطعها بنبرة غضب: بس ..بدون مرادد.. أنا أصلا غلطان من يوم طاوعتش وتأخرنا ذا كله.. لين تدهورت حالة البنت




سكتت عفراء على مضض..وسكت هو على غضب كاسح متزايد خشي أن يفجره في عفراء




فهو بالفعل غاضب من عفراء التي كان يلح عليها أن يسافروا بجميلة



لكنها كانت ترفض بحجة أن وضع جميلة تحت السيطرة



وهاهو الوضع خرج عن السيطرة.. خرج تماما




بعد أن هدأت أعصابه.. قام بإجراء اتصال جديد..حالما أجاب الطرف الآخر بعد السلامات المعتادة



همس زايد بثقة حانية: علي .. رحلتي اللي قلت لك عنها لفرنسا تقدمت شوي



أنا جايك بعد يومين أنا وخالتك وأختك.. جميلة تعبانة شوي




علي بثقة مثقلة بالغموض: أنا اصلا كنت أبي أتصل فيك.. أقول لك أنا جاي الليلة



أبي أعقد على جميلة.. وأنا اللي بأسافر معها



مافيه داعي تروحون كلكم



إلا خالتي لو بغت تروح.. بكيفها

أنين الحرف
09-17-2011, 08:49 AM
بدايه ممتعه ومميزه غاليتي همس المشاعر
قرأت بداية الجزء الاول ولم يسعفني الوقت لإكمالها
لكن حتماً لي عوده مع هذه الروايه المشوقه
استمري غلاي نحن متابعين معك بشغف
خالص ودي وتقديري
دمتِ بحفظ الله

همس المشاعر
09-17-2011, 10:55 PM
أهلا بك سمو في متصفحي
نورتي الرواية بطلتك
لك ودي

همس المشاعر
09-19-2011, 11:07 PM
بين الأمس واليوم / الجزء الرابع





الدوحة
وقت ما بين منتصف الليل وقبل صلاة الفجر
أرض المطار..



سخونة لزجة ولدتها رطوبة أثقلت الجو
نزل عن سلم الطائرة ليلفح الهواء الساخن برودة وجهه
استعاذ بالله من الشيطان وهو ينفض رأسه ويفتح أعلى قميصه عن عنقه النحيل بحثا عن بعض الهواء
شعر كما لو أنه عاجز عن التنفس وكأن هذه الرطوبة ألتهمت كل الأوكسجين وامتصت مابقي من هواء رئيتيه
مسح عرقا وهميا شعر به يعبر شعر حاجبيه ليغشى رموش عينيه
واسم واحد يكتسح أفكاره


"جـــــــمـــــيــــلــــــة!!!"



لطالما بدت له جميلة أشبه ماتكون بلعبة
جميلة.. رقيقة.. وهشة.. هشة جدا كلعبة كريستالية قابلة للعطب السريع!!


ولطالما رآها أيضا طفلة!!
في كل سفراته كانت هديتها دائما دمية.. كان يتعب كثيرا في انتقاء دمية مختلفة لها كل مرة
يكاد يقسم أنها لابد ملئت غرفة كاملة من دماه التي أهداها لها هو!!
ولم يتوقف عن إهدائها الدمى حتى بعد أن قالت له مزون وهي تتناول منه هدية جميلة قبل عامين لتعطيها لها:
علي ترا جميلة صارت مره.. جيب لها شيء غير.. عبيت غرفتها ألعاب..
جيب لها شنطة.. عطور


حينها ابتسم وهمس: هي تنبسط على العرايس والدباديب اللي أجيب لها أو لا؟؟


ابتسمت مزون: بصراحة تنبسط..


همس بدفء حنون: خلاص خليها تنبسط بعرايسها وخلي الشنط والعطور لش


وها هي من لطالما أهداها العرائس ستصبح عروسه هو..
لا يعلم أي جنون أصابه حين أخبرته مزون قبل يومين بتدهور وضع جميلة
واشتكت له خيبة أملها في كسّاب حين عرضت عليه أن يتزوج منها ولكنه رفض
حينها صرخ بغضب مجنون: وليش تطلبين من كسّاب ومهوب مني؟؟
ولو كان وافق يتزوجها أنا وش كان بيصير فيني؟؟ مافكرتي فيني؟؟


مزون بدهشة عميقة وهي في استغراب أعمق لثورة علي الذي لطالما كان شديد التحكم في أعصابه: علي عمرك ماقلت أنك تبيها ولا بينت..


علي بذات الغضب: أبيها أو ما أبيها.. من حقي تشوروني.. وإلا حتى ذا الحق بتستكثرونه علي
أنا جاي بكرة أو بعده.. ولا تقولين لأحد شيء لين أتصل في أبي..


لا يعلم ما الذي أصابه.. وأي تيارات مجنونة تتقاذفه؟!!
تخيل نفسه يعود للدوحة وهي خالية من وجود جميلة؟؟
تخيل المكان كالحا خاليا من الحياة
أي مكان سيكون لا تزينه ابتسامة جميلة؟!!
أي سواد يعتصر بياض الطرقات؟!!
وأي نسمات هذه التي ستجرؤ أن تهب وهي لا تحمل دفء عطرها؟!!
بياض قلب طفلته!!
وعبق عطر دميته!!
بدت الحياة له حينها بلا طعم.. بلا نكهة.. بلا حياة!!



ثم تخيل جميلة زوجة لكسّاب فشعر بنار تجتاح عروقه وتسمم دمه وتعتصر خلاياه في وجع غير مفهوم شديد القسوة..
أي مشاعر هذه التي تتقاذفه؟؟ أي مشاعر مجهولة المدارك والهوية؟؟
طوال عمره ومشاعره متذبذبة تربطه بجميلة.. يريد أن ينظر لها كأخت صغيرة
ولكن داخله كان يرفض دائما أن تكون أختا له..
فما يشعر به ناحيتها مختلف تماما عما يشعر به ناحية مزون
حتى وإن بقي يراها طفلة.. فهذه الطفلة هو من طلب أن تتغطى عنه حين بلغت الخامسة عشرة..
وثار غضبه حين علم أنها تتغطى عنه ولا تتغطى عن كسّاب..
نهرها أن الخطأ لا يتجزأ.. ولا يعلم حينها هل كان إدعاء للتعقل أو ببساطة هي الغيرة اشتعلت في داخله
كاد يجن أنه حرم نفسه من رؤيتها بينما كسّاب يحضى بمتعة النظر إلى محياها


بعدها حدثت حكاية مزون.. ليرتحل بوجيعته.. وترتحل جميلة وذكراها المبهمة معه
يراها حين يعود بشكل متقطع.. مجرد تحية من بعيد..
ولكنه يعلم يقينا أنها بقيت رغم البعد.. قريبة.. قريبة جدا!!



تنهد بعمق وهو ينفض أفكاره ليدخل مبنى المطار
أنهى إجراءات دخوله بسرعة وجواز سفره الدبلوماسي يمنحه مزيدا من السرعة


وجد كسّاب ينتظره في صالة الحقائب الداخلية.. لقاء مفعم بالكثير من المودة
وكذا بالكثير من القلق والترقب غير المفهوم
كلاهما يشعران بتوجس مموه غير محدد الملامح
يشعران برائحة شيء مقلق يصطرخ في الأجواء
وكلاهما أيضا يحاول طرد هذه الأفكار من مخيلته!!


لم يكن مع علي سوى حقيبة صغيرة في يده لذا لم ينتظرا مزيدا من الوقت وهما يخرجان متوجهان لسيارة كسّاب المتوقفة في مواقف المطار


استحكم الصمت بينهما للحظات
ليهمس كسّاب بهدوء حذر وعيناه على الطريق: صدق علي أنت جاي تبي تملك على جميلة؟؟


علي يريح رأسه على طرف المقعد ويهمس بهدوءه العميق المعتاد: صحيح


كسّاب بحذر ونبرة مقصودة: ومقتنع؟؟


علي يلتفت له بشكل مباشر ويهمس بثقة: لو مهوب مقتنع ماجيت عاني من جنيف..


كسّاب بنبرة مباشرة: وأسبابك؟؟


علي بهدوء: أحب أحتفظ فيها لنفسي


كسّاب بحدة مباشرة تظهر فيها طبيعته الأصيلة وهو يحاول يوازن بين القيادة والغضب: تدس عليّ ياعليان؟؟


علي بذات هدوءه: كسّاب فيه أشياء أحيانا الواحد يحب يحتفظ فيها لنفسه..
احترم خصوصياتي مثل ما أنا طول عمري محترم خصوصياتكم كلكم


كسّاب باستهزاء غاضب: قصدك سلبيتك اللي تبي تلبسها لبس كشخة اسمه "احترام خصوصيات الآخرين"


علي يتنهد وهو يسند رأسه للزجاج: سمها مثل ما تبي


كسّاب بذات النبرة الغاضبة: أبي أعرف أنت وش طينتك يابارد؟؟


علي بهمس واثق وهو يتنهد: نفس طينتك ياولد أمي وأبي


كسّاب يتنهد وهو يحاول السيطرة على غضبه الذي ثار بدون سبب منطقي.. أو ربما كان له سبب!! :
اسمعني ياعلي.. أقول لك قبل نجي للبيت.. لا تفكر يوم أنك تظلم جميلة أو تضيمها حسابك بيكون معي..


علي بذات الهدوء: كسّاب أنت أخر واحد يحق له يتكلم في هذي الحقوق
وعلى العموم جميلة في عيوني.. وما أحتاج أني أخاف من تهديد حد عشان أحطها فوق رأسي
على الأقل عشان خالتي عفرا اللي كانت أمنا أكثر من أمنا اللي يرحمها


كسّاب يعاود التنهد مرة أخرى وهو يحاول السيطرة على أعصابه المتوترة
يشعر بالندم العميق يتسلل لروحه أنه لم يوافق على اقتراح مزون الذي اقترحته عليه
لعدة أسباب ليست جميلة من ضمنها!!


السبب الأول والأهم هو شقيقه الأصغر.. علي
فكسّاب متأكد أن عليا سيتزوج من جميلة مضطرا لذا رفض اخباره بالسبب لأن عليا لا يعرف الكذب.. وفي ذات الوقت لا يريد اخباره الحقيقة كما يظن كساب.
لذا كسّاب كان يتمنى أن يجنب عليا هذا الزواج الذي قد يجلب له التعاسة



" أنا تعيس تعيس.. وهذا الزواج التعيس لن يغير شيئا بالنسبة لي
ولكن عليا كان يعيش بعيدا عن كل هذا الجو المشحون
تمنيت أن أجنبه كل هذا.. تمنيت!!
تمنيت أن أجنبه التعاسة مهما كانت قاهرة
فأنا عظمي أقوى.. والمشاعر لا تهمني.. لكن هو حساس ورقيق
من المؤكد إنه حلم في حياة رومانسية وقصة حب يعيشها مع من سيتزوجها
والتي من المؤكد لن تكون جميلة "



وإن كان السبب الأول هو خوفه على علي
فالسبب الثاني هو خوفه منه.. يخشى ألا يكون علي على قدر المسئولية الملقاة على عاتقه
أن يفشل في الخروج بجميلة من دائرة المرض بمشيئة الله
لينعكس هذا الأمر بكل حزنه ومأساويته على خالته الغالية عفراء..


ويخشى أكثر من كل شيء أن يجتمع السببين
تصاب جميلة بخطب ما لتصبح التعاسة هي مصير كل من علي وعفراء


السبب الثالث الذي يحاول دفنه في قرارة نفسه.. لو أنه تزوج جميلة كان سيجد له منفذا من إلحاح والده المتكرر عليه أن يتزوج..
زوجة والسلام.. أمام الناس.. وأمام والده!!
وليس في الأمر أنه مهتم لإلحاح والده.. ولكن لأن الإلحاح بدأ يتزايد كثيرا مؤخرا وبشكل مزعج!!
فزايد مقتنع أن صلاح حال هذا الشاب غير المفهوم هو في الزواج.. ليثقل على كساب بالضغط المستمر الذي بدأ يُشعر كسّاب بالملل.



يتنهد كسّاب وهو يهمس لعلي: وصلنا البيت.. توضأ للفجر ماعاد باقي على
الصلاة شيء
صمت لثوان ثم أردف:
وأتمنى إنك تكون على قد قرارك..




*************************




قبل ذلك بساعات
مستشفى حمد
غرفة جميلة



"مزون يا قلبي.. كلمي أبيش وروحي.. أدري أنش تبين تروحين تأكدين من ترتيب غرفة علي وأغراضه قبل يجي"


مزون بحنين عميق: فديت قلبه.. مـــشـــتــــاقة له مووووت..ثلاث شهور ما شفته
ثم قطعت حماسها وهي تردف بحذر: خالتي سألتي جميلة عن رأيها وإلا لأ؟؟


عفراء بإرهاق: الليلة بدوا يخففون لها المنومات.. بكرة الصبح إن شاء الله تكون واعية وبأقول لها إن شاء الله
ثم أردفت بحزن : مع أني والله ماكنت أبيهم يتزوجون بذا الطريقة..
عيالي وأول فرحتي.. كنت أبي أسوي لهم عرس وأنبسط فيهم


مزون بمرح مصطنع تحاول بواسطته تغيير الأجواء الكئيبة: مهوب لو متزوجة إبي.. كان من زمان هو مودي جميلة غصبا عنش.. وكان الحين محتفلين بزواج علي وجميلة مثل الناس


عفراء ضربت خد مزون بخفة حانية: يا ملغش بس.. مملة
كم مرة قلنا ذا الموضوع ممنوع النقاش فيه!!



"لأنك لا تعلمين مزون.. لا تعلمين!!
تمنيت لو أستطعت أن أتزوج زايد من أجلكم أنتم فقط!!
لكن رؤيته أمامي ستعيد لي دائما ذكرى حسرات شقيقتي
لا أستطيع أن أعيش ذات الحسرة التي عاشتها وسمية حتى ماتت وهي مازالت في عز صباها
وسمية كانت جبارة.. لكن أنا لا.. لا.. لا أستطيع
فهل يكتب لي ربي أن لا أعرف حب رجل حتى لو تزوجت مرتين
خليفة رحل وأنا للتو أتعلم التعبير عن مشاعري
رحل لتموت مشاعري في قلبي
وزايد كان قلبه دوما لأخرى..
لم ولن أستطيع مسامحته على مافعله بقلب وسمية الطاهر
حتى وإن كان لم يقصد
حتى وإن كان لم يقصد!!!"




****************************




قبل 18 عاما




"هاتي الغزالة..حبيبة قلب خالتها.. ماحبيتها عدل.. مابعد برد خاطري"


عفراء بود غامر: خالتها شكلها تعبانة.. خليها فديتش منش
ثم أشرق وجهها بفرحة مفاجئة: وسوم لا تكونين حامل؟!!


ابتسمت وسمية بإرهاق: أي حامل الله يهداش!!


عفراء بابتسامة مشرقة: وش فيها؟؟ مزون صار عمرها 4 سنين.. وش تتنين بعد؟؟


وسمية بضيق: ما أدري عفراء حاسة إنه صحتي مهيب ذاك الزود..ما أبي أستعجل في الحمال لين أتأكد إن كل شيء عندي زين


عفراء تحاول أن تحمي شقيقتها من مجرد الفكرة التي أثارت أقسى مخاوفها:
وش ذا الكلام يا وسمية؟؟ مافيش إلا العافية.. توش 28 سنة وموسوسة كذا
أجل لا صرتي 40 وش بتسوين؟؟!!


وسمية بهدوء خائف شفاف: مهوب أنا وبس اللي ملاحظة ذا التعب.. حتى زايد ملاحظ.. وجنني يبي يوديني للمستشفى
بس أنا خايفة ومتوترة وموسوسة على قولتش


عفراء تحاول إدعاء المرح وإبعاد الفكرة المؤذية عن خيالها: يأختي يأختي من قدش أبو كساب خايف عليش..


وسمية بشفافية: فديت أبو كساب.. ليته بس صفا لي.. كان سويت على قولت خالد الفيصل:
إذا صفا لك زمانك، علّ يا ضامي واشرب قبل لا يحوس الطين تاليها


وكان علّيت وعلّيت .. لكن أنا شكلي بأموت ضامية ما ارتويت.. والطين حاس أولها وتاليها..


عفراء بصدمة وألم : وسمية وش ذا الكلام الشين والفال الأشين.. أبو كساب مضايقش بشي؟؟


وسمية تهمس بشفافية سماوية مثقلة يالشجن والوجع: فديت زايد ياعفراء.. جعل كل الرياجيل فدوتن له..
زايد طول عمره حاشمني.. يعزني ويحترمني.. بس.. بسس


عفراء تستحثها للكلام: بس ويش؟؟ وش عندش؟؟


وسمية بذات الوجع الشفاف: بس عمره ما حبني.. من يوم خذته ولين الحين.. وظني لين يموت وهو قلبه لها



حـــيــنــهـــا
لم تستطع وسمية التماسك.. سالت دمعة طال أمد حبسها
دمعة جرحت عفراء حتى النخاع.. قبل أن تنزل سهما من لهيب في روح وسمية المثقلة..


عفراء باستنكار: اللي قال لش ذا الكلام كذاب.. يبي يخرب عليش.. أبو كساب مستحيل يكون يحب وحدة عليش


وسمية مسحت دمعتها الخائنة وهمست بسخرية مرة.. سخرية امرأة مجروحة تريد أن تسخر من نفسها كما سخرت منها وبها الحياة:
ولو كان زايد هو اللي قال لي بنفسه.. يكون كذاب بعد..


حينها شعرت عفراء بفتور في عظامها.. وضعت كفيها فوق رأسها وخبئت وجهها بين ركبتيها وهمست بصوت مبحوح: مستحيل أبو كساب يجرحش كذا.. مستحيل يسويها
لا تقولين إن أبو كساب كان قاسي وقذر لذا الدرجة معش..
تكفين لا تكسرين صورته الكبيرة في عيني..


ابتسمت وسمية بألم وهي تمسح رأس عفراء بحنو: زايد كبير وطول عمره كبير
زايد بنفسه ما يدري إني أدري


عفراء رفعت رأسها لتظهر عينيها المحمرتين وهمست بدهشة: أجل أشلون هو اللي قال لش؟؟


وسمية بوجع مستشر وكلماتها تمزق روحها.. أحرفها سكاكين تنغرز في حنجرتها.. وكأنها تبصق دما وألما مع عبراتها المسكوبة:
يناديها يا عفرا.. كل ليلة يناديها.. ليتش تسمعينه بس أشلون يدعيها
يون ياعفرا يون !!! اسمها كله ونين.. يشرق باسمها وهو راقد
وأنا يا عفرا أكثر الليالي يحرم علي النوم.. أشلون أنام وأنا ادري إني نايمة جنبه لكن هي نايمة في قلبه ومتلحفة بروحه
عشان كذا أطق لغرف عيالي .. إذا صحا من نومه وما لقاني.. جا يدورني
أموت وهو يهمس لي بعتب: (يعني معقول النومة جنبي تضايق لذا الدرجة!! كل ليلة على ذا الموال)
أدور ألف عذر.. إلا السبب الحقيقي.. ماحبيت أصغره في عين نفسه.. وحبيت أخدع نفسي إنه كفاية علي حبه وهو صاحي..


عفراء بصدمة كاسحة وغضب مكتوم: أشلون استحملتي؟؟ أشلون؟؟ أشلون ما انفجرتي فيه وعليه؟؟


وسمية بألم متحذر: وأيش راح أستفيد؟؟ الحين زايد مخبي مشاعره علي.. وعلى الأقل يمثل إنه يحبني.. وأنا مستمتعة بذا التمثيلية!!
لكن لو قلت له إني عرفت.. شي حلو بيني وبينه بينكسر
أنا أحب زايد ياعفراء فوق ما تتخيلين.. مستحيل أجرحه بذا الطريقة!!


عفراء بغيظ: والشيخة ست الحسن وش اسمها.. جعل ربي يمحى اسمها من الدنيا


وسمية بألم: لا تدعين.. واسمها مستحيل أقوله لأحد..


عفراء بذات الغيظ: زين نعرفها؟؟.. من جماعتنا؟؟.. من بعيد؟؟


وسمية بوجع: اسمها منتشر واجد عند جماعتنا.. لكن أني أعرف من هي بالضبط.. لا ما أعرف..
ثم أردفت بوجع أعمق: تدرين عفراء صرت أشوف في كل وحدة شايلة اسمها غريمتي


عفراء باستجداء غاضب: تكفين وسمية قولي اسمها.. ودي أفلع وجه كل وحدة بذا الأسم


وسمية بألم تجذر في روحها منذ سنوات وسنوات: اسمها بيروح معي لقبري.. وبيقعد في قلب زايد حتى بعد ما أروح



"ماذا تريدين أن أقول لكِ يا عفراء؟؟ ماذا أقول؟؟
هل أخبرك أي امراة خانعة أنا؟؟
هل أخبركِ أني امراة بلا كرامة اكتفت بفتات مشاعر زايد التي منحها لي تكرماً؟!!
هل أخبركِ كيف أذلني حب زايد حتى رضيت أن يسمي ابنتي باسم قريب من اسم حبيبته دون أن أعترض أو اشتكي حتى؟؟
هل أخبركِ أي ألم متوحش أشعر به حين يحتضنها ويهمس باسمها مُصغرا
وأنا أعلم أن ذات اسم الدلال هذا قد يكون ناغى به حبيبته آلاف المرات
ستعلمين حينها لماذا أكره أن ينادي أحدا ابنتي باسم تدليل؟؟
أشعر أن أي اسم تدليل سيقود إلى تلك الآخرى اللعينة
سيوقظ الذكرى التي ما أنطفأت يوما من قلب زايد
وأي ذكرى يا عفراء؟؟ وأي ذكرى؟؟
مرت السنوات وأنا أذوي وأذوي.. أزعم أن الأيام ستنسيه إياها
لكن الأيام والأشهر والسنوات مرت وهو لم ينساها
اثني عشر عاما مرت.. مافتر لسانه يوما واحدا عن مناداتها
أي أفعى هذه التي غرست نابيها المسمومين في قلبه ليتنشر سمها في كل خلاياه وشرايينه بهذه الطريقة؟!!
آه يا عفراء آه.. وألف آه"





*****************************




اليوم التالي
صبيحة سبت
وجمر تحت الرماد!!



غرفة وضحى
كانت وضحى تنهي للتو صلاة الضحى وشرعت في ارتداء ملابسها للنزول للأسفل


طرقات حازمة على الباب
همست بهدوء: دقيقة ياللي عند الباب


أنهت ارتداء ثيابها ثم فتحت.. ابتسمت ابتسامة شاسعة وهي ترا الطارق
تعلقت بعنقه وهي تهمس بمرح: أنزل شوي يالزرافة خلني أحبك


انحنى مُهاب قليلا ليقرب خده منها بينما همست وضحى بترحيب دافئ:
الحمدلله على السلامة.. 3 أيام في رحلة وحدة.. طولت علينا


مُهاب يتجاوزها ليجلس على سريرها وهو يهمس بهدوء حنون: عشان الرحلة هذي كانت تدشين لخط جديد قعدنا شوي في مكتبنا الجديد


ثم أردف بنبرة مقصودة: وأخرتني ذا الرحلة شوي عن موضوع مهم


هزت وضحى كفتيها وهي تجلس جواره متسائلة: خير إن شاء الله


مُهاب بابتسامة: خطاطيب لش


قفزت وضحى كالملدوغة وهي تتجه للنافذة وتنظر للخارج بتوتر في محاولة لمداراة خجلها وتوترها


اقترب منها مُهاب ليضع كفه على كتفها بحنان: طالعيني وضحى..


استدارت وضحى دون أن تستطيع رفع نظرها إليه.. شدها مُهاب ليعاودان الجلوس وهمس لها بهدوء: اسمعيني.. أنا تو قلت لأمي.. بس حبيت أكلمش بنفسي وأسمع منش
وترا عبدالرحمن بن فاضل ما ينرد


شهقت وضحى بعنف والاسم يخترق طبلة أذنها والأحرف تخرج مبعثرة مبتورة من بين شفتيها اللتين انخطف لونهما فجأة:
مـ ـن ؟؟ عـ عـ بـ د الرحمن؟؟ ولـ ـد عـ ـمـ ـتـ ـي ؟؟


ثم تنهدت بعمق وآلالاف الأفكار تضرب في رأسها كمطارق مجنونة..
لتقف بعدها وتبتعد وتهمس بنبرة متوترة مضطربة موغلة في حزن غير مفهوم:
ويومن إنه ماينرد.. ليه ردته أختك بدل المرة عشر؟؟


مُهاب وصل لمربط الفرس الذي كان يخشاه.. لكنه تنهد وهو يجيب بثقة: هذاك موضوع وهذا موضوع


حينها انفجرت وضحى بشكل مفاجئ غير مسبوق وغير متوقع: لا.. هم موضوع واحد
ثم أردفت بحزن مرير وغضب عميق: ويا ترى أنت اللي عرضتني عليه تعويض له عن وجهه اللي طاح من كثر ماخطب كاسرة وردته؟؟
أو هو اللي خطبني بعد ما يأس من كاسرة.. وقال يالله ماحصلت لنا الزينة نأخذ أختها الشينة.. عشان يحر كاسرة؟؟


مُهاب تغير لون وجهه وبدا أنه يعاني غضبا يحاول كتمه: عيب عليش ذا الكلام يا وضحى


وضحى تنتفض بعنف وتوشك على البكاء: إلا عيب عليك أنت ياولد أمي.. ترخصني كذا.. وترميني ذا الرمية
آسفة امهاب.. وقول لعبدالرحمن: ماعندنا بنات للعرس..
وأعتقد عادي عنده.. تعود على الرفض.. ما أعتقد أنه بيأثر فيه عقب كفوف كاسرة له


انتفض مُهاب.. أي مصيبة جلبها لنفسه.. لم يخطر له ولا حتى للحظة أن وضحى قد ترفض عبدالرحمن.. كيف يرد عبدالرحمن وهو من عرضها عليه


صرخ مُهاب من بين أسنانه: مهوب على كيفش تصغريني قدام الرجّال.. بتأخذينه يعني بتأخذينه


حينها انهارت وضحى في البكاء وهي تصرخ بين عويلها: إيه أنا اغصبني.. لأني الطوفة الهبيطة في ذا البيت.. الكل يدوس على رقبتي
لكن كاسرة ما تقدر عليها.. سوو روحك الحين رجال علي واغصبني..
وليش ماغصبت كاسرة عليه.. يومن أنك رجال ما تبي شيء يصغرك قدام الرياجيل
رجّال علي أنا بس...


أوقف سيل كلماتها............. صفعة قوية ألقتها على السرير..
انتهت الصفعة والجميع وقفوا في ذهول..
مُهاب يحاول ألا ينظر إليها.. لأول مرة يفعلها ويمد يده على إحدى شقيقاته.. وتكون وضحى بالذات!! وضحى؟!!
كاسرة استحقت الصفع مئات المرات ولم يصفعها... بينما هذه المسكينة لأول مرة تعبر عن رأيها وتصرخ.. فيكون احتوائه لثورتها : صفعة


في ذات وقت الصفعة وصل الجمهور.. مزنة وكاسرة وصلتا ركضا على صراخ وضحى غير المعتاد.. ليفجعا بالمنظر
مزنة بقيت واقفة غير مستوعبة.. بينما كاسرة انفجرت بانفعال وهي تقف أمام مُهاب:
أشلون تتجرأ وتمد يدك عليها.. شايفها بهيمة.. بالطقاق بعبدالرحمن... هو العرس بالغصب


فكان رده عليها كذلك صفعة ألقتها في حضن شقيقتها..
يا لغرابة البشر..؟!!
منذ صفع وضحى وهو يشعر أن تكفيره عن صفعته لها هو صفعة لمن تسببت بكل ذلك.. لكاسرة
وهاهي أتته بقدميها.. ربما كان ليصفعها بدون سبب.. ولكنها قدمت له السبب مهما كان واهيا


مُهاب لم يسمح لهن بالمزيد.. يريد استغلال ذهول والدته قبل أن تنفجر هي الأخرى
فانفجار والدته سيكون شيئا مرعبا هو غير مستعد له الآن مع كل هذا الندم والألم في روحه
خرج.. ليتنفس... فهو يشعر أنه على وشك الانفجار من الغيظ والغضب.. من نفسه.. قبل أي شيء!!





***************************





مجلس زايد آل كسّاب
الصباح الباكر


علي يجلس مع والده والإرهاق باد على محياه لأبعد حد.. لم ينم مطلقا منذ يومين.. جسده يكاد ينهار من التعب.. وعقله من التفكير
يهمس بغموض: يبه متى بنملك؟؟


زايد بنبرة غامضة مقصودة: ملكة كذا على طول؟؟


علي باستغراب: وش نتنى؟؟ خالتي وموافقة.. وسفر جميلة بكرة
ومن البارحة ماعاد عطوها منوم عشان تكون واعية.


زايد ينظر له بنظرة مباشرة: وجميلة مالها أهل نرد لهم الشور؟؟


علي قفز بغضب: عسى تبي تكلم ولد أخ عمي خليفة الله يرحمه؟؟


زايد نظر له بغضب وهمس له بحدة: اقعد ياولد.. واحشم أبيك..
ثم أردف بثقة: وأكيد لازم أشور أحمد.. هذا ولد عمها.. واللي باقي من أهل أبيها


علي بغضب عميق وضيق أعمق: الحين صاروا أهلها.. وينهم ذا السنين كلها؟؟!!


زايد بصرامة: لا تظلم الناس يا أبيك.. أحمد طول عمره واصل.. وعلى طول ينشد عن جميلة.. وقبل توفى مرته كانت دايما تزور عفرا
بس الحين ماعاد إلا هو وعياله الثلاثة.. تبيه يعني يقول خلوني أشوفها وهو مهوب حلال لها؟؟
ثم أردف بحنين عميق مؤلم وبهمس خافت: مافي طرف خليفة قاطع


علي يحاول تجاوز ضيقه المتزايد بصورة غريبة.. فهو منذ وطئت قدماه الدوحة وشعور قلق مستنزف يجتاحه: يبه كذا بنتأخر في الموضوع!!


زايد بهدوء وهو يتناول فنجان قهوته من المقهوي الذي يقف بدلة الرسلان: لا متأخرين ولا شيء..
أنا من البارحة أصلا كلمت أحمد.. وبنروح له في بيته بعد شوي





**************************





في غرفته يجلس
يشعر كما لو أن هموم الأرض كلها تجمعت لتتزاحم فوق كتفيه
مشوش التفكير.. لأول مرة يشعر أنه عاجز عن التصرف المنطقي أو المناسب
وأكثر ما يؤلمه...... وضحى
كيف امتدت يده الضخمة لخدها الرقيق..
هذه النسمة الرقيقة التي اعتادت أن تمر مر السحاب الهادئ..
لا يريد إجبارها على شيء.. ولكن في ذات الوقت يستحيل أن يخبر عبدالرحمن برفضها
أن ترفضه الشقيقتان على التوالي.. أمر لا يمكن احتماله
لا يمكن أن يضع عبدالرحمن في هذا الموقف
بل يستحيل أن يعرضه لهذه الإهانة!!!


وآخر آخر آخر ماكان ينقصه في فوضى التفكير هذا.. هذا الإعصار الذي اقتحم غرفته!!


" أنت أشلون تجرأ وتمد يدك علي؟!!
يعني عشان اسمك أخينا الكبير شايف لنفسك ذا الحق؟!!
وإلا يمكن عشان عارف إنه ماحد يقدر يوقف في وجهك
ماورانا حد يردك لا تفرعنت علينا
جدي وإلا تميم؟!!
بس لا يا امهاب.. لا.. وأظني إنك تعرف كاسرة من هي
أنا ما أبي لي ظهر رجّال أتحامى فيه..
وأقدر أوقف في وجهك.. وأحمي نفسي وأحمي أختي
وضحى مستحيل أخليك تجبرها على شيء هي ما تبيه لو على قص ربي


مُهاب يقف بحدة مرعبة ولون وجهه ينقلب من الغضب
ولكن كاسرة لا تتأخر حتى خطوة وهي تقف أمامه بكل برود
مُهاب يمسك كفيه ورا ظهره حتى لا يتهور للمرة الثانية
ويهمس من بين أسنانه التي تكاد تتكسر لشدة ضغطه عليها: هذي أخرتها ياكاسرة.. تطولين لسانش على أخيش الكبير؟!!
كاسرة انهدي الله يهد عدوينش
ترا شياطين الدنيا كلها تنطط قدامي.. فروحي إذلفي واتقي شري


كاسرة تقترب خطوة بعد وتهمس ببرود مستفز: ماني برايحة.. ورني وش تبي تسوي؟؟


مُهاب يزفر بحرارة محرقة كحرارة غضبه المستعر.. وهو يفتح كفيه ويغلقهما..
كم كان نادما على صفعها.. ولكنه يود الآن لو يصفعها مئة مرة
وحتى يتقي شر نفسه.. تراجع ليتناول غترته الملقاة على السرير.. ويخرج
بينما تعالى صراخ كاسرة ورائه: علمن ياصلك ويتعداك.. ترا وضحى مهيب ماخذة عبدالرحمن.. وماعاش من يغصبها على شيء





**************************




مقهى لاميزون النجار
شارع سلوى



في زواية الطابق السفلي يجلسان يرتشفان قهوتيهما
يهمس أكبرهما: وش عندك كسّاب؟؟ أعرفك ذا الوقت في شركتك؟؟


كسّاب بهدوء متوتر: ما أدري وش فيني ياعمي.. متوتر من موضوع علي..


يبتسم منصور: يعني عشان إخيك الصغير بيعرس قبلك؟!!


كسّاب باستنكار مستاء: وش ذا الكلام ؟؟ أنا متوتر من تأخير الموضوع
أنا وعلي كنا متفقين إنه يتملك اليوم الصبح بدري.. عشان سفرهم بكرة
بس أبي طلع بسالفة إنه لازم يشور أحمد ولد عم جميلة
يعني لا هو وكيل البنت.. ولا له حكم عليها..
وش له هالشكليات اللي مالها داعي.. يأخر علي من غير سبب


منصور بنبرة لا يعرف هل هي غيرة أم حنين: خليفة وهله عند أبيك غير
ثم أردف وهو ينفض رأسه: بعدين أنا أعرف أحمد.. رجّال أجودي وفيه خير
وما أعتقد إنه بيأخرهم
وخصوصا إنه دايم يقول جميلة بنتكم..


كسّاب بذات التوتر الذي لا يزول: الله يجيب الخير





*****************************





بيت فاضل بن عبدالرحمن


صالة البيت السفلية حيث تجلس جوزاء تطعم ابنها فطوره
تنزل شعاع وهي تقفز الدرج قفزا
لتقفز بجوار جوزاء وهي تهمس في أذنها بحماس وبصوت خافت: ماسمعتي أخر الأخبار؟؟؟


جوزاء بغضب لطيف: مفلوجة أنتي؟!! سلمي.. واقعدي مثل الأوادم مهوب القرود


شعاع تدعي الغضب: أجل موتي حرة.. ماني بقايلة لش شيء


جوزاء تهز كتفيها وتعود لإطعام صغيرها: عادي.. أخرتش بتقولين بتقولين
لأنش بتموتين لو ما قلتي


شعاع تشد الصغير وتهمس بحماس: هاتي حسّون أنا بأأكله..


جوزاء تترك حسن الصغير مع خالته وتسند ظهرها للكنب وهي تنظر بشبح ابتسامة لتعابير وجه أختها الصغيرة..كيف تلمع عيناها وتعض شفتيها


بعد مرور دقيقة همست جوزاء بخبث: نضجتي وإلا بعد؟؟


شعاع تضع الطبق والملعقة على الطاولة الصغيرة أمامها وتلف كامل جسدها ناحية أختها: مشكلتش عارفتني.. أنا اشهد أني نضجت ونضجت
خذي القنبلة


ثم صمتت لثانية وهمست بنبرة الأخبار المهمة: عبدالرحمن خطب وضحى


كانت وقتها جوزاء تعاود تناول الصحن وهي تشد ابنها ناحيتها.. فسقط الطبق من يدها وعيناها تتوسعان وهي تهمس بصدمة: من جدش؟؟


شعاع بجدية: ذا المواضيع فيها مزح؟؟


جوزاء تعاود التماسك ثم تهمس بثقة: وضحى أحسن بواجد من أختها المعقدة المغرورة.. الله يوفقهم


شعاع بحماس بريء: بس يعني ما أثار فضولش تغيير عبدالرحمن لرأيه..
لين الأسبوع اللي فات وهو يقول إنه بيرجع يخطب كاسرة لو رفضت الخاطب الجديد


جوزاء تعاود إطعام الصغير الذي بدأ يرفض الطعام بإصرار رغم محاولات جوزاء المتكررة
وتهمس بهدوء لا يخلو من نبرة تشفي: الحمدلله إنه عقل.. لو كان خذ كاسرة كان جننته





***************************





منطقة الدحيل
بيت أحمد بن جاسم.. ابن شقيق خليفة
في مجلسه


حيث يجلس هو و زايد وعلي وأبنائه الثلاثة الذين أصر على تواجدهم جميعا تقديرا لزايد الذي يحترمه كثيرا
علي يجلس بهدوء وثقة ولكن تفكير مر يجتاح أعماقه كاعصار كاسح أبعد مايكون عن هدوءه الظاهري..
قلق متوحش يلتهم خلاياه التهاما.. يشعر أن جميلة تتحول إلى إلى طيف يرتحل ويتركه
لا يعلم لماذا يسيطر على تفكيره هذا الهاجس المؤلم الذي شعر به يذيب داخله ألما!!


جميلة..حلمه الشفاف يرتحل كحمامة حلقت للأفق البعيد.. واختفت!!
أ كثير عليه أن ينظر لمحياها العذب ولو لمرة..؟!!
أ يعقل أنها ستموت قبل أن تكون له؟!!
ترحل قبل أن يطبع على عينيها الذابلتين قبلة حلم كثيرا بها دون أن يعرف سببا لهذا الحلم!!



انتزعه من أحلامه وخيالاته والده وهو يضع يده على فخذه ويقول بنبرة احترام: ها يا أبو جاسم.. وش رأيك؟؟


أحمد باحترام متزايد: ياي تخطب بنتك يأبو كسّاب؟!!.. أنت بس كان عطيتني موعد الملكة وأنا بأيي أشهد على عقد ولدي علي


تنهد علي بعمق وهو يأخذ نفسا طويلا يعوضه عن أنفاسه المكتومة منذ الصباح
اتسعت ابتسامته بارتياح بعد شد الإعصاب المضني الحارق..
ولكن ابتسامته سُرعان ما نُحرت في مهدها وهو يسمع صوت حازم يقف ليهمس معارضا بنبرة مقصودة:
من غير تقليل احترام لك يبه ولا لعمي أبو كسّاب
بس عمي أبوكسّاب ريال بدوي وهذي عاداتهم اللي مايفرطون فيها لو مهما صار
ويعرف عدل إن ولد العم أحق ببنت عمه
وأعتقد إني أنا الأحق ببنت عمي خليفة

همس المشاعر
09-19-2011, 11:10 PM
بين الأمس واليوم/ الجزء الخامس







منطقة الدحيل



بيت أحمد بن جاسم.. ابن شقيق خليفة



في مجلسه




حيث يجلس هو و زايد وعلي وأبنائه الثلاثة الذين أصر على تواجدهم جميعا تقديرا لزايد الذي يحترمه كثيرا



علي يجلس بهدوء وثقة ولكن تفكير مر يجتاح أعماقه كاعصار كاسح أبعد مايكون عن هدوءه الظاهري..



قلق متوحش يلتهم خلاياه التهاما.. يشعر أن جميلة تتحول إلى إلى طيف يرتحل ويتركه



لا يعلم لماذا يسيطر على تفكيره هذا الهاجس المؤلم الذي شعر به يذيب داخله ألما!!




جميلة..حلمه الشفاف يرتحل كحمامة حلقت للأفق البعيد.. واختفت!!



أ كثير عليه أن ينظر لمحياها العذب ولو لمرة..؟!!



أ يعقل أنها ستموت قبل أن تكون له؟!!



ترحل قبل أن يطبع على عينيها الذابلتين قبلة حلم كثيرا بها دون أن يعرف سببا لهذا الحلم!!





انتزعه من أحلامه وخيالاته والده وهو يضع يده على فخذه ويقول بنبرة احترام: ها يا أبو جاسم.. وش رأيك؟؟




أحمد باحترام متزايد: ياي تخطب بنتك يأبو كسّاب؟!!.. أنت بس كان عطيتني موعد الملكة وأنا بأيي أشهد على عقد ولدي علي




تنهد علي بعمق وهو يأخذ نفسا طويلا يعوضه عن أنفاسه المكتومة منذ الصباح



اتسعت ابتسامته بارتياح بعد شد الإعصاب المضني الحارق..



ولكن ابتسامته سُرعان ما نُحرت في مهدها وهو يسمع صوت حازم يقف ليهمس معارضا بنبرة مقصودة:



من غير تقليل احترام لك يبه ولا لعمي أبو كسّاب



بس عمي أبوكسّاب ريال بدوي وهذي عاداتهم اللي مايفرطون فيها لو مهما صار



ويعرف عدل إن ولد العم أحق ببنت عمه



وأعتقد إني أنا الأحق ببنت عمي خليفة




علي قفز وهو يتخذ وضعية وقوف أشبه بوضعية قتالية



وهو يلتفت لأبن أحمد الأوسط الذي كان يقف بكل ثقة بعد أن ألقى عبارته المسمومة



ليصرخ فيه بغضب كاسح: نعم؟؟ شتقول أنت؟؟ صاحي أنت يأخ وإلا........




علي كتم باقي جملته في صدره..صمت على جمرة ملتهمة شعر بها تحرق لسانه وتنشر الحرائق في جوفه..



صمت انتظارا لرد والده واحتراما لأبي جاسم الذي صرخ في ابنه بغضب:



خـــلــيــفــة..



اقعد لا بارك الله فيك من ولد



تبي تفشلني في الرياييل؟؟




خليفة مازال واقفا وهو يهمس بثقة: أنا ما قلت شيء غلط.. تكلمت في حق



وأظني إنه عمي أبو كسّاب عارف هالشيء




لا يعلم خليفة أي جنون خطر بباله..



شعر بإهانة مبطنة في هذه الخطبة.. ثم من رد والده



وكأن زايد وابنه حينما جاءا للخطبة كان ذلك تحصيل حاصل



لأنهما جهزا لعقد القران قبلها.. وكأنهما يسلبانه حقه ليمنحوه لأنفسهم



أليسوا هؤلاء البدو الأجلاف هم من سنو هذه العادة المرذولة؟؟



ألم يُطرد قبل شهرين شر طردة حين تجرأ وخطب أخت صديقه البدوي



ليقف ابن عمها في وجهه في مجلس مليء بالرجال



ويجعله يشعر بالحقارة والضآلة وعمق الإهانة



"ربما اليوم يريد الله أن يعيد لي بعضا من كرامتي المهدورة



سأفعل مثلهم.. نعم مثلهم!!"




همس زايد بثقة: حقك ياولدي.. بنت عمك وأنت أولى بها



بس جميلة حالة خاصة.. جميلة تعبانة في المستشفى وسفرها بكرة



بنخير البنت بينك وبين علي





"الخبيث.. يعلم أنها ستختار ابنه



فهي لا تعرفني



يريد أن تمشي اللعبة وفق قواعده"





همس خليفة بذات الثقة الغريبة: بس أكلمها أول.. هي ما تعرفني..



عشان يكون فيه عدالة بيني وبين ولدك



أبي أكلم جميلة أول..



وعقب هي تختار.. واللي تختاره أنا موافق عليه




وجه علي كان يحتقن من شدة الغضب وهو يود لو يخنق هذا المسمى خليفة ويزهق روحه..



كيف يتجرأ على ما ليس له؟؟



كيف يجرؤ على مجرد الحلم بأن يكلمها؟؟



كيف يجرؤ على التفكير بالاقتراب من حدود طفلته.. طفلته هو فقط؟!



ولكن علي مازال يعتصم بأخلاقه الرفيعة وسيطرته على أعصابه حتى لا ينفجر.. فهو في مجلسهم وبيتهم



وعلي متيقن أن والده لن يخذله ولن يسمح لهذا الدخيل بالتمادي أكثر من هذا..



لذا شعر أنه يُنحر من الوريد للوريد وللمرة الثانية في هذا المجلس وهو يسمع رد والده الواثق:



تعال للمستشفى عقب صلاة الظهر وأخليك تكلمها







*************************







مقهى لا ميزون النجار



حيث يجلس كسّاب ومنصور





كسّاب أنهى اتصالا غاضبا.. كان يحاول أن يكتم صوته ولكنه يشك أن صوته ربما وصل حتى آخر زبون في المقهى..



وهاهو يقفز ليتناول هاتفه الآخر ومفاتيح سيارته عن الطاولة



ومنصور يقف معه وهو يهمس بحزم: وش قال لك إبيك؟؟




كسّاب بغضب ناري وعيناه تكادان تنقلبان غضبا: ولد أحمد قرّع (حيّر) جميلة.. وإبي رخّص له.. لا وبيخليه يكلمها بعد



وعلي طلع زعلان.. وإبي يقول لي دور له لأنه يتصل عليه وجواله مسكر




منصور بنبرة غامضة حازمة ومقصودة.. مقصودة جدا : روح دور لأخيك وطيب خاطره



وأنا بعد بأروح أدور أخي ..بيننا كلام







*************************







محل حواسيب ضخم وأنيق...محل تميم



الساعة العاشرة صباحا



صبيتان تتوقفان أمام المحل.. وإحداهما تحمل حقيبة حاسوب محمول..





- هذا هو المحل.. إذا حد بيصلح لج جهازج ويرجع الملفات الضايعة يكون هالولد.. عبقري كمبيوترات



- قطري؟؟؟ ويشتغل بنفسه في المحل؟؟ (بدهشة عميقة وهي تنظر من بعيد لتميم المستغرق في تفكيك جهاز أمامه)



- إيه قطري..



- بس ماقلتي لي مزيون جذيه.. نعنبو مصلح كمبيوترات وإلا بطل سينما



- اذكري الله.. وتراه مسكين ما يسمع كلش ولا يتكلم



- (انتقلت النبرة من النقيض للنقيض من الانبهار العميق إلى الشفقة العميقة) : ياحراااااااام.. مسكين والله




أحد العاملين في المحل ينتبه لدخول الفتاتين.. يهز كتف تميم برفق ليستقبلهما



لأن تميم حين يعمل يكون كل تركيزه في الجهاز بين يديه




رحب بالفتاتين بهزة من راسه.. ثم أعطاهما ورقة كُتب فيها



" ماهي مشكلة جهازك؟؟ حدد بشكل واضح ودقيق"




الفتاة كانت تكتب قليلا.. وتسترق النظر من قرب لوجه تميم الذي كان غاضا لبصره عنهما




حالما انتهت.. قرأ تميم الورقة على عجالة.. ثم كتب في أسفلها: الاستلام غدا..



همست الفتاة بدهشة: بكرة بكرة..



ثم تذكرت وهي تشير بيدها بطريقة فاشلة ومضحكة علامة للدلالة على غدا



ابتسم تميم وهو يهز رأسه




الأخرى شدتها وهي تلقي التحية.. ثم تهمس في أذنها: يالله فضحتينا.. خلينا نمشي




الأولى بدهشة: ليه وش سويت؟؟




الآخرى بغيظ: كلتي تميم بعيونج.. استحي يابنت..




الأولى بحالمية : واسمه تميم بعد.. حتى اسمه يجنن مثله



ولكنها عادت وأردفت بشفقة أعمق.. شفقة صافية.. وكأنها استكثرت عليه إعجابها به: والله حرام كل ذا الذكاء والوسامة وأصم أبكم



تدرين كل مهندسين الكبيوترات اللي جيتهم قالوا لي لازم فورمات جديدة وتروح كل ملفاتي..وعلى الأقل يومين لثلاث أيام من ضغط الشغل عليهم..



إلا هو.. ماشاء الله تبارك الله







******************************







مستشفى حمد



قبل صلاة الظهر بساعة



بقرب المصاعد.. استراحة الطابق الذي تقيم فيه جميلة





زايد قرر التوجه للمستشفى مع هذا التوتر الذي يعصف به



لا يعلم أين ذهب علي ويكاد يتناثر قلقا عليه وحزنا من أجله



يكاد يختنق وروحه تتمزق وهو يعلم أي جرح تسبب فيه لعلي



يجره غصبا عنه لبيت أحمد وهو يظن أنه يعرضه لإجراء شكلي سينتهي في دقائق



ليتحول الإجراء الشكلي لمأساة!!!



ثم بعد ذلك يخذله بهذه الطريقة الموجعة.. كان يستطيع رفض طلب خليفة.. وإتمام عقد القران كما أراد..



فأحمد كان يقف بصفه حتى اللحظة الأخيرة.. عدا أن جميلة مريضة جدا وعذره معه.. فهي ليست في وضع يسمح لها بهذا العبث



وخصوصا أن هذا الخليفة لا يعرفها حتى.. ورفضه لن يؤثر عليه.. بينما علي شيء آخر.. آخر



يمزقه كيف كسّره وكبح جماح عنفوانه الثائر وهو يكاد يطبق في عنق خليفة:




"تبي تكلمها يا الخسيس.. تبي تكلمها؟!!..



بأذبحك قبل ما تفكر تقرب من المكان اللي هي فيه



أشلون تجرأ على محارمنا يالخسيس؟!!"




لينتزعه والده بعيدا عنه وهو يصرخ بحزم: إذا هي محارمك.. فهي محارم خليفة أكثر منك..



أنا قلت له خلاص بيكلمها.. وإلا تبي تكسر كلمتي ياولد؟!!




لينظر حينها علي لوالده نظرة أشبه ما تكون بنظرة ميت غادر الحياة..



ثم تتشتعل عيناه بنظرة أخرى وينفجر بعدها في صخب مرعب: اشبع فيه .. بديته عليّ... خلاص أشبع فيه يبه.. عليك وعليه بالعافية..




وهاهو ما حدث قد حدث .. لم يستطع رد طلب (سمي) خليفة.. وهاهو في انتظار خليفة ابن أحمد ليقوم بحواره المجهول مع جميلة



لو كان هذا الطلب طُلب من زايد في ظروف عادية



أو ربما لو كان من طلبه ليس من طرف خليفة



لم يكن زايد مطلقا ليسمح أن يخدش أي شخص كان خصوصية صغيرته المريضة




فأي يوم عصيب هذا؟؟



كيف ساءت كل الأمور فجأة لتتجمع كل هذه المصائب فوق رأسه سويا؟!




وما كان ينقصه مع كل هذا الشد هو إصرار منصور على رؤيته..



وهاهو قادم الآن!!



منصور بالذات لا يريد أن يراه الآن..



فهو في غنى عن صرامة كلمات منصور التي يعرف كيف ينتقيها باحتراف موجع حين يريد..



وهاهو ما يخشاه :




" مبسوط يا زايد؟!!



أكيد مبسوط؟!!



متشقق من الوناسة؟!!



فرحان إنك بديت ولد ولد إخ خليفة على ولدك اليوم



مثل ما بديت خليفة على أخيك قبل عشرين سنة..!!!"







**************************







قبل 23 عاما




بيت زايد القديم



مقلط البيت





يدخل زايد للمقلط ليجد منصور جالسا فيه...يتغير وجه زايد وهو يلقي السلام عليه



بينما يقفز منصور ليقبل رأس أخيه الكبير باحترام بالغ..




يهمس زايد بحزم: وش مقعدك هنا؟؟




منصور بحرج عميق وهو يتلفت عن يمينه ويساره: فيه شيء يابو كسّاب؟؟



أبي أطلع للكلية



وما لقيت لي بدلة مكوية.. وأنت عارف وش يسوون فينا لو لقوا في اللبس كسرة وحدة



جبت بدلتي تكويها أم كسّاب لي.. وقاعد أنتظرها




زايد بحزم: من اليوم بأخلي عند صبي المجلس كواية هو في اللي بيكوي لك



ويحطها في ملحقك



لا تنسى البيت الحين فيه بنية تستحي منك




منصور باستنكار: أي بنية ؟؟ عفيرا؟؟؟



ماعاد إلا عفيرا البزر تستحي!!




زايد بذات الحزم: عفرا صارت مرة.. أنا الحين ما أدخل البيت إلا عقب ما أنبه عليهم كم مرة قبل أدخل




منصور بذات الاستنكار وبصوت خافت: عفيرا البزر!!!




حينها دخلت أم كسّاب ببرقعها وهي تلتف بجلالها الواسع وتحمل بدلة منصور العسكرية بيد وابنها كسّاب يمسك بيدها الآخرى



ما أن ناولت منصور لباسه العسكري حتى خرج مسرعا



بينما أم كسّاب ترجوه أن يجلس ليشرب القهوة مع أخيه



منصور يخرج كهارب مدحور وهو يهمس بحرج: مشروبة يام كسّاب.. مشروبة




وسمية بتساءل وهي تجلس بجوار زايد وتضع يدها فوق يده: وش فيه منصور؟؟




زايد بغضب حازم: منصور لا عاد يدخل داخل البيت أبد



وإذا أنا ما أنا بموجود أكله ولبسه يجيه في ملحقه




وسمية قفزت وهي تنفض يدها.. أشارت لكسّاب أن يتوجه للداخل.. ثم همست بغضب مكتوم: هذي أخرتها يا أبو كسّاب..



منصور من تزوجتك وأنا والله ما أشوفه إلا إخي الصغير



هذي أخرتها؟!!




زايد بابتسامة وهو يشد يدها ليجلسها جواره مرة أخرى: وين راح مخش يا بنت الحلال



أفا عليش يا الغالية.. أشك في روحي ولا أشك فيش



بس لا تنسين إن عفرا كبرت.. ومنصور صبي مزيون.. ومايصير نخلي النار جنب الكبريت



والاثنين مسئولين منا





"لم تكن مطلقا مطلقا مــطـــلـــقـــا في تفكيري



كان هو من وضعها في ذهني..



من يومها وجه تفكيري ناحيتها..



ربما لو لم يكلمني ذلك اليوم.. لربما بقيت دالهاً في حياتي دون أي انتباه لها



فما الذي سيجعل شاب في العشرين ينتبه لطفلة في الرابعة عشرة



كانت بالنسبة لي كمخلوق غير موجود إطلاقا



ولكن زايد بتحذيره ذاك جعل مشاعري كلها تتحفز ناحيتها



كأن يكون أمامك قطعة حلوى



ولكنك لا تريد حلوى ولا تشتهيها



لذا لا تنتبه حتى لوجود هذه الحلوى



ثم يأتيك من يقول لك: إياك أن تقترب من قطعة الحلوى هذه



حينها ما الذي سيحدث؟!!!



ستصبح هذه الحلوى هي بؤرة تفكيرك مهما حاولت ادعاء تجاهلها!!




كم قضيت ليالي طويلة مع الأرق أسترق النظر عبر النوافذ علني أرى خيالها



أقف مصلوبا خلف الستائر حتى تتصلب قدماي



وكأنه لا يكفيني تمارين العسكرية.. لتصبح هي تمريني الأقسى!!




كم رسمت أحلاما كانت هي أميرتها!!



وأمنيات بدأت بها وانتهت إليها!!



وابتسامات كانت تتأجج لمجرد ذكراها!!




بدأت أعيد تشكيل هيئتها في ذهني..



رسمت لها عشرات الصور.. وألبستها وجه كل أمرأة جميلة كنت أراها



استنزفت خيالي ومشاعري



لا أعلم هل أحببتها.. أم أحببت مجرد كونها رمزا لأحلامي؟!!



ولكنها يقينا كانت أمنية ثمينة سلبها زايد مني ليهبها لصديقه



فلماذا يُسكنها ذاكرتي ومشاعري وخلاياي إن كان من سيحرمني منها؟!!




وكما فعل معي.. فعل مع علي



كان من ترك جميلة أمامه.. ورفض إنفراد عفراء بسكن لوحدها



وحين سكنت تلك الصغيرة خيال علي



انتزعها ليهبها لرائحة خليفة



وكأن التعاسة مصيرنا كلنا الذي أهداه زايد لنا



كنت أنا أولا



ثم كسّاب



وهاهو علي ينال نصيبه



هل لأن زايد عاش محروما ممن أحب.. لابد أن يذيقنا جميعا من ذات الكأس؟!!"







*******************************







قبل عشرين عاما





" تكفى يا زايد.. أنا أبيها"




يسأله بحزم وصرامة : " تحبها؟!!"




منصور بصدمة وهو يكح بحرج " وش ذا الكلام يابو كسّاب.. عيب عليك



وش حب ؟؟ وش خرابيطه؟؟



صحيح عفرا مهيب بنت عمي.. بس من جماعتي



وأنا أحق بها من خليفة"




زايد بصرامة : " أنا عطيت خليفة كلمة خلاص"




منصور بصرامة مشابهة : " زين وأنا بأقرع عليه.. حقي.. وإلا بتمنعني من حقي؟!!"




زايد بصرامة أشد : " إقرع عليه عشان تصير لا أنت بأخي ولا أعرفك.. والله لأتبرأ منك.."





كانت صفعة لمنصور.. صــفــعــة!!



ليست القضية مجرد امرأة.. بل أبعد من ذلك بكثير



بين قرابة دم وقرابة روح!!



قبل ذلك لم يكن يشك في مكانته عند زايد الذي مثّل أبا له



لكن أن يهدد أن يتبرأ منه من أجل إرضاء خليفة.. كانت صفعة العمر كله!!!







اليوم






"ها زايد.. جاوبني



مبسوط باللي سويته في علي؟؟"




زايد بهم: منصور أنا ماني بناقصك




منصور بغضب مكتوم وهو يقرب مقعده من زايد ويهمس في أذنه:



يعني من جدك ماكنت تقدر تخلصنا من ذا المسرحية اللي مالها معنى؟!!




زايد بحزم وهو ينفض رأسه: رجّال وبغى يقرع بنت عمه.. أقول له لا ؟!!




منصور بحزم أشد: إيه قول له لا.. مثل ماقلت لأخيك..



يعني أنا ما خلتيني أقرع عفرا مع أني أنا الأحق بها واللي كنت أبيها



لكن ولد أخ خليفة اللي حتى ما يعرف جميلة تخليه يقرع على ولدك!!



أنت أشلون ميزان العدالة عندك مايل كذا؟؟!!



ما كفاك اللي سويته فيني.. جاي تعيد نفس السالفة في ولدك؟!!




زايد بغضب مهموم: منصور لا تسوي روحك ضحية.. لأنك أبعد واحد يليق عليه ذا الدور..



أنا عرضت عليك عفرا عقب موت خليفة وعقب كل طلاق من طلاقاتك بدل المرة عشرين..



أنت اللي على طول كنت تقول: طابت النفس منها




منصور بسخرية: لا ياولد أمي.. أنت ما عرضت علي عفرا.. أنت عرضت علي أرملة صديقك..



وخلنا من ذا السالفة المغبرة.. وخلنا في المهم.. علي..



قلنا خليفة كان صديقك وأدري إنك كنت تحبه أكثر مني... بس ولد ولد أخيه.......




زايد يقاطعه مستنكرا: اتق الله يا منصور.. أنا مستحيل أحب أي حد أكثر منك




منصور بصرامة: الحب مهوب كلام يا ولد أمي.. الحب فعل.. وأنت أثبتت إن حبك لخليفة أكثر حتى من حبك لعيالك



يعني تبدي واحد حتى ما تعرفه على ولدك اللي هو أغلى عيالك عندك



عشان ذا الواحد من ريحة خليفة



حرام عليك يا زايد علي.. حرام عليك ذا الولد واللي سويته فيك



علي بالذات ما يستاهل حد يجرحه



عمره ما طلب شيء.. عمره ما ضايق حد



يكون هذا جزاه عندك..




زايد مهموم .. مهموم.. مــهــمــوم :



يا ابن الحلال مابعد صار شيء.. ويمكن جميلة أساسا ماترضى تكلمه




منصور يسند ظهره لظهر الكرسي ويهمس بغموض:



(سبق السيف العذل) يازايد.. (سبق السيف العذل)







**************************







مزون تنزل الدرج بهدوء وهي ترتدي عباءتها وتمسك نقابها بيدها..



فالسائق وخادمة البيت العجوز ينتظرانها في الخارج لتذهب في المستشفى لجميلة



فوجئت بكسّاب يدخل كسهم ناري..وهيئته لا تبشر مطلقا بخير



كان يسحب غترته خلفه.. وجيبه مفتوح من الأعلى كاشفا عن بروز عروق عنقه النافرة غضبا وغيظا




ابتلعت ريقها برعب.. تمنت ألا ينتبه لوجودها.. ألا يكلمها..



فمن يستطيع مناطحة غضب كسّاب الذي يبدو أنه في أوجه وخصوصا أنها لوحدها؟!



حتى في فترة غضبه منها قبل أربع سنوت حين قررت أن تدخل للطيرن..



كانت حينما لا يكون والدها موجودا في البيت تهرب إلى بيت خالتها..



كانت مرعوبة أن يجدها لوحدها في البيت.. فمن سينقذها من يده؟!!



وبقيت على هذا الحال لمدة أسبوع حتى ذهبت غضبته التي كان يهدد أن يقتلها خلالها لتبدأ بعدها غضبته الأبشع التي قتلها بالفعل فيها!!





وبالفعل بدأ انه لم ينتبه لوجودها لأنه تجاوزها ركضا للأعلى.. حمدت ربها وشكرته بعمق وهي تقرر الإسراع بالهرب




ولكنها ما أن وصلت للباب حتى جمدت الدماء في عروقها وهي تسمع صراخه المرعب:



مـــزون..




التفتت ببطء وهي تشعر أنها سيغمى عليها من الرعب وهمست بارتجاف: لبيه




كان قد وصلها في حينه وصرخ فيها: شفتي علي؟؟




مزون ابتلعت ريقها: لا والله ماشفته من يوم طلع الصبح مع إبي




كسّاب بغضب مر: أبيش هذا مهوب مرتاح لين يجلطنا كلنا.. وعقبه بيرتاح




مزون بتردد: ليه إبي وش سوى؟؟




كساب يقول بسخرية مشتعلة بالغضب: ليه أبيش باقي شيء ما سواه؟!!



إذا رحتي له في المستشفى.. بتعرفين..



والحين وخري من طريقي لا بارك الله فيش







****************************







"يبه.. قوم فديتك.. ماباقي على صلاة الظهر شيء.. قوم أوديك توضأ"



صوت خافت حنون




"وين كاسرة؟؟ اليوم مهوب السبت ؟؟"



همس وهو يفتح عينيه المتكاسلتين بنظرهما الضعيف




ابتسمت مزنة وهي تسنده ليجلس : بلى فديتك



بس كاسرة لاهية شوي




الجد بعتب: لاهية عني؟؟




مزنة صمتت للحظة.. ماذا تقول له؟؟ هل تقول أن كاسرة ووضحى كلتاهما معتصمتان في غرفتيهما بعد صفعات مُهاب لهما



آخر شيء تريده أن تشغل والدها بأي شيء قد يثير همومه أو غضبه



لا تنكر مزنة تزاحم الغضب في ذاتها.. ولكن مُهاب خرج قبل أن تتحادث معه




والآن لابد أن تأجل الحديث والغضب حتى يعود.. فهي لا تريد شيئا يشغل والدها أو يضايقه.. فهي من بعد أمراض والدها وتقدمه في السن.. أصبحت تتنازل عن الكثير من أجله وأكثر ما يهمها راحته..




لذا كانت على وشك اختراع أي شيء لتقوله لوالدها لولا الصوت العذب/الحاد الذي قاطعهما:



"كاسرة عمرها ما يلهيها شيء عنك"




قالتها وهي تمد يدها لتسند جدها: خليه يمه أنا بأوديه الحمام




مزنة تأخرت للخلف لتفسح لكاسرة.. بينما همس الجد بحنو: وينش يأبيش اليوم ماشفتش..




كاسرة مدت يدها تتحسس مكان صفعة مهاب الواضحة على نعومة خدها الزبدي ..



بينما مدت يدها الآخرى لجدها وهي تهمس بنبرة اعتيادية: انشغلت شوي بس فديتك



بس والله ما شغلني عنك إلا شيء كايد




ثم أردفت وهي تنظر لوالدتها نظرة ذات مغزى: وعزة اللي خلاك أغلى خلقه عندي ياذا الشيء الكايد ما يعدي بالساهل




مزنة تهمس بخفوت حازم: امهاب أنا باتصرف معه... وأنتي اقصري الشر يا بنت ناصر..




كاسرة تهمس بخفوت وحزم أكثر شدة: ماني بقاصرته يا بنت جابر








**************************







"لماذا يا عبدالرحمن؟؟



لــمــاذا؟؟



بل لماذا يامهاب؟؟



من ألوم؟؟ من ألوم؟؟




ربما يجب أن ألوم نفسي



نــفـــســـي فقط!!



بما أنني كنت طوال عمري بدون رأي.. فلماذا توقعت أنهم سيهتمون برأيي الآن؟؟



أنا من صنعت لنفسي هذه الصورة السلبية



مخلوقة ضعيفة هزيلة هلامية ليس لها رأي أو وجود




يا لا العجب!!



أ ليس من المفترض أن أطير فرحا أن رجلا كعبدالرحمن بكل مزاياه ينظر لي أنا بعد كاسرة



فلماذا لا أشعر بالفرح؟!!



ولا حتى ببعض النشوة؟!!



ماهذا الضيق الذي يكتم على روحي المثقلة بإحساس مرارة مغموس بالمهانة والحزن؟؟!!



هل لأن عبدالرحمن خطبني؟!!



أم لأن مهاب ضربني؟!!




لماذا يا مهاب؟؟ لماذا؟؟



كنت أنت أبي أكثر من أبي..



كنت دائما الظهر الذي لا أخشى شيئا وهو يسندني.. والحضن الذي جعلني لا أعرف الخوف يوما



لماذا تخدش كل هذا؟؟ لماذا؟؟"




تمدد جسدها الذي تشبعت خلاياه ألما.. وهي تسند رأسها لمخدتها التي تبللت من دموعها



تريد أن تشبع من البكاء... أن تُشبع روحها المجروحة من البكاء قبل أن تعود لها كاسرة



تعلم أن كاسرة ستعود.. وستنهرها ألا تبكي.. كما كانت تفعل طوال عمرها..




" لا تبكين..



لا تبكين..



يا ويلش لو شفتش مرة ثانية تبكين



اللي تقول لش كلمة قولي لها عشر



واللي يعطيش كف عطيه عشرين



بس ياويلش تبكين من أحد.. أو تخلين حد يشوفش تبكين



خلش قوية ما يهزش شيء"





"كيف من ستقول لي كلمة سأقول لها عشر



وأنتي أختي وأقرب الناس لي كما يفترض



لا تسمحين لي حتى أن ارد عليك بنصف كلمة



أي إزدواجية أردتِ ياكاسرة أن أعيشها؟!!



ضعيفة معكِ وقوية مع الكل!!!"







************************







" عفرا.. ياعفرا.. يأم جميلة"



صوته الحازم العميق يتعالى وهو واقف عند الباب من الخارج




عفراء تضفي عباءتها على كفيها وتنزل طرف شيلتها على فتحتي نقابها



وتهمس باحترام وهي تخرج وتشد الستائر حول ابنتها: لبيه يأبو كسّاب.. جاية طال عمرك




تقف قريبا من الباب من الداخل وتهمس باحترام متزايد: هلا والله.. أشلونك طال عمرك في الطاعة؟؟




زايد يوليها جنبه دون أن ينظر لها بشكل مباشر : طيب طال حالش



ثم أردف بحزم: عفرا.. ترا خليفة ولد أحمد ولد أخ خليفة الله يرحمه بيجي عقب الصلاة يكلم جميلة.. بأخليه يكلمها من ورا الستارة.. بس عطيها خبر




عفراء باستغراب مستنكر: وليش ولد أحمد يكلم بنتي.. وش يبي فيها؟؟




زايد تنهد ثم ألقى قنبلته بطريقته الحازمة المعتادة في الكلام: خليفة قرع على علي



وأنا قلت له بأخلي جميلة تخير بينهم



فهو قال جميلة ما تعرفني.. خلني أكلمها أول.. وأنا رخصت له..




عفراء شعرت أنها عاجزة عن الوقوف وقدميها تميدان.. استندت على الباب القريب وهي تهمس بعتب عميق: ليش كذا يابو كسّاب؟!!



عمري ما كسرت لك كلمة



بس بنتي تعبانة.. ومهيب حمل ذا السوالف



ليش تعرضها لذا الموقف ؟!!




زايد ذاته يشعر بالذنب.. ولكنه لم يستطع رد طلب سمي خليفة..لم يستطع!!




همس بحنين كأنه يكلم نفسه: اسمه خليفة ياعفرا.. هذا سمي الغالي.. ماقدرت أرده..




عفراء بعتب حزين: وبنتي وش ذنبها يازايد؟؟ أقول لها اليوم الصبح ملكتش على علي..



وعقبه أقول لها الحين كلمي خليفة اللي ماتعرفينه عشان يمكن تأخذينه



وش ذا الكلام يابو كسّاب..؟!!




زيد بحزم خفف حدته بطريقة مقصودة: يأم جميلة.. كلها عشر دقايق تكلمه وتشوف وش يبي..



والولد أنا أعرفه وسألت عنه بعد عقب ماطلعت من بيتهم.. الكل يمدح فيه




عفراء بحزن عميق: إن شاء الله يكون أحسن واحد في العالم.. أنا أبي ولد أختي لبنتي..



لكن ما أقول إلا ما أقدر أكسر لك كلمة يأبو كسّاب...







*****************************







وضحى تصلي الظهر..



سمعت طرقات على بابها ثم صوت الباب يُفتح



ما أن أنهت الصلاة حتى ألتفتت لترى من الطارق الذي يبدو أنه دخل لداخل الغرفة




شعرت بعبراتها تقفز لحلقها وتتجمع وهي ترى القامة الطويلة التي تجلس على طرف سريرها



لم تستطع معاودة النظر له وهي تجلس على سجادتها وتنظر لكفيها المتشابكين في حضنها



ولكنه وقف ليتوجه ناحيتها ويرفعها من عضديها ليديرها ناحيته



لم تستطع رفع عينيها له ولكنه وضع كفه على خدها الأحمر وهمس بحنان عميق:



تنقص يدي اللي انمدت عليش




حينها انتفضت وضحى بعنف وهي تتناول كفه وتغمرها بقبلاتها الجازعة: بسم الله عليك.. بسم الله عليك.. عدوينك واللي يكرهونك




احتضنها مُهاب بحنو لتخرط هي بكاء حاد وهي تتعلق بجيبه وهو يهمس لها بذات الحنان: آسف والله العظيم آسف.. سامحيني يالغالية



أدري قلبش الطيب ما يقوى يشيل



ثم أردف بمرح: مهوب مثل أختش الحقودة أم رأس يابس ولسان طويل..




وضحى بصوتها المبحوح بين شهقاتها: ماعاش من يشل عليك..




مهاب يشدها ويجلس هو وإياها



هاهو يغير الاستراتيجية لتحقيق الانتصار



غريب هو الإنسان كيف يستغل كل أسلحته للوصول لما يريد.. حتى مع من يحب



وربما مع من يحب أكثر من غيرهم!! :




اسمعيني يالغالية.. أنا عارف إني تعاملت مع المسألة بطريقة غلط



فخلينا نتفاهم من جديد



وحطي في بالش إني ماني بغاصبش على شيء.. بس خليني أعرض وجهة نظري



وأنتي عقب فكري عدل لو حتى تبين تفكرين أسبوع أسبوعين.. ثم عطيني قرارش



الحين خلينا من كاسرة وإنها رفضت عبدالرحمن



عبدالرحمن نفسه كرجّال وش تقولين عنه؟؟




صمتت وضحى بحرج وضيق.. لكن مهاب استحثها للحديث



وضحى أجابت بذات الحرج والضيق: رجّال والنعم فيه




مهاب بنبرة انتصار: ها .. رجّال والنعم فيه



وأنا أزيد وأقول لش رجّال مافيه مثله اثنين



لو تلفين العالم كله مالقيتي مثله.. صحيح هو خطب كاسرة أكثر من مرة



بس صدقيني كان يخطبها لأنه يبي يناسبني



مهوب لأنه يبي كاسرة بالتحديد...



وبعدين لو كاسرة صارت غبية وما تعرف مصلحتها.. بتسوين نفسها؟!!



ماعليش منها.. أنتي منتي بمربوطة فيها..



وخير ياطير إنه عبدالرحمن خطبها أول



ثم تزوجش أنتي



وين المشكلة؟؟



وين العقدة في الموضوع؟؟







*******************************







مستشفى حمد



بعد صلاة الظهر



موعد اللقاء المنتظر




ها هو خليفة على وشك الوصول.. لا أحد يعلم ماذا سيقول



أو ماهو مخططه من كل هذا



ومنذ غادر زايد عفراء بعد أن ألقى لها بالخبر.. وهي عاجزة عن التنفس.. عاجزة عن التفكير




" أي مصيبة جلبتها لي بازايد؟!!



أي مصيبة؟!!



هذا ما كان ينقصني تماما لتكتمل المأساة



ألا يكفيني مرض صغيرتي



لياتيني بخاطب جديد لها؟!!



كيف أخبرها الآن؟؟ وبأي طريقة أخبرها؟!!"




"يمه شتهوجسين فيه؟؟" صوتها الضعيف المبحوح




عفراء تنتفض بخفة ثم تهمس في أذن ابنتها المتهالكة تعبا: جميلة يمه بيجي ولد عمش خليفة يكلمش




جميلة بالكاد رفعت حاجبا علامة الاستغراب.. ثم همست بصوت مبحوح تماما:



وش يبي يمه؟؟ وأشلون يكلمني؟؟ وليه يكلمني؟؟




عفراء لم تستطع إيجاد إجابة مناسبة.. لذا همست بأكبر قدر من الطبيعية استطاعت أن تصطنعه:



إذا جاء درينا.. كل حي ملحوق




جميلة بتساؤل مرهق: وش قلتي اسمه يمه؟؟




عفراء بنبرة طبيعية: خليفة يأمش




سرح خيال جميلة نحو البعيد.. وهي تهمس بألم عميق مثقل بالحنين: خليفة على اسم إبي يمه




كانت عفراء على وشك الرد عليها لولا أنها سمعت صوت زايد ينادي بعلو: يأم جميلة.. خليفة جا




بدأت دقات قلب عفراء تتعالى برعب..



بينما جميلة كانت سارحة في خيالاتها حتى سمعت الصوت الرجولي الغريب الذي جاءها من خلف الستارة:




مساج الله بالخير يابنت العم!!

همس المشاعر
09-19-2011, 11:11 PM
بين الأمس واليوم/ الجزء السادس







"يمه شتهوجسين فيه؟؟" صوت جميلة الضعيف المبحوح





عفراء تنتفض بخفة ثم تهمس في أذن ابنتها المتهالكة تعبا: جميلة يمه بيجي ولد عمش خليفة يكلمش




جميلة بالكاد رفعت حاجبا علامة الاستغراب.. ثم همست بصوت مبحوح تماما:



وش يبي يمه؟؟ وأشلون يكلمني؟؟ وليه يكلمني؟؟




عفراء لم تستطع إيجاد إجابة مناسبة.. لذا همست بأكبر قدر من الطبيعية استطاعت أن تصطنعه:



إذا جاء درينا.. كل حي ملحوق




جميلة بتساؤل مرهق: وش قلتي اسمه يمه؟؟




عفراء بنبرة طبيعية: خليفة يأمش




سرح خيال جميلة نحو البعيد.. وهي تهمس بألم عميق مثقل بالحنين: خليفة على اسم إبي يمه




كانت عفراء على وشك الرد عليها لولا أنها سمعت صوت زايد ينادي بعلو: يأم جميلة.. خليفة جا




بدأت دقات قلب عفراء تتعالى برعب..



بينما جميلة كانت سارحة في خيالاتها حتى سمعت الصوت الرجولي الغريب الذي جاءها من خلف الستارة:




مساج الله بالخير يابنت العم!!





تمنى زايد في أعماقه وبكل العنف ألا تجيبه.. وترفض الرد عليه



فصورة علي يخرج منسحبا ثائرا مكسور النفس.. تعذب خيال زايد المثقل بالإحساس بالذنب والضيق



ولكن أمنياته ذهبت أدراج الرياح وهو يسمع الصوت الخجول الضعيف الذي بالكاد يُسمع:



هــلا





جميلة ذاتها استغربت كيف ردت عليه



شاب غريب لا تعرفه



والموقف كله غريب



ولكن نبرته الواثقة.. صوته الدافئ الحنون جعلها تشعر برغبة عميقة في البكاء



وذكرى عظيمة صنعها لها زايد تقفز لخيالها





لطالما أجلسها زايد في حضنه ليحكي لها عن والدها بحماس وانبهار



رسم لها صورة خيالية لرجل فريد من نوعه.. أشبه ما يكون بأسطورة



ترعرعت وهي تؤمن أن والدها هو هكذا..



أسطورة لا تتكرر



وهاهو بعض رائحة الأسطورة وحامل اسمه يأتيها اليوم.. بل حامل الجينات نفسها



جينات خليفة.. والدها.. أسطورتها



أفلا ترد عليه على الأقل؟!!





خليفة بذات نبرته الواثقة: مساج الله بالخير خالتي أم جميلة




عفراء حاولت أن ترد بطبيعية رغم إحساس الضيق الذي يخنقها:



هلا خليفة



أشلونك؟؟ واشلون إبيك وإخوانك؟؟




خليفة بهدوء حازم: طيبين ياخالة



ثم أردف بذات الهدوء الحازم: جميلة سمعيني عدل



أدري إنج تعبانة وايد وبتسافرين للعلاج



عمي أبو كسّاب وعياله ما قصروا طول هالسنين



وترا اهم الداخلين وأنا الطالع



بس ما تظنين يا بنت عمي إنه الطيور تحن لأعشاشها



أنا أبيج يا بنت عمي



ما بقى لنا من ريحة عمي خليفة إلا أنتي



تبين أنتي بعد تروحين عنا ؟!!



ما تبين ذكر عمي خليفة يقعد في هله وجماعته؟!!





"عرف هذا الخليفة من أين تؤكل الكتف.. عرف من أين يأتي لها



وأنا السبب.. دائما أنا السبب"



هذا ما كان يدور في بال زايد المصعوق الموجوع



خليفة... دائما كان المفتاح خليفة!!



ولكن من أين أتى هذا الشاب بهذا المفتاح؟!!




"وهل كان لديه غيره يازايد؟؟



أنت من أعطيته المفتاح



فإلى أين سيقوده المفتاح؟!!



وأي أبواب مغلقة سيفتحها به؟!!



جميلة يا بنيتي لا تخذلي علي كما خذلته



أنتي لم تعرفي خليفة كما عرفته



خليفة هو مجرد ذكرى لكِ.. ولكنه لي كان حياة وروح



لا تخذلي علي



لا تخذليه



إلا علي ياجميلة



إلا علي !! "





خليفة كان يتكلم.. ووجه جميلة الشاحب يزداد شحوبا.. بينما كان وجه عفراء قد امتقع تماما:



يا بنت عمي.. وربي اللي خلقني



إني أحطج في عيوني الثنتين



لا تحاتين شيء وأنتي معي



أنا أبوج اللي ما عرفتيه



وأخوج اللي ما يابته أمج..




كان يتكلم بثقة حنونة مختلفة مشتعلة بدفء غريب.. بعثت الرعشة في أوصال جميلة اليابسة..



هل هذا القلب يرتجف ودقاته تتعالى؟!!




"شتقولين يا بنت عمي؟؟



موافقة علي؟؟"




كان زايد على وشك التكلم.. لولا الكلمة الحادة السريعة المفاجئة التي صعقته حتى نخاع النخاع:




"مــوافــقـــة"




عفراء تهاوت على المقعد منهارة بينما سارع زايد ليهمس بحزم يخفي خلفه جزعا بات يخنقه:



يا بنتي ترا الخيار في يدش



وترا الشباب كلهم متقدمين لش



تبين علي وإلا خليفة؟؟




الصوت المبحوح نفسه يهمس: " أبي خليفة"




ليسود وجه زايد وتتسع إبتسامة الانتصار على وجه خليفة



الذي ما خطر بباله إطلاقا أن جميلة قد توافق عليه



كل ما أرده من هذه الحركة أن يُصعب الموقف قليلا على زايد وابنه



يفعل كما يفعلون حينما يحلو لهم التحكم في المصائر



وحتى لا يبدو غير جاد وهو يقف في وجه ابن زايد في موقف مصيري



كان لابد أن يتقن دوره.. ويتحدث كما يتوجب عليه في مثل هذا الموقف



ولكن لم يتوقع حتى لثانية واحدة أنها قد توافق عليه وهي لا تعرفه



مهما كان كلامه مؤثرا وصوته حنونا..



توافق!!



تـــوافـــق؟؟؟!!




"ماذا؟؟



هل وافقت عليّ أنا فعلا؟!!"





حينها ذهبت السكرة.. وحلت الفكرة!!







*********************







قبل سنتين





بيت عفراء






صوت كسّاب الغاضب يتعالى : أنا أبي أعرف بنتش هذي وش طينتها؟؟ ما تستحي على وجهها؟!!




عفراء بجزع: بنتي؟؟ ليه وش هي مسوية؟؟




كسّاب بذات نبرة الغضب المخيفة: فشلتني.. فشلتني.. خلتني في نص هدومي




تغيرت نبرة عفراء من الجزع للرعب وهي تمسك بجيب كسّاب: بنتي وش سوت؟؟




كسّاب بذات الغضب: الشيخة أمس متغدية في كوفي هي وصديقاتها ثنتين



متغدين بـ2500 ريال



نعنبو بنتش البطة ذي كلت المحل كله...



تدرين خالتي.. الفلوس والله العظيم ماهمتني وأنتي عارفة ذا الشيء زين..



والله ثم والله لو أنها شارية لها طقم ألماس بـ200 ألف ومرسلين لي فاتورته كان أهون علي من الإحراج اللي صار لي




كانت عفراء تريد أن تقاطعه لتتكلم ولكنه لم يسمح لها وكلماته تتدافع كسيل غاضب كاسح:



تخيلي راعي المحل يتصل لي ويقول لي ترا حساب غدا بنت خالتك وصديقاتها هدية من المحل



أقول له هي عازمة قروب صديقات.. يقول لي: لا بس ثنتين



ول عليها وش ذا الكرش اللي عندها؟؟ وأكيد صديقاتها مثلها



يعني يوم الشيخة مسوية روحها شيخة وعازمة البطات وما معها فلوس



كان كلمتني وجيت ودفعت.. مهوب تقول لراعي المحل إنها بنت خالتي كنها طرطارة تبيه يتصدق عليهم بثمن غداهم



ثم أنفجر بغضب أكبر وكأن بداخله مستويات من الغضب لا تنتهي:



وبعدين تعالي.. أنتي أشلون مخليتها تطلع مجمع وأنتي منتي بمعها.. أشلون؟؟



جزاها اللي بيحبسها سنة مايخليها تطلع مكان




كان مازال سيتكلم لولا أنه فوجئ بدوي هائل لشيء قُذف من الأعلى ليتحطم على مقربة منهم



كانت سلة ضخمة من الشوكولاته



ثم تلاها خمس ورقات كل ورقة من فئة الـ500 ريال



رفع رأسه ليرى جميلة تغطي وجهها بجلالها وتقف على حاجز الطابق العلوي المطل على الصالة السفلية وهي تصرخ: هاك أغراضك ياحيوان



الله الغني عنك.. لولا خوفي من زعل عمي زايد



وإلا والله ماعاد نقعد عندكم دقيقة



ترا أبي يوم مات.. خلا لنا خير ربي.. ماخلانا في حاجة لكلاب الشوارع اللي تعوي مثلك




كان كسّاب الذي أحمر وجهه غضبا ناريا على وشك الاندفاع للأعلى ليسحبها سحبا على الدرج



لولا أنها هربت لتغلق على نفسها باب غرفتها في الوقت الذي تمسكت به عفراء وهي ترجوه بحرارة: تكفى يأمك.. عشان خاطري أنا



لا تزعل منها.. هذي بزر.. وأنت قهرتها بزود




كسّاب كانت خلاياه كلها تنتفض غضبا: هديني يا خالتي..



يعني عاجبش سواتها.. مع شينها قوات عينها بعد




عفراء مازالت تتمسك به بكل قوتها.. لأنها تعلم أنها ما أن تفلته قد يركض لابنتها ليكسر بابها عليها.. فكسّاب حين يحتد غضبه لا يفكر مطلقا



همست عفراء برجاء أشد حرارة: خلني أنا أشرح لك



يأمك ترا الثنتين اللي مع جميلة أنا وأختك مزون




حينها تصلب جسد كسّاب بعنف وخالته تكمل حديثها: وترا غدانا كله كان بـ250 يمه..



بس أنا اشتريت لك من نفس الكوفي سلة الشوكلاته ذي



قصدي اللي بقي منها..



واشتريت سلة فخمة عشان تحطها في مكتبك الجديد لضيوفك اللي بيجون يباركون لك



عطيت بطاقتي لجميلة عشان تدفع وأنا ومزون رحنا للحمام



هي نست رقم البطاقة.. وانحرجت.. وهي تتكلم مع البنت اللي على الكاشير جاء صاحب المحل..



ارتبكت أكثر وصارت تقلب في شنطتها تدور فلوس



فطاحت من شنطتها بطاقتك اللي فيها كل أرقامك اللي أنت معطينا إياها..



فصاحب المحل شاف الاسم وسأل: وش يقرب لك كسّاب آل كسّاب؟؟



فهي قالت ولد خالتي.. فحلف ما تدفع شيء..



فانا جيت وأصريت أدفع وما رضى..



والمشكلة إني قبل ما نروح الحمام ناديت السواقة عشان تأخذ السلة توديها السيارة



أو كان رجعناها..



وللعلم إحنا كنا مجهزين الفلوس في ظرف بنخلي السواقة توديها الحين.. بس أنت جيت الله يهداك هداد علينا







بعد ذلك بقليل





عفراء تصعد لابنتها.. تطرق الباب الموصد عليها



همسها الخائف الباكي: من؟؟




عفراء بحنان: أنا يا جميلة.. كسّاب راح خلاص




فتحت الباب وهي تشهق: بيذبحني يمه.. بيذبحني..




عفراء تمسح شعرها بحنان: ترا كسّاب يعتذر منش ياقلبي.. ويقول العصر بيجيب لش هدية ماجا لبنت في الدوحة مثلها رضاوة لش




حينها ارتفعت شهقاتها: ماأبي منه شيء ما أبي شيء.. قولي له لا يجيب شيء



عقب اللي هو سواه كله يبي يجيب لي هدية..



ما أبي منه شيء.. ما أبي منه شيء..




عفراء تحتضنها بحنو: خلاص يأمش.. خلاص.. لا تزعلين




جميلة تبكي: إلا بأزعل وبأزعل..



والله العظيم لو إنها مزون اللي صاير معها نفس الموقف.. حتى لو كان زعلان عليها وما يكلمها



إنه ما يسوي لها ذا السالفة كلها..



إيه بنت بطن و بنت ظهر




عفراء تهدهدها بحنان مصفى: يامش ياجميلة.. عيب ذا الكلام..



كساب شايفش أخته الصغيرة وهذا من خوفه عليش




جميلة ترفع رأسها وتهمس بغضب بصوتها المبحوح: لا والله خايف علي؟!!



قصدش خايف على برستيجه قدام الناس..



وإلا أنا بالطقاق..




عفراء صمتت وهي تحتضنها وتمسح على شعرها..



لأنها تعلم أنها إن بقيت تحاورها وهي في حالة الغضب هذه فهي لن تقتنع مطلقا مع عناد المراهقين المتزايد لديها



وخصوصا مع تحسسها الغريب والمضاعف من وجودهم في بيت زوج خالتها..



فهي مع اضطرارها أن تغطي وجهها عن زايد الذي كانت تشعر به كأب فعلي لها..



وإحساسها بالغربة يتزايد ويتزايد حتى خنقها



فمهما كانت تشعر به كأب.. فهو لم ولن يكون والدها يوما..



فوالدها الذي لا مثيل له بين الرجال رحل... رحل



رحــــــــــــــل!!



وحتى زايد ماعادت تستطيع تقبيل رأسه أو دفن وجهها في كتفه لتشتم عبق رائحة دهن العود الدافئ التي طالما عشقتها فيه



لتمثل لها رائحة الأب الوحيد الذي عرفته..



حتى هذا الأب المبتور.. استكثر نفسه عليها!!



أ كلهم لابد أن يرحلوا ويتركوها؟!!





كانت الأفكار المتناقضة تتنازع روح جميلة المراهقة..وهي تستكين لصدر والدتها



لتهمس بخفوت ووجهها مختبئ في صدر أمها:



يمه أبيش توديني بكرة للدكتورة عائشة صقر تسوي لي برنامج ريجيم




عفراء بدهشة عميقة: ما يحتاج يمه ريجيم.. جسمش حلو ويجنن




جميلة بغضب طفولي: إلا أحتاج.. أنا دبة..دبة.. دبة




هل أردتِ أيتها الصغيرة شيئا تدفنين فيه فوضى التفكير؟!!



تشغلين نفسك فيه؟!!



أم أن هناك شيئا آخر؟!!!








*******************************







قبل أكثر من سنة





"بسش وقفي ذا الرجيم والرياضة... جننتيني.. خلاص صرتي جلد على عظم"




جميلة تركض على جهاز الجري وهي تشير لخصرها النحيل الشديد الضمور:



يمه ما تشوفين ذا الكرش كلها.. تكفين خليني على راحتي




عفراء بغضب ووجع: أي كرش يا غبية.. أنتي عمياء.. وحدة مثلش طولها 165 وزنها 42 وتقولين لي كرش..







قبل عشرة أشهر






" أنا حجزت لش موعد مع الدكتورة"




"أي دكتورة؟؟ وموعد لويش؟؟"




عفراء بحزم: الدكتورة اللي ألف مرة قلت لش بنروح لها وأنتي مني براضية




جميلة بعناد: ولحد الحين ما أنا براضية.. وش اللي تغير




عفراء بغضب كاسح نادرا ما رأتها جميلة فيه وهي تمسك عضد جميلة النحيل بقوة:



ورب العزة والجلال لو مارحتي معي برضاش.. لأدعي كسّاب يشلش للسيارة غصب




جميلة بجزع: بأروح يمه بأروح.. بس تكفين عيال خالتي لا تدخلينهم في شيء يخصني.. تكفين







قبل خمسة أشهر







"جميلة ياقلبي.. الدكتورة تقول الأحسن لو نروح لمصحة برا



بأكلم كسّاب يحجز لنا"




جميلة تنتفض رفضا: لا لا لا... أولا مافيني شيء يستلزم السفر



ثاني شيء حتى لو فيني



أموت ولا أروح مع كسّاب.. تبينه يتمنن علي وإلا يقعد يمسخرني في الطالعة والنازلة




عفراء برجاء: زين علي..




جميلة بذات العناد: ولا علي.. ولا حتى عمي زايد.. مانبي نثقل على احد



مهوب كفاية مستحملين غثانا ذا السنين كلها




عفراء بعناد مشابه: مهوب على كيفش



بتسافرين يعني بتسافرين ورجلش فوق رقبتش




جميلة بحزم مجنون: سويها عشان أهج من البيت ولاعاد تشوفين وجهي



والله العظيم لأهج من البيت





يائس هو الإنسان المصلوب بين قسوة أحبابه وبشاعة استخدامهم لسيطرتهم على قلبه..



حربٌ.. كل الاطراف فيها خاسرة!!








اليوم صباحا






عفراء تستعد لإخبار جميلة بخطبة علي لها.. توترها يغتالها



كم تمنت أن تحتفل بابنتها الوحيدة في ظروف طبيعية



وخصوصا أنها سعيدة بالفعل أن يكون نصيبها مع علي بالذات



فعلي رجل حقيقي.. حنون ومتفهم وتعلم أنها تستطيع أن تأتمنه على فلذة كبدها بكل ثقة



ولكن فرحتها بابنتها مبتورة وقاصرة.. عروس يُعقد قرانها في مستشفى لتسافر شهر عسلها على نقالة طبية!!



تتمنى فقط أن ينتهي كل هذا على خير ليعودوا جميعا للدوحة وجميلة استعادت عافيتها بمشيئة الله




"يمه.. يــ ــمـــ ــه..



خليهم يشيلون ذا المغذيات اللي تنفخ عني"



للتو صحت جميلة وهمست بصوتها المتقطع ارهاقا




عفراء ابتسمت وهي تميل على صغيرتها وتمسح شعرها بحنان مصفى:



اليوم يوم خاص.. طالبتش ما تقولين شيء ولا تعترضين على شيء




جميلة بتساؤل مبهم خال من الحماس: ليش خاص؟؟




عفراء بابتسامة دافئة: علي طلبش مني.. ولو وافقتي تملكتوا اليوم عشان يسافر معنا بكرة للمصحة في فرنسا..




جميلة شهقت بعنف.. ثم كحت لتستطيع سحب أنفاسها..



وهمست بدهشة عميقة متوترة:



علي يمه؟؟ علي ما غيره.. علي عمره مابين إنه يبيني..




ثم حاولت بفشل ذريع تجاوز دهشتها العميقة وتوترها الأعمق لأسباب خاصة بها وهي تهمس بغضب:



وبعدين أنا مابي أسافر.. ما أبي أسافر.. غصب هو




عفراء بتوتر: أول شيء علي هو اللي أصر عليش بنفسه.. والسفر عمش زايد اللي حجز وملزم تسافرين



وإلا تبين تزعلينه؟!!....




جميلة بهمس متعب وأفكارها تطوف في دوامات هائلة:



وعمي زايد موافق على زواجي من علي؟؟




عفراء بحنان وهي تمسح على شعرها: أكيد موافق




همست حينها جميلة بنبرة محايدة قدر ما سمح لها تعبها وتوترها وفوضى تفكيرها:



خلاص كيفكم يمه.. اللي تبون سووه..




لا تعلم مابها.. تشعر كما لو أنها تنفصل عن ذاتها.. ماعاد يهمها شيء..



فهي تشعر أنها توشك على مغادرة الحياة



فهل يختلف إن غادرتها آنسة أو زوجة لعلي؟!!



أو إن غادرتها في الدوحة أو فرنسا؟!!



المهم أن تكون والدتها وعمها زايد راضيين



ماذا بقي لها يربطها بالحياة سوى رضاهما؟!!



لا تنكر أنها في داخلها وفي عقلها الباطن.. تمنت أن تتزوج أحد ابني خالتها



لسبب وحيد




هو أن يصبح زايد والدها فعلا..



لتستطيع حينها الارتماء في حضنه بلا قيود






هكذا كان تفكير جميلة هذا الصباح فقط... فمالذي تغير مع خليفة؟؟



ما الذي تـــغـــيــــر؟!!







***********************







صالة بيت فاضل بن عبدالرحمن



بعد صلاة الظهر





يدخل فاضل وابنه عبدالرحمن عائدين من المسجد.. يستند فاضل على ذراع عبدالرحمن.. رغم أنه في غير حاجة للتسند..



فأبو عبدالرحمن في أواسط الخمسينات ومازال يتمتع بصحة رائعة فهو شديد الاهتمام بالأكل والمشي



عدا عن تولعه برياضة الصيد بالصقور التي لم يأخذ عنه تولعه فيها سوى ابن أخ زوجته تميم..




وهاهما الأب والابن يتهاديان.. بينهما شبه كبير.. ومن يراهما يعلم فورا القرابة بينهما..



طويلان.. ممتلئا الجسد.. لون بشرتيهما يميل لبياض بحمرة لطيفة.. لهما إطلالة رجولية جذابة.. وكلاهما يرتديان نظارة طبية!!



ولكن إن كان أبو عبدالرحمن ارتداها قبل سنوات لضعف في بصره.. فإن عبدالرحمن لا يعاني أي مشاكل في النظر



ولكنه اعتاد على لبس نظارة للحماية حين بدأ يُكثر من الجلوس أمام شاشة الحاسوب



حين كان يُعد اطروحة الدكتوارة.. ثم اعتاد بعد ذلك عليها!!!




فاضل مولع كثيرا بابنه عبدالرحمن..



فهو ابنه الوحيد الذي لم يرد الله لزوجته أن تسنده بآخر بعد أن أصيبت بمشاكل خلال ولادة شعاع أدت لتطورات أدت للعقم




لا ينكر أبو عبدالرحمن أن شبح الكثير من الأبناء الذكور يسندون كبره وشيخوخته ظل حلما يطارده بلا هوادة.. ولكنه كان يقمع دائما هذه الأفكار.. ليس من أجل أم عبدالرحمن ولا بناتها



ولكن من أجل عبدالرحمن.. وعبدالرحمن فقط!!




كره أن يؤذي مشاعر عبدالرحمن بإحضار زوجة أب



ثم بإنجابها أولاد آخرين قد يشاركون عبدالرحمن في محبته التي يجب ألا يشاركه فيها أحد.. ويجب أن تكون خالصة له وحده..




حينما سافر عبدالرحمن قبل سنوات للدراسة كاد يجن من الشوق له..



ولكنه مطلقا لم يحاول منعه من تنفيذ رغبته..



فرغبات عبدالرحمن كالسيف الذي لا يمكن معارضته أو حتى النقاش فيه




ثم أنه كان يجد له سببا ليزوره كل شهر.. رغم كراهيته الشديدة لتلك البلاد بعيدا عن أبله وصقوره




وهاهما يدخلان إلى البيت ليجدا جوزاء وشعاعا جالستين في الصالة السفلية.. تقفزان فور دخولهما احتراما لهما



بينما يصرخ أبو عبدالرحمن: اشعيع ووجع.. روحي جيبي القهوة.. وتعالي قهويني أنا وأخيش..




تسارع شعاع للتنفيذ بينما يستوقفها عبدالرحمن ويشدها وهو يقول لوالده باحترام:



وش قهوته يبه طال عمرك.. ماعاد إلا الغدا.. مهوب زين لك القهوة على كل حزة




يبتسم أبو عبدالرحمن ليهمس بمودة عميقة : إن شاء الله يأبيك.. على خشمي ولو أني مشتهي القهوة




يجلس فاضل وعبدالرحمن وهو مازال ممسكا بشعاع ويجلسها جواره..



تهمس له شعاع بمرح خفيض في أذنه: خلني أقوم قدام يلاقي أبيك سبب يكوفني عشانه




يهمس لها عبدالرحمن في أذنها بذات المرح: ياسلام على أبيك ذي.. ليه هو أبي بروحي يعني؟!!




شعاع بذات المرح المنخفض: الظاهر كذا.. وأنا وجوزا جينا بالغلط




قاطع حديثهما صراخ أبي عبدالرحمن: اشعيع ياللي ماتستحين قومي ضيقتي على عبدالرحمن




عبدالرحمن احتضن كتف شعاع وهمس بمودة: شعاع عصفور ما تضيق على حد




بينما كانت شعاع تفلت يد عبدالرحمن من كتفها برقة وتنهض لتجلس جوار جوزاء




أبو عبدالرحمن بابتسامة: هذا أنت قلتها عصفور.. يعني مافيها فود.. ماحتى هي بحبارى ولا أرنب نعشيها الطير




شعاع تهمس في أذن جوزاء بمرح لا يعرف هل هو مقصود أو موجوع: خوش إب.. يبي له أرنب وإلا حبارى بدالي




ثم أردفت شعاع بدات المرح الموجوع الهامس وهي تمسح على شعر حسن الجالس على رجلي جوزاء كالعادة



وهي تبقيه ملتصقا بها لا تعطيه فسحة للتنفس:



زين إنش جبتي ولد... هذا أبي يحب حسن الحمدلله.. لو جبتي بنت مهوب بعيد يحذفش أنتي وإياها..




جوزاء تهمس في اذنها بغضب: لا تبهتين أبيش.. صحيح أبي قاسي علينا شوي..



بس عمره ماقصر علينا..



أنا حتى يوم كنت عند عبدالله الله يرحمه كان كل ماجيتكم زيارة يحلف إلا يعطيني فلوس.. مع أني أحلف بس هو بعد يحلف




شعاع بسخرية مرة عميقة الوجع: والأبوة فلوس وبس؟؟!!!








******************************







الكورنيش



بالقرب من رأس النسعة





دار كساب طويلا.. قبل أن يخطر هذا المكان بباله



كان يعلم أن هذا هو مكان علي المفضل للجلوس



ولكنه لم يتوقع أنه قد يجلس هنا في هذا الجو الحار الملتهب



وعند الظهر تماما!!



مشروع ضربة شمس قاتلة باقتدار!!




اقترب من الخيال الأبيض حتى أصبح خلفه تماما



وضع يده على كتفه.. لم يتحرك مطلقا ولم يلتفت



همس كساب بود عميق: علي .. قوم نرجع البيت.. بتجيك ضربة شمس على ذا القعدة




همس علي بهدوء خالص: توني جاي من صلاة الظهر.. مابعد لي واجد وأنا قاعد هنا




كساب بذات الود: خلاص ماتبي نرجع البيت.. قوم نروح لمكان ثاني



نتكلم شوي!!




علي بذات الهدوء الروحي المصفى: كسّاب لا تحاتيني.. ماحد يأخذ إلا نصيبه



وأنا عمري ما اعترضت على شيء كتبه ربي



ما أنكر إني متضايق واجد.. بس شوي وأروق يأخيك




كسّاب بحنان عميق مختلف عن شخصيته الحالية : يأخيك مابعد صار شيء



وأنا متأكد مليون في المية إن جميلة مستحيل تختار حد عليك




كان كسّاب مازال سيتكلم لولا انه قاطعه رنين هاتفه..



التقطه بسرعة وهو يرى المتصل: بشّر يبه



..............



- ويش؟؟.. ويــــــش؟؟؟



اللي ما تستحي.. ناكرة الجميل.. الكــلــبــة (صراخ كسّاب الغاضب يتعالى)



..................



- إلا بأقول.. وأقول.. وأقول..



ذا العرس مستحيل أخليه يتم



تعيي من أخي..عشان تاخذ كلب مثلها ماحتى تعرفه




كان كساب ينهي الاتصال.. وهو على وشك الركض للمستشفى.. لولا اليد القوية التي أمسكت به والصوت الهادئ العميق الذي همس له:



والله ثم والله ماتسوي شيء.. ولا تقول شيء



مستكثر على جميلة حقها في الاختيار؟!!!



هذا أبسط حق من حقوقها..



هذي بنت يتيمة ومريضة.. ومستحيل أخلي حد يجبرها على شيء



ولو حاولت أنت تجبرها.. أنا بأوقف في وجهك



يعني أنت متمنن عليها إنه حن راعيناها ذا السنين..؟!!



راعيناها لأنه حن كنا محتاجينهم أكثر ماهم محتاجينا



أشلون كان قدرنا نعيش من غير خالتي عفرا؟!!




كسّاب بغضب ملتهب وكأنه لم يسمع شيئا: هدني يا علي.. هدني



خلني أوريها شغلها.. تظن إنها طلعت من شورنا؟؟



تبي تختار عليك.. تختار عليك أنت..



هدني.. هددددددددني



هددددددددددني




علي يمسك به بقوة وهو مازال يهمس بهدوء: امش نروح لسيارتك



خلنا نتكلم على قولتك..




كساب يحاول التفلت وهو يصرخ بغضبه العميق: خلني أوريها شغلها وعقبه نتكلم




علي بدا صوته يعلو بارتعاش موجع: أنا حلفت ياكسّاب.. حلفت



تبي تفجرني؟؟ .. تبي تفجرني؟؟ (يفجر= لا ينفذ الحلف)



هذي حشمتي عندك؟!!



خلاص يا كسّاب.. جميلة لو كانت آخر بنت في الدنيا طابت النفس منها



جميلة اختارت حد غيري ياكساب.. اختارت حد غيري



السنين اللي مضت كلها ما كان لها قيمة عندها



19 سنة ضاعت قدام كلمتين قالها لها ولد عمها



على ويش أتحسف ياولد أمي؟؟ على ويش؟!!








***************************







"يا الله قولي لي وش اللي مزعلش؟؟"




انتفضت كاسرة بخفة ثم ابتسمت وهي تهمس بعذوبة : ومن اللي قال لك إني زعلانة فديت عينك؟؟




الجد بعمق: بتدسين على أبيش ياكاسرة؟!!



أعرفش أكثر ماتعرفين روحش.. زعلانة وزعلش كايد بعد




كاسرة احتضنت عضده ووضعت رأسها على كتفه



وهمست بعذوبة مصفاة مغلفة بحنان عميق: مافيه شيء جعل يومي قبل يومك




الجد بحنان عميق: إلا يومي أنا قبل يومش.. وش حياتن ماأنتي بفيها يأبيش.. أمحق حياة.. كني ميت وأنا حي



جعل ربي ما يقوله




هتفت كاسرة بجزع: إلا جعل ربي ما يقوله.. تبي تروح وتخليني ياجابر؟؟ أهون عليك؟؟




الجد برجاء حازم: ها والله إنش زعلانة..كاسرة والله لما تقولين لي الصدق ذا الحين إن قد أزعل ليش..




لا تستطيع أن تخفي عليه شيئا وخصوصا حين يتكلم بهذه النبرة التي تذيب قلبها أو حين يهدد أنه سيغضب منها



لذا همست بطبيعية قدر ماتستطيع وهي تهز كتفيها: امهاب ضربني أنا ووضحى



ثم أردفت وهي تستدرك بسرعة: بس حن اللي غلطانين يبه.. نستاهل




ليس من طبع كاسرة أن تُركب نفسها الخطأ وخصوصا حين تعلم أنها على حق وصاحبة حق..



وكان صعبا عليها لأبعد حد أن تقول لجدها أنها من أخطأت لدرجة أنها تستحق الضرب



ولكنها فعلت ذلك من أجله.. من أجل هاتين العينين الغاليتين



لم ترد أن تغضبه أو تكدر خاطره.. أو تجعله يعنف مهابا من أجلهما



فهي قادرة على التصرف مع مُهاب بطريقتها الخاصة.. المهم ألا يضايق جدها أدنى شيء



ولكن محاولتها لم يكن لها فائدة لأن الجد انتفض بشكل مفاجئ



وهو يبحث عن عصاه ليتوكأ عليه وهو يصر على أسنانه بغضب عميق: الخاسي.. وينه.. وينه؟؟



يضربكم وانا عادني حي..إجل إذا متت وش بيسوي فيكم



وإلا ماعاد لي قدر ولا حشيمة؟؟




كاسرة تناست كل شيء عدا عبارة واحدة: كم مرة قلت لك لا عاد تجيب طاري الموت




الجد غاضب وموجوع: دقي على امهاب خله يأتي ذا الحين




كاسرة برجاء عميق: حلاص يبه فديتك.. موضوع وانتهى.. وقلت لك إنه حن اللي غلطانين وخذنا المقسوم




الجد بإصرار غاضب: قلت لش دقي عليه الحين.. يعني دقي عليه ذا الحين







**************************







مستشفى حمد



غرفة جميلة




زايد الموجوع أبدا الظالم والمظلوم ذهب ليحضر الشيخ ليملك خليفة في أسرع وقت.. ليستخرج عقد الزواج في الغد قبل سفر جميلة




مزون وصلت لتصدم بالاخبار التي روعتها



وهاهي تجلس صامتة في الزاوية تشعر بغثيان حقيقي وعيناها زائغتان..




بينما عفراء تهمس بحزم في أذن ابنتها: جميلة.. أنتي عارفة وش سويتي؟؟



اخترتي واحد ما تعرفينه على علي.. علي ياجميلة



عـــلـــي



هذا زواج يا بنتي.. زواج وبتملكين الحين ولا تقدرين تراجعين عقبها



زواج يا بنتي زواج مهوب لعبة..




جميلة بصوتها المبحوح المتقطع وهو تحاول تركيز النظر لوالدتها بنظرها الذي ضعف مع المرض:



أدري يمه إنه زواج.. وأنا خلاص أبي خليفة




عفراء تلقي سلاحها الأخير والأخطر: جميلة لو خذتي خليفة.. ماني برايحة معش فرنسا



إذا أنتي مستعدة تروحين معه.. أنا ماعندي استعداد أروح مع واحد ما أعرفه




جميلة صمتت للحظة وهي تصارع أفكارها وجنونها: بكيفش يمه




عفراء انهارت جالسة على الكرسي.. لم يخطر ببالها أن جميلة قد تختار هذا الخليفة المجهول حتى عليها.. على أمها!!!



كيف ستتركها تسافر لوحدها مع رجل غريب وهي بهذا الوضع الصحي المزري؟!!



كيف؟؟



كــــيــــف؟؟



ألقت هذه الكلمة وهي شبه متيقنة أن ابنتها يستحيل أن تسافر دونها



كانت متأكدة إن هذا السلاح سيجعل جميلة تتراجع عن جنونها المتمثل في الموافقة على خليفة



وإذا بها تتورط مع ابنتها ومع جملتها!!!







**************************







"أنا ما أبي عبدالرحمن ما أبيه



تكفى ما تغصبني



ولا تحطها في الشيمة



لأنك تدري بغلاك.. فلا تستخدم غلاك سلاح ضد أختك"




تنهد مهاب بعمق.. يبدو أنه سيحتاج للكثير من اللف والدوران:



ياقلبي يا وضحى



ما يصير تقررين مصير في دقايق



اخذي وقتش وفكري



وما عليش من غلاي.. لأنش عندي أغلى




وضحى بحزم رقيق: عبدالرحمن ماينفع لي ولا أنفع له



مهما حاولت أنسى أو اتناسى.. شبح كاسرة بيظل بيننا



أنا وعبدالرحمن مشروع زواج فاشل



والمشاريع الفاشلة الأحسن الواحد ما يناقش فيها



طول عمري حاطة في بالي عبدالرحمن وقباله كاسرة



مايصير أحطه قبالي أنا.. والله العظيم مايصير ولا حتى تركب الصورة




مهاب يستعد للمغادرة وهو يلتقط هاتفه الذي يرن.. سينهي الجولة ولكن ليس الحرب.. يهمس بحزم:



إذا بغيتي الصورة تركب..



بتركب يا وضحى



بتركب!!






************************







"خليفة يأخوي من جدك هاللي سويته؟!!



أنت في كامل قواك العقلية



البنية يقولون لك تعبانة ويمكن تموت



كان خليت ولد خالتها هو اللي ياخذها



السالفة مافيها لعب"




"جاسم اسكت عني



الله يلعنك يا أبليس



والله ما أدري وش هببت



وش هببت؟!!"




انتهى عقد القران



انتهى




أصبحت جميلة زوجة لخليفة المصدوم الذي لابد أن يبدأ بالتجهيز للسفر معها غدا



فقط هو وهي



هـــــو



و



هــــــــي




فقط

Heart Child
09-20-2011, 10:44 PM
روايه رائعه جداً شكراً همس راح ارجع نهاية الاسبوع عشان استمتع بقرائتها

قلب طفله

همس المشاعر
09-21-2011, 08:29 PM
الأروع هو حضورك ياقلب طفلة
أستمتعي بقرأتها صغيرتي

همس المشاعر
09-21-2011, 08:35 PM
بين الأمس واليوم/ الجزء السابع





"تضربني يبه؟!!
ما عمرك سويتها حتى وأنا بزر
تضربني وأنا رجّال في الثلاثين"



" ويوم أنك رجّال موجعك أني ما حشمت الثلاثين سنة اللي فاتت من عمرك
أجل اللي فات من عمره أكثر من 90 سنة ولا له حشمة ولا قدر.. وش يقول؟؟"



كاسرة المبهوتة من صدمتها لهول ماحدث أمامها تحاول أن تقف على الحياد
وتجد نفسها مجبرة على الإشاحة بنظرها حتى لا تقابل نظر مُهاب..
ومشاعر متضادة تصطرع في أعماقها
وجع.. انتصار.. خيبة.. ومن المؤكد كثير من الألم المتزايد الذي جثم على صدرها..
لم تكن تريد مطلقا أن تختبئ خلف جدها ليأخذ لها بحقها
ولم تكن حتى تتوقع أبدا أن هذا الرد الحاد الموجع قد يكون ردة فعله على مهاب
لو كانت تعلم كان يستحيل أن تتصل بمهاب وتطلب منه القدوم لمقابلة جدها..



لا تنكر أنها شعرت بشيء يشبه السعادة وهي ترى جدها يصفع مهابا
قد لا تكون صفعته بقوة صفعة مهاب لها ولا حتى نصفها
فالجد عاجله بصفعة قدر ماسمحت له قوته وضعف بصره بينما كان مهاب ينحني عليه ليقبل رأسه
ولكنها تعلم أن ألم الصفعة النفسي أكثر بكثير من الألم الجسدي


وعلى الطرف الآخر أيضا لا تستطيع منع نفسها من الإحساس بكثير من الألم الثقيل الوطأة .. وهي ترى أخيها الأكبر في هذا الموقف
وهو يؤخذ على حين غرة وبدون توقع وبهذه الصورة المهينة التي لم تعتد على رؤية مهاب المهاب فيها


(ينحني على جده ليقبله
فيعاجله بصفعة!!!)



قد لا يكون فعليا شعر بأي قوة لهبوط الكف الذاوية على خشونة عارضه
ولكن هذا على كان على مستوى القياس الجسدي الاعتيادي
ولكن على المستوى الروحي
كان الألم غائرا لأبعد حد
كما لو أن والدك يضربك لأنك ضربت أبنائك
والأبشع لو كان أولادك يشاهدون
كيف ستستطيع بعدها النظر لأولادك؟!!


كيف سيستطيع بعدها النظر لكاسرة؟!!


هتف مُهاب بحزم دون أن ينظر ناحية كاسرة: كاسرة اطلعي برا وسكري الباب وراش


ربما في موقف آخر كانت كاسرة لترفض ولكنها الآن شعرت أنها تريد لها سببا للهروب منحه لها مهاب
لذا انسحبت بصمت مثقل بوجع شفاف غير مفهوم وهي تغلق الباب وراءها


مُهاب جلس بجوار جده ثم التقط كفه وقبلها
ولكن الجد انتزع كفه بحدة في الوقت الذي كان مهاب يهمس باحترام:
يبه يوم أنك يوم دعيتني ناوي تضربني.. كان على الأقل قلت لكاسرة تروح لحجرتها
وعقبه سو فيني اللي تبي إن شاء الله تذبحني..


يبه كاسرة بالذات يالله قادر احكمها أشلون عقب ماضربتني قدامها
الحين قويت رأسها علي.. وهي أصلا رأسها قوي..


الجد بثبات غاضب: ضربي لك ما يعيبك.. لكن يعيبك ضربك لأخياتك اليتامى
وكاسرة منت بعاجز فيها
وأدري إن كاسرة على غلاها عندي يمكن تحد الواحد على ضربها
بس وضيحى وش سوت عشان تضربها


مهاب بهدوء نادم: اللي صار يبه.. غلطت وضربتهم وأنا بحل الموضوع ومالك إلا الرضا
طالبك ما تشيل بخاطرك علي..


الجد بعمق: أمنتك الله يا امهاب ماتضيم حد منهم.. أنا شيبة رجلي في القبر
سمعي ثقيل وشوفي ثقيل وحركتي يا الله يا الله
ماعاد باقن لي الا ذا الحشمة.. احشمني في بنياتي..ترا مايهين المره إلا الرخمة
وانت منت برخمة ياأبيك.. إلا رجّال وشيخ الرياجيل
لا تقهرهم ولا تغصبهم على شيء ما يبونه..
ترا ذي وصاتي لك.. والوصات ثقيلة يأبيك


مهاب بعمق مشابه وهو يميل على رأس جده ليقبله: أبشر يبه.. أبشر





****************************





بيت آخر في الدوحة
أسرة أخرى.. هم آخر !!




تتمدد على سريرها.. بطنها على السرير.. تستند على كوعيها لتقرأ في مجلة..
وساقاها الملفوفتان في بنطلون بيجامة زهرية تتلاعبان ذهابا وعودة
كانت مستغرقة تماما في القراءة.. لذا لم تنتبه لمن دخل حتى شعرت بقوة ضربته على ساقها تلاه صوته الغاضب:
كم مرة قايل لش ذا السدحة ما تنسدحينها والباب مفتوح.. هذا أولا
ثاني شيء الحين عقب صلاة الظهر وأنتي عادش لابسة بيجامتش..
لو إبي اللي داخل عليش الحين وش كان سويتي؟؟
توقفين قدامه وأنتي متشنقطة بذا السروال؟؟


حينها قفزت الشابة ليتناثر شعرها المصبوغ بالأشقر الداكن على كتفيها في لفات طبيعية حول صفحتي خدين ناصعي البياض لدرجة الإشراق
وهي تنفخ في جيبها وتهمس بطريقة مصطنعة:
يالله سكنهم مساكنهم... هما بيطلعوا أمتى دول على قولت أمي.. صبيت قلبي يا غنوم


حينها هتف غانم بجدية: كم مرة قايل لش غنوم ذي ما أبي اسمعها... نعنبو صار عمري 27 احترميني شوي


حينها همست بخوف مصطنع: يمه خوفتني... شوف يدي أشلون ترجف... شوفني خلاص بانهار.. بانهار... خلاص انهرت!!


قالتها وهي تلقي بنفسها على السرير وتخرج لسانها كله للخارج وتغمض عينيها في إغماء مسرحي مضحك


حينها ابتعد غانم خطوة وهمس بقرف باسم: أقرفتيني .. دخلي لسانش يا الوسخة..


حينها همست وهي مازالت على نفس الوضعية ولسانها يتدلى للخارج: أنا مغمي علي.. أشلون أدخل لساني...


ابتسم غانم لجنون شقيقته ثم قال بجدية: قومي سميرة.. بدلي ملابسش وانزلي لأمي.. محتاسة مع البزارين.. جننوها..


حينها قفزت سميرة وصاحت بغضب حماسي مضحك:
أما أمك هذي غريبة..
اللي مثلها المفروض تقول يالله حسن الخاتمة... مهوب يوم صار عمرها خمسين رايحة تجيب بزرين على آخر عمرها
والمشكلة ماعاد فيها حيل تبزي... اخذي ياسميرة وابزي..
جابت أول شيء القرد صويلح.. قلت يالله خطأ مطبعي.. ما نشره على الشيبان
لكن عقبها على طول ترجع وتحمل وتجيب السحلية مهاوي... هذي عاد متقصدة هي وشايبها...
ومن زين الانتاج بعد.. صدق انتاج شيبان مخبطين... شواذي يلوعون الكبد...
قال بزران قال... هذولا آفات..


حينها انفجر غانم بالضحك: وهذا كله شايلته في قلبش يا حرام...يا مظلومة...


حينها ابتسمت سميرة: إيه وش عندك اضحك.. على طقم السنون اللي يلمع هذا
ولا ابتسامة نجم سينما


غانم يضحك: الله أكبر يأم عيون...


سميرة بمرح: عدال يا غنوم... ترا كله إلا سنون تركيب.. وش بأنظل عاد


ثم أردفت سميرة بخبث لطيف وهي تخفض صوتها وتلتصق بغانم: إلا غانم صدق صدق..
اللي تكسرت سنونك عشانها .. تستاهل إنك تهاد عشانها.. ويكسرون بظمك الشين بعد؟؟؟


حينها أبعدها غانم عنه بغضب: كم مرة قايل لش ذا الموضوع ما تفتحينه... الشرهه علي إني علمتش.. المفروض خليتها هدة شباب وبس... وما قلت لش السبب


سميرة باستجداء مرح: غانم حبيبي.. غنومتي تكفى... بأموت أبي أدري..
شوف كم لك معلمني ثلاث وإلا أربع سنين يمكن... والله ماحد درا
بس أبي أدري هي حلوة تستاهل إن غنوم الجنتل يحوسون وجهه عشانها...
تكفى فضول بنات... تهون عليك سميرة حبيبتك


حينها غادر غانم دون أن يرد عليها.. ليقف عند الباب ويهمس بحزم:
لا تأخرين على أمي... محتاسة بين الاثنين وماعندها حد من الخدامات... بسرعة انزلي...




بعد دقائق تنزل سميرة لتجد والدتها تحمل الصغيرة ذات الأشهر الثلاثة على ساقيها..
والصبي الذي أكمل عامه الأول للتو تهزه على مقعده الهزار وصراخه يتعالى..


سميرة تنحني لتقبل رأس والدتها ثم تتناول صالح من مقعده لتجلسه في حضنها
وهو تحتضنه بحنو وتوزع قبلاتها على وجهه ويديه وهي تهمس بحب شاسع :
(يا لبي قلبه.. يهبل ياناس.. من وين ياكلونه ذا السكر ذا) وهي تتناسى كل شتائمها في الأعلى قبل دقائق


همست والدتها بتعب عميق: زين جيتي.. تعبانة خالص...هلكوني


سميرة برقة: والخدامات وينهم؟؟ غانم جايب لش ثنتين حق البزارن بس.. وما تخلينهم حتى يمسكونهم..


أم غانم بإرهاق: دول لسه لحمة حمراء.. أزاي أخلي الخدامات يبزونهم


حينها انفجرت سميرة ضاحكة: أما عاد يمه (أزاي يبزونهم) ذي... مافيها حيلة على قولت حمد السعيد..


ابتسمت أم غانم بتعب: الله يا بت.. لازم تعزربي بس..


انفجرت سميرة بضحك هستيري: (تعزربي؟؟) بس يمه تكفين... بطني.. بأموت



"شوي شوي لا تموتين على روحش بس"


التفتت سميرة لمصدر الصوت الباسم .. التفت لناحية الباب الذي يؤدي للمطبخ الخارجي
حيث دخلت شابة لتنتزع جلالها ويظهر وجهها المحمر من حرارة الجو
ابتسمت سميرة: هلا طماطة هانم أنتي ما تشبعين من قعدة المطابخ..
ما ألوم صويلح طردش من بيته... تقابلين المطبخ أكثر ما تقابلينه


ابتسمت الشابة: أقله يوم رحت للرّجال مافشلت روحي.. بيضت وجهه في كرايمه وعزايمه
أما أنتي الله يخلف على اللي بتاخذينه ما تعرفين حتى تسلقين بيضة


لاعبت سميرة حاجبيها: بأسوي له كل يوم بديكير ومنيكير ويحمد ربه


الشابة انحنت على والدتها وأخذت الصغيرة من يدها وهمست بحنان:
يمه روحي أنتي نامي.. شكلش منتهية من التعب.. ولا تحاتين صلوح ومهاوي


أم غانم بتردد: وعيالش يمه؟؟


الشابة بحنو: عيالي اليوم عند إبيهم ومهوب جايين الا في الليل
ثم ابتسمت: وبعدين عيالي صاروا شيبان أصغرهم عزوز قرب يكمل خمس سنين..


أم غانم غادرت تسحب قدميها لغرفتها القريبة التي نقلتها للطابق السفلي بعد أن أصبحت عاجزة عن صعود الدرج بشكل متكرر


بينما همست سميرة بخبث وهي تميل على أختها: وش عندش راضية على أبو العيال.. خليتيه يأخذ الشباب طول اليوم


همست الشابة بغيظ: ياختي ما أبيه يلاقي سبب يدقدق علي (خليهم معي شوي) وانا عارفة إنه يتلكك عشان يكلمني بس..
قلت لخويلد يقول له إنهم اليوم بيقعدون معه لين في الليل


حينها همست سميرة بمرح: ياحرام على الحركات يا ويلي يا ويلي
ثم أردفت بابتسامة أكبر: اما يا نجول خسارة اسم اخي صلوح اللي سميناه على رجّالش


رفعت نجلاء حاجبا وأنزلت الآخر: والله يا حبيبتي ما سميتوا صالح عشانه رجّالي.. لكن عشانه عاجبكم
وبعدين يا حبيبتي ترا سماوة أبو خالد لحد الحين واقفة في حوشكم وهي اللي توديش وتجيبش


سميرة تضحك: يه يه يه.. بتذلنا عشان رجالها عطانا سيارة سماوة عليه..
هذا أصلا أقل شيء يسويه.. يحمد ربه سمينا ذا القرد عليه.. قصدي الغزال
(قالتها وهي تدير وجه صالح الصغير ناحية نجلاء وتعتصره بين سبابتها وإبهامها)


نجلاء بغضب رقيق: هدي صلوح يالخبلة.. آجعتيه..
وبعدين لا عاد تقولين رجّالي.. ما أحب تذكريني


سميرة تهز كتفيها: ويعني ولو ما قلت رجّالش.. بيغير من الوضع شوي.. لا هو اللي طلقش.. ولا أنتي إلا رجعتي


نجلاء بحزم موجوع: مصيره يمل يطلقني..


سميرة بهدوء مختلف عن شخصيتها الصاخبة: يا خوفي يتزوج وهو معيي ومعند ما طلقش..


همست نجلاء بضيق شعرت به يكتم على أنفاسها فجأة: يعني سمعتي سالفة إنه يبي يتزوج؟؟


سميرة بهدوء : سمعت مثل ما سمعتي...
إنه يخطب جوزاء أرملة أخيه.. أخت اشعيع بنت فاضل


نجلاء بضيق متزايد تحاول كتمانه: غريبة إن صالح مانفذ وتزوجها أو تزوج غيرها .. لأن صالح ما يقول شيء إلا هو بيسويه فعلا
لكن هي أو غيرها ما يهمني.. المهم يطلقني قبل ما يتزوج


سميرة تبتسم: ماظنتي يطلقش.. أنا عمري ما شفت رجّال يحب مرته مثل ما صالح يحبش..


نجلاء بحزن عميق: أمحق حب يعرفه صالح.. وش الحبيب اللي يعاير حبيبه في الطالعة والنازلة..


سميرة انتفضت بغضب حاد مفاجئ: أمي تاج رأسه هو وهله وطوايفه.. أمي مهيب عيارة


نجلاء بضيق عميق عميق: أكيد سميرة أمي مهيب عيارة.. بس لما يكون هو قاصد يعايرني ويهيني مستحيل أسكت..
تخيلي بكرة كل ما يعصب يقول لي قدام عيالي يا بنت المصرية..
لما كان يقولها على سبيل المزح.. مثل: خذتي هالحمار والبياض من خوالش المصريين.. كنت عادي أمشيها ولو أني ماعندي خوال
بس صار كل ما يعصب علي يقول لي يا بنت المصرية.. كن مالي أب أو مالي اسم..
يعني مافيه يا بنت راشد ولا يا نجلاء ولا يأم خالد.. بنت المصرية وبس


ثم بدأ صوت نجلاء بارتعاش: يعني ما حشم أني بنت عمه ولا أم عياله.. ولا عشرتنا ذا السنين اللي فاتت كلها..
خلاص مافيني أستحمل والله مافيني...
عاد كله ولا عيشة مع رجال ما يحترمش ويحترم هلش.. حتى لو هو يذوب في الأرض اللي تمشين عليها


سميرة ترفع عينيها لغانم الذي ينزل الدرج بثبات حازم وتهمس بخفوت:
اقصري السالفة.. غانم نازل... لو درا ، مهوب بعيد ييتيم عيالش.. مجنون ويسويها





**************************





بعد صلاة العصر..
خليفة يتجهز للسفر وهو لا يعلم حتى إن كانت تأشيرته ستنتهي في الغد كما وعده زايد
يشعر كما لو أنه مخلوق آلي يتحرك بدون أي احساس
هاهو يضع ملابسه في حقيبته.. يشعر كإحساس ضائع في لجة محيط مرعب
فهو اعتاد دائما على التخطيط الدقيق.. والارتجال يربكه
حين قرر الوقوف في وجه زايد كان مخططا بسيطا سينتهي برفض جميلة له ولكنه في ذات الوقت سينتهي بنوع من الرضى النفسي له
لأنه استطاع أن يجعل غيره يشعر بما شعر به
وغريب هو الإنسان الذي يجد في سلواه في رد الأذى عن نفسه أن يمارس ذات الأذية في حق الآخرين


ولكن هاهو الآن رجل متزوج ومسؤول عن فتاة مريضة حمّلته والدتها مئات الرجاءات المبللة بالدموع:


تكفى ياخليفة يأمك.. جميلة اختارتك حتى علي أنا
اختارت ريحة إبيها فيك.. تكفى ما تخذلها
جميلة مريضة واجد ووضعها صعب.. والحالة النفسية أهم خطوة في العلاج
تكفى ماتخليها دقيقة ولا تحسسها بالغربة..جميلة عمرها مافارقت حضني دقيقة
وتراها من رقبتي في رقبتك..
تكفى يامك..
تكــــفى..
تـــــــــــكفــــى



صدى صوتها يتردد في كيانه المثقل.. ليختلط مع صدى صوت الطبيبة التي راح يستوضح منها عن مرض جميلة بالتفصيل
ليزداد ضياعا على ضياعه..وارتباكا فوق ارتباكه:


جميلة مصابة بمرض فقدان الشهية العصبي anorexia وفي مراحل متقدمة من المرض ووضعها متدهور
يعني يأخ خليفة وبما أنك زوجها خلني أصارحك
إن أم زوجتك تأخرت كثير في علاجها يعني المفترض على الأقل 6 شهور من بدء المرض تجيبها عندي لكن هي جابتها بعد سنة
لأنها اعتقدت انه هذا مجرد ريجيم تعمله بنت مراهقة..
بينما بعد الست شهور فكرة النحافة تصير هوس عند المريض..ومهما نحف يظل يعتقد انه يحتاج للمزيد
وبعد ذلك تأخروا في السفر لمصحة للحالات المتدهورة واللي انا لي زمان انصح فيها
الآن انت قدامك مشوار صعب.. لأنه جميلة نفسها لازم يكون عندها رغبة قوية للعلاج وهالشي مش موجود..
جميلة لحد الآن مقتنعة إنها تعاني من السمنة وترفض الأكل ..
ولازم أصارحك إن 70 بالمئة من العلاج بيعتمد عليك بما أنك الوحيد اللي بتكون معاها..
لازم تمسك العصا من النص تشد عليها عشان الأكل.. وفي نفس الوقت تكون حنون عليها..
ولازم تزرع فيها رغبة العلاج وتقنعها انها الآن نحيفة بطريقة ماتعزز الأنوثة عندها لكن تسلبها
ولازم تقنعها إنك تحب الجسم المليان.. وماتحب الوحدة الهزيلة بهالشكل


حينها انتفض خليفة بجزع: أنا؟؟


الدكتورة أكملت بابتسامة: أيوه أنت.. لأنه بما أنك زوجها ..
فأكيد هي تبي تكون حلوة وجذابة في عيونك.. فلازم تعزز هالشيء عندها
الشيء الثاني وعشان تكون على بينة.. مرض فقدان الشهية في مراحله الاخيرة يؤدي لتوقف الدورة الشهرية
وفعلا دورة جميلة متوقفة من أكثر من 7 أشهر.. ورحلة العلاج راح تكون طويلة فعلا..
وبتستغرق وقت أطول لرجوع الدورة الطبيعية وهالشيء يمكن يأثر على الحمل حتى في حال شفاء جميلة إن شاء الله


كان وجه خليفة يتلون بشتى الألوان والطبيبة تتحدث وهو يسب نفسه على إدخال نفسه في كل هذا..
حتى وصلت الطبيبة لموضوع الحمل ليمتقع لونه تماما ويهمس بحرج:
أي حمل يا دكتورة؟!!.. خليها الحين ربي يشافيها على خير.. ولكل حادث حديث



وهاهو يستعيد كل هذا في ذهنه وهي يرتب ملابسه بذات الآلية الرتيبة دون حتى أن ينتبه لدخول شقيقه جاسم عليه:


"خليفة يأخوي من جدك هاللي سويته؟!!
أنت في كامل قواك العقلية
البنية يقولون لك تعبانة ويمكن تموت
كان خليت ولد خالتها هو اللي ياخذها
السالفة مافيها لعب"


نظر خليفة لجاسم نظرة خالية من الحياة وهمس بسكون :جاسم اسكت عني
ثم أردف بضيق: الله يلعنك يا أبليس..والله ما أدري وش هببت..وش هببت؟!!"


جاسم يجلس على السرير وهو يشبك يديه أمامه بقلق: خليفة لو ماتت البنت عليك وانتو بفرنسا لا قدر الله
أشلون تقدر تحط عينك بعين أبو كسّاب اللي قعد ساعة عقب الملكة يوصيك عليها جنه معطيك قطعة من يوفه...
والله العظيم أني ظنيت انه مزوجك بنته موب بنت عمنا


خليفة بقلق مشابه: لا تفاول ياجاسم إن شاء الله ما نرجع الا وهي مثل الحصان


جاسم بحزم: خليفة لا تاخذك العزة بالأثم.. طلق البنت وخل أهلها يسافرون معاها مثل ماكانوا مقررين


انتفض جسد خليفة بعنف ليقذف بالقميص الذي كان بيده داخل الحقيبة بحدة وهو يلتفت بغضب لجاسم:
شنو شايفني عشان أسوي جذيه.. حرمة؟!!
يمكن غلطت في تهوري.. بس خلاص جميلة صارت حرمتي.. وأنا الحين اللي مسئول عنها
ومستحيل أتنازل عن مسؤلياتي لأحد.. ومستحيل أصغر نفسي قدام الرياييل..


جاسم يقف وهو يهمس بحزم: أنا بريت ذمتي خلاص وأنت بكيفك..





*****************************





"اشعيع ومرض.. سكري الدريشة لا أحد يشوفش"


شعاع تلتفت لجوزاء وهي تهمس بملل: ليت حد يشوفني بس
خير شر ماعاد تشوفين في ذا الشوارع حد مزيون.. يا سواق بنغالي والا هندية طاقة من بيت أهلها
الظاهر وقفوا عن تصنيع المزايين على حظي..


جوزاء تجلس ابنها على حجرها وتهمس: زين يالزينة اللي تدورين المزايين ليش مادة البوز؟؟


شعاع بحماس غاضب: وضوح الكلبة ماترد على تلفوناتي


جوزاء تهز كتفيها: وخير ياطير ماردت.. وش حارقش أنتي؟؟


شعاع بغضب لطيف: أشلون خير ياطير... باموت أبي أعرف وش رأيها في خطبة عبدالرحمن ؟؟


جوزاء بسخرية: رأيها؟؟ تحب يدها مقلوبة اللي جاها واحد مثل عبدالرحمن..
غير عن أخلاق عبدالرحمن العالية وكونه دكتور جامعة..عبدالرحمن حتى على مستوى الزين أحلى منها..


شعاع بابتسامة: ماخذة مقلب قي أخيش.. ترا عبدالرحمن ماشيء حاله .. مهوب ذابحة الزين ترا
ثم أردفت باستغراب: بس أنتي صدق ما ينعرف لش توش اليوم الصبح تقولين وضحى أحسن من أختها المعقدة
يعني ماعجبش يوم خطب الحلوة ولا عجبش يوم خطب العادية..


جوزاء تضحك: عادية؟!!.. تحبين تخففين المسميات.. وضحى مهيب حلوة أساسا


حينها انتفضت شعاع غضبا: وضحى مافيها قصور.. وزين أخلاقها يغطي على كل عذاريبها.... هذا لو فيها عذاريب!!..
ثم تهورت شعاع في غضبها وهي تصرخ: وهي أساسا أحلى منش وأخلاقها أحسن من أخلاقش.. وما أسمح لش تغتابنيها


جوزاء انتفضت بغضب كاسح: أنا يام لسان.. أنا ياقليلة الأدب؟؟ تطولين لسانش علي عشان بنت خالش..


شعاع بذات الغضب: بنت خالي مهيب هنا ترد عن نفسها.. وإلا أنتي بس تبين تعذربين في الناس
لا كاسرة عاجبتش ولا وضحى عاجبتش... عشانش وحدة معقدة وتبين تطلعين عقدش في الناس


حينها مدت جوزاء يدها لشعر شعاع وأنشبت أناملها فيه وشدته بقسوة:
والله لا عاد تطولين لسانش علي لا تشوفين شيء مايسرش... وو.....


كانت شعاع تصرخ بألم وهي تحاول تخليص شعرها من براثن جوزاء
وكانت جوزاء مازالت ستتكلم وتسب وتصرخ فشعاع جاءت على وجيعتها تماما
حتى شعرت باليد الصغيرة التي تضربها والصوت الباكي: ماما خلي شاشا خليها


لتنتفض بعنف جازع وتفلت شعر شعاع وهي تنظر ليديها برعب كالمذهولة ثم تحتضن صغيرها:
بس حبيبي أنا آسفة.. كنت ألعب مع شاشا حبيبي


بينما تأخرت شعاع للزواية تبكي..
حين أسكتت جوزاء ابنها.. اقتربت منها وجلست جوارها وهمست بحنان انقلبت فيه من النقيض للنقيض.. حنان ولّده صغيرها حسن:
آسفة شعاع آسفة سامحيني ياقلبي


ولكن شعاع تأخرت للخلف.. بينما جوزاء قرصت خدها برقة: خلاص اشعيع انتي بعد طلعتيني من طوري


شعاع بين شهقاتها: يعني تبين أخليش تأكلين في لحمها وأسكت..أنتي تعرفيني ما أسكت على الغلط


جوزاء بجزع: ياكبرها عند الله... استغفر الله استغفر الله... خلاص يا بنت الحلال أخر مرة أجيب سيرة حد.. ماقصدت شيء والله العظيم
ثم أردفت بمودة صافية : أنتي عارفتني.. يالله عاد مايهون علي زعلش
آخر مرة أخر مرة صدقيني..


سكتت شعاع وهي تضع رأسها على كتف شقيقتها استجابة لمد جوزاء ليديها لها.. وهي تعلم أنها لن تكون المرة الأخيرة كما تقول
لن تكون الأخيرة!!
حتى وإن كانت لا تقصد كما تقول.. فهي ستقول.. ثم ستندم.. ثم ستقول.. فتندم
في دائرة لا تنتهي من التناقضات التي تغضب جوزاء نفسها قبل أن تغضب غيرها..


فهذا دأب جوزاء بشخصيتها المتقلبة العصية على التفسير
والتي ظهرت بشكل مركز بعد حادثة وفاة زوجها الغريبة!!





********************************






"كاسرة يأمش.. روحي شوفي وضحى..ماطلعت من غرفتها من صبح..مع إن امهاب جاني وتعذر مني ويقول إنه أرضاها
فليش ما نزلت.. وحتى الغداء ما تغدت.."


كاسرة بابتسامة: كفاية أنا تغديت معش..


كاسرة تجاوزت ضيقها كلها من صفعة مُهاب لها صباحا.. فجدها اقتص لها منه.. وأراحها من التفكير بوسيلة للتنكيد على مُهاب ومعاقبته
ولكنها طبعا لم ولن تخبر أحدا بما حدث.. ربما كان السبب الأبرز أنها بطبعها كتومة لأبعد حد..
وربما لأنها لم ترد إثارة غضب والدتها..
وربما لانها في عقلها الباطن ترفض فكرة إهانة مُهاب ونشر خبر إهانته
وربما لانها شعرت أنها في ذات اللحظة التي ارتاحت فيها عادت لتتضايق من أجله..



مزنة بضيق: قومي يا بنت.. تبين تقارنين وضيحى اللي كل شيء يحز بخاطرها بوحدة مثلش وجهها بليته..


كاسرة مازالت مبتسمة: أفا يام امهاب.. أفا.. الدعوة خاربة...
الحين هذا انضربت معها.. ولا حد عبرني.. ولا حد رضاني
لكن أبشري بأروح لأم دميعة أشوف علومها


كاسرة وقفت للتوجه للأعلى.. بينما وصلها صوت والدتها الحازم:
إياني وإياش توجعينيها بالحكي.. أعرفش إذا بغيتي تصيرين مغثة.. صرتي أكبر مغثة..


التفتت لها كاسرة وهي تكاد تصل أسفل الدرج ومازالت تبتسم:
تدرين يامزنة.. مالي خاطر أزعل عليش.. بس ما يضر نسجلها في الدفتر.. يمكن نعتازها بعدين


كاسرة صعدت للأعلى بخطوات هادئة حتى وصلت لباب غرفة وضحى.. طرقت الباب بهدوء وحزم ثم فتحت مباشرة..
لتتفاجئ أن وضحى تجلس على مكتبها منخرطة في الاستذكار


كاسرة هتفت بسخرية: ماشاء الله الأخت تدرس.. ومخلية أمي قلبها ماكلها عليش


وضحى رفعت عينيها بعتب عميق وساخر في ذات الوقت: والله ماحد طل علي ولا سأل عني..
وبعدين حنا في آخر الكورس وامتحاناتي خلاص ماباقي عليها شيء.. وأنا كورس تخرج
وش تتوقعين أسوي.. أتحزم وأرقص يعني؟!!


كاسرة أنزلت حاجبا ورفعت الآخر وهي تميل شفتيها بسخرية: عشتو.. وتنافخين بعد
والله ظنتي إن أخيش حبيب قلبش هو اللي معطيش طراق مهوب أنا ولا أمي


وضحى بذات السخرية: والله امهاب جعل يومي قبل يومه.. جاني وراضاني وسمّح خاطري


حينها اقتربت منها كاسرة بغضب.. لتنكمش وضحى قليلا وهي تشعر أن كل شجاعتها التي حاولت تجميعها تبخرت
همست كاسرة بغضب خفيض وهي تقف فوق رأس وضحى:
أنتي شنو جنسش؟؟ لعب عليش بكلمتين.. وقولي بعد إنش بتوافقين على عبدالرحمن أبو تمبة


وضحى تفرك يديها وهي تنظر للكتاب بين يديها وهي تقرر اتخاذ استراتيجية أخرى..
لتهمس لكاسرة باحترام مدروس تماما غذت به غرور كاسرة: هل تشوفين فيه عيب؟؟


حينها تنهدت كاسرة بارتياح لأنها شعرت أن زمام الأمور عاد ليديها وتراجعت لتجلس على طرف السرير قريبا من وضحى
وهمست بهدوء حازم: عبدالرحمن بنفسه.. مافيه عيب أبد..
بس أنا ما أحب حد يجبرش على شي أنتي ما تبينه أو منتي بمقتنعة فيه


حينها همست وضحى باستجداء تمثيلي بارع لا تقصده مطلقا..
ولكنها طريقة تعرف أنها تنفع مع كاسرة التي تكره أن يعاندها أحد.. وإذا رأت أن من أمامها يستسلم فهي تتنازل عن كثير من حدتها:
زين كاسرة.. ويوم أنه مافيه عيب أبد.. ليش ما وافقتي عليه؟؟..
وهل ياترى لو أنا وافقت عليه.. الموضوع بيضايقش؟؟؟


حينها ضحكت كاسرة برقة: أتضايق وليش أتضايق؟؟ من جدش ذا السؤال..
طبعا مستحيل أتضايق وهذي إجابة السؤال الثاني.. وإذا كان هذا سبب رفضش له تكونين غبية
أما إجابة السؤال الأول فعلا عبدالرحمن مافيه عيب عندي إلا عمره.. أشوفه صغير واجد علي


وضحى باستغراب شديد وهي تعرف للمرة الأولى سبب رفض كاسرة لعبدالرحمن:
صغير؟؟!! وواجد؟؟ عبدالرحمن عمره 31 سنة يعني أكبر منش بخمس سنين!!


حينها ابتسمت كاسرة: أنا واحد أقل من الاربعين ما أبي


وضحى بدهشة عميقة: كاسرة أنتي صاحية؟؟ وحدة في جمالش وشخصيتش وش يحدها تأخذ شيبة؟!!
اللي مثلش تحط رجل على رجل وتختار في أحسن الشباب


كاسرة بذات الابتسامة: واحد في الأربعينات ماينقال له شيبة.. لكن ينقال رجّال.. ثقل ورزانة وشخصية تبلورت خلاص..


ثم أردفت وهي تقف بالقرب من النافذة وتنظر للخارج:
تدرين وضحى.. أنا أدري إن شخصيتي قوية.. لكن في ذات الوقت ما أبي شخصيتي تطغى على شخصية اللي بأتزوجه..
لو خذت لي شاب صغير.. صدقيني أنا اللي بأفرض عليه كل شيء أبيه
لكن لو خذت رجال عدى الأربعين.. رجّال شخصيته مكتملة ومتبلورة من سنين.. صعب أفرض عليه شيء...
وهذا هو اللي أنا أبيه... رجّال صدق..


وضحى وقفت بجوارها وهي تنظر معها للخارج وتهمس باستنكار رقيق:
أفكارش غريبة صريحة... كم شاب في الثلاثينيات أو حتى العشرينيات شخصيته قوية ومستحيل حد يفرض عليه شيء
الحين امهاب مثلا توه ثلاثين.. تعتقدين إنش تقدرين تفرضين عليه شيء؟؟


كاسرة ببساطة: شخصية امهاب غير.. وظروفنا كانت غير..
امهاب اضطر يتحمل المسئولية وهو صغير.. وذا الشيء قوى شخصيته
وخصوصا مع تربية أمي اللي هي بعد كانت غير


وضحى عاودت الجلوس على مكتبها وهي تهمس بالاحترام المدروس إياه:
بصراحة كاسرة كلامش مهوب مقنع.. اسمحي لي


حينها التفتت كاسرة لها وهمست بهدوء: مهوب لازم تقتنعين المهم أنا مقتنعة
وثاني شيء انزلي لأمي شوي.. أمي تحاتيش
ثالث شيء إذا أنتي مقتنعة بعبدالرحمن وكنتي تبين ترفضينه عشاني.. فخلي منش ذا الخبال.. وسوي اللي أنتي مقتنعة فيه وبس وماعليش من حد


أكملت كاسرة عبارتها وانسحبت بهدوء لتغلق الباب خلفها..
بينما توجهت وضحى لتستبدل ملابسها وتنزل لوالدتها وكثير من الأفكار تزدحم في خيالها
وهي تشعر براحة عميقة لجلسة المصارحة الغريبة بينها وبين شقيقتها..
فهذه المرة كانت من المرات القليلة التي تفتح كاسرة قلبها وتحكي مابداخلها!!





**************************





بعد صلاة المغرب
في سيارة كسّاب التي تطوف شوارع الدوحة دون هدف


"كسّاب ولا عليك أمر.. اصفط عند أول محل سفريات بتلاقيه"


كسّاب باستغراب: ليه محل سفريات؟؟


علي بهدوء: بأحجز على أول طيارة طالعة الليلة من الدوحة.. بأرجع لشغلي..


كسّاب باستفسار: واشدراك انك بتلاقي لك حجز على جنيف الليلة وبذا السرعة؟؟


علي بذات الهدوء: لو مالقيت لجنيف طلعت للنمسا وإلا ألمانيا وإلا إيطاليا
ومنها بالقطار لجنيف.. معي تأشيرة شنغن لكل دول الاتحاد الأوربي


كسّاب بتساؤل لم يقصد منه شيء فعلا: وليش مهوب لفرنسا.. جنيف على حدود فرنسا على طول ..


انتفض علي بخفة: فرنسا لا.. ما أبي أروح لفرنسا


حينها انتفض كسّاب بغضب: يعني هربان؟؟ لمتى ذا الهروب يا علي.. لمتى؟؟
متى بتقعد وتواجه


علي بذات هدوءه الساكن: إذا أنا هربت برا ديرتي.. فأنت هربت وأنت فيها
لا تقعد تفلسف علي يا كسّاب
لأني الليلة آخر واحد محتاج فلسفة.. أنا بس أبي أختلي بنفسي





*******************************






انتهى عشاء للرجال في مجلس فاضل بن عبدالرحمن.. غادر الجميع..
حتى أبو عبدالرحمن نفسه استاذن وترك الشباب ليسهروا بعيدا عن أعين ورقابة "الشيّاب"
بقي فقط عبدالرحمن ومُهاب وتميم..
تميم يريد المغادرة.. ولكن لأنه هو من أقل مُهاب بسيارته لا يستطيع أن يتركه
بدأ يشعر بالملل وبمرارة غريبة والشابين الأكبر منه ينخرطان في حديثهما الخاص والصاخب ليتناسيا وجوده
ورغم ضيقه من ذلك إلا أنه في احيان كثيرة يتمنى ان يتناسيا وجوده كليا..
فتلك الإشارات التي تشبه الصدقات التي يمنون بها عليه من وقت لآخر تؤذيه أكثر مما تسعده
يشيرون له يسألونه عن رأيه في مباراة المنتخب بالأمس.. أو ربما حدث سياسي اليوم..
فيشير لهما إشارة مجاملة قصيرة ردا على مجاملتهم
ثم يعود غارقا في الصمت الساكن بعيد عن ضجيج كلماتهم
تناول هاتفه المحمول ليلتهي به.. وحتى لا يشعرهم بملله المستحكم..


حينها التفت عبدالرحمن لمهاب وهمس بمرح: يالله قوم توكلوا لبيتكم


مهاب بابتسامة: أفا... هذي طردة أنت ووجهك؟!!


عبدالرحمن بابتسامة مشابهة: تميم شكله زهق وحن حابسينه معنا..
ثم أردف (بعيارة): وبعدين تميم هو اللي ولد خالي.. وإلا أنت حيا الله أخ ولد خالي


مهاب يضحك: لا يا مسود الوجه ذي أخرتها.. صدق مافيك خير
ثم أردف بمرح: تلاقي ولد خالك مستعجل يبي يروح لوضحى يصب علومه عندها.. ماحد يفهم له مثلها.. واليوم مابعد عطاها علومه


حينها همس عبدالرحمن بدفء مَرح: لا يكون بكرة أخيك كل شوي ناط عند مرتي ومزعجنا


تنحنح مُهاب بحرج وقفز لموضوع آخر ولكن في ذات الاتجاه:
أنت عارف إن تميم يبي يتزوج بس الوالدة مهيب راضية الله يهداها


لم يفت ذكاء عبدالرحمن قفزة مُهاب الذكية لموضوع آخر.. لكنه قرر أن يتجاوز هذه المرة وحاول أن يهمس بطبيعية:
وتميم يعني يعرف وحدة معينة في نفس حالته عشان كذا مصمم عليها


قطب مُهاب جبينه: وين يعرف الله يهداك... هو مقرر يسأل أو يستعين بخطابة لو وافقت أمي..


عبدالرحمن باستغراب: خطّابة؟؟؟


ابتسم مهاب: إيه خطّابة...
ثم أردف بسخرية: ليه يعني أنت تعرف حد عندهم بنت نفس حالة تميم.. وفي نفس الوقت تناسبه؟!!


صمت عبدالرحمن لدقيقة كأنه يفكر ..ثم همس بعمق: من حيث أني أعرف... فأنا أعرف





*************************





بيت زايد آل كسّاب
وقت متأخر من ذات الليلة



يدخل كسّاب إلى البيت وهو ينتزع غترته عن رأسه ويلقيها على أقرب مقعد بتعب
يعبر الصالة الواسعة ليتجه للأعلى.. كان مرهقا بالفعل ومستنزفا نفسيا وجسديا
لذا لم ينتبه للجالس الذي عبر من أمامه تماما


"صحيح إني قصير.. بس مهوب لدرجة إنك ما تشوفني"
استوقفه الصوت الحازم الذي لم يخلُ من رنة غضب


تنهد كسّاب بعمق.. فأخر شيء تمنى أن ينهي به هذه الليلة المريعة هو والده
تراجع وهو يهمس باحترام: مساك الله بالخير يبه


زايد بغضب: ماعاد هو بمسا قده صبح يالشيخ


تنهد كساب وهو يحاول أن يجيب بتهذيب: يبه الله يهداك من متى تحاسبني على التأخير..


زايد بذات الغضب: ليه كبرت على المحاسبة.. وأخيك الثاني وينه؟؟ مهوب معك؟؟ ليش تأخر هو بعد؟؟


كساب تنهد للمرة الألف: اللي أخرني هو علي.. لأني وديته المطار.. وطيارته توها طارت..


زايد بجزع لم يستطع اخفاءه: وين راح؟؟


كساب بنبرة لا تخلو من سخرية مبطنة موجوعة: رجع لشغله.. وشو له يقعد!!


زايد بصدمة غاضبة متوجعة: وبدون حتى مايقول لي ولا يسلم علي؟؟


كساب بذات النبرة الساخرة الموجوعة: يبه أنت مشغول اليوم في ملكة خليفة اللي بديته على ولدك..


زايد بنبرة حازمة: اقصر الحكي يا ولد وتلايط


كسّاب بغضب: لا ماني بقاصره..يعني حتى الحكي نغص به وما نحكي..


هذه المرة من رد بسخرية هو زايد: ومن متى وأنت تحب تأخذ وتعطي معي.. يوم تشوفني تركبك السكون


كسّاب يتجاهل تعريض والده لينظر له بنظرة مباشرة ويهمس بنبرة ذات مغزى:
يبه.. علي يوم بغى جميلة.. بغاها لأنها تربت في بيته وقدام عينه ولأنها بنت خالتي اللي مثل أمنا
لأن جميلة في وضعها الحالي تعتبر كارثة على أي زوج..
عــــدا..........
لو تموت ويورثها
فانت إسأل نفسك وش اللي يخلي خليفة هذا يتزوجها؟؟
فكّر في ذا السؤال زين... ومثل ماكان ذنب علي في رقبتك.. ترا ذنب جميلة وأي شي بيصير لها في رقبتك بعد


ألقى كسّاب بعبارته المسمومة وانسحب صاعدا تاركا زايد يزأر كأسد مجروح بعد أن أثارت كلمات كسّاب مخاوفه التي تخنق روحه:
صدق إنك تربية منصور.. لسانك سم مثله
ما تعرفون تقولون كلمة خير


كساب يهمس بهدوء ملغوم وهو يصعد: ماحد رباني غيرك طال عمرك



عاود زايد الجلوس لينتزع غترته ويلقيها جواره بغيظ وقهر
يمرر أصابعه عبر خصلات شعره بإرهاق
كل المشاعر الكثيفة التي تثور في أعماقه كالبراكين انزاحت أمام شعور مرّ بالوحشة
كم هو مشتاق لهذا الفتى الذي غادر دون أن يزرعه في أحضانه
ليخزن في روحه بعضا من عبق رائحته علها تصبره على البعد
كيف يذهب ويكون آخر ما رآه منه ظهره يخرج مقهورا مثقلا بالأسى
ويجد زايد نفسه ممزقا بين رغبته في اللحاق به
وبقاءه مع أحمد وأبنائه للتناقش في التفاصيل
كانت الأولى هي الرغبة والثانية هي الواجب
لينتصر الواجب على الرغبات
ويبقى هو ممزق الروح معلقا بين خوفه وحزنه..
خوفه على جميلة وعلي.. وحزنه عليهما!!!





*******************************





مهاب يدخل إلى غرفته بعد أن عاد من سهرته مع عبدالرحمن التي طالت طويلا
بعد أن سمح لتميم أن يعود للبيت لوحده على أن يوصله عبدالرحمن بعد ذلك


لا ينتبه لضيف لطيف يقبع على سريره.. لأنه خلع ملابسه وتوجه للحمام مباشرة ليتوضأ ويصلي قيامه أولا
حين توجه لسريره ليتمدد.. وجد وردة جورية بيضاء تتمدد على مخدته وتحتها بطاقة بيضاء
ابتسم وهو شبه متأكد من صاحبة البطاقة..
تناول البطاقة


"والله العظيم إني ما اشتكيت منك لجدي
وإني ركبت نفسي الغلط بعد
ووالله مهوب هاين علي اللي صار لك مع جدي
بس تدري.. أنت تستاهل..
يعني تعتذر لوضحى وما تعتذر لي..
أظني إني انضربت مثل ماهي انضربت
وإلا هي أختك وأنا لا ؟! "


اتسعت ابتسامة مُهاب..
يعلم أن هذه طريقتها في الاعتذار
ولطالما وجدت طرقا أكثر غرابة ..
المهم ألا تعتذر بنفسها.. أو حتى تقترب من مفهوم الاعتذار


مازالت ابتسامته مرتسمة وهو يتناول هاتفه ويرسل لها


" آسفين طال عمرش
حقش علينا
أي أوامر ثانية ياصاحبة السمو؟؟"





******************************






مستشفى حمد
الوقت بعد منتصف الليل وقبل صلاة الفجر



"بس خالتي فديتش.. ذبحتي روحش بكا.. عيونش ورمت"
همس مزون الحنون المختلط بعبراتها المكتومة وهي تمسح على كتف خالتها التي لم تتوقف عن البكاء منذ عقد قران جميلة


عفراء تهمس بصوتها الذي تغير من كثرة النحيب: بأموت يامزون.. بأموت.. أشلون أخليها تروح بروحها.. أشلون؟؟
حاسة روحي بتطلع من مكانها


مزون بعتب رقيق: بعد أنتي ياخالتي سكرتيها من كل صوب.. خليفة الحين عبارت ولدش.. وش فيها لو رحتي معه؟!!


رفعت عفراء عينيها المحمرتين لتنظر لمزون بحدة: لا مهوب ولدي..
ولدي اللي كسروا بخاطره وخلوه يهج من الدوحة مجروح وحزين..


ابتلعت مزون عبرتها التي وقفت في حلقها وماحصل لعلي يعود لذاكرتها بعنف يائس..
ولكنها حاولت تجاوز كل هذا وهمست بثبات:
علي رجّال.. وبيعدي ذا كله.. لكن جميلة محتاجتش ياخالتي.. لا تخلينها..


عفراء بحزن مرير: يمكن أحسن لها تروح من غيري.. ويمكن هذي خيرة ربي لها اللي خلاها تاخذ خليفة... عشان أهون وما أروح معهم..


مزون باستغراب عميق: أشلون تقولين كذا يا خالتي؟؟


عفراء همست بمرارة شعرت بها تمزق حنجرتها: الدكتورة كثير كانت تعاتبني إني السبب في تدهور حالة جميلة..
وإني بدلالي لها خربتها وما أرضى يشدون عليها في العلاج
وأصلا الدكتورة أساسا كانت تقول لي أنتي لا تروحين معها.. بس طبعا أنا رفضت.. وكان مستحيل أخليها
بس يوم صار اللي صار... خلاص هذي خيرة رب العالمين... وأنا مالي إلا الصبر والدعاء لوجه الكريم

همس المشاعر
09-21-2011, 08:38 PM
بين الأمس واليوم/ الجزء الثامن







صباح الدوحة



يوم يحمل الكثير



قلوب تُفجع.. وقلوب تتأمل..



وقلوب ليس لديها سوى فتات الأمل!!








ينزل السلالم بخطوات ثابتة..



يبتسم وتشرق روحه المثقلة حين يرى العينين الدافئتين الحنونتين تطلان من خلف برقعها



تحيط بهما تجاعيد رقيقة جعلت هيئتها تبدو أكثر ضعفا وهي تنحني بوهن..



أو ربما وحشة أمام قهوتها الصباحية!!




ابتسمت بشجن ورحبت قبل أن يصلها: حيا الله أبو خالد.. صبحك الله بالخير




يصلها لينحني على رأسها مقبلا.. ثم يهمس باحترام ودود: صباحش أخير جعلني فدا أرجيلش.. كيف أصبحتي يأم صالح؟؟..




ابتسمت بحنو: إذا قدك بخير أنت وأخوانك ما أشكي باس




ابتسم لها بمرح حنون: هذا أنا وأخواني قدامش قرود تنطط




همست بحزن عميق مسرف في العمق.. وكأن هذا الحزن المقيم يأبى الإنزياح أو التراجع أو الإنكماش:



جعل ربي ما يفجعني في حد(ن) منكم..



من عقب ماراح عبدالله والخاطر كلش(ن) يجيبه ويوديه




همس بحنين موجوع وهو يتذكر شقيقه الأصغر الذي رحل قبل أكثر من ثلاثة أعوام:



جعلها برايد عليك يابو حسن..



أنا أشهد إن الموت خذ له وليدة.. (الوليدة= الرجل النادر)




همست أم صالح بحنين: صالح يأمك.. جيب لي حسن اليوم فديتك..



قد لي كم يوم ماشفته.. وأنا بأكلم أمه تجهزه وتلبسه




ثم أردفت بألم شفاف: ما أدري لمتى ربى كاتب علي ماحد من عيال عيالي يقعد عندي!!



ذبحتني الشحنة لهم!!




ابتسم لها صالح: خلاص ولا يهمش خلي أم حسن توافق علي.. ونجيب حسن عندش




حينها نظرت له والدته بعتب: يعني تجيب حسن وأمه.. وأم خالد وعزوز وخويلد ؟؟




حينها أنزل صالح فنجانه وهو يشعر بضيق كتم على صدره أخفاه خلف هدوء صوته:



وش أسوي بنجلاء هي اللي معندة.. ومعية ترجع لي.. هي اللي حدتني أخطب عليها




نظرت أم صالح لابنها نظرة مباشرة وهمست بعتب مقصود:



نجلاء مرة عاقلة.. وماحدها على ذا كله إلا شي(ن) كايد



شوف وش أنت مزعل(ن) بنت عمك فيه؟؟




صالح بعتب: يعني رجعتي على ولدش.. وش بزعلها فيه يعني؟؟



لا عمري مديت يدي عليها ولا قصرت عليها بريال




أم صالح بذات النبرة المقصودة: أنت أخبر يأمك.. السالفة مهيب سالفة ضرب وفلوس




ثم أردفت بمودة: ياحيها نجلاء.. ليت كل النسوان مثلها..



كانت كافيتني غثى عزايمك أنت وأبيك.. وشاله البيت كله مني..



وين من هي مثلها؟؟




ابتسم صالح: إذا السالفة على كذا.. زوجي الجباوة الثنين اللي أخنزوا من الرقاد فوق..




أم صالح باستنكار: هزاع توه صغير.. أنت صاحي؟؟ خله يخلص الثانوية ذا الحين




ثم أردفت بابتسامة حنونة: أما أخيك الفاسخ كل ما قلته أعرس قال لي..........





"هذا حضرت العقيد عزابي.. وأنا مأنا بأحسن منه"





ارتفعت الأعين لمصدر الصوت الواثق المرح وصاحبه ينزل بخطوات سريعة عن الدرج



بلباسه العسكري الأنيق والنجمتين اللامعتين على كتفيه العريضين



ليصلهم خلال ثوان ليقبل رأس والدته وشقيقه الأكبر بينما كان صالح يهتف بابتسامة:



والله ياملازم فهد..ترا منصور آل كسّاب تزوج بدل المرة ثلاث..



يعني جرّب مثله.. ما تضر التجربة.. يمكن يعجبك الحال عقب




فهد يسكب لنفسه فنجانا من القهوة ويرد بابتسامة مشابهة:



هذا أكبر دليل إني لازم ما أتزوج



لأنه إذا حضرة العقيد بنفسه جرب ثلاث مرات وما صلحت له مرة..



معناتها النسوان كلهم مافيهم خير..




ثم استدرك وهو يعاود تقبيل رأس والدته ويقول بمرح حنون:



إلا أم صويلح.. المصنع عقبها سكروه




أم صالح بحنان: إيه إلعب على أم صويلح بدل ما تبرد خاطرها بشوفت عيالك..




صالح يضحك: وأشفيش أنتي وولدش.. شايفيني أصغر بزرانكم.. صويلح وصويلح...




فهد يعاود تقبيل رأس والدته للمرة الثالثة ويهمس باحترام ودود:



لاحقين خير يا الوالدة.. ما يصير إلا اللي يرضيش.. بس خلوني الحين على راحتي




صالح يبتسم: إيه يمه خليه.. وادعي في كل صلاة إن منصور آل كسّاب يتزوج..



صدقيني يا ساعة يأتي إخبره متزوج..



يافهيدان إن قد يجيش يعدي كنه سلقة يبي العرس...




أم صالح بغضب: يكرم ولدي عن السَلق..



ثم أردفت بابتسامة لطيفة: بس ما يضر ندعي لمنصور.. اللي فهيدان يحبه أنا أحبه




فهد يقفز ويقبل رأس والدته للمرة الرابعة ويقول بمرح:



إيه جعلني فدا عويناتش.. ادعي لحضرت العقيد.. يستاهل..



وادعي لي ما أتاخر اليوم على طابور اليوم.. ويعطيني حضرت العقيد جزا




صالح يبتسم وهو يرى شقيقه يغادر: أستغرب حبك لقائدك على كثرة ما يجازيك.. المفروض تكرهه




فهد بابتسامة واثقة: أنا أدري إن حضرة العقيد يعزني ويقدرني.. لكن العسكرية مهي بلعب..



ولو هو ما تعامل معي ومع الفرقة كلها بذا الطريقة ما كان حبيناه



لأنه يعرف يمسك العصا من النص..



يعطينا حقنا.. ويأخذ حق العسكرية منا




ثم أردف فهد (بعيارة) : بعدين يأخي سيادة العقيد كله كاريزما.. يئبر ئلبي شو مهضوم..




صالح يضحك بصوت عالٍ: أمحق عسكرية تعرفها ياهيفا




فهد يشير له بيده مودعا وهو يضحك



بينما دعوات والدته ترتفع خلفه أن يكتب لكل من ابنها وقائده الزوجة الصالحة والذرية البارة..




بينما صالح يتذكر شيئا... ويهتف وراء فهد بصوت عالٍ حازم يختفي خلفه قلق عميق:



فهيدان الله الله في الركادة وأنت تسوق ياولد..







**********************************








مستشفى حمد



الساعة العاشرة صباحا



غرفة جميلة الخالية من جميلة!!!





نحيبها المكتوم الموجوع حينا ينخفض.. وحينا يرتفع



وهمهمات متقطعة تصدر متحشرجة من حنجرتها التي تمزقت من طول النحيب الذي لم يتوقف مطلقا منذ يوم أمس:



راحت.. راحت بدون حتى ما أسمع صوتها.. يا حر جوفي حراه




مزون تحاول كتم عبراتها: شتسوين يا خالتي؟؟



عادها ما وعت من تخديرتها البارحة عقب ما خدروها عشان ما تشيل المغذي من يدها




تغرس أظافرها في معصم مزون التي تجلس جوارها تحتضن كتفيها تهدهدها



وهي تهمس بصوت مبحوح ممزق: بأموت يأمش يامزون بأموت..



حاسة إني ماعادني بشايفة بنتي..ياحي جميلة حياه





"قومي الحين جهزي أغراضش..



والله ما تمسين إلا عندها واللي رفع سبع(ن) بليا عمد"





الاثنتان نظرتا بدهشة للواقف بجوار النافذة الطويلة ينظر للخارج وهو يوليهما ظهره ويكمل بحزم شديد:



أنتي تأشيرتش جاهزة.. وأنا عندي تأشيرة شنغن مجهزها عشان لو جاتني سفرة شغل مفاجئة



قومي يالله..




عفراء وسط عبراتها: لا يأمك ماني برايحة.. هي عبرة وانقضت.. بفضي رأسي من دموعه وعقبه بأهدأ




كسّاب بذات الحزم البالغ: أنتي تحسبيني حلفت وبأفجر؟؟.. لا والله إن قد تروحين..




عفراء بضعف: يأمك ما أبي أروح.. لو أبي أروح كان رحت معها من أول..




كساب يدير وجهه ناحيتهما وعيناه ممتلئتان بتصميم غريب حازم.. ويقول بقسوة:



خالتي لا تضيعين وقتي ووقتش..



يالله قومي أوديكم البيت وتجهزين وأنا بأروح أحجز لنا على طيارة فالليل



لأنش بتروحين يعني بتروحين




مزون بتردد: كسّاب خلها على راحتها




كسّاب ينظر لها نظرة مباشرة شعرت كما لو كانت نظرته ستسلخ جلدها عن عظمها



وهو يقول بقسوة أكبر: أنتي تلايطي ولا تتدخلين في شيء ما يخصش




مزون تراجعت بجزع.. وعبراتها تتضخم في حنجرتها




بينما انتفضت عفراء بغضب لم يمنعها منه استغراقها في الحزن:



ما أسمح لك تكلمها بذا الطريقة وقدامي.. أنا ما لي حشمة عندك




كسّاب يتجه للباب وهو يقول بذات الحزم القاسي:



أقول لش خالتي.. الأحسن اتصلي في سواقتش توديكم



أنا طالع أجيب التذاكر.. الساعة 7 في الليل تكونين جاهزة..




كسّاب خرج.. لتنفجر مزون في بكاء حاد مترع بالشهقات في حضن خالتها..




عفراء تهمس لها بحنان.. وحزن مزون يأخذها من حزنها:



بس يا قلبي لا تزعلين على كسّاب.. أنتي صرتي عارفته..




مزون تهمس بألم ووجهها مختبئ في كتف خالتها:



حتى لو كنت مستوجعة من قسوة كسّاب وتقصاده إنه يوجعني..



مهوب ذا سبت زعلي



أنتي عارفة إني كنت عاملة حسابي إني بسافر معش أنتي وجميلة



لكن الحين أشلون بأقدر أقعد على أعصابي من غيرش ومن غير جميلة..



لا وبعد من غير كسّاب وعلي




عفراء بحنان وهي تحتضنها بحنو: ماني برايحة يأمش.. بأقعد عندش..



أنتي عارفة إني من لما تزوجت جميلة خليفة قررت إني ما أروح




حينها مزون انتفضت بجزع: لا خالتي تكفين.. لا يرجع كسّاب ويلاقيش ما تجهزتي بيعصب..



انا ما أستحمل أشوف عصبيته.. تذوب ركبي من الخوف




ثم أردفت بوجع: يا سبحان الله.. مع إن كساب طول عمره عصبي..



بس فرق السما عن الأرض بين عصبيته مع حنانه وعصبيته مع قسوته!!




ثم مسحت دموعها وأردفت بتشجيع: خلينا نرجع البيت.. أغراضش تقريبا جاهزة



روحي على الأقل تطمني على جميلة.. لو حبيتي تقعدين مرخوصة



ولو بغيتي ترجعين لي.. هذا أحب ما على قلبي







بعد دقائق في سيارة كساب الذي يزفر غضبه في زفرات محرقة



توشك أن تحرق لشدة لهيبها الهواء العابر أمام أنفاسه:





"تريدني أن أراها على هذه الحال وأتركها



تريدني أن أرى روحها تذوي وأتركها



هل تريد أن تتركني كما تركتني وسمية؟!!



هل تريد أن تعذبني بحزنها كما عذبتني أمي بمرضها



أعلم أن للاثنتين قلب سرعان ما يذيبه الحزن كما يذيب الماء الملح



إن لم أستطع أن أبقي أمي جواري..



فلن أسمح لعفراء أن تتركني وحيدا في هذا العالم.. مخلوق مشوه الروح.. مشبع بالأسى والأحقاد



ما زالت هي نافذة الضوء التي تأخذني من عتمة أيامي المظلمة إلى فضاء يبصق بعض الضوء



الذي يبقيني على تواصل مع كينونتي الإنسانية



لن أسمح لروحها أن تغرق في الحزن..



لن أسمح لابتسامتها أن تنطفئ



فكيف تنطفئ ابتسامة أيامي الوحيدة؟!!!"







*****************************







"صبحش الله بالخير يأم امهاب"




ترفع رأسها للقامة المديدة التي تنحني عليها وهو بكامل ألقه في لباس الطيارين الأنيق وتهمس بهدوء: صباحك أخير يامك



ثم أردفت باهتمام: ما قلت لي إنك عندك رحلة اليوم..




مازال واقفا وهو يقول بهدوء: واحد من الزملاء اعتذر عنده ظرف وكلموني.. رحلة قصيرة للبحرين.. قبل المغرب باكون راجع إن شاء الله




أم مهاب بمودة: تروح وترجع بالسلامة يأمك..




تفكير معين يدور في ذهن مُهاب..



يتردد للحظات ثم يهتف بثقة: يمه فيه موضوع أبي أكلمش فيه




مزنة تعتدل بفرحة وهي تشهق: تبي تعرس؟؟




ابتسم مُهاب: يعني مافيه موضوع أكلمش فيه إلا موضوع عرسي




مزنة عاودت الجلوس وهي تقول بخيبة أمل: مهوب القصد.. بس المقدمة حسيت فيها ريحة عرس




مازالت الابتسامة مرتسمة على وجهه: هو من حيث ريحة عرس فيها ريحة عرس.. بس مهوب أنا



صمت لثانية ثم همس بحذر: عرس تميم




مزنة بضيق: شوف يا امهاب تقول لي ياخذ طرماء صمخاء لا..



عندك سالفة غيرها.. وإلا لا تعطل روحك على شغلك




مهاب يتنهد بعمق ثم يقول بثبات: يمه اسمعيني جعلني الاول.. ذا المرة العروس غير والله غير..



بنت دكتور مع عبدالرحمن في الجامعة.. عبدالرحمن يقول شافها مع أبيها..



يقول مزيونة ومخلصة ثانوية.. وإبيها يمدحه عبدالرحمن واجد




تقاطعه مزنة بنفاذ صبر: والزبدة إنها طرماء صمخاء..



توكل يا ولد بطني.. توكل الله يحفظك




مهاب باحترام لم يخلُ من رائحة الاستجداء اللطيف:



يمه ما يصير تسكرينها في وجه تميم.. الولد يبي يتزوج




مزنة بغضب: اسمعني امهاب.. يا ويلك تزين ذا البنت ولا ذا السالفة كلها في عين تميم



والله إنه زعلي عليك دنيا وآخرة..



تميم يبي يعرس.. بأزوجه أحسن بنت اليوم قبل بكرة.. وغير ذا الحكي ما عندي







*************************







مطار الدوحة الدولي



سيارة الإسعاف التي تحمل جميلة تصل وتدخل إلى داخل أرض المطار



فالمرضى لا يعبرون عبر القنوات الاعتيادية



فسيارة الإسعاف تقف تماما تحت الطائرة..



وجاء ضابط الجوازات للتأكد من الجوازات وأخذ بياناتها لإدخالها في الحاسوب..



ومن ثم لأخذ زايد معه الذي أخذ إذنا خاصا ليدخل معهم لأرض المطار




خليفة يكاد يذوب توترا..



مازال حتى الآن لم يرَ المخلوقة المسماة زوجته.. ولا يشعر مطلقا بأي رغبة لرؤيتها



يشعر بالجزع يخنق روحه.. على أي حال هي؟!!



قالو له أنها مريضة جدا.. ما مدى مرضها؟!



كيف هي هيئتها التي يشعر بالرعب من فكرة رؤيتها؟!!



منذ علم بوزنها وهو لا تفارق أفكاره صور موجعة لضحايا المجاعات



ولكن .. فرق شاسع بين من ترك الطعام مجبرا وهو يستميت ليبحث عنه



وبين من تركه مخيرا وهو يُجبر عليه



فكيف هذه التي قررت تجويع نفسها اختيارا ؟!!





الطاقم الطبي رفع جميلة لسطح الطائرة..



بينما بقي خليفة مع زايد الذي أثقل على روحه بكثرة الوصايا:



ترا جميلة أمانتك ياخليفة.. والأمانة ثقيلة وتُسأل عنها يوم القيامة



هذي بنت الغالي.. وتراها أمانتك يأبيك




خليفة بثقة يذوب خلفها توترا: في عيوني ياعمي.. لا تحاتيها




زايد غادر.. وخليفة صعد بخطوات أكثر توترا وثقلا إلى متن الطائرة




قابل الطبيبة في الممر.. فزايد أصر أن تسافر طبيبتها معها..



وتبقى معها حتى يستقر وضعها هناك.. ودفع من أجل ذلك مبلغا مهولا من المال




همس خليفة بتوتر متعاظم: أشلون وضع جميلة الحين؟؟




ثم أردف وهو يحاول ابتلاع ريقه الذي يرفض عبور حنجرته الجافة: صاحية الحين؟؟ ممكن أشوفها؟؟




رغم أنه في داخله كان يهرب من اللقاء.. ويريد أن يؤجل هذا اللقاء المحتوم لأطول وقت..



ربما حتى يعتاد على الفكرة..



أو ربما حتى يكون قادرا على التحكم في تيارات مشاعر قلقه وتوتره المتزايدة بعنف



.. ولكن حتى متى الهروب؟؟




فهذه الشابة أصبحت زوجته.. أمانته.. وهو المسؤول الأول عنها..



فلمن يترك مسؤولياته الإجبارية التي ورّط هو نفسه فيها؟!!




أجابته الطبيبة بمهنية ودودة رتيبة: صاحية لا..



بس أكيد تقدر أشوفها..



أصلا تركنا المقعد اللي جنب سريرها فاضي عشانك




انتفض خليفة في داخله بجزع ( أ سأبقى مقيدا لجوارها طوال الرحلة؟!!)




توجه خليفة بخطوات مترددة ناحيتها..



ليجلس جوارها وهو يشيح لا إراديا بنظره عنها



يحاول الإلتفات لها ليجد نظره يهرب إلى كل مكان إلا مكانها



يعاود الإلتفات ليعاود نظره المتخاذل القلق رحلته في الهروب..



يكثر الدعوات في قلبه أن يلهمه الله الصواب ويمنحه القوة





يسمي بسم الله ويلتفت نحو المخلوقة الممدة بلا حراك جواره..



لتكون هذه الإلتفاتة هي المحاولة الجادة لإكتشاف رفيقة سفره




انتفض بعنف..والمنظر الصادم يبعثر تفكيره كاعصار عاتٍ



وهو يشعر بشيء ما يسد بلعومه ويجعله عاجزا عن التنفس..



شعوران تصاعدا في روحه حتى خنقاه..




الشفقة والرعب..




كان ينظر بشفقة كاسحة لوجهها الخالي من الحياة..



مظهرها البائس وعظامها البارزة.. عنقها شديد النحول.. أناملها اليابسة الموصلة بأجهزة التغذية



كان يفتح عينيه ويغلقهما وهو عاجز عن استيعاب المنظر أمامه



ليقفز له حينها إحساس الرعب الموجع..




"هذه المخلوقة توشك على الموت



توشك على الموت



فما هذا الذي أدخلت نفسي فيه



كيف أستطيع أن أنجو من الإحساس بالذنب ومن عتب والدتها وزايد.. لو حدث لها شيء؟!!



أي مخلوقة جافة هذه كغصن خشب متحطب بُتر من شجرته لتغادره كل معالم الحياة ونضارتها؟!!



أ يعقل أنها من فعلت بنفسها هذا؟!! أي مجنونة هذه؟!



أي مجنونة؟!!



بل أي مسكينة؟!!



أي مسكينة؟!!"





حاول خليفة أن يمد يده ليمسح على خدها ترجمة لشعور الشفقة المتزايد ناحيتها



ولكنه لم يستطع.. لم يستطع



مشاعر كثيفة معقدة متداخلة تمور في جوانحه المثقلة..



نفور ربما..!!



خوفا من أن يؤذيها وهي تبدو هشة لدرجة التكسر السريع ربما!!




أرجع ظهره للمقعد وهو يربط حزامه..



ويشعر في داخله برغبة حقيقية في البكاء



على حاله.. على حالها.. على هذا الوضع غير الإنساني الذي أدخل نفسه فيه




ولكنه نهر هذه الرغبة المضادة لإحساس الرجولة الثمين



الذي لابد أن يتمسك به حتى النهاية!!



وما بعد النهاية..!!







**************************







نهار عمل اعتيادي يقترب من ختامه بخطى حثيثة..



ترفع كاسرة الهاتف وتتصل بنبرة عملية رسمية: فاطمة لو سمحتي باقي أي شغل؟؟




فاطمة السكرتيرة ترد عليها بذات النبرة الرسمية: لا أستاذة كاسرة الحين مافيه شيء..




حينها انقلبت نبرة كاسرة للنقيض تماما..النقيض تماما.. مودة رقيقة شديدة العذوبة :



زين فطوم قولي للساعي يجيب لنا قهوة.. وتعالي تقهوي معي




فاطمة ترد عليها بذات النبرة ولكن مغلفة بالمرح:



زين سوسو.. دقيقة بس.. أقول لسماح تجي تمسك مكاني.. وأجي لش




بعد دقيقتين تدخل فاطمة ومعها الساعي الذي يحمل القهوة..



ويضعها على المكتب ويخرج لتخلع كاسرة نقابها وتعلقه جوارها




همست فاطمة بمرح شفاف وهي تخلع نقابها بدورها لتجلس:



كم صار لنا متصاحبين؟؟.. أكثر من عشر سنين..



تأثير خلعتش للنقاب علي مثل أول يوم شفتش داخلة المدرسة وتشيلين نقابش



يومها قلبي وقف.. شهقت وقلت نعنبو هذي من وين جايه..



لا تكون مضيعة الدرب وتحسب مدرستنا مكان انتخاب ملكات الجمال




ضحكت كاسرة: والله أيام يافطوم..



ثم أردفت بهدوء عذب فيه رنة حزن لا تكاد تُلحظ: ماطلعت من كل دراستي في المدارس ثم الجامعة إلا بش أنتي وبس




فاطمة تضحك: ياحظش.. أنا أكفي عن العالم كله.. مو؟؟




كاسرة تبتسم: إلا مو.. ومو.. ومو..



ثم أردفت بذات نبرة الحزن الـمُخبئة: الحين ماعاد يهمني.. بس زمان وأنا صغيرة تمنيت يكون عندي صديقات كثير..



تمنيت أكون مثل أختي وضحى الحين ماشاء الله وش كثر صديقاتها..




فاطمة تضحك بمرح: زين يا بنت الحلال إني رفيقتش الوحيدة.. عشان ما تتوسطين إلا لي.. وتشغليني



لولاش وإلا كان قاعدة الحين في البيت أشد شعري..




كاسرة تبتسم: أنا من يوم انطردتي من الجامعة عقب الانذار الثالث



وحن أخر فصل.. ومهوب باقي لش إلا 12 ساعة على التخرج وأنا محترة




فاطمة بحزن: لا تذكريني.. ضاع عمري في الجامعة وعقبه يطردوني ماباقي شيء على تخرجي..



تقارير مرض أمي وانشغالي فيها ماشفعت لي عند إدارة الجامعة بشيء..



وعقب ذا كله هذا أنا اضطر اشتغل بالشهادة الثانوية




ثم أردفت وهي تتناسى هذا القهر الذي لا تستطيع تناسيه:



بس أكيد الفصل اللي خليتش فيه بروحش في الجامعة.. كان فصل ممل




كاسرة هزت كتفيها بسخرية موجوعة: ممل؟؟.. كان مأساة..



كانت روحي بتطلع من الحزن على فراقش والقهر عليش..



وأنا أمشي في الجامعة بروحي ماحد داري عني ولا معبرني




ثم أردفت بحزن أعمق: يعني فطوم لهالدرجة أنا ما أتعاشر..



مثل ما أصيد وضحى وتميم وامهاب وحتى أمي دايم يقولون علي كذا..



وأبين إني ما شفت شيء ولا سمعت شيء




فاطمة بتساؤل حنون: زين وليش تكونين كذا قدامهم..؟!!




كاسرة بسخرية مرة: على قولت جدي (إذا سموك كلب، فصر نباح)..



يعني أمي ربتني كذا.. لكنها يوم شافت الحالة زادت عندي.. ماحاولت تعدلني..



كانت مبسوطة فيني.. لأني أذكرها بنفسها



وعقب صار الكل ينتقدني.. يعني أنا صرت الكلب اللي لازم يرعب بنباحه..



وصرت ما أعرف أتصرف إلا كذا..




مثل يوم كنا في المدرسة تذكرين.. والبنات يقولون لش.. أشلون مصاحبة ذا المغرورة..



يعني البنات يوم شافوني حلوة.. على طول قالوا: مغرورة..



فقلت خلاص الغرور حق مكتسب لي.. ومن هي مثلي يحق لها تصير مغرورة




فاطمة بذات الحنان: بس لو سمحتي لهم يعرفونش عدل.. لو حاولتي تنازلين أنتي عن عنادش..



بينتي لهم داخلش.. كان حبوش..



الإنسان لازم يظهر أحسن مافيه للناس..



مهوب وأنتي راسمة نفسش نجمة في السما وتبين الناس يفهمونش بدون ما تقدمين مقابل




كاسرة بعناد: ما أعرف أسوي كذا..



وأنا ماني بمستعدة أتنازل عشان أغير صورة الناس حطوني فيها وعقبه أنا لبستها بجدارة




فاطمة تهز كتفيها بمودة صافية حقيقية: الناس مالهم إلا الظاهر..




كاسرة بحزم لطيف: خلاص خل الظاهر لهم.. أنا عاجبني حالي..




الاثنتان مستغرقتان في حديثهما الودي.. ليرن هاتف كاسرة.. تلتقطه بهدوء: نعم وضحى



..................



نعم



..................



بحزم شديد: لا.. العصر أنا أوديش..



......................



خلاص وضحى قلت لا يعني لا




كاسرة أنهت الاتصال.. وفاطمة ابتسمت بتساؤل: وين تبي تروح وضحى وأنتي ما رضيتي كالعادة؟؟




كاسرة بهدوء لم يخل من بعض غضب: اليوم تدري إنه أمي في مدرسة تحفيظ القرآن..



وماحلا لها تروح إلا وأنا وأمي مهوب موجودين في البيت




ابتسمت فاطمة وهي تتذكر: خالتي أم امهاب كم جزء وصلت لين الحين؟؟




كاسرة بحنان غامر: فديتها.. ختمت 20 جزء.. عقبال العشرة الباقية بإذن الله..



يا الله ياني ناوية أسوي لها شيء كبير إذا ختمت حفظ القرآن إن شاء الله




فاطمة بتحسر: بس حرام إن أمش ما دخلت الجامعة..



تذكرين واحنا في ثالث ثانوي وهي تمتحن معانا منازل..



والله العظيم كنت على طول أسألها قبل الامتحان ماشاء الله إجاباتها على طول جاهزة



وبعدين جابت أحسن مني.. ماشاء الله منازل وجابت 87 %.. وانا ياحظي 76 بس..




كاسرة بحنان عميق: والله حاولت فيها تدخل بس هي مارضت..



قالت بادخل مدرسة تحفيظ أروح يومين في الأسبوع..



الجامعة تبي انتظام ومقابل.. وما أقدر أخلي إبي بروحه..




ثم أردفت بمودة غامرة: فديت إبيها ..جعلني ما أذوق حزنه يوم..




فاطمة بحذر: كاسرة جدش رجال عود واجد.. يعني توقعي ذا الشيء.. وأنتي إنسانة مؤمنة




كاسرة بغضب: فاطمة سكري ذا السالفة..




فاطمة بمرح: زين زين يمه منش..



ثم أردفت لتنسي كاسرة الموضوع الذي تعلم أنه مصدر ضيقها الأول :



زين خلاص قولي لي وين كانت وضحى تبي تروح..




كاسرة تحاول أن تهدأ بعد الخاطر المزعج: المكتبة تبي تطبع بحث..




فاطمة بتساؤل رغم أنها تعرف الإجابة: زين ليه ماخليتيها تروح.. يعني لازم تكسرين بخاطرها كل مرة




كاسرة بهدوء: يعني فطوم كنش ما تعرفين أسبابي..




فاطمة بهدوء مقصود: أنا أعرف بس هي ما تعرف.. وترا مبرراتش ممكن تكون مقنعة لش..



لكن لها أو حتى لي مهوب مقنعة.. وضحى ماعاد هي بزر.. عمرها 22 وكلها أسبوعين وتتخرج من الجامعة إن شاء الله




كاسرة بحنان موجوع: يا فطوم.. طيبة زيادة عن اللزوم.. إلا هبلا..



العام اللي فات راحت تسوي نفس الشغلة بروحها..



تدرين الطباع النصاب.. خذ على طباعته اللي ما تجي خمسين ريال..خذ 400 ريال.. وما عطاها حتى وصل



ولما رجعت أنا له.. يقول إنها كذابة وماعطته إلا سبعين ريال.. تخيلي!!




ومهوب هذي السالفة الوحيدة.. ياختي مكتوب عليها مقصة..



ماتروح مكان إلا يقصون عليها.. وما تتوب ولا تتعظ.. عندها حسن ظن بالناس غير طبيعي



وأنا ما ابي حد يستغفل أختي




ثم أردفت بحزم: يأختي عدا أني أخاف عليها واجد.. أدري بتقولين كبرت وأخلاقها ماعليها كلام..



صدقيني أدري.. بس طيبتها تخوفني.. أخاف حد يلعب عليها بكلمتين.. حد يضايقها في الطريق وما تعرف تتصرف



تدرين إني مستحيل أخليها تسهر مقابلة الكمبيوتر عقب ما أنام أنا..



أخاف تدخل شات.. وإلا حد يلعب بعقلها.. وضحى بريئة بزيادة وتصدق كل شيء




فاطمة تضحك: والله إنش غريبة.. وش ذا التفكير الحجري اللي عندش..



فكي عن البنية شوي..وضحى ما ينخاف عليها ..وتراش منتي بأمها



فليش تخنقنينها بذا الطريقة.. لو أنا منها.. اخنقش وأنتي نايمة..




ابتسمت كاسرة: عاد هذا اللي الله عطاني... خليها لا تزوجت.. بتنفك من غثاي..




ابتسمت فاطمة: وافقت على عبدالرحمن؟؟




كاسرة بهدوء رقيق: مابعد عطت رأيها..



تدرين فطوم في داخلي أتمنى وأدعي ربي إنها توافق على عبدالرحمن



سبحان الله هي وعبدالرحمن فولة وانقصت نصين..




ابتسمت: طيبين ومهبل




ثم أردفت بتوجس: بس أخاف إنه سالفة إنه عبدالرحمن خطبني أكثر من مرة تخرب عليهم حياتهم..



عشان كذا أنا ما شجعتها.. وقلت لها سوي اللي أنت مقتنعة فيه




تدرين فطوم لو كنت أنا الحين متزوجة كان اقنعتها توافق على عبدالرحمن.. بس بما أني لحد الحين عانس على قولتش



أخاف إنها تحس في وجودي خطر عليها وعلى زواجها..




فاطمة بمرح: زين ضحي بعمرش يالعانس وتزوجي عشان أختش واحد من اللي حرقتهم الشمس عند بابكم




ثم أردفت بجدية: ماتعبتي من كثر ما تردين الخطاب..



كاسرة العمر يجري.. أنا الحين عندي ولدين وأفكر إن شاء الله أحمل بالثالث



ما تبين لش ولد تضمينه لصدرش.. والله العظيم الأمومة بروحها تكفي عن أي شيء..




كاسرة بألم: اكيد نفسي أتزوج ويكون عندي عيال..



ثم أردفت بابتسامة: بس أول خليني ألقى الأبو المناسب لعيالي..




فاطمة بسخرية: إيه شايب منتهي مخرف.. يموت عليش ويخليش أنتي وعيالش..




كاسرة تضحك: ول عليش.. على طول موتي رجّالي.. إلا عمره طويل إن شاء الله لي ولعياله



طريتي علي العيال.. فديته حسون اشتقت له..




فاطمة تبتسم: ما أدري وش حببش في ذا الولد اللي أمه ما تطيقش




كاسرة تهز كتفيها: المحبة من الله.. ومهوب أنا بس اللي أحبه.. الكل يحبونه..



ياسبحان الله يمكن عشان أبيه مات وهو في بطن أمه.. يخلينا كلنا حاسين بحنان عليه



وبعد هو ماشاء الله أدب وحلاوة ودش تأكلينه من قلب..




لكن أمه الله يهداها.. يوم تشوفيني أشيله وإلا أحبه تركبها العفاريت.. كني ذابحة لها أحد



بس جوزا بالذات ما أقول لها شيء.. والله العظيم فطوم.. أول مرة أحس بوجيعة حد مثلها..




بنت صغيرة توها عروس ما تتهنى حتى شهرين ويموت رجّالها وهي حامل في شهر



لا ويقطون عليها كلام إنها وجه نحس.. وحدادها 8 شهور كاملة



تغيرت كثير عقب موت زوجها.. كنها وحدة ثانية.. بس نعنبو لايمها.. قلبها احترق



عشان كذا يوم تقط هي علي كلام.. أحط نفسي ما سمعت.. أو ما انتبهت..



أو أرد رد عادي على أني ما فهمت قصدها



ما ألومها مقهورة وتبي تفضي قهرها..وشكلي صرت كبش الفدا




بس اللي جرحني بجد تخيلي فطوم قبل كم اسبوع جايبة لحسن هدية..



تخيلي وأنا طالعة من بيتهم لقيتها مرمية في الزبالة اللي قدام البيت بعلبتها ما انفتحت...



هذا تصرف وحدة عاقلة؟!!




أحيان كثيرة أسأل نفسي أنا وش سويت لها.. والله العظيم فاطمة عمري ما ضايقتها بشيء




ثم أردفت وهي تبتسم لفاطمة وتقول هذه المرة بغرور تمثيلي مرح باسم:



بس واثق الخطوة يمشي ملكا.. خل اللي كاسرة مهيب عاجبته يحترق بحرته




فاطمة تضحك: يالله ياكريم لا تحرمني أشوف كاسرة عند واحد كاسر خشمها



تذوب فيه وتذبحها الغيرة عليه




كاسرة باستنكار: من هو ذا اللي أغار عليه.. مابعد جابته أمه..



ثم أردفت بغرور: ياحبيبتي تغار اللي خايفة رجّالها تزوغ عينه..



لكن أنا الحمدلله واثقة إنه عينه بتكون عايفة خلق الله عقب ما يشوفني




فاطمة تبتسم: اللهم علي الدعاء ومنك الاستجابة..








************************************








"خلاص خالتي.. كل شيء جاهز؟؟"




عفراء بتوتر وهي تلبس عباءتها: جاهز..



ثم أردفت بحرج: يافضيحتي من خليفة.. أقول له ماني برايحة معكم.. مع أن الولد ترجاني..



ثم ما يوصلون إلا يلاقيني ناطة عندهم.. وش يقول ذا الحين؟؟ إني مابغيت خوته؟!!




مزون بابتسامة: وهذي الصراحة.. أنتي ما بغيتي خوته




عفراء بغيظ: عيب مزون!!





يتعالى صوت بوق سيارة قريب.. تقفزان معا بتوتر..



وتهمس مزون بتوتر أكبر : يالله خالتي شكله كسّاب يستعجلش




عفراء بحنان: ماتبين شيء يأمش




تحاول مزون أن تمنع الدموع من التقافز لعينيها وهي تهمس بثبات قدر ما استطاعت:



لا فديتش.. روحي وتطمني على جميلة..



وأنا الحين بأخلي خدامتش تكمل ترتيب البيت وعقب بأسكره..



واخليها تروح تنام هي والسواقة مع خدامات بيتنا




عفراء تتنهد وهي تحتضن مزون ثم تنزل نقابها على وجهها وتسحب خلفها حقيبتها الصغيرة..



فهي مصرة أن تكون زيارتها قصيرة وتعود مع كسّاب




ما أن غادرت وأغلقت الباب.. حتى انهار تماسك مزون الهش



لتتهاوى جالسة بيأس وهي تنخرط في بكاء خافت عميق الشهقات..




"أما تعبتِ يا مزون من كثرة البكاء..؟!



تبدين كما لو كنتِ عقدت معاهدة دائمة مع الدموع..



يكاد طعم الدمع المالح لا يفارق حنجرتي



فقدت الإحساس بطعم كل شيء.. فقط طعم مرٌّ كالعلم يتضخم ويتضخم



حتى بتت أبصق هذه المرارة داخل أوردتي وشراييني



كان يجب أن أكون أقوى من ذلك.. مررت بأقسى الظروف.. وتخصصت أصعب التخصصات



تخصص لا يجرؤ عليه إلا الرجال.. وتفوقت عليهم فيه



كان لابد أن أكون أقوى



ولكن بقيت أنثى بدمعة حائرة لا تجف



كسّاب لماذا كسرت ظهري هكذا؟؟



كيف أستطيع الوقوف وأنا أعلم أنك لست خلفي لتسندي



لماذا علمتني أن أعتمد عليك بينما كانت مساندتكِ لي مشروطة أن أنفذ أنا شروطك؟؟



لماذا عجزت عن تفهمي .. عن مسامحتي.. عن احتوائي؟!!



أ لم تقل لي دائما أنني ابنتك؟؟



فكيف يقسو قلبكِ هكذا على ابنتك؟؟ كيف؟؟"





تحاول الوقوف وهي تتنهد وتمسح دموعها وتنظر حولها بحنين عميق وتهمس بشفافية:




" الله يرجعش يا خالتي على خير



والله المكان والدنيا من غيرش ما تسوى"







بعد دقائق.. في سيارة كسّاب المنطلقة التي يتبعها سيارة أخرى فيها اثنين من سائقي شركته حتى يعيد أحدهما سيارة كسّاب للبيت




عفراء تشعر براحة عميقة وحال مختلفة عن حالها خلال اليومين الآخيرين..



حتى وإن كان كسّاب أجبرها على السفر.. فكم هي شاكرة له أنه أجبرها!!



كم هي ممتنة لإصراره عليه!!



فرفضها الهش سرعان ما تهاوى أمام إصراره



لأنها كانت تتمنى في داخلها أن يجبرها.. وفعل!!




كان هذا التفكير يدور ببالها وهي تلتفت لكسّاب بحنان متعاظم..



لتهمس بعدها بامتعاض: كسّاب يأمك.. ليه مالبست لك لبس غير ذا؟؟




كسّاب يلقي نظرة خاطفة على لباسه الانيق والبسيط في آن



(تيشرت أبيض نصف كم) بخطوط سوداء عشوائية وبنطلون جينز أسود



ويهمس بهدوء وهو يعاود النظر للطريق: وش فيه لبسي خالتي ؟؟




عفراء بذات الامتعاض وهي تلمس عضلات عضده الشديد الصلابة:



يأمك كان لبست لك قميص كمه طويل وواسع..



أخاف عليك من العيون ما تشوف أشلون التيشرت لاصق بصدرك وزنودك..




حينها ضحك كسّاب: خالتي عيب.. والله العظيم عيب.. تراني رجال ماني ببنية..




عفراء بحنان: وشيخ الرياجيل ماقلنا شيء.. بس العين حق..



وأنت بعد يأمك مربي لي ذا العضلات بزود.. اللي ماعنده عيون بتطلع عيونه




ثم أردفت وهي تتذكر شيئا: وإيه وتذكرت سالفة ثانية حارتني..



لا وهذاك اليوم في عزبة أبيك شايفتك رايح للرياجيل شايل سرندلين كبار كنك شايل قواطي بيبسي..



ياولدي الناس مامن عيونهم خير




ابتسم كساب وهو يقول (بعيارة): الحين أنتي اللي أم عيون.. عاد السرندلات قواطي بيبسي؟!..



ول عليش ياخالتي (سرندل=أنبوبة غاز)




عفراء قرأت بعض آيات القرآن و نفثت عليه ثم همست باستفسار مبهم:



خاطري أعرف السنة اللي أنت قعدتها في أمريكا وش سويت فيها؟!




كسّاب بثبات وثقة: درست الماجستير.. وش سويت بعد..




عفراء بنبرة ذات مغزى: ودراسة الماجستير تخلي الواحد عضلات كذا..



شكلك كنت تشل حديد 24 ساعة في اليوم طول ذا السنة.. ولا ظنتي بعد تكفي




كساب يبتسم ويهمس بنبرة مقصودة: خالتي اخلصي علي.. وش تبين تقولين؟؟




عفراء بجدية: حلفتك بالله ثم حلفتك بالله ثم حلفتك بالله.. أنت كنت تاكل بروتينات وإلا ضارب إبر هناك..؟؟



يأمك أنت عارف ذا الأشياء أشلون خطرة وتضر الصحة وتجيب الأمراض الخبيثة.




حينها انفجر كسّاب ضاحكا: وهذا الموضوع اللي دايم تحومين عليه؟؟



تحلفيني عشانه وثلاث مرات؟؟



ثم أردف ببساطة: ها والله العظيم ثم والله العظيم ثم والله العظيم



إنه عمره ماطب حلقي أي حبوب ولا كلت بروتينات ولا ضربت إبر..



ارتحتي يالغالية؟؟؟




حينها عاودت عفراء لمس عضده وهي تتساءل باستغراب: زين من وين جات ذي.. ؟؟




كسّاب يبتسم: رياضة ياخالتي.. مابعد سمعتي بالرياضة؟؟




عفراء بعدم ارتياح له زمن يرافقها: سمعت بالرياضة.. بس ماسمعت عن رياضة تسوي في الواحد كذا








*********************************







طرقات خافتة على الباب



همست وضحى المستغرقة في استذكارها: ادخل




ولكن الطرقات تكررت.. حينها ابتسمت وضحى بصفاء حقيقي



وهي تقف لتفتح الباب بنفسها ثم تشير بعلامة ترحيب متحمسة وتهمس في ذات الوقت:



هلا والله إني صادقة..




يدخل إلى غرفتها بخطوات هادئة ويشير بإشارات هادئة:



أمي تقول ما تعشيتي .. ليه؟؟




أشارت بابتسامة وهي تهمس ذات العبارة كما اعتادت :



عندي دراسة كثير والله..



إذا خلصت نزلت كلت لي شيء




تميم بهدوء عذب: يعني مهوب شيء ثاني؟؟




ابتسمت وضحى: الشيء الثاني كان أمس.. وأنا خلاص اليوم لاهية في دروسي




أشار تميم وفي عينيه نظرة مقصودة:



وموضوع أمس بيقعد أمس.. وماراح ينحل اليوم يعني؟!!




وضحى مع تميم مخلوق آخر.. محررة من التردد والخوف والتوتر..



علاقتها مع تميم شيء فريد وكأن كل منهما يأخذ من عبق روح الآخر



فروح هذا الشاب الشفافة الصافية تنعكس عليها لتبعث في أوصالها إحساسا حانيا بالإحتواء والمساندة والصفاء




أشارت وهي تستعد للجلوس: أبي لي يومين.. قبل أبلغ امهاب رفضي..



عشان ما يأكل كبدي ويقول لي استعجلتي في التفكير




يجلس تميم جوارها: وأنتي كذا تشوفين إنش ما استعجلتي..



عبدالرحمن ما ينرفض.. حرام تروحينه من يدش




حينها انتفضت وضحى بغضب: حتى أنت يا تميم.. حتى أنت..



شايف إنه من المفروض إني أحب يدي ألف مرة إن واحد مثل عبدالرحمن قرر يفكر فيني



لأني ما أناسب مستواه العالي.. لازم أستغل الفرصة..عشان أدبسه فيني قبل ترجع له الذاكرة



لأنه أكيد واحد مثله ماخطب وحدة مثلي إلا لأن فيه خلل في عقله لازم نستغله قبل يتصلح الخلل... ولأنه......




تميم قاطعها وهو يمسك بيديها ليوقف سيل إشاراتها العصبية وكلماتها المتدافعة بغضب



وهو يشير لها ببساطة: سواء كنتي أحلى وحدة في العالم وإلا أشين وحدة في العالم



في كلا الحالتين عبدالرحمن ما ينرفض..



أما إذا رجعنا لش.. أنا أبي أعرف أنتي من وين جايبة ذا النظرة السلبية عن نفسش..



هذا أنتي قدامي وشايفش حلوة ومافيه أحلى منش




وضحى بأسى: هذا عشانك تحبني.. شايفني في عيونك حلوة




تميم يشير بحنان ومودة: وعبدالرحمن بعد بيحبش وبيشوفش في عيونه حلوة مع أنش حلوة بدون عيون حد



وترا عمر الجمال ماكان هو سبب لنجاح الزواج



الحين كاسرة هل فيه وحدة أحلى منها..



مع كذا ما أتوقع إن الرجّال اللي بيتزوجها بيكون مبسوط معها.. لأن عشرتها صعبة



لكن أنتي ياحظه اللي بتكونين زوجته




ابتسمت وضحى: الله لا يحرمني منك.. دايم رافع معنوياتي..



ثم أردفت بجدية: بس يا تميم والله أنا مأني بمقتنعة بذا السالفة كلها




حينها أشار تميم بجدية: إيه كذا معقول.. منتي بمقتنعة.. حقش..



وعلى العموم وضحى.. ماحد بجابرش على شيء



بغيتي توافقين أو ترفضين هذا شيء راجع لش.. وتأكدي إني واقف معش وفي صفش مهما كان قرارش..








*****************************








"أوف جننوني عيالش.. مابغوا يرقدون..



وش معطية عيالش أنتي؟؟ من وين جايبين ذا الطاقة كلها..



نطينا على السرير.. وتطاردنا ولعبنا..



أنا انهديت وهم يقولون مثل خالي هريدي: كمان"





صرخت سميرة بهذه العبارة وهي تلقي بنفسها على سرير نجلاء التي كانت واقفة تجفف شعرها المبلول..




ضحكت نجلاء: ما دريت إنه عندنا خال اسمه هريدي..




سميرة تضحك: كنت بصراحة أحلم يكون عندي خال اسمه هريدي



وواحد ثاني اسمه محمدين.. وحسنين بعد.. وابو المعاطي.. وعوضين




نجلاء تضحك بهستيرية: من جدش؟؟.. عصابة مطاريد الجبل مهوب خوال ذولا..




حينها اعتدلت سميرة جالسة وهي مازالت تضحك:



وش سوي بأبيش.. اللي يوم حب له مصرية..



خلا كل المصريات اللي أخوانهم أكوام أكوام.. وراح يتزوج وحدة (مئطوعة من سجرة)..




نجلاء بمودة عميقة: فديتها أمي.. ليه هو كان بيلاقي أحلى منها..




سميرة تضحك: إيه وأبيش عاد ما يطيح الا واقف..



وين لقى له مصرية شقراء وبيضاء كذا كنها روسية؟؟ وش ذا الحظ اللي يفلق الصخر عنده؟!!




نجلاء باستنكار باسم: ماعاد باقي الا أمش وأبيش تبطحينهم بعينش.. عقب ما بطحتي هل شارعنا كلهم




سميرة (بعيارة): إيه وش عندش؟؟ مبسوطة في أمش.. ماحد خذ الشقار إلا أنتي..



وأبيش عاد يموت على الشقار.. خليتوني أروح أصبغ شعري عشان ما أصير شاذة في البيت




سميرة تضحك: أمي قسمتها بالعدل بيننا.. أنتي أبيض وحدة فينا.. وأنا خذت الشعر الأشقر.. وغنوم العيون العسلية




حينها وضعت سميرة يدها على قلبها وهي تصرخ باصطناع: أه يا قلبي.. يا قلبي لا تذكريني...



ماحد حارني إلا غنوم.. صحيح (يدي الحلئ للي بلا ودان)



غنوم الخايس يأخذ العيون العسلية.. وأنا عيوني سود تروع في بياضي



لا وبعد مهوب عاجبه لون عيونه... يا حرتي حرتاه



لا وأنتي بعد عادش متمننة علي بالبياض.. هذا أنتي قدش بتنفقعين من البياض اللي بحمار




نجلاء تضحك: ماتعرفين تذكرين ربش أنتي..




سميرة تنزل حاجبا وترفع آخر: عارفته قدام أشوف وجهش يالطماطة..




كانت نجلاء على وشك الرد عليها لولا صوت رنين الرسالة التي وصلت هاتفها




حينها صرخت سميرة وهي تقفز لتلتقطه: والله ما يفتحه إلا أنا..




تراجعت سميرة بحزن وهي تترك جهاز الهاتف لها وتقول بغصة:



إذا قريتيه امسحيه ومافيه داعي تقولين لي وش فيه..




سميرة بمرح: كذبش كذباه.. قال ما تبي تدري وش فيه... عليّ يانجول؟!!



بس تدرين نجول.. صويلح هذا المفروض يعطونه جائزة أكثر رجال العالم مثابرة..



9 شهور كاملة مامل.. يوميا نفس الوقت مسج..




وأنتي بعد يعطونش جائزة أكثر نساء العالم تحجرا.. إذا قلبش مابعد ذاب من ذا المسجات.. و أنا قلبي ذاب منذو مبطي..




ثم تنهدت وهي تفتح الرسالة: يارب ابعث لي من عندك واحد كلامه حلو مثل صويلح




ما أن قرأت الرسالة حتى أغمي عليها أحد إغماءتها التمثيلية التي لا تنتهي:




آه آه ياقلبي.. لا عاد رجالش ذبحني الليلة.. والله ذبحني..



إن ما جهزتي شنطتش ورجعتي لصويلح عقب ذا المسج.. يكون ما عندش قلب



وعليه العوض ومنه العوض في قلب أختي اللي انتقل إلى رحمة الله




حينها لم تستطع نجلاء مقاومة الفضول..



تناولت الهاتف الملقى بجوار سميرة التي مازالت مغمى عليها في تمثيليتها ..



لترفعه إلى مستوى نظرها بتردد

همس المشاعر
09-21-2011, 08:40 PM
بين الأمس واليوم/ الجزء التاسع







في غرفته يدور..



حينا يجلس.. وحينا يقف..



لم يجد الليلة شيئا يستطيع دفن نفسه فيه.. حتى يحين موعد إرساله لرسالته اليومية لها..

منتدى ليلاس الثقافي

الرسالة التي بقيت خيطا يعلم أنه يربط قلبه بقلبها حتى وإن لم تتكرم أن ترد عليه لو لمرة..





يقف ليفتح خزانة الملابس.. مازالت ممتلئة بملابسها..



يكاد أن يذكر لكل رداء منها حكاية من وله مصفى



وهي يشعر حينما رآها فيه وكأنه رأى حورية تسربلت بالحسن من أجله وحده




لا ينسى مطلقا شيئا خاصا ارتدته له..



لتصبح ذاكرته مزدحمة بعشرات الصور التي لم يغفل تفصيلا واحدا من تفصيلاتها..



وكيف يغفل وهذه التفاصيل انحفرت في ذاكرته حتى أقصاها؟!!




لماذا تركت كل هذه الأشياء الخاصة بها وراءها؟؟



لماذا؟؟




"هل أردتِ تعذيبي أكثر؟؟



هل أردتِ أن تتأكدي أنني سأظل مقيدا إليك.. وذكرياتك تخنقني وتغرقني وتستنزفني حتى الثمالة



هل أردتِ أن تتأكدي أن عبقك الساحر الذي تخلف عنك وبقي هنا سيبقى حبلا ملفوفا حول عنقي لا انفكاك منه؟!


منتدى ليلاس الثقافي

أي أنانية لا قلب لها أنتِ؟؟



إن كنتِ عزمتي على الرحيل.. فلماذا لم تجمعي كل أغراضكِ الموبؤة المسكونة براحتكِ الدافئة المسكرة



إن كنت أنتِ رحلتِ.. فلماذا تتركين لي البقايا؟؟ لماذا؟؟ لماذا؟؟



إن لم تكوني أنتِ لي، فلا أريد هذه القمامة.. لا أريدها !!"





حين وصل تفكيره لهذه المرحلة..



انتزع أشيائها من الخزانة وبدأ يقذف بها بغضب مجنون وروح ثائرة أثقلتها الوحدة والوجع واليأس..



ولكنه سرعان ما توقف وهو يعيد جمعها بلهفة أكثر جنونا...



ليعيد ترتيبها كما كانت تماما



في ذات المكان الذي وضعتها فيه أناملها الساحرة التي يقتله الاشتياق للثم شفافيتها.. لضمها بين أنامله السمراء





" والله باستخف يانجلاء.. قربت استخف..



حرام عليش اللي تسوينه فيني



حتى تهديدي بالزواج ماجاب نتيجة معش



لذا الدرجة رخص صالح عندش؟!!

منتدى ليلاس الثقافي

صالح اللي ما أرخصش يوم!!



أدري لساني يبي له قص أحيان



بس والله أحبش يا بنت الحلال..



خلاص ارحميني.. باستخف والله باستخف



ارحموا عزيز قوم ذل!!"





تنهد بعمق وهو يجلس على الأريكة..



إحساس اختناق يطبق على رئيتيه..



يخلع فانيلته ويلقيها بعيدا..



يشعر أنه عاجز عن التنفس.. مخنوق.. يبحث عن ذرة أكسجين فلا يجدها..



يتمنى لو يستطيع تمزيق جسده حتى.. ليخرج روحه من أسر هذا الاختناق

منتدى ليلاس الثقافي

وهو غارق بهذا الإحساس الشديد المرارة واليأس والثقل.. تناول هاتفه .. ليرسل رسالته اليومية لها:





" تدري ليه أكره غيابك ؟!



لأني في الغيبة .. أموت




ضيقتي .. بعدك تجيني



و (البُكى) من غير صوت !"







*******************************







نجلاء قرأت الرسالة وهي تغمض عينا وتفتح أخرى..



وخائن صغير يتمرد عليها لينبض بجنون في يسار قفصها الصدري..



تُسكت تمرده الذي فضح برودها وهي تعض شفتها السفلى بألم



ثم تعيد الهاتف لمكانه وهي تصرخ في داخلها:



"كذاب.. كذاب.. كذاب"




سميرة نهضت من إغماءتها وهي تنظر لنجلاء في دهشة: أشوفش رجعتي التلفون




نجلاء تهمس بهدوء ظاهري وهي تتجه للتسريحة لتمشط شعرها: ليه وش تبيني أسوي؟؟




سميرة بنبرة غضب: ردي عليه.. خافي ربش في المسكين..



ثم أردفت بمرح غاضب: يأختي رياجيلنا يأهل الخليج عندهم تقشف مشاعر



احمدي ربش.. عندش واحد عنده فايض مشاعر ولا هوب عاجبش..




نجلاء تمسك بطرف التسريحة حتى إبيضت مفاصلها وهي تهمس بغيظ موجوع: قصدش عنده فايض كذب




سميرة تبتسم: زمان قالوا "أعذب الشعر أكذبه" وأختش سميرة تقول: " أعذب الحب أكذبه"




تلتفت لها نجلاء وهي تبتسم رغم إحساس الألم المتزايد في روحها:



يعني أنتي تبين واحد يقول لش أحبش وهو يكذب عليش




سميرة تبتسم وهي ترقص حاجبيها: يازينه زيناه الرجال الكذوب..



وش فيها الغزيلات؟؟ الغزيلات أصلا ملح الرجّال (الغزيلات=الكذبات الصغيرة)



أما الرجّال اللي كل شيء صدق عنده.. فهو خيشة كبيرة




تبتسم نجلاء: يالله لا تحرمني من أني أشوف سميرة عند رجّال مايعرف ريحة الصدق ويقطّع بطنها بكذيباته..





" والله لا يحرمني منش يأم خالد بيضتي وجهي"





الاثنتان تقفزان وهما تنظران للباب المفتوح الذي يقف غانم عنده




سميرة تلوي شفتيها وتمدها وهي تصرخ: من متى وأنت هنا..؟؟




غانم يضحك وهو يتقدم لداخل الغرفة: " من أعذب الحب أكذبه" يا فيلسوفة زمانش..




حينها تقفز سميرة لتجلس عند قدميه وهي تتمسح به باستجداء تمثيلي:



داخلة على الله ثمن عليك ياطويل العمر ما تكوفني.. توبة من دي النوبة.. حرمت أتفلسف..




غانم يبعدها وهو يهمس بمرح: باعديها عشان أم خالد بس..



وإلا أنتي لو ما تكوفنين كل يوم يكون فيه شيء ناقص في روتين حياتش




غانم يقترب من نجلاء ويقبل رأسها ويهمس بمودة ممزوجة بالاحترام:



بيضتي وجهي يأم خالد.. الشباب يقولون وش ذا المطعم العجيب اللي أنت مسوي عشاك عنده..




قلت لهم: شغل البيت.. ماشاء الله تبارك الله كلوا لين قدهم بينفقعون من حلات العشا




ثم أردف وهو يضحك: لا وفهيدان الكلب يشاورني يقول ردوا علينا مرت أخي.. هاد حيلها في عزايمك ثمن تمدّح على قفاها..




أقول له وأنت وشدراك إنها مرت أخيك.. العشا مسويته سميرة.. (قالها وهو يضرب مؤخرة رأس سميرة بخفة)




تدرين وش قال فهيدان: قال يحرم علي مجالس الرجال وشرب الفنجال



كن ذا من زيان أختك العِثبر (العثبر= التي لا تحسن صنع شيء)



هذا زيان أم خالد ما يخفاني..




حينها انفجرت سميرة ضاحكة بغيظ: وولد عمك ذا بيموت وهو لسانه يلوط آذانه..




حينها عاود غانم ضربها على مؤخرة رأسها: مثلش.. ظني يقبرونش ولسانش يلالي..




ابتسمت نجلاء بمودة: جعل فيه العافية لك ولفهد.. بياض وجهك يابو راشد بياض لوجهي..




ثم قاطعتها سميرة بمرح: بس لا عاد تعودها.. تراك مسختها..



شكلك كنت تدعي إن نجول ترجع علينا عشان تكرفها في عزايمك..




ثم أردفت وهي تمصمص شفتيها: ياعيني على بختك يأختي.. ئليل البخت يلئى العظم في الكرشة..



هنا كارفينش وهناك كارفينش..




ثم أردفت وهي تطبطب بحركة تمثيلية على كتف نجلاء: مسيرك هتموتي وهترتاحي يا بنتي عند رب كريم..




غانم يضربها على مؤخرة رأسها للمرة الثالثة: مأ اشين فالش.. جعل يومش قبل يومها..




سميرة تتراجع وهي تضع يدها على فمها وتقلب ملامح وجهها في مشهد تراجيدي خالص ودموعها تبدأ بالتساقط:



اعترفوا.. اعترف أنت وياها




ينقلب وجه غانم ونجلاء من تغير ملامح وجهها بينما أكملت بصوت باكٍ مفعم بالتراجيديا التمثيلية:



أكيد أنا مانيب بنتكم.. أنا بنت بطل الفيلم.. وأنتو عيال الحرامي العود اللي خطفني عشان ينتقم من بابا..



بس بابا لازم بيرجع وينتقم منكم على اللي سويتوه فيني وأنتو تعذبوني طول الفيلم.. قصدي طول ذا السنين اللي فاتت..




ثم أردفت وهي تسقط على الأرض وترفع يديها للسماء وتكمل تمثليتها:



يارب أنت وحدك اللي شايف.. ابعت لي بابا.. أنا تعبت خلاص




غانم يضحك وهو ينفذ عن ذراعيه: هدوني عليها ياناس.. وتقول ليش تكوفني..




سميرة تقفز وتختفي خلف ظهر نجلاء وهي تضحك: تراني في وجه أم خالد.. إلا لو أم خالد مالها حشمة عندك.. هذا شيء ثاني..








*********************************







طرقات حازمة على الباب..كانت حينها قد بدأت بخلع ملابسها..



أعادت حشر كتفيها المرمريين المصقولين في قميصها الحريري ليستر الحرير حريرا أكثر نعومة منه



أغلقت أزرارها على عجل وهي تهمس باحترام: دقيقة يمه




تعرف كل طارق من دقته.. ولم يخب حدسها يوما



والدتها طرقاتها حازمة قصيرة



وضحى طرقاتها ناعمة وكأنها تخشى أن تؤلم الباب



مهاب طرقاته لها صدى ضخم لأنه يطرق الباب بقبضته



تميم نقراته هادئة وطويلة وبين كل طرقة والآخرى زمن ما..




فتحت الباب لوالدتها على اتساعه وهي تهمس باحترام: هلا يمه.. فيه شيء؟؟




مزنة بعتب رقيق: يعني لازم إني ما أجي لغرفتش إلا لسبب..




كاسرة تبتسم: لا والله يمه مهوب القصد.. بس توني كنت معش من خمس دقايق..




مزنة بحزم حنون: بكرة أبيش تودين وضحى وسميرة يشترون لهم طابعة زينة عشان مشروع تخرجهم.. يقولون تعبوا من الطباعين..




كاسرة بعتب: ووضحى تبي لها وسيط.. ما تقدر تجي تطلب مني على طول؟!!




مزنة بهدوء عاتب: يعني كل شيء لازم تفهمينه مقلوب.. وضحى أصلا طلبت مني أنا أوديها هي وسميرة..



بس أنا تدرين ما أحب المجمعات وإزعاجها وهم يبون فيرجن في فيلاجيو



فانا حبيت إنش تكفيني... عندش مشكلة في ذا الشيء..خلاص قولي لي وأوديهم..




كاسرة بعتب مشابه: وأنتي بعد يمه لازم تلاقين شيء تغلطيني فيه ..



ثم أردفت بهدوء عذب: خلاص فديت عينش.. عشانش أودي مندوبهم لو جاني



بكرة عقب المغرب أوديهم.. وقولي لوضحى تقول لسميرة عقب صلاة المغرب على طول تجهز مهوب تنقعنا عند بابهم مثل كل مرة..








******************************







يدخل إلى شقته وهو يسحب نفسه سحبا.. مستنزف من الإرهاق.. مستنزف من الوجيعة..



مستنزف من كل شيء في الحياة التي تبدو باهتة خالية من الألوان بعيدا حتى ألوان ذكراها التي أصبحت محرمة عليه



حتى الذكرى!!



حتى الذكرى لا حق له فيها!!





يلقي بنفسه على الأريكة بعد رحلته الطويلة... فهو لم يجد رحلة مباشرة لجنيف.. وكانت أقرب رحلة لبرلين..



لذا حين وصل برلين أخذ قطار منها لجنيف.. ليتعطل القطار في الطريق.. ويعاني في رحلة التوقف التعيسة فوق إحساسه المر بكل شيء




ما كاد يريح كتفيه.. حتى تعالى رنين هاتف شقته.. لم يكن له أبدا رغبة في الرد.. لكن الرنين استمر واستمر



التقط الهاتف وبصوت مثقل بالإرهاق أجاب: ألو




الطرف الآخر بغضب مستحكم: كذا تسوي فيني عليان..




علي تنهد مطولا وهو يمسح وجهه ويستعيذ بالله من الشيطان: السموحة طال عمرك.. سامحني جعلني الأول




زايد بذات الغضب: أشلون تسافر بدون حتى ما تسلم علي..



ومن البارحة لين اليوم وينك.. حرقت جوالك اتصالات مسكر.. وتلفون شقتك ماترد عليه




علي بإرهاق وهو ينتزع الهاتف اللاسلكي من قاعدته ويبدأ بنزع ملابسه عن جسده المنهكة ليستحم:



جوالي فضا شحنه.. ورحلتي كانت طويلة شوي



وأنا كلمت مزون على البيت وطمنتها عني.. ماقالت لك




زايد بغضب متزايد: والله ياعيال زايد.. الظاهر ماعاد حد عطاني خبر شيء.. كلن يسوي اللي في رأسه وأنا مالي حشمة ولا تقدير



على الأقل خافوا ربكم.. وإلا حتى ربي ماله مخوفة..




علي يجلس على سريره وهو يحتضن الهاتف بين أذنه وكتفه ويخلع حذائه ويهمس بجزع:



تكفى يبه لا تقول كذا




ثم أردف بوجع شفاف في مصارحة مؤلمة: يبه أنا مستوجع.. مستوجع



خلني جعلني فدا خشمك أروق شوي ومالك إلا اللي يرضيك




قفز قلب زايد إلى حنجرته وأحرف كلمات "مستوجع" تتلبس جسده كتيار كهربائي صاعق ينسف خلاياه وجعا صاعقا..



فهذا علي!! علي!!



تمنى أنه جواره الآن ليأخذه في أحضانه.. ليقول له:




" دعني أحمل هذا الوجع عنك



فمازلت صغيرا على هذا الألم



سامحني يا بني.. سامحني



أعلم أني قسوت عليك.. ولكني وأنا أقسو عليك قسوت على نفسي



وكل حزن جرح قلبك.. مزق قلبي تمزيقا



لِـمَ لم تصارحني منذ البداية؟



إن كان لها في قلبك مكان ما.. لِـمَ لم تخبرني؟!!



متى اعتدت أن تخبئ أسرارك علي ياعلي؟!!



ظننت أن الامر لا يعدو شهامة منك تجاه ابنة خالتك



ما ظننت للحظة أن هناك المزيد



فأبوك يا بني خير من يفهم ألم الحرمان من حلم المعشوقة



أعرف أي ألم صارخ هو..



فكيف أكون من يهديك إياه؟!!



كيف أكون أنا؟؟!!"





همس زايد بحنان مجروح: أجيك يأبيك؟!!




انتفض علي بجزع.. يتركه في الدوحة.. ليجده أمامه في جنيف!!



قد تكون رؤية زايد في هذا الوقت مقلبة لمواجعه



ولكنه يا لا الغرابة مشتاق له!!.. فهو لم يكتفِ بعد من رؤية عينيه الصارمتين الحنونتين



لا يستطيع أن يغضب من زايد.. لا يستطيع..



مجروح منه حتى عمق العمق لذا لا يريد أن يراه الآن



ولكنه ليس غاضبا منه.. ولا يستطيع الغضب منه



فهذا زايد..



مهما فعل يبقى زايد..



لو حتى قطع لحمه بمنشار صدئ لن يشتكي



ويبقى زايد...




"فزايد كفاه ماعاناه حتى مني.. لن أكون سببا للمزيد



الكل جرحه قاصدا أو بدون قصد



جرحتني يا أبي ولكن أ تصدق إن قلت لك أنني أفهم مبرراتك..



أ لم أكن رفيقك الدائم.. رفيق سمرك وحكاياتك؟!



منذ توفيت أمي وأنا كظلك الذي لا يفارقك إلا مضطرا



صدقني يا أبي حين هربت في المرة الأولى وحتى الثانية.. لم أهرب منك..



فكيف أهرب من روحي التي تتلبسني؟!



كيف أهرب من جلدي الذي يحتويني؟!



هربت فقط من جو ضاغط لا يتفهم ولا يرحم




أتفهم ما فعلته حتى وإن كان جرحني ومزّق مشاعري



فقد أحببت خليفة كما أحبتته أنت



فأنت أرضعتني هذه المحبة مع حكاياتك التي لا تنتهي عنه



في أحيان كثيرة كنت أشعر أنني رفيقكم الثالث في مغامراتكم وحكاياتكم وصداقتكم الفريدة



لا أعلم يا أبي.. ربما لهذا السبب أردت جميلة



أردت أن أضم بعض رائحة خليفة إلى صدري



عل الصورة حينها تكتمل في عقلي




(لماذا كان لقرب خليفة منك كل هذا التأثير؟!) "




علي انتفض من وطأة أفكاره وهمس بمودة: تبي تأتي حياك الله




زايد بحنان عميق: يمكن تبي لك شوي وقت تقعد بروحك..




تلافى زايد إخباره عن سفر عفراء وكسّاب اللذين سينزلان في جنيف أولا.. لأنه لم يرد أن يقلب عليه مواجع أي ذكرى



وهو يتذكر أنه لا يستطيع السفر وترك مزون لوحدها حتى يعودا..




رد عليه علي بذات الحنان: أشلون أقعد بروحي وأنت روحي طال عمرك..




زايد بتأثر عميق: لا تعتب على أبيك..



والله إني مستوجع أكثر منك



تدري بغلاك يا علي.. فلا تخلي شيء يشكك في غلاك وإلا يبعدك عني..







*******************************







مطار شارل ديغول



طائرة جميلة تصل



مازالت جميلة لم تصحُ من مخدرها..



والمصحة في مدينة أنسي البعيدة جدا عن باريس على حدود سويسرا..



ولكن كان لابد من النزول أولا في باريس.. حتى يستقبلهم المكتب الطبي القطري في باريس.. ويقومون بتسجيل دخولهم وبياناتهم



لينتقلوا بعد ذلك لطائرة طبية خفيفة لم يكن على متنها إلا هم..



وهاهو خليفة يعاود الجلوس في مكانه جوارها.. يعاود النظر لوجهها الخالي من الحياة..



ومشاعر شديد الكثافة تخترم روحه..



يشعر أنه غريب مع امرأة غريبة في أرض غريبة.. ومع ذلك يجدان نفسيهما مرتبطين برباط لا انفكاك له



رباط خانق يكتم على أنفاسه



يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم



وهو يعاود النظر لوجهها..



تخرج خصلة من شعرها من تحت الطاقية التي ترتديها



يحاول مد يده لإدخالها.. فلا يستطيع



لا يستطيع...



فيشير إلى الممرضة أن تفعل ذلك



بينما عاود هو إسناد ظهره للمقعد.. والغرق في دوامات أفكاره العاتية







***********************************








مزون في غرفتها.. في موال بكاء دائم.. ماعادت تعرف لماذا تبكي؟؟



ليس لأنها لا تعلم ما الذي يدعوها للبكاء



ولكن لأن كل شيء يدعوها للبكاء



ولا تعلم أيهم يستحق البكاء أكثر.. أو هي تبكي من أجله




أمن أجل وجعها الشخصي.. ونظرة المجتمع لها.. وقسوة كساب عليها؟؟



أو من أجل كساب الذي فقد الإحساس بالسعادة؟؟



أو من أجل جميلة التي يبدو أنها قد تغادر الحياة دون أن تراها حتى؟؟



أو من أجل خالتها التي ما عرفت الراحة يوما؟؟



بل من أجل علي.. أحدث الجرحى وأقدمهم.. القلب الصافي المطعون؟؟



بل من أجل زايد.. نعم من أجله.. يحمل وجيعة الكل.. ولا أحد يحتمل مشاركته الألم..



الكل يحمله الذنب.. لا يعلمون أي وجع مضاعف يشعر به.. أوجاعهم فوق وجعه..




تنهدت بعمق.. توجهت للحمام لتغسل وجهها بماء بارد.. ارتدت روبها فوق بيجامتها.. وتوجهت لغرفته..



وكم فعلت ذلك!!





"ماذا بقي لي يازايد سواك؟؟



وماذا بقي لك سواي؟؟




الحياة ستمضي يازايد.. ستمضي.. كلهم سيعيش حياته



سيتزوجون وينجبون الأطفال



وينسوننا



سأبقى أنا وأنت نجتر الوحدة..




هل تعتقد يازايد أن كسّاب لو أنجب أطفالا سيسمح لي أن أحملهم؟؟



لن أصبح أما يوما.. فهل سيحرمني أن أشتم رائحة الأمومة في ثنايا أطفاله؟!!




علي لا أظنه سيعود يوما يا أبي.. أصبح طيرا مهاجرا



ماعاد يألف جونا.. اعتاد أن يهرب.. وسيبقى هاربا..



لماذا يعود؟؟ ماذا وجد هنا غير القهر والحزن



مني أولا.. ثم من جميلة..




خالتي عفراء.. كم أتمنى أن تعود.. ما معنى الحياة خالية منها؟!



ولكن روحها معلقة بجميلة



لو رحلت جميلة.. سترتحل روحها خلفها..



قد تبقى جسدا ولكن بدون روح



فكيف أعيش من دون روحها التي إليها أنتمي؟!





أي أفكار مخابيل تلتهمني الليلة..



بل تلتهمني كل ليلة



تعبت يا أبي.. تعبت من هذا الجنون والحزن واليأس



ليت السنوات تعود ليصحح الإنسان أخطائه يا أبي.. ليتها تعود؟!"





مزون كانت غارقة في أفكارها حتى وصلت لباب غرفة والدها



طرقت الباب ودخلت



كان يصلي قيامه حين دخلت..



لذا جلست على طرف سريره تنتظر انتهاءه




حين سلم من صلاته التفتت ناحيتها وابتسم ..فزايد يشعر براحة عميقة بعد مهاتفته مع علي..




ردت عليه مزون بابتسامة مشابهة وهي تقف وتتجه ناحيته لتنحني وتقبل رأسه:



مساك الله بالخير.. ولو أنه عدينا نص الليل




زايد بحنان: اللي تقولينه كله زين..




نهض ليطوي سجادته ويضعها على المقعد..



ثم يخلع طاقيته ويجلس على سريره




تجلس مزون جواره وهي تمسح شعره.. وتهمس بمرح:



ماشاء الله يبه على ذا الشعر كله.. تبي تسوي سبايكي..




ضحك زايد: عيب يا بنت..



ثم أردف بحنين عميق: هذا سر أمي الله يغفر لها.. شعرها كان كثيف وواجد..




ثم عاد ليردف بابتسامة: ولو أنه اللي في عمري المفروض خلاص يصلع.. بس شعري عاده مقاوم عمليات التعرية



ربعي الشيبان محترقين يقولون أنت وش تسوي بشعرك علمنا..




مزون تقبل شعره تم تحتضن ذراعه وهي تسند رأسها لكتفه:



خلهم يموتون حرة ..



وبعدين وش سالفة عمري ويصلع...توك شباب يا زايد.. ووسامة ورزة..




ضحك زايد: أما وسامة .. كثري منها يأبيش..




تضحك مزون: والله العظيم يبه إنك كل ما تكبر تحلى..



ثم أردفت بخبث لطيف: لو أنك بس تخليني أزوجك وحدة مزيونة..




قرص زايد خدها: عقب ما شاب ودوه الكتّاب..




مزون بابتسامة حانية: يبه والله ما أمزح.. توك شباب.. والله ما فيها شيء لو بغيت تتزوج..




ثم أردفت وهي تضحك: بس مهوب تستخف وتتزوج بنية في العشرينات تجننك وتجننا معك..




زايد يحتضنها بحنو: لا يأبيش.. لا عشرينات ولا خمسينات..



ثم همس وهو يشدد احتضانها: خلينا فيش.. مستعدة لبكرة؟؟




تصلب جسدها قليلا ثم همست ووجها مختبئ في صدره: إن شاء الله..



أنا أصلا اللي كلمتهم وقلت لهم بجي للمقابلة بكرة



عقب ماكنت مأجلتها على أساس إنه حنا بنسافر مع جميلة




همس لها زايد بثقة حانية: لا تحاتين شيء يأبيش.. أنا وصيت الجماعة عليش



وأبشرش بتطيرين مع طاقم نسائي كامل..



الكابتن وحدة انجليزية اسمها إيمي ميلر.. والمساعد الأول بنت سورية.. فسافري وإنتي مطمنة




حينها انتفضت مزون بسعادة مفاجئة وهي ترفع رأسها لتنظر إلى عينيه: صدق يبه.. صدق.. مامعنا رجّال..




زايد بحنان: أفا عليش.. وراش زايد.. واللي تبينه يصير..



بيضي وجهي والله الله في الستر والحشمة..








*********************************







طائرة تتهادى بين السحاب.. تفتح عينيها بهدوء لتجده جوارها مستغرقا في قراءة كتاب..



تهمس بابتسامة: شكلي نمت واجد.. لي يومين ما نمت.. شكلي ماصدقت يرتاح بالي شوي أنام




يغلق الكتاب ويضعه أمامه ويهمس بمودة: شكلش منتهية من التعب..



ثم أردف بمرح: لا وتشخرين بعد




ضحكت بمرح: لا عاد في هذي كذبت.. أنا ما أشخر.. وإسأل جميلة ومزون




حينها شعرت بانقباض ما.. وهي تتذكر صغيرتيها التي كل واحدة منهما في بلد



همست بهدوء حذر: يأمك يا كسّاب ما تشوف إنه كفاية اللي تسويه في مزون قطعت قلب البنية..




تصلب جسد كسّاب ولاحظت بوضوح عروق عضده ورقبته التي برزت بعنف ودلت على استثارة الغضب التي يشعر بها:



خالتي سكري ذا الموضوع خلي ذا الرحلة تعدي على خير.. طاري بنت أختش يعصبني




قاطعته خالته بسخرية مرة: يعني أشلون ماعاد هي بأختك؟؟ ما تحبها؟؟




كسّاب ببرود ساخر: أحبها؟؟ لو أقدر مصعت رقبتها مصع.. لكن خايف ربي بس ..وإلا هي مهيب كفو




عفراء بجزع: يأمك وش ذا الكلام.. عمر الدم ما يصير ماي.. وأنا عمري ما شفت أخ يحب أخته مثلك




كساب بذات البرود الساخر: كان يحبها.. ذاك زمان مضى..



هي ماقدّرت ولا حفظت معزتي لها.. 13 سنة كاملة من عقب وفات أمي الله يرحمها وأنا حاطها فوق رأسي



ومبديها على كل شيء في حياتي



لو حتى بغت لبن العصفور والله لأجيبه لها.. والزعل على قد الغلا اللي كان




عفراء بهمس موجوع: يعني خربتها بالدلع وعقبه تجي تحاسبها..




كساب بمقاطعة: لا يا خالتي.. لا تركبيني الغلط.. هذا كلام مأخوذ خيره




ثم أردف بوجع مغلف بالبرود أو ربما برود مغلف بالوجع: مزون ماكانت أختي بس



كانت بنتي.. كانت أغلى مخلوق عندي..



كل الحنان اللي ما لحقت أمي تعطينا إياه.. أنا عطيتها إياه..



وعقبه تجي وتكسرني.. وتصغرني قدام الرياجيل..



لو أنا ما رجيتها بدل المرة ألف كان دورت لها عذر




لكن مزون مالها عذر.. مالها عذر..



والله لو كانت بس تغليني نص ما كنت أغليها ماكان هان عليها تبيعني عشان شي مايستاهل



الجرح يوم يجيك من الغاليين مهوب يجرح بس يا خالتي.. لكن يذبح!!



مزون خلاص ماعاد لها في قلبي مكان...فسكري ذا الموضوع أحسن..




ثم أردف وهو ينظر تحته ليتشاغل عن همومه التي أثارتها خالته بينما يحاول هو تناسيها: شكلنا على البحر المتوسط الحين..








**************************








"جوزا مابعد نمتي.. ممكن أدخل"





همسها الهادئ: تعالي شعاع




فتحت شعاع الباب ودخلت وأغلقته خلفها بخفة..



وجدت جوزاء تجلس على سريرها وهي تقلب ألبوما تريه لحسن الصغير وتسأله: من ذا؟؟




يجيب بابتسامة صافية: بابا




فتسأله بحنان: وبابا وين الحين؟؟




يجيب بذات الأبتسامة : عند لبي. (ربي)




فتسأله بحنان أعمق: واللي عند ربي.. وش نقول له..




حسن بعذوبة: الله يلحمه.. (يرحمه)




شعاع فاضت عيناها بالدمع دون أن تشعر وهمست بصوت مبحوح:



تكفين جوزا خلاص لا عاد تورين حسن صور أبيه.. تعلقينه فيه وهو حتى ما عرفه



ترا اللي تسوينه غلط والله غلط... هو وش عرفه وش معنى عند ربي



الحين يظن إنه رايح شوي ويرجع..




جوزاء بألم شفاف: مهوب هاين علي إن حسن ما يكون عنده على الأقل ذكرى أب..




شعاع تجلس معهما على السرير وتحتضن حسن وتنظر معهما للصور



وتحاول أن تبتسم: بس تدرين مثل زين عبدالله الله يرحمه ماشفت.. إن شاء الله حسون يطلع يشبهه




جوزاء بعتب: أحسن.. عشان ما يطلع مثل أمه الشينة... اللي كل الناس أحلى منها




شعاع همست بحرج وهي تعرف سبب تلميح أختها:



جوزا أنتي والله مافيش قصور وكلش جاذبية..وهذا الشيء أنتي عارفته زين



بس هذاك اليوم يوم عذربتي في وضحى.. طلعتيني من طوري




جوزاء بنبرة عدم اهتمام موجوعة: يا بنت الحلال أدري أني مافيني قصور اللهم لك الحمد والشكر ولا عندي أي شك في شكلي..



بس الحق يقال عبدالله الله يرحمه كان أحلى مني ..



قوية المرة تقول إن رجّالها أحلى منها.. بس هذي الحقيقة




شعاع تقاطعها بحزن: بلاه ذا الموضوع.. وهاتي الألبوم أدسه.. وانسي..



يعني اللي يشوف حرصش على عبدالله بذا الطريقة.. يقول إنش كنتي تموتين عليه..



ترا كل اللي قعدتيه معه ما يجون شهرين حتى.. مالحقتي حتى تعرفينه الله يرحمه




جوزاء تقف لتنظر لنفسها في المرآة الطويلة وتهمس بوجع:



أول ما شفت عبدالله ليلة عرسنا توترت من وسامته اللي زيادة عن الحد



قلت صحيح أنا حلوة وماشي حالي بس هذا المفروض يأخذ ملكة جمال.. ليش أمه اختارتني؟؟



بس عقب قلت.. يمكن عشان ستايلي يعجب العجايز.. بس هو ما ظنتي عجبه شيء فيني




اقتربت من المرأة اكثر وهي تضيق بيجامتها الحريرية عليها لتتضح تضاريس جسدها المثالية لدرجة الخيال المستعصي على كل تصور



والتي لم تتأثر مطلقا بإنجاب طفل




شعاع بمرح: تكفين رخي البيجامة.. أنا أختش ما أستحمل.. أشلون اللوح اللي كنتي ماخذته



ثم أردفت بجزع: يا الله لا تأخذني.. الله يرحمه.. اللهم أني استغفرك وأتوب إليك




جوزاء أكملت وكأنها تحادث نفسها: أحيان كثيرة كنت أشك إنه يدري لو أنا موجودة معاه في الغرفة.. أقول يمكن لو أنا كرسي كان انتبه لي




والمشكلة إنه الناس كلهم يقولون عنه: رجّال مافيه منه اثنين..



وين الرجّال هذا؟؟ أنا عشت مع لوح بكل معنى الكلمة..



الشهرين اللي قعدتهم معه حتى سالفة وحدة على بعضها ماقالها لي..




أحيانا كنت أشك في قواه العقلية.. بس عقب صرت أشك في عقلي أنا



لأني كنت أشوف هله باقي ويحطونه فوق رووسهم من كثر ما يحبونه ويحترمونه..



ومعهم يكون شخص ثاني.. شخصية غير وطلاقة في الكلام.. واحد ثاني مذهل



لكن يتسكر علينا باب.. يرجع لوح مرة ثانية.. يتجاهلني كأني غير موجودة




حاولت بكل الوسائل أثير أنتباهه.. ألفت إعجابه.. أحسسه إنه على الأقل فيه مخلوق بشري معه في الغرفة.. بس بدون فايدة




لا وتخيلي عقب ذا كله.. أحاد عليه 8 شهور كاملة...



يعني الأخ ما تنازل ولمسني إلا مرتين وأخرتها أتورط بحمل يمدد الحداد الدبل




ثم التفتت خلفها وهي تنظر بحنان لحسن الذي نام : بس أحلى ورطة في حياتي الله يخليه لي




شعاع بألم وهي تحتضن عضد جوزاء وتسند خدها لكتفها: جوزا ما تتعبين من ذا السيرة




جوزاء بألم عميق وهي تمسح على خد شعاع: خليني أفضفض.. أنتي الوحيدة اللي تدرين...



أحيان كثيرة والله احتقر نفسي على أفكاري الغبية والمريضة



بس شاسوي يا اشعيع غصبا عني.. غصبا عني.. ما أدري ليه أتصرف كذا



والله إني صرت أكره نفسي من تصرفاتي




مثلا والله أدري كاسرة مالها ذنب عشان أكرهها..



بس والله ما استحملت خالات عبدالله اللي دايم يقطون كلام وظنهم إني ما أسمع




(من جدش تأخذين هذي لعبدالله خيرت عيالنا.. شوفي بنت خالها.. هذي اللي المفروض تأخذ عبدالله ..)




في أحيان كثيرة أسأل نفسي لو عبدالله خذ وحدة جمالها صارخ مثل كاسرة.. وحدة تملأ عينه



يا ترى كان اللي صار صار




ما تتخيلين يا شعاع الشهور الثمانية الحداد اللي قعدتها في بيت هله.. كانت عذاب..عذاب.. حتى العذاب شوي على اللي شفته



لولا نجلاء مرت صالح كانت تخفف علي أو كان استخفيت



الحزن والذنب خنقوني.. كل ما حطيت عيني في عين عمي أو عمتي.. حسيتهم يحملوني ذنب اللي صار عبدالله




ثم انهارت في بكاء مفاجئ بعد تماسكها الظاهري: وجهي كان نحس عليه.. أنا نحس.. نحس



ليتني ماخذته .. ليتني ماخذته وقعد عايش لهله







****************************







مازال يدور في غرفته..



يغتاله السهد الليلة ووطأة الذكريات



لا يعلم لِـمَ كان لديه أمل ما أنها قد ترد عليه بأي شيء الليلة..



فهو وصل منتهاه.. منتهاه!!!



عاجز عن النوم.. مثقل بالتفكير..



يتمنى لو ينام قليلا فقط.. فلديه عمل غدا




أصبح كل شيء مملا بعيدا عن ألقها.. بعد أن كان يصحو على رفرفة قبلاتها كفراشات معطرة حطت على وجهه..



هاهو يصحو وحيدا على صوت منبه مزعج أشبه بصفير الموت




بعد أن كان يرتدي ملابسه وعيناه تطاردان بولع حركتها الدؤوبة في الغرفة وهي ترتب فوضاه



يرتديها وهو يتحاشى النظر لأي شيء قد يثير ذكراها مع هبوب نسمات الصباح التي تذكره بها قسرا..



فهذا النسيم العليل الموجوع يمر على وجهه بحنان مشفق.. مثلها!!



لماذا انقلبت هكذا للنقيض؟؟



لماذا؟؟





يشعر أنه يختنق يختنق.. سينفجر من غرفته.. ومن كل ذكرياتها الموبؤة.. من رائحتها المعطرة الشفافة التي تملأ جنبات الغرفة



لتشعل شوقه الملتهب..



أي ألم هذا؟؟



كل شيء يخصها هنا.. إلا هي.. إلا هي!!





طرقات حازمة على باب غرفته



يهتف بهدوء ظاهري: ادخل ياللي عند الباب..




يدخل فهد العائد لتوه من بيت عمه راشد..



ينظر لصالح الجالس على الأريكة ويقول بهدوء مرح: شكلك كنت تبي تسبح يأبو خالد..




صالح ينتبه أنه يجلس بدون فانيلة..يقف ليتناول له واحدة أخرى من الخزانة



يرتديها وهو يقول بذات الهدوء الظاهري: لا كنت ألبس يوم دخلت حضرتك




فهد يتقدم خطوتين للداخل ويهتف بابتسامة: وينك ماحضرت عشاء غانم



فاتك خوش عشاء



ثم أردف بخبث مرح وهو يغمز بعينه: شغل أم خالد حجت يمينها..




حينها صرخ صالح بثورة مفاجأة مزقت هدوءه الظاهري: فهيدان أذلف تراني ماني بناقص ملاغتك الليلة..




فهد مازال يبتسم: أفا أفا يأبو خلودي تونا اليوم الصبح حبايب.. صلوحي وفهودي..




صالح من بين أسنانه: أقول فهيدان أذلف.. ترا أبليس راكبني الليلة.. فارق قدام أخلي وجهك شوارع




حينها غادر فهد وهو يرسم على وجهه علائم الغضب المصطنع..



أغلق الباب خلفه بخفة.. ولكنه عاود فتحه وهو يطل عبر الباب نصف إطلاله وهو يضحك:



ما ألومها أم خالد هجت..



قالب وجهك ترّوع لك قبيلة..



تيك إت إيزي بيبي..




وقبل أن يرد صالح عليه أغلق الباب خلفه وصوت ضحكاته مازال يتعالى.. بينما تعالى غضب صالح المكتوم:



هذي أخرتها يا نجلاء.. خلتيني مضحكة حتى للبزارين..



زين أخرتش بترجعين وبيطخ اللي في رأسش..





بعد عدة دقائق صامتة.. قفز ليرتدي ملابسه.. ويلتقط مفتاح سيارته.. ويخرج دون غترة حتى..




دار في الشوارع طويلا.. قبل أن يقف في شارع فرعي.. يتناول هاتفه ويرسل لها رسالة:




"أنا الليلة بايعها بايعها



لو ما رديتي علي بأي شيء.. أي شيء



والله لأجيكم لين البيت..



وتراني أصلا في سيارتي.. دقيقتين وأكون عندش"




في وقتها كانت نجلاء.. تستعد للنوم بعد أن عادت من غرفة ولديهما وحصنتهما بالأذكار وأطمئنت على وضعهما



رفعت رأسها عن المخدة وهي تشعر بتوجس.. "يالله مسا خير"




قرأت الرسالة.. تنهدت بعمق.. وكتبت له:




"أبو خالد الله يهداك.. أمسي



إذا أنت فاضي.. انا وراي قومة الصبح مع عيالك"





"وهذا اللي الله قدرش عليه تقولينه



لو قدرت أمسي كان أمسيت.. ما أنتظرت أوامرش"





"لا تنبشني يأبو خالد



خلني ساكتة"





"اشتقت لش



ما تحسين أنتي؟؟



ويش اللي يمشي في عروقش.. ماي؟؟



اشتقت لش.. حسي فيني خلاص



والله ما أقدر أصبر من غيرش ومن غير العيال"





حينها تنهدت نجلاء بعمق وهمست لنفسها بغيظ : زين يالرومانسي.. تبي كلام حلو.. حاضرين




أرسلت له:




" جرحتني جرح(ن) كبير(ن) وباين



جرحتني جرح(ن) يمس الكرامة (http://www.liilas.info/link/index.php?url=%61%48%52%30%63%44%6f%76%4c%32%5a%76 %63%6e%56%74%4c%6d%46%73%4c%58%64%73%61%57%51%75%5 9%32%39%74%4c%33%51%79%4f%44%59%78%4d%69%35%6f%64% 47%31%73)




هنت الغلا كله وعيني تعاين



بعت الهوى وأقفيت تنعي حطامه




لا تحسبنّي وإن قسى الوقت لاين



لا والذي يحصي بعلمه أنامه




إنسى غرامي ثم فكّر وعاين



شف موقعك وإرسم لحدّك علامه




حدّي رسمته وأصبح اليوم باين



( يموت (http://www.liilas.info/link/index.php?url=%61%48%52%30%63%44%6f%76%4c%32%5a%76 %63%6e%56%74%4c%6d%46%73%4c%58%64%73%61%57%51%75%5 9%32%39%74%4c%33%51%79%4f%44%59%78%4d%69%35%6f%64% 47%31%73)حب ولا تموت (http://www.liilas.info/link/index.php?url=%61%48%52%30%63%44%6f%76%4c%32%5a%76 %63%6e%56%74%4c%6d%46%73%4c%58%64%73%61%57%51%75%5 9%32%39%74%4c%33%51%79%4f%44%59%78%4d%69%35%6f%64% 47%31%73)الكرامة ) "





لم يرد عليها.. وشعرت نجلاء بتوتر غير مفهوم.. وحزن أكثر استعصاء على الفهم..



"جرحته.. أدري إني جرحته.. بس هو اللي جابه نفسه"




بعد خمس دقائق.. وصلها رسالته:




"يا بنت عمي.. أنتي والله على قولت المثل:



سكت دهرا ونطق كفرا



.



.



طلي على حوشكم"





نجلاء شعرت بالرعب يتصاعد في قلبها.. خرجت تتسحب من غرفتها للصالة العلوية التي تطل شبابيكها الكبيرة على باحة البيت




شعرت بالرعب وهي تتعرف سيارته التي تقف في منتصف الباحة



اتصلت به فورا وهي تهمس برعب من بين أسنانها:



وش جايبك هنا يالمجنون؟؟




نظر صالح للأعلى رأى خيالها بين الستائر.. نزل من سيارته..



ليقف بجوار السيارة ويسند جنبه اليمين على مقدمة السيارة ويهمس بثقة: انزلي... بأروح لمقلط النسوان.. لازم نتكلم




نجلاء شعرت بألم غير مفهوم وهي تراه يقف بدون غترة..



طوال عشرة السنوات الماضية.. يستحيل أن ينزل من غرفتهما حتى لداخل البيت دون غترة



فأي هم هذا اللي أنساه إياها؟!!



ولكن انفعالها التهم أي مشاعر اخرى: وش كلامه.. أنت عارف إني أبي الطلاق.. الحال بيننا هذا ما يمشي



ولا هذي أول زعلة تصير بيننا على سبت ذا الموضوع.. كل مرة تقول آخر مرة.. بس ما تتوب من تجريحي




صالح كأنه لم يسمع شيئا وهو يرفع عينيه للأعلى ويهمس بنبرة أمر صارمة:



أقول انزلي يأم خالد.. انزلي قدام أطلع لش




شعرت نجلاء برعبها يتصاعد لتنحدر لهجتها للرجاء:



صالح تكفى.. روح.. غانم في غرفته وابي وبعد.. لو حد منهم شافك.. وش بيكون موقفك؟؟




صالح بثقة : أنا ما سويت شيء غلط.. أبي أكلم مرتي.. اقصري الشر وانزلي لي قدام اطلع لش




رعب نجلاء يتزايد.. تعلم أنه قد يفعلها: تكفى صالح لا تفضحني



تعال بكرة الصبح.. خلاص والله بأقعد معك ونتكلم




صالح بغضب: كذابة.. صار لي 4 شهور ما شفتش يالظالمة.. وكل ما طلبت أشوفش تحججتي بألف حجة..




نجلاء بغضب مغموس بخجل عميق: قومي شين فعايلك تيك المرة.. خوفتني أقابلك مرة ثانية.. أنت واحد ما تتحكم في نفسك




رغم غضب صالح.. ولكنه ابتسم لمجرد الذكرى.. ليهمس بخبث مغلف بنبرة خاصة:



يومش خايفة ومستحية كان جبتي أمش معش..



والله ما حد قال لش تجيني بروحش في المقلط.. لا وتردين الباب بعد



أنا بصراحة فهمتها دعوة.. ولو جيتي للحق هي ما تتفسر إلا كذا



وبعدين واحد ميت من الشوق لمرته.. وش تتوقعين يسوي.. يقول لها مساش الله بالخير من بعيد



ليش مكبرة السالفة.. ترا كلها إلا كم بوسة..




نجلاء تغمض عينيها وتضغط جانبي رأسها من شدة الخجل...



مازالت رغم مرور السنوات تحتفظ في داخلها بروح صبية مغلفة بحياء مهذب..



الروح التي لطالما أسرت صالح وأذابت جوانبه بحياءها الرقيق



لتصرخ من بين أسنانها:



قليل أدب.. وما تستحي



توكل على الله و لا تجي بكرة



والله لما تحرك سيارتك الحين إني لأقول غانم يتصرف معك




حينها رأته يميل بجسده أكثر على مقدمة السيارة وهو يستند بثقله عليها.. ويهمس بثقة ساخرة:



تخوفيني بغنوم البزر... خليه ينزل.. أنا أتناه



إذا أنتي بايعة أخيش.. خليه ينزل..

همس المشاعر
09-24-2011, 01:49 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء العاشر







نجلاء تصرخ من بين أسنانها:



قليل أدب وما تستحي



توكل على الله و لا تجي بكرة



والله لما تحرك سيارتك الحين إني لأقول لغانم يتصرف معك




حينها رأت صالح يميل بجسده أكثر على مقدمة السيارة وهو يستند بثقله عليها.. ويهمس بثقة ساخرة:



تخوفيني بغنوم البزر... خليه ينزل.. أنا أتناه



إذا أنتي بايعة أخيش.. خليه ينزل..




نجلاء تبتلع ريقها.. تعرف أن صالحا لا يهدد.. عشرة أكثر من تسع سنوات



قد يكتم طويلا.. ولكنه حين ينفجر.. مرعب لأبعد حد..



وتعلم أن غانما لا يقل عنه حدة.. ويستحيل أن تعرض شقيقها ولا حتى والد أطفالها لموقف عراك سخيف من أجلها



لذا همست برجاء: تكفى صالح روح.. أم عيالك مالها حشمة عندك




صالح ببساطة موجوعة: وأم عيالي ليش ما تحشمني



عاجبش وقفتي ذي..كني مراهق



حتى غترتي توني أنتبه إنها مهي بمعي



انزلي يا بنت الحلال أبي أشوفش بس..




نجلاء بتردد: بانزل.. بس توعدني ما تسوي لي شيء ولا تقربني..




صالح هتف بحزم شديد لم يتوافق مع ابتسامته المرتسمة بتلاعب: آسف ماني بواعد شيء..




نجلاء تكاد تبكي فعلا: لا حول ولاقوة إلا بالله.. وش ذا الليلة؟؟



منت بواعدني ماني بنازلة..




صالح بحزم وهو يتوجه للداخل: تراش مسختيها..طولتيها وهي قصيرة.. أنا جايش لين غرفتش




نجلاء بجزع: لا.. لا.. جايه جايه.. انتظرني في المقلط..




صالح يفتح باب البيت ليلج للداخل.. وهو يقول بحزم: لو تأخرتي علي دقيقة وحدة.. بأطلع لش




نجلاء كانت تتحرك كإعصار مجنون متوتر وهي تقفز لغرفتها لترتدي لها جلابية واسعة فوق بيجامتها..



وتتناول جلالها وتضعه على رأسها وتنزل السلالم قفزا ..خوفا أن ينفذ المجنون تهديده



كانت تنزل بدون تفكير حتى وصلت باب المقلط..



حينها وقفت أمامه وهي تحاول سحب أنفاسه التي غادرتها وكل الأفكار تقفز لرأسها فجأة




"ما الذي جاء بك ياصالح الليلة



أي هم جديد تحمله لي؟؟



ألم يكفيك كل الوجع والجرح بيننا؟! "




ثم أردفت لنفسها وهي تشهق:



"أنا غبية..غبية..أشلون وافقته؟؟



تحت مافيه إلا غرفة أمي وإبي والحين نايمين



والوقت متأخر



وش بأسوي لو ...؟!"




عضت على شفتيها بحرج عميق.. وهي تقرر العودة للطابق الأعلى بسرعة وإغلاق الباب على نفسها.. وليتصرف صالح كما يشاء




ولكنها قبل أن تغادر الفكرة رأسها لمجال التنفيذ.. كان صالح يفتح الباب بغضب



لتلتقي النظرة بالنظرة بعد كل هذه الأشهر..



وتتحول نظرة الغضب في عيني صالح إلى شيء آخر.. أعمق وأدفا وأخطر



وتتحول نظرة الخوف في عيني نجلاء إلى توتر صاف وهي عاجزة حتى عن ابتلاع ريقها أو أخذ أنفاسها




لحظات مرت من الصمت..



تبادل مستعر للنظرات.. وكأن كل واحد منهم يريد إكتشاف آثار غيابه على ملامح الآخر



وهل فعلا قد ترسم انحناءات الوجه وأنثناءاته رائحة الفقد وتعاظم الشوق ووجيب القلوب؟!



وهل تفضحهما نظرة الشوق؟؟ وتنهيدة الوجع؟؟ وشهقات الفراق؟؟





كان صالح أول من تماسك من نشوة النظرات وهو يريد استغلال تبعثرها قبل أن تفكر بتصرف ما



وهو يشدها من يدها للداخل ويغلق الباب..




حينها انتفضت نجلاء بجزع وهي تنزع يدها منه: خل الباب مفتوح..




صالح ببساطة: آسف ماني بمخليه مفتوح.. أوامر ثانية؟؟




نجلاء بجزع خجول: لا تقرب مني




قالتها وهي بالفعل تبتعد عنه لتجلس على المقعد الأقرب للباب..




بينما رد عليها صالح بابتسامة غاضبة: هذي بافكر فيها



ثم أردف بحنان ممزوج بالغضب: ما أبي إلا شوفت وجهش يالبوارة..



ترا ماني بحيوان ولا همجي عشان تخافين على نفسش مني بذا الطريقة.




نجح في إشعارها بالحرج والخجل لأبعد حد.. أنزلت وجهها وهمست بهدوء لتبعد عن نفسها الحرج:



ها يأبو خالد.. وش الشيء الكايد اللي حدك على مساري الليل؟؟




صالح بعتب عميق وهو يجلس على مقعد منفرد بعيد عنها بدوره:



الحين تنشدين وش حدني على مساري الليل؟؟



أربع شهور ما شفتش يا الظالمة.. وعلى قد ما حاولت أشوفش



وأسوي حركات غبية وسخيفة.. ماهان عليش تبردين خاطري



والله عيب عليش يا نجلا



صالح على آخر الزمن يصير فيه كذا!!




نجلاء بألم: صالح اللي سوا كذا فيني وفيه..




صالح بعتب أعمق موغل في الوجع: عاجبش حالنا كذا.. كل واحد في مكان.. وعيالنا شتتيهم بيننا..



ليش تحرمينهم يعيشون مثل باقي عيال خلق الله بين أمهم وأبيهم




نجلاء نظرت له بعتب موجوع مجروح: إذا صار أبيهم ما يحترم أمهم..



أحسن ما يشوفون أشلون أبيهم يهين أمهم.. أي قدوة بتعطها لهم وأنت تكسر أمهم قدامهم




صالح يشعر بألامه تفور في فيضانات من مشاعر متضادة:



وكل شيء أنا السبب فيه.. وأنتي يعني بريئة ما تسوين شيء



وليش تنسين سبب خلافنا الثاني.. كم صار عمر عزوز؟؟



خمس سنين.. غير إنه حن قعدنا 4 سنين لين جانا خالد..



وأحطها في ذمتش.. هل وقتها ضايقتش بكلمة أو حسستش بشيء مع إن العيب كان منش؟؟



انتظرت لين عالجتي وحملتي بخالد وعقبه عزوز وما فتحت ثمي بكلمة.. وعقبه تروحين تربطين خمس سنين..



صبرت سنة سنتين ثلاث لين كبر عزوز.. بس أنتي ما احترمتي صبري عليش




نجلاء تنهمر بألم: الموضوع هذا مرتبط بالموضوع الأول.. لما كنت تهيني بأمي.. كنت أقول يمكن مقهور عشان أنا ما أجيب عيال..



جبت خالد.. وعقبه على طول جبت عزوز عشان أوريك فضل الله علي وإني الحمدلله ماعاد فيني شيء.. وعشان أرضيك



لكن أنت مثل منت ما تغيرت.. قلت ماني بمستعدة أجيب بعد ولد وأنا ماني بضامنة حياتي معك.. وهذا كان معي حق



كان معي حق.. أنت ما تستانس لين تجرحني وتهيني..




حينها بدأ صوتها بالارتعاش وهي تقاوم ما سيأتي بعد ارتعاش صوتها..



تخشى أن تهار صلابتها التي مازالت تحاول التماسك بأستارها المتهاوية




تنهد صالح بعمق وهو يقاوم رغبته العارمة أن ينهض من مكانه ليدفنها في أحضانه المشتعلة اشتياقا لها



ويمنعه من ذلك نظرة العتب في عينيها التي تجرحه في العمق..وارتعاش صوتها سهام تخترق فؤاده المتيم



همس بحنان عميق: خلاص السموحة يا بنت الحلال.. ماني بمتعودها.. جربيني ذا المرة.. حرمت يأم خالد



أنتي وأم غانم فوق رأسي..





نجلاء بألم عميق: سمعت ذا الكلام بدل المرة ألف.. والحين ما أقدر أتنازل أكثر.. الحين عيالي كبروا



وأنا ماني بمستعدة أخليهم يسمعونك تهين أمهم وبجدتهم بعد..مستحيل أعرضهم لذا الموقف



أمي مهيب بعيارة ياصالح.. وذا الكلام قلناه الف مرة.. بس أنت..........




صمتت على مرارة سدت حلقها.. صمتت والمرارة تنتشر حتى لسانها الذي جفت الكلمات الموجوعة عليه




بينما همس صالح بألم مخلوط بالغضب: ألف مرة!!! ألف مرة!! صدق إنكم يا النسوان مكفرات العشير..



ادري إني غلطان ومعترف.. بس لا تبالغين بذا الطريقة



وخلاص يأم خالد أنا تعذرت لش.. وش تبين زود؟!




نجلاء سحبت أنفاسها بعمق: الطلاق.. ما أبي شيء غيره..




حينها انتفض صالح بعنف ليقفز عن مقعده ويتوجه ناحيتها لينتزعها من مقعدها وهو ينشب كفه القوية في عضدها ويهزها بعنف:



نجوم السما أقرب لش.. والله لو حتى طار من رأسش طير أصفر



وياويلش اسمعش تطرينه..



ما تبيني.. انطقي في بيت هلش.. بس وأنتي على ذمتي




نجلاء تشيح بنظرها عنه بينما جسدها كله يهتز مع مسكه لعضدها وتهمس بوجع حاولت ألا تسيل معه دموعها:



تبي تقهرني إذا أعرست علي.. عشان كذا تبي تخليني على ذمتك..




حينها أفلتها صالح فجأة وهو ينتفض بعنف وهو يلمح التماعة شفافة في طرف عينها وهي تحاول أن تشيح بنظرها عنه



همس بوجع رجولي حان وهو يمد يده ليمسح دمعتها ثم يضع كفه بحنو على خدها: تبكين يا نجلا..؟؟ تبكين؟؟



ذا السنين كلها بيننا عمري ما شفت لش دمعة..



ليش يا قلبي تنحريني بدموعش؟؟ أدري إني غلطت والغلط راكبني من ساسي لرأسي ..والمسامح كريم..



ولو ما تبين تسامحين بكيفش.. بس تبكين لا.. لا ..تكفين




نجلا بوجع: لو هامتك دموعي.. أو أنا هامتك بكبري



ما كان رضيت لي المهونة..



ثم أردفت بوجع أعمق وهي تضع كفها الناعمة فوق كفه الساكنة على خدها:



أدري إنك تحبني ياصالح.. وأنا بعد أحبك



بس الحياة بيننا خلاص صارت مستحيلة



تكفى خل بيننا ذكرى شيء حلو.. وطلقني.. خلاص








**********************************







الصباح في فرنسا



مقاطعة سافوي الفرنسية في الجنوب الشرقي من فرنسا بالقرب من سويسرا وإيطاليا




مدينة Annecy أنسي الصغيرة التي تعد جنة من جنان الله على الأرض والتي تقع في أحد وديان جبال الألب الثلجية



تبعد عن باريس حوالي 600 كيلو ولكنها قريبة جدا من جنيف السويسرية



لذا من يريد الذهاب لها للسياحة يتجه لها من جنيف..



وكان هذا سبب اختيار زايد لها.. لقربها من من مقر عمل علي



حيث تبعد من جنيف حوالي 65 كيلو فقط



والسبب الثاني وجود مصحة شهيرة جدا لمعالجة مرض فقدان الشهية هي مصحة الدكتور (بوفار دوغال) في ضواحي أنسي الشديدة الهدوء والبالغة الجمال





تصل الطائرة الطبية الصغيرة التي حملت جميلة من مطار شارل ديغول في باريس إلى مهبط الطائرات الخفيفة الخاص بالمصحة




بعد ذلك بقليل تصل طائرة كسّاب وعفراء إلى جنيف وهما يختصران مسافة طويلة قطعها خليفة وجميلة



ورغم رغبة عفراء العميقة في رؤية علي وخصوصا أنهما معه في ذات المدينة وهي لم تره حينما كان في الدوحة



ولكن كسّاب رفض وأصر أن يتجها فورا لأنسي بعد انهاء إجراءتهما



ولأسباب عديدة منها أنه حلف أن خالته عفراء لن تبيت إلا عند ابنتها



والسبب الأهم بين أسبابه أنه كان يريد أن يترك عليا ليختلي بنفسه لفترة..



فلم يكن يريد إثارة اوجاعه برؤيتهما متجهين لجميلة وجرحه مازال طريا ينزف



على أن يزوراه في رحلة العودة






وبالفعل استقل كساب سيارة خاصة من جنيف وتوجها فورا لأنسي ليصلاها بعد 40 دقيقة



وبعد 4 ساعات تقريبا من وصول جميلة للمصحة







قبل ذلك بثلاث ساعات



غرفة جميلة..



التي توقفوا منذ ساعات عن حقنها بالمهدئ استعدادا لاستيقاظها حين تصل للمصحة




خليفة كان يجلس جوارها.. يقرأ ورده الصباحي.. سمع همهمات متقطعة



انتفض بعنف..




" هل هذا صوتها؟؟



يبدو أن الأميرة النائمة صحت من سباتها



ولحظة المواجهة حانت.."





كان على وشك الركض لاحضار الطبيبة.. كان عاجزا عن مواجهتها وحيدا



ولكنه استعاذ بالله من الشيطان وهو يقف ليضع المصحف على الطاولة المجاورة




ويهمس لجميلة من قرب: صباح الخير جميلة..




همست بصوت متقطع دون أن تفتح عينيها: يمه ريقي ناشف.. عطيني شوي ماي تكفين




خليفة ابتلع ريقه: خالتي موب هنا جميلة... وإلا نسيتي؟؟




همست جميلة بذات الضعف: زين مزون حبيبتي عطيني..




خليفة شعر أن الحوار غير ذي جدوى.. لذا تناول قنينة ماء وفتحها.. وهو يقترب منها ويدخل ذارعه تحت كتفيها الناحلين



شعر بألم غير مفهوم وهو يشعر بخفتها المؤلمة:




"هل يوجد داخل جسد هذه المخلوقة عظام حتى؟! "




قربها منه وهو يسندها لكتفه حتى يسقيها... وشعور واحد يسيطر عليه




الــــشـــفـــقــــة





جميلة مازالت تشعر بالدوار.. لكنها ما أن شعرت بيد خليفة حتى شعرت أن هناك شيء غير طبيعي يحدث..



فهذه الذارع الصلبة وهذا الكتف القوي يستحيل أن يكونا ذراع أو كتف مزون الرقيقة



لذا فتحت عينيها بجزع وهي تشتم رائحة عطر رجالي أكمل صورة جزعها.. لتجد جانب رأسها يستند لكتف رجل غريب



حينها صرخت جميلة برعب وهي تحاول بفشل أن تدفعه وتدفع قنينة الماء



ولكن قواها الخائرة لم تسعفها بينما صراخها المبحوح يتعالى: من أنت؟؟




خليفة أنزلها بخفة على سريرها وهو يهمس بحرج: أنا خليفة يا جميلة.. خليفة ريلج..




حينها شهقت جميلة بعنف وهي تحاول تركيز نظرها الضعيف في الرجل الغريب أمامها.. والذكرى كاملة ترجع لها



لتبدأ بالصراخ الهستيري بشكل مفاجئ مرعب: أبي أمي.. أبي أمي.. جيبوا لي أمي...



أبي أمي.. يمه.. يمه.. يــــمــــه





خليفة نظر لها بجزع وهي تبدو كطفلة مذعورة.. اقترب منها ليقوم بتهدئتها



ولكنها صرخت بهستيرية أكبر: لا تقرب مني.. لا تقرب مني




خليفة تراجع.. والممرضات حضرن على صراخها.. ثم حضرت طبيبتها التي كانت تعطي طبيبها الجديد تفاصيل مرضها



سارعت طبيبتها لسريرها لتجلس جوارها وتضع يدها على كتفها



جميلة حين رأتها ارتمت في حضنها وهي تبكي بهستيرية



داليا احتضنتها بخفة حانية وهي تشير لخليفة بنظرات عتب وتهمس له: إيش اللي عملته لها؟؟




خليفة يهمس بحرج وبصوت خافت حتى لا تسمعه جميلة الباكية: والله العظيم ما سويت لها شيء.




حين هدأت جميلة همست بصوت مبحوح تماما وهي توجه نظرها لخليفة: آسفة يا .... يا...



كان صعبا عليها أن تنطق اسمه.. لم تستطع.. لم تستطع




سارع خليفة للرد: لا تعتذرين.. يمكن أنا خوفتج بدون ما اقصد..




لم تكن تريد أن تعتذر حتى.. ولم تكن حتى تشعر بأهمية الاعتذار.. ولكنها شعرت أن هذا مايجب تفعله ..



أ لم تكن هي من أدخلت نفسها في كل هذا؟!



أ ليست هي من اختارته حتى على والدتها؟؟ حتى على والدتها؟!



كانت تبكي جزعا في داخلها.. لم تعتد على فراق أمها حتى لساعات



كانت حتى وقت دوام والدتها في المدرسة تشتاق لها



فكيف وهي في بلد وأمها في بلد؟!!



تشعر برعبها يتجمع ويتجمع.. لأول مرة تكره عنادها.. عنادها الذي أوصلها لكل هذا



فأي جنون ارتكبته؟!!



أي جنون؟!!





" لا لا .. ليس جنونا!! ليس جنونا!!



بل هو الشيء العقلاني الوحيد



أ ليس اسمه خليفة؟!!



اسمه خليفة..



وهو من اختارني دون ضغوط من أحد؟؟



لم يختارني من أجل خالته ولا حتى عمه المتوفي..




ولكن وإن كان اسمه خليفة.. فهو رجل غريب عني



لا ..لا.. من كان اسمه خليفة.. ليس غريبا.. ليس غريبا



فلماذا أشعر أنه غريب عني هكذا؟!!



وهأنا معه في مكان غريب



ولكن ليس لي إلا هو.. ليس لي إلا هو



أ فلا أحاول أن أكون مهذبة معه..



على الأقل يكون رحيما بي حين يغسلني ويكفني ويترحم علي وهو يتذكر عني شيئا جيدا



غير عنادي وجنوني وصراخي!!







********************************







وضحى تنزل إلى الطابق السفلي وهي ترتدي عباءتها استعدادا للذهاب للجامعة.. لتنتظر تميم الذي أخبرها أنه يحتاج لربع ساعة ليجهز حاسوبه للعمل




وجدت والدتها تجلس في الصالة وجهازها المحمول على ساقيها



وهي تسجل بعض الأشياء على ورقة



كانت مزنة مستغرقة تماما في النظر للشاشة لذا لم تنتبه حتى احتضنت وضحى كتفيها من الخلف



وهي تطبع قبلة على خدها ثم تلصق خدها بخدها وتهمس باحترام ودود: صباح الخير مزونتي..




مزنة مدت يدها بحنان لتحتضن خدها: صباح الخير ياقلبي




وضحى تنظر معها لشاشة الحاسوب وتهمس بمرح: وش تبين تطبخين لنا اليوم..أشوفش فاتحة مواقع طبخ




مزنة بهدوء مرح وهي تعيد نظرها للشاشة: أبي أسوي معكرونة صينية عشان تميم وأدور طريقة جديدة..



ذا الولد ذوقه غريب في الاكل.. وش فيها المكابيس؟؟ وإلا البرياني وإلا المشخول؟؟



الحين بأسوي له غير غداكم أنتو..




وضحى تعاود تقبيل خدها وتهمس بمودة: أنا بأتغدى في الجامعة.. وبعدين أنتي اللي مدلعته.. ومن لقى الحنا تحنا..




مزنة بمرح حنون: خله يتدلع فديت قلبه.. أصلا وزنه نازل.. ماعاد كل مثل أول..




وضحى تعاود تقبيل خدها للمرة الثالثة وتهمس بمودة مرحة: تدرين يمه أما حبة خدش الواحد ما يشبع منها



وبعدين خلي تميم يسوي ريجيم صاير دب.. ويا ليت بعد امهاب يسوي ريجيم.. دب أكثر منه..




مزنة بخبث لطيف: إذا عيالي الضعاف دبابة.. أجل عبدالرحمن ويش..




وضحى تأخرت بحرج وهي تدور حول الأريكة لتجلس جوارها: وأنا وش دخلي في عبدالرحمن.. دب لنفسه




مزنة تغلق الحاسوب وتضعه على الطاولة أمامها ثم تمسك كف وضحى بين كفيها وتهمس بحزم حنون:



اسمعيني يامش.. أنا لحد الحين مثل منتي أكيد ملاحظة ما قلت لش أي شيء ولا تدخلت



أبيش تفكرين زين بدون ضغط مني مع إني عارفة إنه أخوانش كلهم تكلموا معش في الموضوع بس أنا ماحبيت أستعجل



والحين أبي أقول لش سالفة صغيرة أول..ترا هذي مهيب أول مرة يخطبش عبدالرحمن..



هذي ثاني مرة والأولى كانت قبل 3 سنين.. لكن....




حينها تصلبت أنامل وضحى بين كفي والدتها..وهي تقاطعها بغضب:



يمه تكفين دوري سالفة تتنصدق غير هذي إذا أنتي تبين تقنعيني بعبدالرحمن اللي أنا مستحيل اقتنع فيه




مزنة بغضب دفعت يد وضحى عنها: وضيحى هذي أخرتها.. تقاطعيني وتكذبيني بعد؟؟...



ومتى كنت أكذب عليش وإلا على غيرش.. قومي من قدامي الحين.. يالله قومي ذا الحين قدام تسمعين شيء ما يسرش




حينها انكبت وضحى على يد والدتها تقبلها بجزع: آسفة يمه.. السموحة جعلني فداش.. والله العظيم ما قصدي




مزنة تشير لوضحى أن تغادرها وتهتف بحزم شديد: إذا عرفتي تثمنين كلمتش.. كملنا كلامنا..








*********************************








" داليا.. صحيح أمي ما جات معي؟!! معقولة؟! "



همس متألم موجوع




داليا تمسح على شعرها وتهمس بحنان: لا حبيبتي ماجات.. خلاص جميلة أنتي صرتي ست متزوجة.. والحين الأستاذ خليفة هو اللي مسؤول عنك




سالت دموعها بصمت مليء بالحرقة : ما توقعت إنها ممكن تخليني.. توقعت أي شيء إلا ذا الشيء




داليا تبتسم: بس جميلة أنتي عارفة هالشيء من قبل نسافر




جميلة بصوت مبحوح مثقل بالقهر: ما أنا طول عمري أعند، وأسوي، وأقول أشياء ما أقصدها



وأشمعنى ذا المرة صدقتني.. وأشمعنى؟!




داليا بحزم لطيف: لأن هذا موضوع مافيه لعب.. ويوم تقررين شيء لازم تكونين قد قرراتك




طرقات على الباب..



جميلة تهمس لداليا بجزع: لبسيني حجابي داليا..




داليا بهدوء: مافيه حد غريب.. أكيد زوجك..




جميلة بإصرار: ماعليه داليا لو سمحتي.. لبسيني حجابي..




داليا تلبس جميلة حجابها.. وبالفعل كان الطارق خليفة العائد من صلاة الظهر



يسلم بهدوء ويجلس في هدوء يخفي خلفه توتره الخاص



بينما جميلة بدأت تفرك أناملها اليابسة بتوترها الخاص بها ايضا..




داليا تهمس في أذنها بتحذير: لا تعملي كذا.. انتبهي على إبرة الجلوكوز..



ويالله أنتي وزوجك صليتوا الظهر باقي أنا أروح أصلي..




جميلة تهمس لها بخفوت جازع: لا تخليني معه بروحي.. تكفين داليا..




ابتسمت داليا وهي تهمس في أذنها: عيب يا بنت.. حاسة أنا قاعدة عزول.. رايحة شوي وراجعة.. باصلي وأخلص كم شغلة وأرجع




داليا خرجت.. بينما عادت جميلة لفرك أناملها بتوترها وخجلها المتزايد



خليفة كان يراقب تحركاتها بتوتر مشابه ولكنه نهض حينها ليتجه ناحيتها



ثم يمسك بيدها ويهتف بحزم: بسج.. أنتي عندج إبرة في الوريد.. انتبهي




جميلة انتزعت يدها بضعف وهمست بخجل متوتر: لو سمحت لا تلمسني..




خليفة جلس على المقعد المجاور لها وهتف بهدوء: جميلة ترا عيب اللي تسوينه



من لما جينا ما سمعت منج إلا كلمتين لا تقرب مني ولا تلمسني



أنا بصراحة موب فاهم مضمون اللمسة عندج..



أنا ريلج وما معج إلا أنا.. إذا أنتي حتى المساعدة البسيطة رافضتها مني..



أشلون من المفترض أقوم بدوري




جميلة بجمود: أنت مهوب مطلوب منك شيء.. شيء واحد أبيه منك



إذا مت.. أنت تغسلني وتكفني.. وعقب رجعني للدوحة..



أبي أندفن في الدوحة.. وما ابي أمي هي اللي تغسلني.. لأن أمي ماراح تستحمل



ولأنه...........




خليفة قاطعها بعنف وهو يكاد يجد من سيل الجنون الذي تهذي به: أنتي مينونة



وش هالخبال اللي تقولينه؟!!



أموت وكفني.. بسج.. ويا ويلج تعيدين هالكلام..




جميلة بذات الجمود: على العموم أنا ماراح أعيده.. صار عندك خبر بوصيتي



وإلا بعد منت بمنفذ وصات وحدة بتموت؟!!




خليفة يتنهد بعمق وهو يقرر تجاهل كل ماقالته:



ما تبين تأكلين شيء.. صار لج يومين تقريبا ماطب شيء حلقج..




حينها انتفضت جميلة وهي تخرج من حالة الجمود لتعود لحالة الخجل والتوتر:



لا شكرا ما أبي أكل..




خليفة يتجاهل رفضها ويهتف بحزم: لازم تأكلين شيء.. موب على كيفج..








***************************







مقر الخطوط الجوية القطرية الرئيسي




مزون أنهت مقابلتها على خير



لأول مرة تشعر بسعادة ما في هذا العمل منذ بدأت الدراسة



فهاهي ستعمل مع طاقم نسائي كامل.. وهاهي منذ الآن متحمسة لرحلتها الأولى..




بدا لها من أجرى المقابلة معها غير راض عن هذا الكابتن الذي يرتدي نقابا.. وهو يجد نفسه مع كل هذا مجبر على تنفيذ رغباتها.. بدلا أن تنفذ هي رغبات جهة العمل



ولكنه لم يستطع سوى ابتلاع غيظه مع التوصية الخاصة جدا التي جأته من أجلها من جهاته العليا




مزون كانت تخرج حين لحقت بها السكرتيرة وهي تهتف باحترام: كابتن مزون.. كابتن




التفتت مزون وهمست بمهنية: نعم




مدتها السكرتيرة بظرف فخم على طرفه اسم الخطوط الجوية القطرية : تفضلي كابتن.. هيدا كارد استراحة التيارين بالمتار




مزون بابتسامة مهذبة وهي تعيده: شكرا.. أنا مهوب محتاجته.. ما أبي أقعد مع الطيارين في استراحتهم..




السكرتيرة باستغراب: ياكابتن ما بيصير.. وين بدك توعدي لما يكون عندك رحلة.. وبعدين المكان كتير حلو.. وكتير ستايل.. سدئيني بيعجبك




مزون هزت كتفيها ببساطة: بأجي على موعد رحلتي على طول.. ولو حبيت أرتاح في مكان.. استراحات المسافرين موجودة




السكرتيرة ابتسمت: كابتن مزون ارجعي تا نعد شويه..شكلو مَنّك كتير فاهمة النزام..




مزون تراجعت وجلست مع السكرتيرة التي همست باستغراب: أنا منّي عارفة ليه سيادتو ما شرح إلك التفاصيل




مزون ابتسمت في داخلها (سيادتو شكله ماكان طايقني)




السكرتيرة ابتسمت بمودة :



كابتن مزون.. الئعدة في استراحة الطيران منّها ترف لكن واجب..



لانو لازم توصلي ئبل الرحلة بـ 3 ساعات.. وتوعدي عالكمبيوتر الخاص هناك



منشان تتأكدي من حالة الطئس والغيوم وتوئعات الارصاد وخطة الطوارئ



وتوئعي على الحضور




مزون بصدمة: أنا أعرف كل هالأشياء.. بس أنا الحين مساعد ثاني وفي فترة تدريب..



ومفروض إنه كابتن إيمي هي اللي تسوي هالشغلات مهوب انا




ابتسمت السكرتيرة برقة: يا ئلبي يا كابتن.. لازم تكوني معاها خطوة بخطوة.. وإلا كيف بدها توئع إنك تدربتي..



الشيء التاني.. ليش بيحطوا اتنين مساعدين..لأنه هيدي أرواح ناس..



ولو حصل لا سمح الله للكابتن شيء وحتى للمساعد الأول



المفروض إنه المساعد التاني يكون جاهز تا يكود التيارة



فلازم تكوني مع الكابتن وهي بتستلم كشوف المسافرين والتاقم وتوئعي معاها



ومعاها وهي بتتأكد من كل شيء بيخص الرحلة من الكمبيوتر اللي باستراحة التيارين



وبعدين معاها وهي بتستلم التيارة من المهندس اللي عمل تشييك عليها




مزون قاطعتها باستغراب باسم: عفوا على هالسؤال.. بس دقة معلوماتش أحسن مني.. من وين تعلمتي كل هذا



عفوا والله ما أقصد إساءة.. بس ما اعتقد إن عمل سكرتيرة في مكتب ما يأهلش إنك تعرفين كل ذا التفاصيل عن العمل في أرض المطار




حينها ضحكت السكرتيرة برقة: ما أنا كنت كابتن تيارة وهربت..







******************************







"أستاذة كاسرة.. فاضية خمس دقايق؟"




كاسرة تبتسم وهي تمسك بسماعة الهاتف بمودة مرحة: يا ملغش فطوم..



شكلش عجبتش سالفة أستاذة ذي.. نعم أستاذة فطوم المليغة فاضية آمريني




فاطمة تكتم ضحكتها وهي تنظر للرجل الواقف أمامها وترد بذات الاحترام:



الأستاذ سعود هنا عندنا.. ويقول يبي يقابلكم خمس دقايق




حينها تغيرت نبرة كاسرة من المودة للحزم: أكيد جاي يشتكي؟؟




فاطمة مازالت تكتم ضحكتها: أكيد أستاذة كاسرة.. فيه شيء ثاني يعني؟!




كاسرة بهدوء: خليه يتفضل وتعالي أنت وسماح معه.. وأدعي الله يثبتني لأسوي في ذا المخلوق البليد شي..




باب مكتب كاسرة ينفتح.. ليدخل سعود أمامه سماح وخلفه فاطمة



تتوجه الاثنتان لتجلسا في الزواية.. بينما سعود يتجه ليجلس على المقعد المقابل لمكتبها من ناحية اليمين




كاسرة تهمس بحزم مهني: نعم أستاذ سعود.. فيه شيء؟؟




توتر سعود قليلا.. ودائما هذا ما يحدث.. لا يعلم ما يوتره..



هل هو صوتها الغني بالمتناقضات؟؟ أم صفوف أهدابها المتماوجة التي لم تستطع فتحات النقاب الشديدة الضيق أن تخفيها؟!!



أم حضورها الحازم الذي يكتم على أنفاسه بالضيق ويذكره بمأساته الدائمة أنه من كان يجب أن يكون مكانها...




ولكنه تناسى كل هذا وهو يحاول أن يهتف بحزم: ممكن أعرف استاذة كاسرة



ليش ما طلعت للدورة اللي أنا قدمت عليها؟؟




كاسرة بحزم: أعتقد أستاذ سعود إنك عارف... الدورة طلع لها الأستاذ فيصل والاستاذ هلال..




حينها هتف بحزم ممزوج بغضب: وليش هلال وفيصل هم اللي يطلعون وأنا لا؟؟




كاسرة ببساطة واثقة: لأنهم هم الأحق بها من حضرتك..




سعود بذات الغضب: ومن وين جا حقهم... أعتقد أني أقدم منهم في القسم




كاسرة مازالت تحتفظ بهدوؤها: أستاذة سعود حضرتك توك راجع من دورة.. والدور للأستاذ فيصل والاستاذ هلال




سعود بذات الغضب الذي بدأ يتزايد: بس الدورة هذي غير.. وانتي عارفة إني من السنة اللي فاتت وأنا أبيها



قبل ما تصيرين حضرتج رئيسة القسم حتى..




كاسرة مازالت تتمسك بهدوؤها المهني الذي أثار غضب سعود لأنه يريدها أن تغضب ليجد عليها ممسكا:



أستاذ سعود الذنب في هذا الموضوع يكون ذنبك ومهوب ذنبي



لأنه بما أنك كنت تبي هذي الدورة بالتحديد.. كان من المفروض إنك ما قدمت على الدورة اللي فاتت



لأنك عارف القانون.. ما أقدر أطلعك دورتين ورا بعض إلا لو كان ما فيه متقدمين..



وأنت عارف إنه الدورة هذي تقريبا تقدم لها كل موظفين القسم



والأحق كان فيصل وهلال



عندك شيء ثاني أستاذ سعود؟؟




سعود وقف وصوته يرتفع بغضب: إيه عندي باقدم شكوى ضدج.. إنه انتي عندج محاباة بين الموظفين..




كاسرة بذات الهدوء الذي لم تتغير وتيرته: حقك أستاذ سعود



قدم الشكوى اللي تبي... ومدير الإدارة بيكون الحكم بيننا




سعود يرتفع صوته اكثر: ومن قال بأقدمها لمدير الادارة.. بأقدمها لمدير الهيئة شخصيا




كاسرة ببرود مهني محترف: حقك بعد.. بس قصر حسك.. تراك في مكان عمل محترم.. هذا مهوب سوق خضرة




سعود يصرخ: وتسبيني بعد وتقولين إني بياع خضرة.. زين يا استاذة كاسرة.. زين بتشوفين..



تراج أنتي إلا بنت يومين.. لكن أنا ولد ذا الهيئة من سنين..



وترقيتج كلها كانت غلط.. والغلط لازم يتصلح..




كاسرة زادت من درجة برودها الشديد الحزم: انتهت الخمس دقايق أستاذ سعود



تفضل لمكتبك شوف شغلك..



وأنا بأكون سعيدة جدا نتقابل عند مدير الهيئة شخصيا



لكن حط في بالك إني بأطلب نقلك لقسم ثاني..



أنا طولت بالي عليك كثير.. واحترمت أقدميتك في القسم



لكن مصلحة العمل عندي في المقام الأول... وأنا ماني بفاضية لمهاتراتك كل يوم..







****************************







"صالح يأمك قوم.. وش ذا النوم كله.. الظهر قرب يأذن وحتى دوامك مارحت له اليوم"




صالح همس بإرهاق: تعبان يمه شوي




أم صالح وضعت يدها على جبينه وهي تهتف بجزع: وش فيك يأمك؟؟ وش أنت تانس؟؟




صالح جلس وهو يتناول كفها من جبينه ويقبل ظاهرها ويهمس بصوته المرهق:



ما أنس شيء جعلني الأول.. بأقوم الحين..




أم صالح بقلق: يأمك حالك مهوب عاجبني.. ما كنت تسهر ذا السهر.. اليوم جيت أدورك صلاة الصبح.. ما لقيتك..




همس صالح وهو يقف ويتناول فوطته ليتجه للحمام: يمه صليت الفجر وجيت..




أم صالح بنبرة ذات مغزى: زين ووين كنت لين صلاة الصبح..




صالح بإرهاق: وين بأكون يعني يمه؟؟




أم صالح بذات النبرة: أنت علمني..




صالح بضيق: أدور في سيارتي كني خبل.. ارتحتي يأم صالح..




أم صالح تعلم عادته الرديئة هذه مؤخرا.. فكثيرا ما أخبرها إنه يقضي الليل يطوف في سيارته أو حتى يمشي على قدميه حتى ينهكه الإرهاق



همست بضيق عميق: ولمتى على ذا الحال يأمك؟؟




صالح يقبل رأسها: ضايق يمه.. وش حيلتي؟؟




أم صالح بحزم غاضب: منت برجال.. اللي فرقى مره يسوي فيك كذا..




ابتسم صالح: وليه تظنين إني ضايق عشان نجلاء.. انتي تدرين يمه وش كثر أحب عيالي



وبعدين جعلني فدا عويناتش ابن فطيس يقول:



والله إن أحر من دمع اليتيم.... دمعة الرجال من فرقا مرة




أم صالح بجزع: ويش؟؟ دمعة؟؟




ضحك صالح من جزع والدته: لا أبشرش ما بعد وصلنا ذا المرحلة.. الشهر الجاي يمكن..




أم صالح تنهدت بعمق: يأمك حالك مهوب حال.. أما أنك ترد مرتك وإلا أعرس.. جوزاء وإلا غيرها




صالح يتجه للحمام وهو يهتف بحزم: خلينا من ذا السالفة الحين.. أبي اسبح قدام الأذان








******************************







وضحى وسميرة وشعاع في مجمع المطاعم في الجامعة.. يتناولون غدائهم




وضحى تهتف بابتسامة: سمور شوفي تصلين المغرب وتكونين جاهزة.. تعرفين كاسرة دقيقة في المواعيد وما تحب اللي يتأخر



وأنا ماني بمستعدة أسمع لي كلمتين عشان وجهش الشين..




تضحك سميرة: وه يا قلبي.. أنا اموت عليها لا عصبت أصلا.... ياحلوها إذا عصبت.. فديت المعصبين



عسل ياناس.. شفتي العسل يوم ينكت.. كأني شايفة برميل عسل مكتوت..




تضحك شعاع: خوش تشبيه... زين وأنا إذا عصبت..




أغلقت سميرة أنفها وهي تهمس بتأفف: زبالة مكتوتة وأنتو بكرامة.. وريحتها فايحة بعد




شعاع قرصت ذراع سميرة وهي تضحك: وجع يالبرصاء..




سميرة تفرك القرصة وهي تضحك: أنتي اللي وجع.. الحين عارفتني برصاء.. وحن يالبرص أقل شيء يسوي علامات في أجسامنا



الحين شوهتيني... وخربتي مستقبلي.. من اللي بيتزوج وحدة مشوهة الحين؟؟




وضحى تضحك بدورها: على الأقل إذا عنستي يكون عندش سبب تحججين فيه..




سميرة الضاحكة على الدوام: العانس أنتي وبنت عمتش.. وإلا أنا سوقي ماشي



تدرين عاد هل الديرة القرود يموتون في البياض..



على قولت خالي هريدي: الجعان يحلم بسوق العيش..



وأنا عاد بينكم يالكويحات سوق العيش...




شعاع تضحك: أمحق عيش... أشهد أنه على العازة اللي بيضويش..




ثم التفتت وضحى لشعاع بابتسامة: اشعيع تروحين معنا عقب المغرب لفيلاجيو..




شعاع بمودة: مالش لوا.. تو كنا فيه أمس رايحين أنا وجوزا نلعب حسون..



وبعدين أنتو تبون فيرجن تشترون طابعة حق مشروع تخرجكم وتطلعون..



وش يوديني معكم..




ثم أردفت شعاع بضيق: كل ما يطري علي إنكم بتتخرجون وتخلوني.. يضيق خاطري..




وضحى تهمس بمودة صافية: كلها شوي وتلحقينا..




شعاع بضيق فعلي: وش شوي.. سنة شوي




سميرة تبتسم: أنتي يام الأفلام الهندية.. أنتي أصغر منا بسنة.. تبين بعد تخرجين معنا أنتي ووجهش..




شعاع بالفعل تشعر أنها ستبكي: مالت على وجهش.. ما عندش إحساس..




حينها رقصت سميرة حاجبيها: ياحرام.. مسكينة.. بنروح ونخليها.. تدوج في الجامعة بروحها




حينها بالفعل سالت دموع شعاع.. لتنتفض كل من وضحى وسميرة بجزع



وتهتف سميرة بجزع: أمزح معش يا غبية...وبعدين ترا ماحد منا مهاجر..



بيوتنا كلها قريب من الثاني.. مالت عليش يأم دميعة ترا قلبي ما يستحمل








*******************************







منصور ينهي عمله ليتفاجأ أن سيارته شبه خالية من البترول.. ويستحيل أن توصله لمكان ..



لذا تلفت حوله ليرى أي حد قد يأخذه لمحطة البترول القريبة ليحضر بعض البنزين الذي سيكفيه للعودة للمحطة




هتف بحزم وهو يرى السيارة القريبة منه: ملازم فهد.. ممكن توصلني للمحطة.. سيارتي مافيها بترول




فهد ينزل من سيارته ويهتف باحترام وهو يؤدي التحية العسكرية:



والله إن قد تاخذ سيارتي... وانا بعبي سيارتك بترول وعقب باوصلها لبيتك وأخذ سيارتي




منصور هز رأسه نفيا وهو يهتف بحزم: جعلك سالم يأبو خالد.. استغفر ربك..



أبيك بس توصلني للمحطة وعقبه ترجعني..




قالها وهو ينزل ليتجه لسيارة فهد.. فهد عاد لمقعده.. بينما ألقى منصور نظرة سريعة على سيارة فهد وهو يركب جواره..




هتف فهد باحترام ومودة عظيمين: نورت سيارتنا يابو علي..




منصور بمودة: نورك يابو خالد..



ثم أردف بنبرة ذات مغزى: فهد..




فهد انتفض من الحمية: لبيه..




منصور بذات النبرة: لبيت في مكة.. فهد أنت اكيد تدري إني أعدك مثل ولدي..




فهد بمودة عميقة مغلفة باحترام متجذر: أدري الله يكبر قدرك..




منصور بذات النبرة: يعني لو أنت محتاج شيء منت بداس علي؟؟




فهد باستغراب: أكيد طال عمرك




منصور بحزم مباشر: أنت محتاج فلوس؟؟




فهد انتفض باستغراب وحرج: فلوس؟؟ لا والله .. الخير واجد ولله الحمد




منصور بعتب: تدس علي يافهد.. لو أنك منت بمحتاج فلوس.. وش حادك تركب سيارة مثل ذي.. متكسرة من كل صوب..




حينها لم يستطع فهد منع نفسه من الضحك: السموحة طال عمرك.. بس لو قلت لك السبب بتزعل علي..




منصور باستغراب: فهد خلص علي.. سيارة مثل ذي مايركبها حد صاحي.. صحيح إنها موديل السنة الجديدة.. بس شكلك شاريها مكسرة من الحراج




فهد بابتسامة محرجة: طال عمرك أنا شاريها من الوكالة مالها شهرين..




منصور بصدمة: ويش.. وويش اللي سوى فيها كذا؟؟




فهد بحرج: وش أسوي بهل الدوحة اللي خلو العالم كلهم.. ومالقوا حد يدعمونه غيري.. لازم كل يوم يومين دعمة ..



زين عادني حي.. أنت داري إني أوقفها ورا البيت عشان أمي ما تشوفها.. والحين أبي اشتري غيرها أصلا..




حينها هتف منصور بأمر حازم: اصفط على جنب..




فهد نفذ الأمر دون تفكير.. ليهتف منصور بامر آخر: انزل أنا بأسوق..



فهد نفذ الأمر بدون نقاش رغم شعور الحرج المتعاظم




حين ركب منصور مكان السائق هتف بالامر الثالث: عطني رخصتك




فهد أعطاه الرخصة.. وحرجه يتزايد ويتزايد



(يا الله وش ذا النهار؟!!)




حينها هتف منصور بحزم: والله ماعاد تسوق سيارة لين تدخل مدرسة السواقة من جديد..



وانا اللي بوصي ضابط مخصوص هو اللي يسوي لك التراي



لأن اللي عطاك الرخصة يبي له محاكمة عسكرية




فهد بجزع: تكفى يأبو علي لا تفشلني.. وش عاد بيفكني من لسان الشباب في الثكنة.. والله إن قد يخلوني مطنزتهم..



أنا أخرتها أرجع أتدرب مع البزارين والسووايق عقب 15 سنة سواقة



والله إني أسوق من يوم عمري 13 سنة.. وش مدرسته بعد؟؟




منصور بحزم شديد: فهد انتهى الموضوع.. ومهوب كل مرة تسلم الجرة.. كفاية على أمك وأبيك مراح عبدالله الله يرحمه عليهم



تبي تفجعهم فيك بعد؟!!







******************************








سيارة كسّاب وعفراء تمخر عباب جمال أنسي الخلاب دون حتى أن ينتبه الاثنان لشيء .. فكلاهما غارق في أفكاره الخاصة



حتى وقفت السيارة أمام بوابة المصحة التي تقع على مساحة شاسعة من الأرض أكثرها حدائق ومحميات طبيعية..



تحادث السائق مع الأمن قليلا.. ثم ركب بجوار السائق أحد رجال الأمن.. وتوجهوا للداخل..




دقات قلب عفراء بدأت بالتعالي وتفكيرها ينصب بحال ابنتها كيف هي الآن..



شوقها يغتالها لها.. رغم أنه بالكاد مضت 24 ساعة على رؤيتها الأخيرة لها



تشعر بالتوجس والقلق.. هل صحت من مخدرها؟!



كيف تقبلت الوضع؟!!



هل أكلت شيئا؟!!






ذات الوقت في غرفة جميلة




صوت خليفة يرتفع بحزم: جميلة بس اشربي الحليب من الممرضة.. لا تاكلين الحين.. بس الحليب




جميلة تلتفت له ثم تنزل عينيها بخجل وتهمس باستغراب خجول: أنت بأي حق تطول صوتك علي؟!




خليفة بنبرة استغراب إنما حازمة: نعم؟؟ أي حق؟؟ بصراحة ما أدري بأي حق يا بنت عمي.. أنتي قولي لي..




جميلة تنهدت بعمق (أي جنون أدخلت نفسي فيه)



ثم همست بخجل: ماعلية خليفة لو سمحت.. انا ما أبي حليب.. شايفني بيبي..




خليفة يشعر أنه سينفجر ولكنه قاوم رغبته.. فما زالت هذه هي المحاولة الأولى.. فكيف بمحاولات كل يوم



هتف بحزم: تشربين أو اشربج غصب..



قالها وهو يقترب فعلا..




انتفضت جميلة بجزع.. وذكرى رأسها في كتفها تعود لها...همست برعب: لا بشرب بروحي خلاص..




الطبيبة كانت تجلس في الزواية غير المرئية من جميلة وهي تسجل ملاحظاتها وتبتسم




جميلة كانت تشعر أنها تريد أن تتقيأ وهي تشرب الحليب الذي يعبر بدفئه بلعومها الجاف..



وهتفت بالفعل بالم: بس خليفة والله العظيم بازوع خلاص..




خليفة باستغراب: شنو تزوعين هذي.. ثم أردف وهو يكتشف المعنى: قصدج تطرشين..



لا ما راح تطرشين.. كملي كاسج..




جميلة لم تكمل كأسها لأنها بالفعل أرجعت الحليب كله في ذات الكاس الذي كانت تشرب منه..



عدا بعض القيء الذي تناثر على يديها ووجهها وملابسها..ويدي الممرضة التي كانت تسقيها




جميلة شعرت بألم عظيم وخجل أعظم.. شعرت أنها ستختنق من الحرج والإهانة



وانخرطت في بكاء متحسر أشبه بالأنين



رغم أنها لم تكن تريد أن تبكي أمامه..




خليفة شعر أنه هو أيضا سيتقيأ ولكنه قاوم رغبته وهو يقول: ماعليه جميلة عادي.. المرة هذي تطرشين المرة الياية لا



تبين أساعدج نبدل ملابسج..




جميلة بجزع بين شهقاتها: لا لا.. دكتورة داليا.. دكتورة داليا..




داليا قفزت من مقعدها وهي تشير لخليفة أن يخرج.. وأغلقت الباب لتبدل لها ملابسها.. بينما خرجت الممرضة لتغسل وتبدل..



وجميلة تبكي: تكفين داليا أنا أستحي أقول له.. قولي له يروح الفندق.. يروح أي مكان.. ما أبيه قاعد فوق رأسي.. تكفين




داليا تبلل الفوطة وتمسح وجهها ويديها وتهمس بحزم: جميلة حبيبتي هذا زوجك..



والقضية مش لعب.. يعني هو يقدر يقول لي أنتي روحي.. بس أنا ما أقدر أقول له.. وخصوصا أني قاعدة معاكم شوي وبأرجع




تمسكت جميلة فيها بجزع: لا داليا تكفين لا تخليني.. أنا أصلا باموت قريب داليا.. مستكثرة تقعدين عندي لين أموت..




داليا بذات الحزم وهي تكمل إلباسها ملابس نظيفة: لا ماراح تموتي إن شاء الله.. أنتي بتشفين وترجعين للدوحة.. ما تريدين ترجعين لأمك وعمك زايد ومزون..




حينها انفجرت جميلة في بكاء هستيري وهي تتذكر ما تحاول تناسيه دون أن تفلح:



أبي أمي.. أبي أمي.. جيبو لي أمي.. يمه.. يــــمــــه..



يـــــــمــــــه




ليفتح الباب حينها بشكل مفاجئ..



وتدلف عفراء كأعصار وهي تسمع صراخ ابنتها الموجوع المكلوم يناديها

همس المشاعر
09-24-2011, 01:51 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الحادي عشر







خليفة خرج من غرفة جميلة.. توجه للحمام ليغسل يديه



رغم أنها لم تتقيأ عليه... ولكنه يشعر برغبة حادة للاستحمام حتى وتغيير كل ملابسه



يشعر ان رائحة القيء التصقت به..ولا تفارق أنفه..




غسل يديه عدة مرات قبل أن يعود ليقف على باب غرفتها



وألم روحه يتزايد..يحاول أن يتصرف بمنطقية..أو وفقا للشهامة المفترضة



ولكنه يجد نفسه غارقا في الحيرة والارتباك.. فعلاقته بالجنس الانثوي شبه معدومة



والدته توفيت منذ سنوات.. وليس له شقيقات.. وخالاته سيدات كبيرات لاهيات في حياتهن



وبيته بيت رجولي بامتياز.. 4 رجال في بيت حتى وقت قريب عندما تزوج جاسم وخرج في بيت لوحده




فكيف سيتصرف مع هذه الشابة التي اقتحمت حياته؟!! أو بمعنى أصح هو من اقتحم حياتها بمغامرة غير محسوبة!!



لا يعرفها ولا تعرفه.. لا يشعر حتى أن هناك رابط فعلي بينهما



فهل عقد الزواج الذي كان نتيجة عناد من الطرفين.. يكفي لصنع العلاقة؟!




يتنهد بعمق وهو يهتف في داخل نفسه




"الله عز وجل يعرف الأصلح



قد يكون الله خبأ لي الكثير من الثواب عن طريقها



يتيمة ومريضة وضعها الله في طريقي



أو ربما وضعني أنا في طريقها ماعاد يهم..



المهم أننا أصبحنا معا مرتبطين برباط مقدس"





وهو غارق في تفكيره التقطت عينه المرأة التي ترتدي عباءة ونقاب وتتجه ناحيته



رغم أنه مازال لا يعرف هيئة عفراء بالنقاب ولكن يستحيل أن يكون أحدا سواها



شعر بسعادة ما تقفز لروحه كأسراب عصافير انتشرت على امتداد جوانحه.. أن هناك من قدم ليحمل بعض الهم عنه..



ليتبعه مباشرة شعور بالاستغراب.. كيف ومتى استطاعت اللحاق بهم بهذه السرعة




ثم تلاه شعور عارم بالتوجس من هذا الذي يمشي جوارها عاقدا ناظريه بمشية واثقة كأنه يملك المكان





عفراء حين رأت خليفة كادت تتعثر وهي تكاد تركض ناحيته لتصله في ثوان وتهتف له بلهفة: خليفة يأمك وين جميلة؟؟




قبل أن يجيب خليفة.. كان الجواب سماعها لصوت ابنتها المبحوح يناديها بهستيرية.. لتقتحم الباب دون تفكير وقلبها ينخلع رعبا عليها




في الداخل كانت داليا تحاول تهدئة جميلة لتتفاجأ الاثنتان بالاعصار الحنون الذي اقتحم المكان..



جميلة المصعوقة من الفرحة والدهشة حين رأت والدتها



كانت تريد أن تقفز من السرير دون تفكير لتركض ناحيتها.. ولكن عفراء كانت أسرع منها لتصلها قبل أن تجن وتنهض



جميلة ارتمت في حضن والدتها وهي تبكي بانهيار موجع..



بينما عفراء منعت نفسها أن تبكي وهي تهدهد صغيرتها: بس يامش خلاص.. هذا أنا عندش..




جميلة تعلقت بجيبها وهي تشهق: لا تخليني.. لا تخليني..




الباب كان مفتوحا.. كساب ابتعد عن المكان قليلا حتى لا يكشف المكان



بينما خليفة الذي كان يقف عند الباب واختناقه يتزايد



وشعوره بالندم يتزايد ويتزايد




"كله بأمر الله



ولكن الله يسبب الأسباب.. ولو أنني لم أظهر في الصورة



لم يكن كل هذا ليحدث.. لم يكن كل هذا ليحدث"





خليفة ينتبه للرجل الذي جاء مع عفراء .. يتجه له مسلما عليه



كسّاب يسلم عليه بتهذيب بارد مصطنع.. وهو يود في داخله لو استطاع أن يغير له ملامح وجهه




"والله ما ياخذ في يدي حتى نص دقيقة



كفين ثلاثة كفاية عليه



وش فيه زود على علي تختاره الشيخة جميلة



يارب يصبحش بكف ويمسيش بكف



لين تعرفين إن الله حق"




خليفة باحترام أخفى خلفه توتره: كسّاب صح؟؟




كسّاب يرد بسخرية ألبسها نبرة احترام مصطنعة: ذكي صراحة.. ليه يعني خالتي بتجي مع حد غيري..




خليفة بحرج: ما قصدت السموحة..




كسّاب بذات الاحترام الساخر الملغوم الذي بدأ يُشعر خليفة بالتوتر: ممكن تقول جميلة تتغطى أسلم عليها



إلا لو عندك مانع..




شعر خليفة بضيق عميق من أسلوب كسّاب المستفز



ولكنه مازال محتفظا بهدوءه وهو يقول بهدوء ظاهري: دقيقة بس أقولها تتغطى







***************************







مزون بصدمة: كابتن طيارة وعقبه تشتغلين سكرتيرة




السكرتيرة بابتسامة: أنا منّي سكرتيرة أنا مديرة مكتبه.. والشيء التاني أنا ماكنت بكالوريوس طيران متلك



أنا كان معاي رخصة تيّار.. اللي هي pll .. وأخذتها في أقل من سنة.. فالتحئت بتيران الشرء الأوسط بلبنان.. بس ما كملت سنة




مزون بدهشة: ليش طيب؟؟




السكرتيرة ببساطة: صحيح الكل بيئول إنو احنا شعب أوبن وفري.. بس شغلت الكابتن صعبة على أي ست لو مهما كانت



يعني أنا كنت مساعد تيار كل مرة مع اتنين شباب.. فيهم اللي بيتطلع بوكاحة وفيهم اللي بيتطلع باحتقار.. وهيك كل التيارين



تفكيرهم اني ائل منهم.. وما بفهم شي.. ومرة الكابتن هزأ فيا مع ان الغلط غلطو.. ورمى علي كلام كبير



بس نزلنا ئدمت شكوى رسمية.. اتفئوا الاتنين عليا إنو أنا اللي طولت لساني




وبعدها ئلت شو بدي بهالشغلة.. اللي مافيها استقرار ولا راحة



نزام العمل في كل المطارات بيفرض عليكي تشتغلي لحد 14 ساعة متواصلة وبعدها راحة ما بين 10 لـ16 ساعة بس



والإجازة 7 ايام في الشهر بس... شو هيدا والله لو سخرة ما بستحمل..



غير عن حالات منّا معئولة بتصير من المسافرين.. هيدا سكران.. هيدا تخانق مع هيدا.. هيدا اتحرش بهيدي.. وتعا ياكابتن حل المشاكل



أشي والله بيخزي!!




مزون تنهدت بعمق.. وهي تمد يدها لتصافح السكرتيرة وتتناول بطاقة استراحة الطيارين منها



وتهمس في داخلها بتوجس: خوش تجربة ولقاء نبدأ فيها حياتنا العملية..








******************************








"جميلة تغطي.. ولد خالتج يبي يسلم عليج"




جميلة اعتصرت بضعف يد والدتها التي تجلس جوارها وهمست بخفوت: يمه من اللي جاي معش؟؟




عفراء تأخذ جلالا خفيفا وتغطي به وجه جميلة وهي تهمس بحنان: كسّاب يأمش..




جميلة بضيق كتم على أنفاسها: ومالقيتي حد إلا كسّاب..




عفراء بنبرة غضب عاتبة: ومن اللي باجي معه يعني؟؟.. علي وإلا زايد؟!




جميلة ابتلعت ريقها المختلط بعبراتها.. رؤية كسّاب لطالما أخرجت أسوأ ما فيها من مشاعر..



يولد فيها إحساسا دائما أنها عاشت متسولة على أطراف حياتهم



عالة على مشاعرهم واهتمامهم



وأنه لولا خالتهم وإلا لربما قذفوها خارج حياتهم دون أدنى اهتمام بها






كسّاب دخل بثقة.. ليقف قريبا من الباب..



وحضوره يلتهم المكان كعادته في كل مكان وهو ينشر إحساسا بالضآلة فيمن حوله..



هبة فطرية نادرة فتحت له النجاح حتى في مجال التجارة والأعمال




همس بهدوءه المغلوم دائما وأبدا: صباح الخير جميلة



ثم أردف بنبرة مقصودة: ألف مبروك الزواج يا بنت خالتي..




جميلة بارتجاف صوتها المبحوح: الله يبارك فيك.. عقبالك إن شاء الله




كسّاب بهدوء ساخر: إن شاء الله يوم ترجعين بالسلامة عشان تحضرين عرسي..




جميلة بسرعة وهي تتحرق لإنهاء المقابلة: أكيد أكيد.. الله يعطيني طولت العمر بس




كساب بذات هدوءه الجالب للتوتر لمن حوله: إن شاء الله طولت العمر لش ولــ.. ولــ وش اسمه رجالش؟؟




خليفة الذي سينفجر هتف بهدوء على وشك التمزق: خليفة طال عمرك




وإن كان هدوء خليفة بقي صامدا فإن هدوء غيره تلاشى.. فجميلة صرخت بانفعال:



اسمه خليفة.. واظني إنك عارف إنه اسمه خليفة..



ومهوب اسم خليفة اللي ينتسي يا شيخ كسّاب



وما أسمح لك تقلل من قيمته قدامي ولا حتى من وراي..



أنت على ويش شايف حالك.. عندك إن الناس كلهم أقل منك..



عمري في حياتي ما شفت واحد بغيض مثلك




عفراء بتهدئة ضغطت على يد ابنتها وهي تهمس بغضب من بين أسنانها: جميلة عيب.. قصري حسش..




كسّاب الذي كانت تتلاعب على شفتيه ابتسامة ملولة ومثيرة.. لم يبد عليه أدنى اهتمام بكل ماقالته وهو يهمس بثقة ساخرة:



عادي خالتي.. جمول أختي الصغيرة.. والواحد لازم ياخذها على قد خبالها



وعلى العموم أنا أصلا طالع بتلاقيني إذا بغيتيني في الانتظار



خلها تبربر على روحها..




جميلة حاولت جاهدة منع نفسها من البكاء.. ولكنها لم تستطع منع دموعها أن تسيل تحت غطاء وجهها





بينما خليفة مازال مذهولا عاجزا تفهم ماحدث أمامه



الغريب أنه يتفهم كسّاب تماما.. بل يعذره فيما يفعله به وبجميلة



فلو كان أحد ما فعل بأحد شقيقيه ما فعله هو بعلي.. ربما كانت ردة فعله أكثر تطرفا من كسّاب




ولكن إن كان فهم وجهة نظر الرجل لأنه رجل.. فهو عاجز عن فهم المرأة




جــــمــــيــــلــــة





لماذا انفجرت هكذا؟!! ولماذا دافعت عنه باستماتة؟؟



ولماذا هذا الهجوم على ابن خالتها؟!!



لماذا؟؟



لماذا؟؟






******************************







زايد في مجلسه يتقهوى قهوة العصر وعنده شقيقه منصور



ويالا الغرابة !!ورغم أن حوارتهما دائما قد تنتهي بشجار ما ..فكلاهما عنيد ومتمسك برأيه



ولكن يستحيل أن يمر اليوم دون أن يرى احدهما الآخر



يتشاجران.. يتلاسنان.. يتحادثان.. يتشاوران..



المهم أن يرى كل منهما الآخر...فكل منهما يحمل للآخر محبة وإعزازا لا متناهيا وبصورة غريبة




لو طلب أحدهما من الآخر أن ينتزع قلبه بأنامله العارية ليهبه له.. فأنه سينفذ دون أدنى تردد



بينما لو طلب أحدهما من الآخر أن يتنازل عن رأيه.. فـنـزع القلب حينها أهون!!




زايد يرتشف فنجانه ويهتف بهدوء: منصور..




منصور باحترام وهو ينزل فنجانه: لبيه يأبو كساب




زايد بمودة: لبيت في مكة يأبو زايد.. ليت زايد يأتي بس.. عجزنا نتناه..




منصور يضحك: خل زايد الصغير مرتاح.. وش يبي بالشقا..



ثم أردف بمودة صافية: آمرني جعلني فداك.. وش تبي؟؟




زايد بمودة مشابهة: يفداك اللاش يابو زايد... أبيك تجي تقعد عند مزون يومين



أبي أسافر لعلي.. قلبي مهوب مرتاح لين أشوفه



ومزون ماعندها حد.. خبرك كسّاب وخالته سافروا




منصور بهدوء حذر: مهوب أحسن لو تخليه كم يوم بروحه..




زايد بألم أخفاه خلف حزم صوته: ما فيني صبر يأخيك.. انفرى جوفي على الولد



لما أشوفه اليوم قبل بكرة بيصير لي شيء




منصور انتفض بجزع: عدوينك واللي يكرهونك يابو كسّاب




منصور تماسك بعد جزعه من كلمة أخيه ليهتف بهدوء: زين خلاص خل مزون تجي عندي في بيتي.. البيت وش كبره وتحت أمرها




زايد برفض قطعي: لا جعلني ما أخلى منك.... بيتك مليان صبيان



عدا إن مجلسك ما يفضى من الضباط



ماني بمتطمن عليها في بيتك..



ولا عليك أمر أبيك تجي أنت عندها.. وغرف البيت كلها تحت أمرك




منصور بأريحية: خلاص تم.. قل لي متى بتروح.. واجيب قشي عند بنتي..



والله يعين الضباط ذا اليومين يدورون لهم مكان تجمع ثاني




زايد يلتقط هاتفه ليتصل وهو يهتف بحزم: خلاص دامك فيها وش أنت تتنيها



بأتصل في سكرتيري يحجز لي الليلة



وأنت الله يعينك تشيل قشك من الليلة



والله الله في بنتك..








***************************








بعد ذلك بساعتين



فيرجن ميغا ستورز



فيلاجيو مول






كاسرة غاضبة ويكاد دخان حرائقها يتصاعد من رأسها بينما كانت وضحى تستجديها بصوت خافت:



تكفين كاسرة لا تفضحينا.. ما يصير كل ما نطلع مجمع لازم تغسلين لش شراع واحد وتمسحين به الارض وإلا ماتنبسطين




كاسرة من بين أسنانها: يعني عاجبش سواتهم من يوم دخلنا المجمع وهم ورانا



خلصوني أنتي وإياها.. قدام أروح لهم وأعطي كل واحد منهم كف




سميرة بمرح وهي تخفض صوتها: كاسرة وش نسوي بش أنتي جايبة لنا شبهة بذا الطول والرزة وذا العيون اللي تذبح..



لو أنا من الشباب والله ما أهدش.. وراش وراش..



لا وإذا سبيتني سبيتني بصوتش اللي ينحر الفاد..



أنا منهم أقول مثل خالي هريدي : كمان.. سبيني كمان




كاسرة لا تستطيع مقاومة سميرة ابتسمت وهي تهمس بخفوت: خلصوني جعل خالش هريدي يكفخش



والله ماحد جايب لنا شبهة غيرش يا البرصاء.. بياضش يدعي الواحد من بعيد




سميرة تضحك بخفوت: كل يوم أروح المجمعات ولا حد عبّر البرصاء.. ماأحس إني أنثى كل اللي في المجمع وراي لين أروح معش..




وضحى تريد أن تنتهي قبل أن تفتعل كاسرة معركة: خلاص كاسرة بنأخذ هذي..




الفتيات توجهن للمحاسبة.. كان الاتفاق أن وضحى وسميرة ستتقاسمان سعرها



ولكن كاسرة أقسمت ألا تدفع واحدة منهما ريالا ودفعت المبلغ كاملا




سميرة بحرج: كاسرة بكيفش تحلفين على أختش.. بس أنا لازم أدفع..




كاسرة بغضب: عيب عليش سميرة.. ترا مثلش مثل وضحى وما أبي أسمع كثرت حكي



خلونا نطلع قدام أسوي جريمة في الاثنين اللي واقفين من صبح ذولا




كاسرة أتصلت في سائقها حتى يحضر لحمل الطابعة الضخمة مع عمال المحل



بينما كن الفتيات يهممن بالخروج من المحل



فور أن أصبحن عند الباب سميرة سحبت الاثنتين وعادت بهما داخل المحل



وهي تهمس بجزع خافت: يا ويلي يا ويلي.. فهد ولد عمي قاعد في المقهى اللي مقابل فيرجن



وش ذا الحظ النحس.. لي شهور ما لمحته حتى.. وعقبه أشوفه في فيلاجيو




كاسرة بغضب: وانتي وش عليش منه؟!!



أصلا فلاجيو بالذات توقعي تشوفين ثلاث أرباع عيال جماعتش فيه



خلونا نطلع أصلا مهوب عارفش



واحنا أساسا ماراح نمر من جنبهم بنطلع مع بوابة واحد..



وحتى لو عرفش خليه يتجرأ ويقول لش كلمة وأنتي معي.. والله ماعاد يتعودها




سميرة بخوف: لا كاسرة تكفين... دقيقة بس خلوني أطل لو شفته مندمج في السوالف طلعنا



ما تعرفون فهد .. هذا فاسخ.. فاااااااسخ



لا وبعد مع ذا البشوات اللي ورانا ...إي والله إن قد يقص رقبتي..




سميرة أطلت لتجد فهدا بالفعل مستغرقا في الحديث مع الشخص الآخر..



ووضحى تهمس لها: هو وينه..؟؟




سميرة تشير لها عن مكانه.. بينما تساءلت وضحى: من هذا اللي معاه بعد؟؟




سميرة تشدهما: خلونا نطلع وأقول لش..




خرجن الفتيات الثلاث ليصلن للسيارة والشابان مازالا يتبعونهم..



حينها ألتفتت لهما كاسرة لتلقي عليهما مجموعة من عباراتها المنتقاة بدقة وهي تخفض صوتها المشتعل بالغضب..ليهرب الاثنان..




بينما سميرة تنفجر بالضحك وهي تركب السيارة: يا بطني.. أنتي من وين تجيبين ذا الكلام



خليتيهم ما يسوون بصلة..




كاسرة تبتسم وهي تغلق بابها: تعالي وأعطيش درووس.. وضحى مافادت فيها دروسي.. كود تفلحين أنتي




وضحى بضيق: والله كل واحد وشخصيته.. ما أقدر ألبس ثوب مهوب ثوبي




سميرة شعرت أن هناك شرارة توتر أشتعلت في السيارة لذا همست بمرح:



الحمدلله إني طلعت من فيلاجيو على أرجيلي..



حرمت أدخله إذا فهيدان يجيه..




حينها ابتسمت وضحى: أما يا سميرة حرام عليش.. طول ذا السنين تسبين في الولد هو يجنن كذا.. عاد لو أنه شين كان دورنا لش عذر




سميرة تضحك: الزين من زانت أفعاله يأوخيتي..




حينها تهتف وضحى بحماس: إلا تعالي قولي لي.. من الشيخ اللي جنبه؟؟




سميرة تبتسم: على طول حطيتيه شيخ..




كاسرة اعتصمت بصمتها حتى لا تتدخل في حديث الصديقتين



الذي شعرت أنه حديث سخيف أشبه بحديثات مراهقات ولا يتناسب معها أبدا بينما وضحى تبتسم وتجيب:



ياختي أقص يدي إذا هو مهوب شيخ.. مكتوب على جبهته.. وش ذا الرزة وش ذا الزين.. يدوخ ياختي.. من جماعتكم هو؟؟



مع أني ما اظن في جماعتكم حد زين.. كلهم قحط..




سميرة تبتسم: ياحبيبتي جماعتنا كلهم شيوخ ومزايين.. هذا ياطويلة العمر حضرت العقيد



فهيدان حفظني اسمه وشكله من عادني بزر.. تقولين عليه بنية معجبة بمطرب من كثر ماهو مايهذري به




وضحى بحماس طفولي: هذا منصور آل كسّاب الشهير.. وأخيرا شفته..



بس صدق ما عدلوا في وصفه أبو الثلاث حريم.. ما ألومهم يغارون عليه صراحة




ثم وجهت السؤال لكاسرة بذات الحماسية الطفولية: كاسرة شفتي منصور آل كساب.. وش رايش فيه؟؟؟




كاسرة تسند رأسها للزجاج المجاور لها وتهمس بهدوء لا يعلم أحد ماذا تخفي وراءه:



ماشي حاله...







********************************







ذات الوقت



في داخل فيلاجيو



مقهى كولومبس المجاور لفيرجن





منصور يرتشف قهوته ويهمس بهدوء: لولا أني وعدتك أطلع معك رضاوة عشان الرخصة اللي خذتها منك



وإلا كان اعتذرت منك.. الليلة عندي كم شغلة لازم أسويها



عشان كذا ما أقدر أطول معك



يا الله أخلص الكوب ذا ونمشي وأوصلك البيت




فهد بحرج: لا والله ما توصلني.. بأخذ تاكسي..




منصور بحزم: وش تاكسيه.. لا والله ما يكون ولا يصير



وبعدين مهوب من بعد بيتك من بيتي..كلها شارعين




دارت بينهما الأحاديث وتشعبت



وشعر فهد أنه قد يكون هذا الوقت هو الوقت المناسب ليفاتح منصور في موضوع يأرقه منذ وقت طويل



بعيدا عن ضجيج مجلس منصور الدائم لذا هتف بحرج:



ودي أقول لك شيء..




منصور بعتب: وشو له المقدمات؟؟ أدخل في اللي تبي..




فهد بذات الحرج ولكن مغلفا بالعتب: لين متى وأنت ترفع عني دورة مظليين الطوارئ؟؟



قد ذي ثاني مرة تشطب اسمي من القائمة.. دفعتي كلهم خذوها ماباقي إلا أنا




منصور بحزم: وش أنت مستعجل عليه.. لاحق خير




فهد باحترام مغلف بالحزم: يابو علي.. قد لي ست سنين من يوم تخرجت..



والمفروض الحين إني أخذ الدورة المتقدمة.. وماخذتها عشاني ماخذت الأولى



والله العظيم عيب في حقي..




منصور بغضب: تقول لي أنا عيب ياحضرت الملازم..




فهد باحترام متعاظم: فهد طال عمرك.. مهوب من حقي أعرف يعني..




منصور بحزم شديد الصرامة: لا مهوب من حقك.. نفذ أوامر قائدك وأنت ساكت وبس




حينها توجه فهد له بسؤال مباشر فيه رنة وجع واضحة: أبي أعرف من اللي قايل تشطب اسمي من الدورة.. إبي وإلا صالح؟؟




منصور بذات الحزم الصارم: خلصنا القهوة.. قوم نمشي




وقف فهد وهو يهمس بذات حزمه: أنت علمتنا إن الواحد ما يسكت على حقه



ولو رفعت اسمي من القائمة الجاية...بأقدم تظلم رسمي..



وقل للي موصيك تشطب اسمي... ترا الأعمار بيد الله



لو الله بغى أصدم لي في عمارة وتتكسر عظامي في دورة المظليين ماحد براد قضاه



ولو ما دخلتها ممكن أندعم حتى لو أنا على أرجيلي.. مهوب على سيارتي اللي أنت خذتها مني..



كله بيد الله..ومهوب عشان عبدالله الله خذ أمانته.. يخنقوني بذا الطريقة..







****************************







جميلة مستغرقة في نوم هادئ بعد أن اطمأن بالها لوجود أمها وهاهي تتعلق بأطراف أنامل أمها لا تريد إفلاتها حتى وهي نائمة




عفراء تتنهد وهي تمسح على خد ابنتها بحنان بيدها الآخرى ثم تتوجه بحديثها لخليفة الجالس قريبا منها: عسى ما تعبتوا في الرحلة؟؟




خليفة بمودة: شوي يا خالة..




عفراء بمودة رقيقة: روح يأمك نام.. أنا قاعدة عندها..




خليفة بحرج: لا خالتي ما أبي أنام..




عفراء تبتسم : أكيد تبي تنام.. لك يومين ما نمت... والله العظيم إن قد تروح وإلا بازعل عليك..




خليفة وقف وهو يبتسم ويهتف بشفافية صريحة: تدرين خالتي إني قربت أنام على روحي.. تعبان حدي




ابتسمت عفراء وهي ترد بحنان هو طبيعتها التي لا تستطيع تغييرها



حتى وإن كانت حزينة من أجل علي فهي لا تستطيع أن تنفس ضيقها في خليفة ..ليست هذه طبيعتها مطلقا



فهذا الشاب اللطيف المهذب تراه لا ذنب له.. والذنب ذنب ابنتها أولا وأخيرا:



روح يأمك.. ونام قد ما تبي.. بس لا تنسى الصلاة..



ثم أردفت بحزن ما: الله يعينك يأمك على جميلة.. أدري إنك بتتعب معها



جميلة على قد ما أحسنت تربيتها على قد مادلعتها.. غير دلع زايد لها بعد



خربناها بالدلع عشانها يتيمة..



ولأني كنت أحس إني مقصرة معها لأنه الوقت اللي المفروض يكون كله لها كان مقسم بينها وبين عيال خالتها وهي كانت حاسة بكذا



عشان كذا كنت أعوضها بالدلع..




ابتسم خليفة وهو يقف: خلها تدلل تستاهل الدلال



ثم أردف بهدوء متوجس: لا تحاتين خالتي إن شاء الله إنها بتشفى وترد أحسن من أول..







*********************************







الإضاءة عند الباب تشير.. كان يعمل على جهازه الخاص الذي يجرب عليه كل شيء جديد قبل أن ينفذه لزبائنه




يقف ليفتح الباب.. ويشرق وجهه عندما رأها محياها العذب الغالي



أشار لها بترحيب دافئ أن تدخل..




قد لا تكون مطلقا ببراعة في وضحى في فهم كل إشاراته



ولكنها تفهمه دون يشير حتى..



فهي من صنعت معه إشاراته الأولى وانفعالاته الأولى..



هي من كانت تعرف ماذا يريد دون الكلمات التي كان عاجزا عن انتاجها..



هي من علمته إن الإعاقة ليست حاجزا أمامه..



هي من زرعت فيه روح التحدي.. وأن إعاقته ليس عيبا وهو بهذه الإعاقة أفضل من الكثيرين..



لم تسمح له مطلقا أن يتخاذل.. أن يشعر بالنقص يوما



أرادته أن يكون صقرا محلقا لا تحده حدود.. فــكــان !!.. ولم يخيب ظنها فيه يوما!!




"فلماذا بعد أن صنعتي شخصيته.. تريدين ان تحجري على قراراته يا مزنة؟؟"





يقولون أن الأبناء كلهم سواسية.. ولكن في حالات يتقدم أحدهم على الباقيين:



الصغير حتى يكبر..



المريض حتى يشفى..



والغائب حتى يعود..




ولكن مزنة وأبنائها .. كان لكل واحد منهم معزة خاصة قد تجعله هو الأغلى




مهاب.. الاكبر.. فرحتها الأولى.. انجبته صغيرة.. ليكون لها ابنا وأخا.. السند القوي الذي اراح بالها من كثير من الهموم




كاسرة.. تشبهها.. مهرة.. صلبة.. تؤمن أنه مهما حدث لن تنكسر.. تشعر أنها امتدادها التي حققت كل مالم تستطع هي تحقيقه




وضحى لينة رقيقة.. تحتاج دائما للاحتواء.. وهي بنفسها مصدر دائم للاحتواء




وتميم.. وما أدراكم من تميم.. أذاب قلبها ومازال..



كما المرة الأولى.. حين سمعت صفقة قوية للباب لتهتف بغضب: أزعجتم ولدي..




لتلتفت له لتحمله ليقينها أنه ارتعب من شدة الصوت..



لتجده غارقا في نومه.. نظرت له بجزع.. صفقت بخفة قريبا من أذنه.. لم يصحُ



صفقت بقوة أكبر.. فلم يصحُ..



لتصرخ حينها قريبا منه بكل جزعها وقلبها الذي تصاعدت دقاته بهستيرية..



ولــم يـــصـــحُ..





حينها تكاد تقسم أنها شعرت أن قلبها ذاب..ذاب بكل ما تحمله الكلمة من معنى



كما لو كان وُضع في تنور.. ليسيل في طوفان من الذوبان لم يتوقف من حينه



ذوبان من ألم.. ذوبان من حنان.. ذوبان من جَلد وقوة




وحينها سالت دموعها الغزيرة في صمت.. لم تسمح حتى لنفسها أن تقتحم سكونه بعويل كانت روحها تتوق إليه..







كم حملته قريبا من قلبها الذائب.. وهمست بكل وجيعتها: أدري إنك ما تسمعني



بس أكيد حاس فيني..



أنا معك لين الأخير.. وإذا الله قطع من ناحية فهو يوصل من الثانية.. له حكمة سبحانه..



ما نعترض على عطاه.. وصدقني بتكون أحسن من غيرك..





أيقظ مزنة من ذكرياتها لمسته الحانية على كتفها.. وهو يشير: تبين شيء يا قلبي؟؟




حينها ابتسمت مزنة بشجن وهو تلتقط كفه التي وضعها على قلبه وهو يشير لتقبل ظاهر أنامله..



انتفض تميم وهو يتناول كفها ليقبل ظاهرها باحترام ومودة وعمق



ويشير بعتب عميق: تكفين ما تعيدينها..




مزنة أشارت له بحنان: كل ما أشوفك.. مايطري علي إلا وأنت صغير وانا أحب إيديك..



ثم أردفت بهدوء حان: أبي أغراض للبيت... توديني..؟؟




ابتسم وهو يشير لعينيه: من عيوني..



وألتقط مفتاح سيارته



بينما توجهت لارتداء عباءتها..



وحزن ما لا تعلم مصدره.. يتسرب لروحها..







********************************







"يامش بس شوي.. ملعقة وحدة بس"




جميلة بتأفف موجوع: خلاص يمه.. والله بأزوع




عفراء بألم: يمه ما كلتي إلا ملعقتين بس..




حينها أشارت داليا لها بعينيها لتتبعها.. عفراء وضعت الأكل جانبا.. وخرجت خارج الغرفة تتبعها..




داليا خارج الغرفة همست لعفراء بخفوت: كفاية الملعقتين اللي كلتهم.. شوي شوي بيتحسن أكلها وغصبا عنها حتى




عفراء بقلق: أشلون غصبا عنها ذي..




داليا بمهنية: من اليوم بتنعطى علاج جديد يخفف المقاومة وإحساس رفض الأكل عندها..




عفراء بقلق أكبر: وماله أثار جانبية هذا؟؟




داليا بتأكيد: لا لا تخافين.. مرض فقدان الشهية شائع عندهم.. وعلاجه بسيط إن شاء الله



وبس تتحسن نفسيتها أكثر علاجها بيكون أسرع وأسرع إن شاء الله




عفراء بعدم ارتياح: ولما فيه علاج وحبوب.. ليه ماخذتهم في الدوحة؟؟




داليا ببساطة: لأن العلاج هذا غير متوافر عندنا.. لأنه مرض فقدان الشهية مو مرض شائع هناك.. فليش يجيبون علاج ما يمشي..



ثم أردفت بمهنية حذرة: بس لين تتحسن حالتها يمكن تصير عصبية وحادة..




عفراء بألم: عصبية وحادة أكثر من كذا بعد..؟!




داليا بحرج: اسمعيني أم جميلة.. أنا والله خجلانة منك وما اريد اكون قاسية معك.. بس أنا مازلت عند رأيي إنه جميلة من الأفضل تكمل رحلة العلاج من غيرك



لأنه أنتي عاملة حواليها حماية مثل الشرنقة.. وما ترضين حد يشد عليها..خليها هي وزوجها..



وأنا وصيت الطبيب والممرضات عليها.. ولو لاحظوا إنه تعامل الاستاذ خليفة معاها ليس بالتعامل المرضي فورا بيتصلون فيني وأنا بأتصل فيك



فما فيه داعي تقلقين عليها




عفراء تنهدت وهتفت بحزم رغم تمزق روحها من الألم: أنا أصلا مقررة أرجع للدوحة في أقرب وقت







**************************







"ها عمي أجهز لك عشاء؟! خذتنا السوالف ونسيت.. سامحني"




ألتفت منصور لها بمودة : إلا شرايش نطلع نتعشى برا؟؟




مزون نظرت للساعة وهمست بحرج: مهوب متأخر شوي؟ الساعة صارت عشر ونص..




منصور يبتسم: من جدش؟؟.. حتى لو متأخر.. أنتي مع عمش..لو تبين أوقف لش شوارع الدوحة وقفتها



يا الله قومي ألبسي..خليني أدلعش شوي..




حينها قفزت مزون بحماسة: بس أنا اللي أختار المطعم..




منصور بابتسامة: أكيد.. بس يا ويلش لو ماعجبني.. بأخليش أنتي اللي تدفعين الحساب




مزون تصعد الدرج وهي تبتسم: عشر دقايق وأنزل.. والحساب أنت اللي بتدفعه عجبك المطعم وإلا لا..



عيب في حقك عاد.. منصور الجنتل.. معذب قلوب العذارى يطلع زطي..




منصور يضحك: إيه ألعبي علي بكلمتين..




مزون صعدت بالفعل بينما منصور أدار جهاز التلفاز على قناة إخبارية انتظارا لنزولها




يرن هاتف جواره.. هاتف مزون.. لا يعيره اهتماما.. يعاود الرنين.. ينظر للشاشة ليجد رقما طويلا على الشاشة



لا ينتبه جيدا لفتح الخط ولكنه يرفع الهاتف ليجيب..لأنه ظن أنه من أرقام النصب الخارجية التي تزايدت اتصالاتها في الأونة الأخيرة



فور أن نقر زر قبول الاتصال فاجئه صوت أنثوي رقيق يهمس بلهفة: هلا والله يا قلبي




ابتسم منصور: صار لي أكثر من عشر سنين مقحط ما سمعت كلمة حلوة من مرة.. فمن دواعي سروري أكون قلبش..




كل ما خطر ببال منصور حينه إنها أما معاكسة أو خطأ..




رد الطرف الثاني بحرج مغلف بالقلق من هذا المعاكس القليل التهذيب:



راعية التلفون وينها؟؟.. وأنت من ؟؟ وأشلون ترد على تلفونها؟؟ والتلفون أساسا وش جابه عندك؟؟ وانت من أنت؟؟ من أنت؟؟




حينها تصاعد حنق منصور بشكل فجائي: تحقيق هو؟؟ راعية التلفون بتجي بعد شوي.. دقي بعد خمس دقايق




عفراء تصاعد رعبها.. وأفكار مجنونة تعصف ببالها: وأنت من أنت؟؟ من أنت؟؟ وذا التلفون وش جابه عندك؟؟




منصور حينها اتجه تفكيره إنها لابد إحدى صديقات مزون في الخارج.. همس بهدوء: يا بنتي دقي بعد شوي وخلاص..





عفراء بغضب ممزوج بقلقها المتزايد: بنتك في عينك.. خلصني قل لي التلفون ذا أشلون وصلك قدام أسود عيشتك..




منصور حينها وقف على قدميه لشدة احتكام غضبه وهو يعتصر الهاتف في يده حتى كاد يحطمه:



صدق هلش ما ربوش.. راعية ذا التلفون تنسينها ..ويا ويلش تكلمينها مرة ثانية



ولو كلمتيها أنا اللي بأسود عيشتش




عفراء تغلق الهاتف في وجهه... وتسارع لتتصل على رقم البيت لتتفاجأ أنه نفس الصوت الرجولي الغريب هو من يجيبها



حينها كادت عفراء تبكي من شدة قلقها: أبي أكلم راعي البيت.. زايد وينه




حينها استغرب منصور انحدار صوتها من الحدة للقلق: زايد سافر لجنيف.. شيء ثاني وإلا سكري




عفراء حينها لم تحتمل .. انخرطت بكاء هستيري وعقلها يصور لها صور مرعبة لما فعله هذا الرجل بابنتها أو معها..



كيف يسافر زايد ويتركها في البيت وحيدة.. كيف؟؟



لم يخطر منصور في بالها إطلاقا.. وكأنه غير موجود




منصور فُجع من البكاء الهستيري وشهقاتها المتقطعة: وش سويت فيها؟؟ وش سويت فيها؟؟




منصور باستغراب: مستحيل أنتي صاحية.. أكيد خبلة.. أنا عمها.. وش بأسوي فيها يعني؟؟




حينها قُطع الاتصال فجأة.. ووقتها كانت مزون تنزل: من هذي اللي أنت سبيتها على تلفوني




منصور ببساطة: وحدة من ر فيقاتش تتصل من برا..



خبلة... ماعلى لسانها إلا وش سويت فيها.. وش سويت فيها




حينها قفزت مزون بلهفة وهي تلتقط هاتفها: يا لبي قلبها.. أكيد خالتي عفراء.. من الصبح انتظر تلفونها




تأخر منصور وهو يشعر بشيء ما يشبه الحرج .. بينما أعادت مزون الاتصال بذات الرقم..



لتتحادث قليلا مع عفراء التي كانت تحادث مزون وهي تشعر أن دماغها يغلي من الحرج




كانت مزون مازالت تتحدث لتتفاجئ أن عمها انتزع الهاتف منها ليهتف فيه بحزم:



السموحة يا بنت محمد.. ما عرفتش




عفراء شهقت وصوت منصور الفخم يقتحم حوارها مع ابنتها.. همست بحرج:



ماصار إلا خير.. والسموحة منك يأبو علي




منصور بثقته المعتادة: أشلون جميلة بشرينا منها..؟؟





عفراء بذات النبرة المغرقة في الحرج: طيبة طاب حالك



ثم أردفت لتنهي الاتصال: بنتي تدعيني.. سلم على مزون




منصور بثبات: الله يسلمش




حينها هتفت مزون: أنت وش سويت في خالتي؟؟ شكلها زعلانة ومنحرجة




منصور يضحك: خالتش خبلة.. وش أسوي فيها.. شكلها عايشة في فيلم هندي على الأفكار اللي في رأسها



ثم أردف باستعجال: يا الله يالله أخرتنا خالتش الخبلة على العشا







***********************************







عبدالرحمن ومُهاب يتناولان عشائهما في مطعم بلهمبار على الكورنيش مباشرة



مهاب بمودة: أشوفك ما كلت..




عبدالرحمن بذات المودة: أكل بلهمبار ما يعجبني ذاك الزود.. بس قعدتهم خيال




مهاب بمرح: وحن جايين هنا عشان القعدة الخيال؟؟



الحين أنا خليت عشا أم امهاب اللي يسوي مطاعم الدوحة كلها وجاي معك.. وعقبه الأكل ما عجبك وجايبنا عشان القعدة بس




عبدالرحمن بذات المرح: وهذا أنا خليت طبخ أم عبدالرحمن.. ماحد أفلس من حد.. كلنا تفلسنا عشا العجايز..




مهاب بمرح: العجوز مرتك.. مهيب أمي طال عمرك..




حينها التقط عبدالرحمن العبارة: وعجوزي متى بتزوجني إياها؟؟




مهاب شعر بحرج أخفاه خلف هدوءه وهو يقضم قطعة من الخبز: ما بعد خذت رأيها.. عطيتها وقت تفكر




عبدالرحمن بهدوء: امهاب ترا بيننا صحبة من يوم انولدنا يمكن.. يعني ما أعرفك من يوم وإلا يومين..



ثم أردف بشكل مباشر وصريح وقاطع: وضحى رفضتني؟؟




انتفض مهاب بعنف: والله العظيم إني ماخذت رأيها للحين




عبدالرحمن بذات الثقة الهادئة: دامك حلفت بصدقك..



لكني أحذرك يا امهاب إنك تحاول تفرض عليها شيء هي ما تبيه



عاد كله ولا العرس يأخيك.. ما ينجبر قلب على قلب



وأنت عارف إنه ذي مهيب أول مرة أخطب وضحى.. بس أمك تيك المرة مارضت وقالت إنها صغيرة



وذا المرة أنا أقول لك لو مهما صار لا تجبرها على شيء.. ولاتظن إنه اللي بيننا بيغيره شيء



صحيح إني ما أبي إلا القرب منك.. بس الواحد ما يأخذ إلا نصيبه..



ويمكن نصيبي مهوب عندكم




مهاب بمودة عميقة: أكيد مستحيل أجبرها على شيء.. وبعدين وين تلاقي مثلك يا حظها وحظ أخيها فيك يا النسيب



ثم أردف بنبرة ذات مغزى: وعلى طاري النسيب..



صار لي فترة أبي أكلمك في موضوع.. ووقته جا




أمنيتي يابو فاضل إنك تصير نسيب نسيب..؟؟؟




عبدالرحمن يعقد حاجبيه مستفسرا..



ليجيبه مهاب بتساؤل واثق:



تزوجوني لو خطبت عندكم؟؟؟



أبي أختك.. تقربوني؟؟

همس المشاعر
09-24-2011, 01:53 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الثاني عشر




قبل عدة أيام من الأحداث الأخيرة




"إذا انت تبي قربي.. أظني عندي أخت غير كاسرة وأحسن منها"


عبدالرحمن بدهشة: وضحى؟؟


مهاب بهدوء: إيه وضحى..


حينها ابتسم عبدالرحمن: أنت عارف إنه أمنيتي إنك تصير خال عيالي
و إنت داري اني خطبت وضحى قبل كم سنة وقبل ما أخطب كاسرة حتى
لأني بصراحة كنت شايف إنه طبابع وضحى أنسب لشخصيتي


مهاب يبتسم ويكمل: وأنا شجعتك.. وقلت نعم من اخترت


عبدالرحمن أكمل الحديث بابتسامة مشابهة: وانا كلمت خالتي أم امهاب دايركت..
وخطبت منها وضحى عشان أشوف رأيها قبل أقول لأمي وأبي يخطبون رسمي
بس هي ما رضت وقالت لي صغيرة
فقلت يمكن خالتي أم امهاب شايفتني كبير على وضحى
عشان كذا ما رجعت فتحت موضوعها والخطبة كلها لكاسرة
لأني كنت مصر إنك تصير أنت خال عيالي إن شاء الله


مهاب بهدوء حازم: أمي مارضت لأنها كانت تبي وضحى تخلص جامعتها أول.. وخلاص وضحى الحين على وشك تخرج
ولا تظن إني أرخص أختي يوم أسوي كذا.. وضحى جنة ربي.. وياحظ اللي بيضويها
وأنا ما أبيها تروح عليك.. وأنت عارف إني نصحتك أكثر من مرة إن كاسرة ما تنفعك


عبدالرحمن بابتسامة: يالله يدي على كتفك.. ودي تزوجني اليوم قبل بكرة




دائما كان مهاب هو الهدف
استثنائية وعميقة ومتجذرة الصداقة التي جمعت بينهما
أراد أن يتقرب من مهاب أكثر وأكثر.. صديقا وخالا لأولاده
لذا حاول أن يتقرب بداية من مدللة مهاب المفضلة
ولكن لم تتيسر له الخطبة.. فقرر تحويلها لكاسرة
هكذا ببساطة!!.. رغم تعارض هذه الأفكار مع شخصية عبدالرحمن العميقة المنطقية
ولكن من أجل مهاب تتأجل كل قوانين المنطق!!


ورغم كثرة ما نهاه مهاب عن خطبة كاسرة
كان هو يصر.. أصبح يؤمن أن هذه الكاسرة الحسناء بها اعوجاج ما
وربما كان هو بصبره وهدوءه من يستطيع إصلاح هذا الاعوجاج
أو حتى ستره وتغطيته والصبر عليه
حتى لا يعاني مهاب الذي يقوم بدور والد لهم مع زوج قد يهينها أو يرجعها لهم مطلقة
من أجل مهاب كان مستعدا للمضي حتى آخر الدرب
واختيار الطريق الأصعب!!


ولكن بما أن الطريق السهل هاهو يتيسر له
الشابة الصغيرة الرقيقة التي كانت هي المقصودة بالخطبة منذ البداية
الأقرب من قلب مهاب
فلماذا يضيع الفرصة؟؟ وليكن اعوجاج كاسرة على نفسها؟؟



"ولكن هل يا ترى فكر مهاب مثله وهو يقرر أن يناسبه؟
أو كان برأسه موال آخر؟! "





************************************






عفراء مع كساب في الفندق.. بعد أن رفضوا السماح لها بالمبيت عند جميلة
تركتها وهي تشعر أن شيئا في روحها ينحر وهي تلمح دمعة في عين جميلة تحاول إخفائها


كانت هي وكساب في غرفتين متجاورتين.. وهاهو كسّاب عندها الآن في غرفتها..
يقف في الشرفة وينظر منها لبحيرة أنسي الرائعة.. انعكاسات الأضواء على صفحات الماء المصقولة
منظر بديع عقله عنه مشغول بأفكار وهموم بات حتى لا يعرف لها سببا


عفراء تقف عند باب الشرفة من الداخل وتهمس بحنان: وش فيك يأمك.. من صبح من يوم طلعت من المستشفى.. ولين جيت وخذتني
وأنا حاسة إنه خاطرك مهوب زين.. وش فيك جعلني فداك


يبتسم كسّاب ويهمس بشفافية: إلا أنا اللي جعلني فداش.. لو تأمرين على عيني ما تغلى عليش..


عفراء بمودة رقيقة: جعل عمرك طويل في الطاعة.. ما نشدتك ابي عينك جعلها سالمة
نشدتك وش اللي في خاطرك؟؟


تنهد كساب ثم هتف بحزم وهو يدخل في الموضوع الذي يكدر خاطره:
خالتي سامحيني على اللي صار اليوم في المستشفى..
كلامي واللي سويته اليوم والله العظيم ماله معنى ولا داعي
ثم أردف بوجع مختبئ خلف حزم صوته : مقهور يا خالتي.. وفضيت قهري بأرخص طريقة


ثم أردف بمصارحة مؤلمة: تدرين خالتي حسيت إني رخيص على اللي سويته.. وعلى الأفكار اللي في رأسي


عفراء عدلت شيلتها على رأسها وهي تدنينها من أطراف وجهها.. وتقترب منه.. ثم تضع يدها على يده الساكنة على حاجز الشرفة
وتهمس بحنان: الرخيص غيرك يامك.. تكرم يا أبو زايد


كساب يجلس ويشد خالته لتجلس على مقاعد القش في الشرفة حتى لا يلمح أحدا من العابرين القلة شبح خالته..
ويكمل حديثه بذات النبرة الحازمة الشفافة:
لا تهونين اللي سويته في عيني.. لأنه مهوب هين على نفسي
تدرين خالتي يوم شفت خليفة وعقبه جميلة.. كني أشوف دم علي بين إيديهم..
والله العظيم ما استحملت ما استحملت.. شوي أتمسخر.. وشوي أسوي نفسي ماني بمهتم..
وعقب ما استحملت طلعت الانتظار وعقبه طلعت من كل المستشفى
عني يا خالتي عارفة ما يهمني شيء... بس علي غير.. والله غير
مستحيل يجرح حد أو ياذي حد بكلمة.. حسيت إني اليوم أبي أنتقم له من اللي جرحوه..
بس مِن مَن؟؟ مِن مَن؟؟ واحد ماقدر يرد عليّ.. ووحدة مريضة
شفتي أشلون أنا رخيص..؟؟


عفراء تشد على يده وتهمس بحنان متفهم شفاف: يامك أنا أفهمك بدون ما تحكي..لا تضايق روحك.. خلاص السالفة عدت
وجميلة أصلا نست عقبها..


كساب يسند ظهره للكرسي وعيناه تبحران للبعيد: بس أنا ما نسيت.. ما نسيت.. موجوع من روحي
وماني براضي على نفسي وماني بمرتاح.. مهوب بس من اليوم.. من سنين..من سنين ياخالتي


عفراء بعمق: أرض ربك ياولدي ويستاسع خاطرك


كساب بعمق مشابه :والله ياخالتي إني مصلي وما أفوت الفرض..ولا بعد عصيت ربي في شيء.. وأنتي عارفة


عفراء بعمق أكبر: وأبيك أرضيته عليك؟؟.. رضا الوالدين يا ولدي جنة الله في الدنيا..


كساب تنهد: خالتي أنتي أكثر من يدري.. صحيح أنا وأبي بيننا خلافات
بس عمري ما عصيته ولا ثنيت له كلمة..
وأكبر دليل عندش مزون... يعني هو كان صعب علي أسحبها من شعرها من الكلية ومن أول يوم..وإلا أكسر رجلها ولا أخليها تطلع من البيت
لكن بلعت غصتي عشانه.. لأنه قال لي إنه زعله علي دنيا وآخره لو أنا قربت منها وإلا سويت لها شيء أو حتى مديت عليها أصبع..
قهرني وربط يدي..طعته وطاعته فوق رأسي
لكن الشيء اللي في الخاطر كايد ياخالتي.. كايد..


حينها همست عفراء بشبح ابتسامة: زين وسالفة العرس؟؟ نشفت ريقه فيها..


ابتسم كسّاب وهو يحاول الانسحاب من ضيقه: لا خالتي عاد لا تضربين تحت الحزام..
أنتي تدرين في سالفة العرس أبي ما أمرني.. لكن طلب مني
وأنا مالي خاطر في العرس..


عفراء برجاء: زين ليش يأمك.. شيدريك يمكن لا خذت لك بنية حلال تريح بالك وترادك الصوت يرتاح بالك وخاطرك
بعض النسوان وجهها خير على رجّالها..


ابتسم كساب وهتف بسخرية لطيفة: عندش يعني حد معين ترشحينه؟؟


ضحكت عفراء: يا النصاب.. ما بقى حد من بنات جماعتنا ما قلت لك عنها... وانت إلا رافض الفكرة من أساسها


حينها صمت كساب كأنه يفكر ثم همس بنبرة جدية مصطنعة: أبي وحدة مزيونة ولا تهش ولا تنش.. يعني أقول لها وقفي جنب الطوفة
أروح وارجع بعد 10 ساعات ألاقيها واقفة جنبها


عفراء توسعت عيناها دهشة: من جدك؟؟


ضحك كسّاب: خلينا من ذا السالفة يالغالية.. والله العظيم مالي في العرس ولا أفكر فيه ..الحين بس قولي لي كم يوم تبين تقعدين هنا؟؟


عفراء انقلب مزاجها بشكل جذري وهي تتذكر مشكلتها الكبرى وهمست بحزم أخفت خلفه تردد روحها وجزعها :
ما أبي أقعد خلنا بكرة نروح لعلي.. ونحجز مناك ونرجع للدوحة


كسّاب بدهشة: بذا السرعة.. لحقتي تطمنين على جميلة؟؟


عفراء بالم: خلاص تطمنت عليها.. ورجالها أجودي.. ما أبي أتاخر على مزون وعلى شغلي.. امتحانات البنات قربت


عفراء شعرت بضرورة أن تعود بسرعة.. لأنها كلما طال بقاءها ستشعر بصعوبة ترك جميلة.. وحتى لا تحيي في قلب جميلة الأمل أنها ستبقى معها
فهي تريدها ان تتقبل واقع مرضها ومجابهتها له ووجودها مع خليفة وحيدة حتى تعتاد عليه
فهي لابد أن تتحمل نتيجة قراراتها لتكون أكثر قوة..
فربما كانت هذه التجربة في الحياة هي ما ستصلح أخطاء عفراء في تربيتها لها.. ودلالها الزائد لها..





*******************************





"بنات ممكن أدخل"


طرقاته الهادئة على الباب المفتوح.. لتقفز كل من جوزاء وشعاع وهما تهتفان بمودة واحترام لا متناهيان: تعال فديتك


عبدالرحمن يدخل بخطواته الهادئة لغرفة شعاع .. الاثنتان تسارعان لتقبيل رأسه


مودة لا حدود لها تغمر قلبيهما تجاهه
فعبدالرحمن طوال عمره ومنذ طفولته كان نموذجا متدفقا لحنان مصفى..
لطالما وقف في وجه قسوة والدهما تجاههما.. ليجد والده نفسه مجبرا أن يخفف كثيرا من قسوته من أجله هو.. من أجل عبدالرحمن


كان يبالغ في تدليل شقيقاته.. وتنفيذ رغباتهم.. وكأنه بذلك يعوضهم عما يكون والده فعله بهم وهو لم يراه


وهاهو يمارس وبكل جدارة دور الوالد لحسن الصغير لولا تحسس جوزاء أن يتعلق فيه بينما هو سياتي يوم يتزوج فيه ويكون له أطفاله
ليصبح حينها نصف والد أو حتى ربع والد لحسن مع إنشغاله بأطفاله



حسن حينما رأه قفز ناحيته.. عبدالرحمن غمر وجهه بقبلاته الحانية ثم خلع غترته وحمله على كتفه..
جوزاء بمودة حقيقية: نزله لا يثقل عليك


عبدالرحمن يحكم إمساكه له وهو يبتسم: من جدش؟؟ أنتي متاكدة إنش تأكلين ذا الولد.. مافيه لحم مثل الناس


حينها ضحكت شعاع: تاكله؟!! باقي تفقعه من كثر ما تزغطه


جوزاء هتفت بجزع باسم: ول عليش.. قولي ماشاء الله


شعاع تضحك: ماشاء الله تبارك الله..


ضحكات حسن الصغير تتعالى وعبدالرحمن يدور به.. ويهتف له بحماسة: خلاص إلا بعد؟؟


حسن الصغير يضحك: بعد.. بعد


وجوزاء بجزع حنون: عبدالرحمن فديتك بس..بس.. بس تكفى... دار مخه..


عبدالرحمن أنزله بحنان وهو يهمس بابتسامة مرحة حنونة: أمك تقول خلاص.. مخك دار


حسن بضجر: والله ما دار.. ما دار.. شوفه شوفه.. مادار..


عبدالرحمن خلع نظارته (لعبة حسن المفضلة) وهتف بحنان: هاك أخذ نظارتي وروح مع شعاع عند جدة


شعاع شعرت فورا أن هناك ما يريد عبدالرحمن محادثة جوزاء فيه
لذا تناولت كف حسن الصغير السعيد بالنظارة وهمست له بحنان: يالله حسوني بنروح لجدة شوي وبعدين ننام الوقت تأخر واجد


جوزاء شعرت بالتوتر (أكيد صالح مرة ثانية!!)


عبدالرحمن جلس على السرير وأشار للمكان جواره وهتف بمودة: تعالي جوزا اقعدي


اقتربت جوزاء بتردد وجلست.. ثم همست بقلق: ما أحب ذا البرزات
(البرزة الحديث الخاص المنفرد ودائما لموضوع جدي)


ابتسم عبدالرحمن: ومن قال لش برزة؟!


جوزاء بخجل متوتر: لو أنها مهيب برزة ما كان طلعت شعاع..
صالح مرة ثانية.. صح؟؟


عبدالرحمن ببساطة: لا .. امهاب..


حينها قفزت جوزاء بجزع كاسح وهي تشهق شهقات متلاحقة: من ؟؟ من؟؟ امهاب؟؟


عبدالرحمن بهدوء: إيه امهاب... وش تردين في الرجال؟؟


الكلمات ذابت على شفتي جوزاء: لأني ما أرد فيه شيء مستغربة..
ثم أردفت بخجل عميق: عبدالرحمن أكيد أنت غلطان.. أكيد إنه خطب شعاع وأنت ظنيتها أنا


ضحك عبدالرحمن: المواضيع هذي فيها غلط... امهاب يبيش أنتي..


تزايدت دقات قلب جوزاء هلعا.. وأنفاسها تضيق حتى أنطبقت أضلاعها على رئتيها:
أكيد أنت غلطان عبدالرحمن..واحد مثل امهاب وش يحده يأخذ أرملة عندها ولد؟؟


عبدالرحمن بحنان وهو يربت على رأسها كوالد يهدهد صغيرته: وأرملة وعندها ولد مالها حق يكون لها فرصة ثانية في الحياة؟!!..


جوزاء بذات الجزع: فرصة ثانية لوحدة مثلي.. معناتها واحد مطلق أو أرمل.. مهوب واحد مثل امهاب.. كامل والكامل وجه الله..


عبدالرحمن يقف وهو يضع يده على كتف جوزاء بحنو: اخذي وقتش وفكري
وترا امهاب ملزم عليش فوق ما تتصورين
لا تفكرين تفكير عاطفي غبي وتضيعينه من يدش.. فكري في نفسش وفي ولدش..
وحطي مميزات امهاب قدامش وتخيلي أي زوج بيكون لش وأي أب بيكون لولدش


جوزاء بذات الجزع الذي لم يفارقها: لا لا ما أبي.. جد ولدي وعمانه بياخذونه مني..


عبدالرحمن بحنان صاف: لا تحاتين ذا السالفة.. أبو صالح وعياله عرب أجواد وفيهم خير
وما ظنتي أبد يحرقون قلبش على ولدش عشانش تبين تتزوجين
فكري زين وردي علي..



عبدالرحمن غادر لتنهار جوزاء جالسة على سريرها وهي عاجزة عن الاستيعاب
هي ومهاب
هي ومهاب
هي ومهاب
بركان من الأفكار يتفجر في داخلها.. وأعاصير من الفوضى تجتاح كل خلاياها


لا تنكر أنها كانت تتمنى أن يتحرك مهاب ليخطب أختها شعاع.. ولكن أن تكون الخطبة لها.. لها هي؟!
أ يعقل؟!!
أ يعــــقــــل؟!
أ يـــــــــعـــــقـــــل؟!!





******************************





كانت تتمدد على سريرها ودموعها تسيل بصمت
حينما كانت في الدوحة كانت والدتها تبيت معها في المستشفى
فلماذا رفضوا تركها تبيت عندها الليلة...أول ليلة تقضيها في مكان غريب
الرعب في قلبها يتصاعد ويتصاعد.. وما كان ينقصها هو صوت فتح الباب وصوت الخطوات التي تتسحب ليكتمل رعبها
لكنها نهرت نفسها وهي تسمي بسمي الله وتحاول فتح عينيها (لابد إنها إحدى الممرضات)


فوجئت بخليفة يقف جوارها ويراقب مستوى الجلوكوز المعلق
انتفضت بجزع: وش تسوي؟؟


همس ببساطة: دريت إنهم ما خلوا خالتي تبات هني.. فقلت أكيد إنتي خايفة من القعدة بروحج فييت..


جميلة بعناد: وليش أخاف.. شايفني بيبي..؟!!


ابتسم خليفة: وانتي كل شيء عندج إني شايفج بيبي.. من قال؟!


جميلة بذات العناد: تصرفاتك... وبعدين أشلون يطردون أمي.. ويخلونك تجي أنت..


خليفة بذات البساطة: أنا ماخذت أذن من حد.. ييت من نفسي..


جميلة بذات نبرة العناد: ما قصرت.. روح نام ما أبي حد عندي


خليفة بهدوء وهو يقرب المقعد ويجلس: أنا شبعان نوم أصلا.. من يوم يات خالتي عفراء.. رحت ونمت..
والحين باقعد عندج


جميلة يعاودها إحساس التوتر والخجل: ما أبيك تقعد عندي.. لو سمحت


خليفة يتجاهل ما قالت ويهمس بهدوء أعمق: كلميني عنج جميلة.. شنو تدرسين في الجامعة؟؟ شتحبين؟؟ شنو تكرهين؟؟


جميلة بتوتر: وليش مهتم تعرف؟؟


خليفة بابتسامة مستغربة: وليش ما أعرف.. موب مرتي..


جميلة بتوتر مغلف بالجمود: هذا لو إحنا أزواج عاديين.. بس أنا وحدة بأموت قريب.. وش يهمك وقتها...


خليفة بغضب: قلنا هالحكي ما نبي نسمعه..
ثم حاول تناسي غضبه وهو يردف بابتسامة: زين أنا أكلمج عن نفسي..


لا يعرف خليفة ما الذي يهدف له من محاولته.. ولكنه يشعر بملل ووحدة وغربة لا حدود لها.. مشتاق لوالده ولأشقائه وأصدقائه
ليس لديه في هذا البلد أحد سواها!!



جميلة لم يكن لديها رغبة لسماعه.. فهي لم تكن تريد الليلة سوى حضن والدتها
ولكن بما أنهما متورطان معا الليلة.. فلتسمع منه
فربما يخبرها عن والدها حكايات هي لا تعرفها.. فلا يهمها من هذا الخليفة
سوى كونه خليفة!!


همست جميلة بهدوء عذب: خلاص قول اللي تبيه..


خليفة يقف وهو يهتف بمرح حنون: بس أول نشرب لنا عصير..


جميلة بجزع: ما أبي..


خليفة يتجاهل رفضها ليقف ويفتح الثلاجة ويتناول العصير ليسكب منه في كأسين
رغم أنه هو شخصيا لا يشعر برغبة لتناول لشيء.. فنفسه مسدودة تماما.. ولكنه يحاول اختراع أي سبب ليجعلها تأكل أو تشرب


أحضر الكأسين.. وضعها على الطاولة المجاورة لسريرها.. ثم رفع سريرها أكثر لتكون في وضع الجلوس..


جميلة بخجل جازع: بشرب بروحي..


خليفة وهو ينظر لأناملها اليابسة كان متيقنا أنها يستحيل أن تستطيع حمل شيء بعيدان الأسنان هذه.. همس بهدوء: بدون عناد خلي المهمة هذي لي


خليفة قرب الكأس من شفتيها.. وجميلة خجلها وتوترها في تزايد..
لكنها شربت جرعتين حتى تتلافى إلحاحه وبالكاد عبرت الجرعتين بلعومها خجلا من يده القريبة منها
ثم همست برجاء: بس خلاص


خليفة وضع الكأس جانبا ولم يشرب شيئا من كأسه.. وهمس بهدوء: هاتكلميني عن نفسج؟؟


جميلة بخجل: لا أنت اول..


خليفة ابتسم وهو يريد أن يجذبها للحوار: إسأليني..


جميلة ليس في بالها سؤال معين .. لكنها حاولت أن تجد: إيه كم عمرك؟؟ تدري إني ما أعرف..


ضحك خليفة: عمري 27..


حينها همست جميلة كأنها تكلم نفسها: أكبر من علي بسنة وأصغر من كساب بسنتين..


شعر خليفة بضيق حقيقي وهي في أول حوار ودي بينهما تعقد المقارنة بينه وبين ابني خالتها.. ولكنه تنهد وهو يهمس لنفسه ليجد لها عذرا
(مريضة وعمرها ما عرفت حد غير عيال خالتها)
همس خليفة بهدوء ظاهري: وليش ما تقولين أكبر منج بثمان سنين
تدرين أحس إني عود وايد عليج..


صمتت جميلة بخجل..بينما بحث خليفة عن شيء آخر يقوله: أممممممممم وأنا مدرس كيمياء أدرس ثاني ثانوي تحديدا


حينها ابتسمت جميلة: أمي بعد مدرسة.. بس أمي تدرس علوم حق بنات إعدادي


خليفة ابتسم (زين ذا المرة قارنتي بامها موب حد ثاني)
ثم أردفت جميلة بخجل: والحين أنت خليت طلابك على آخر السنة..


ابتسم خليفة: ارتحنا منهم.. وجدولي ربعي قسموه بينهم..


حينها ابتسمت جميلة : بس غريبة شغلتك.. أعرف الشباب القطريين كلهم يهربون من سلك التدريس..
وخصوصا إنك تخصص كيمياء كان لقيت لك شغلة غير..
خليفة بهدوء باسم: تقدرين تقولين إني شخصيتي غير.. من صغري ودي أكون مدرس


حينها همست جميلة بألم: وانا كنت أتمنى أكون مدرسة مثل أمي..


خليفة بحزم حنون: وليش كنت.. بتردين وتكملين جامعتج وتصيرين اللي تبينه


حينها أشاحت جميلة بوجهها.. لتسيل دموع تحاول إخفائها: أحاتي أمي بس..
أنا وامي متعلقين في بعض كثير.. كنت أتمنى لو أقدر أجنب أمي الحزن


خليفة بحزم: لو تبين تينبينها الحزن ماكان سويتي في نفسج جذيه..


جميلة بألم مستسلم: هذي حكمت رب العالمين.. وماحد يعترض على حكمه سبحانه..


خليفة بغضب: الله سبحانه ما قال لج تحرمين نفسج من الأكل


جميلة انتقلت من نبرة الاستسلام لنبرة غضب مشابه لغضبه وبشكل مفاجئ: خلاص روح يا الله.. ما أبيك تقعد عندي


خليفة يرتخي على المقعد ويريح جسده ويهمس بهدوء متجاهلا ماقالته: ماراح أروح مكان.. قاعد هني عندج للصبح





*********************************





كان يصلي الفجر حين سمع جرس الباب..
عاود سماع الرنين بعد دقيقة أخرى وهو على وشك الانتهاء
حينما سلم من صلاته.. توجه للباب وهو يشعر باستغراب عميق لمن يطرق الباب في هذا الوقت


فتحه..


شهق..
أي مفاجأة هذه؟!! أي مفاجأة؟؟
كان يقف مستندا للحائط عاقدا ذراعيه أمام صدره وبجواره حقيبة صغيرة


ذات الابتسامة ارتسمت على الشفتين.. ذاتها..
ابتسامة شفافة حنونة.. بها عتب واشتياق


" أ هذا أنت يا أبي؟؟
أ حقا أنت هنا أمامي؟!!
لماذا جئت؟؟ بل أهلا بك..
كم تسعدني رؤيتكِ.. بل يكاد جنبيّ أن يتمزقا لفرط انتشار السعادة في جوانحي
اشتقت لكِ يا أبي
تماما مثل ما أنا مجروح منك..
ولكن شوقي أكبر من الجرح
لأنك عندي أكبر من كل شيء
أكبر من كل شيء!! "


علي سارع ليقبل رأسه وكتفه ثم ألتقط كفه ليقبلها ولكن زايد سحبها قبل أن يفعل وعلى يهتف بحماس دافئ:
هلا والله إني صادق.. نورت جنيف بكبرها


قالها وهو يحمل حقيبة والده للداخل ويكمل بشفافية: كنت متوقع يأنت ياكساب أشوفكم خلال ذا اليومين..
ثم أردف بعتب: ليش ما قلت لي استقبلك في المطار؟؟


زايد وهو يدخل ويغلق الباب خلفه ويهتف بمودة عميقة: ما أبي أتعبك.. وبعدين جنيف أنا حافظها.. كل السالفة تكسي من المطار


علي بمودة عميقة وهو يعاود تقبيل رأس والده: والله إنها أحلى مفاجأة.. كنك داري وش اللي في خاطري
رحت من الدوحة وأنا ما شبعت من شوفتك..


زايد لم يرد أن يعاتبه لهروبه من الدوحة بهذه الطريقة.. فما مضى مضى
المهم أنه أمامه.. بخير ووجهه مشرق بابتسامته الغالية
ففي روحه من العتب والإحساس بالذنب الكثير الكثير
وإن كان إحساس العتب بدأ بالإضمحلال فإن الإحساس بالذنب آخذ بالتزايد..
لأنه يعلم أن إبتسامة علي هذه تخفي الكثير من الألم الطازج والجروح الطرية المفتوحة


"ولكن الأيام ياولدي كفيلة أن تشفي الجروح والألام"


"وهل شفت الأيام جروحك يازايد؟ "


"هو ليس مثلي.. ليس مثلي
ولا أعتقد أن هناك من هو مثلي
دعني الآن أشبع ناظري من محياه الحبيب
وما عدا ذلك لا يهم.. لا يهم !!"






********************************





صباح الدوحة


كعادتها أمام قهوتها.. لوحة دائمة.. وطقوس مثقلة بالشجن والذكريات
ماذا بقي لها غير الجلوس أمام قهوتها والانتظار الذي طال كثيرا.. كثيرا



"صبحش الله بالخير يام صالح"


انتفضت أم صالح وهي تهمس باحترام ودود : الله يصبحك بالنور والسرور..


جلس مجاورا لها بألقه الغامض الصامد.. حين تراه للمرة الأولى تعلم فورا أن هذا الشيخ الجليل يخفي أكثر مما يظهر بكثير
هتف بمودة: تقهويني يا شيبتش؟؟


ابتسمت بمودة وهي تسكب له فنجانا: أقهوي مندوبك


تناول منها الفنجان وهو يهتف بهدوء لا يخلو من رنة غضب: الشيخة متى بتأتي؟؟


حينها همست بحنين: خلاص قد هي على وصول.. ثم أردفت بعتب: وأشفيك تقول الشيخة شكله مهوب عاجبك...


أبو صالح بضيق: إيه مهوب عاجبني.. قد لها أسبوع مخلصة.. ليه ماجات لذا الحين


أم صالح بهدوء: نايف توه مخلص امتحاناته أمس.. أشلون تأتي


أبو صالح بضيق: يعني أخيش السبة.. لو أني داري كان أرسلت لها فهد وإلا هزاع يجيبونها..


أم صالح تبتسم: ذا كله شحنة لبنتك... وبعدين وش فرقت أسبوع تنتظر خالها لين يخلص بدل ما تعنّي واحد من أخوانها..


أبو صالح بذات الضيق: مابه عنوة.. وش وراهم.. فهد يقدر يأخذ إجازة يومين
وهزيع تو امتحاناته مابدت.. هذا لو فلح..
كان ذا الحين قد لها أسبوع عندنا وإلا عطال أخيش لها..


أم صالح بعتب: الحين أخي اللي حاطها في عيونه هو اللي معطلها..
شكلك ماعاد فيك صبر من الشحنة.. خلاص هانت ماعاد عليها إلا فصل واحد


أبو صالح بشفافية: إيه والله مشتحن لها.. بنيتنا اللي ماعندنا غيرها..
لولا إن عبدالله الله يرحمه كل مخي عشان أخليها تروح مع خالها
وإلا والله ما أخليها تشبر برا الدوحة


أم صالح بحنين موجوع: جعلها برايد عليه ما كان أحبه لأخته.. ماكان يخلي في خاطرها شيء
جعل مثواه الجنة الباردة..


حينها همس أبو صالح بخفوت غامض: ادعي له.. محتاج الدعوات..


حينها هتفت أم صالح ببعض غضب: وش قصدك في ذا الحكي....
كلن محتاج للدعوات.. وولدي إن شاء الله من هل الخير... واصل ومصلي..
مهوب كفاية وجيعتي منك.. يوم ما خليته يدفن عندي في الدوحة..


أبو صالح بذات الغموض: الديار كلها بلاد ربي.. وشو له العنوة حد يروح يجيبه..


أم صالح بحزن عميق: وش عنوته؟؟ صالح كان بيموت يبي يجيبه بس أنت اللي حلفت..
لا وزود على كذا حتى حسن ما رضيت نسميه عبدالله... ولزمت ما يسمى إلا حسن.. حتى اسمه استكثرت يقعد عقبه..


أبو صالح يضع فنجانه ويقف وهو يهمس بنبرة حزن موجوعة:
وإن سمينا حسن عبدالله.. بيرد عبدالله
عبدالله راح خلاص يأم صالح.. مهوب راده نسمي ولده عليه..





********************************





"ياحلوك يا عمي بلبس العسكرية.. كيوت"


يبتسم منصور الذي كان يرتشف قهوته الصباحية وهو ينظر لمزون التي تنزل بعباءتها مستعدة للذهاب:
أما كيوت ياعمش ذي مابعد مرت علي.. مهيب من مصطلحات العسكرية
دوري لنا مصطلح مثل شرس.. ذيب.. شيء كذا


انحنت عليه لتقبل خده.. وهمست باحترام: زين ذيب.. شرس ما أبيها


جلست جواره وهي تسكب لنفسها كوبا من الكرك بينما منصور يسألها: وين بتروحين؟؟


مزون صمتت بتوتر.. فهي تعرف إن عمها من أكبر المعارضين لدراستها ثم لعملها
وإن كان يتعامل الآن مع المسألة بهدوء فهي تعلم أنه كاد يرتكب جريمة في والدها قبل 4 سنوات حين وافق لها أن تدرس


منصور بنبرة أعلى: أقول مزون وين تبين تروحين.. أنا اللي بأوديش


مزون ابتلعت ريقها: المطار.. عندي أول رحلة اليوم.. رحلة قصيرة.. أبوظبي وراجعين على طول.. والطاقم كله حريم حتى الكابتن...


زفر منصور وأصابع يديه تتصلب.. ثم همس بحزم: قومي أوديش.. وأنا اللي بأرجعش.. بس يا ليت إنه لعبة الطيارات ذي ما تطول..
اللي في رأسش وسويتيه.. بنشغلش أحسن شغلة في المكان اللي تبينه.. بس ذا الشغلة يأبيش ما تنفع لش..


حينها مالت مزون على ذراعه تحتضنها ثم تقبل عضده وهي تهمس بوجع شفاف:
شفت ياعمي.. مع أني أدري إنك مستوجع من خبالي مثل كسّاب وأكثر
بس شوف أنت أشلون تتعامل مع الموضوع.. وهو أشلون يتعامل
تكفى ياعمي.. قل له بأسوي اللي هو يبي.. بس يرضى علي..
تكفى طالبتك..





******************************





"كساب يأمك تعال أبيك تدخل معي عند جميلة"


كساب بهدوء: ما يصير يا خالتي.. تبين تسلمين على بنتش براحتش


عفراء بألم: ما أبي أسلم عليها براحتي.. لأني لو دخلت عليها بروحي وقلت لها إني بأسافر.. بتسوي مناحة
لكن إذا كنت أنت موجود بتستحي مهيب قايلة شيء..


حينها ابتسم كسّاب: تستحي؟؟ توها لسانها البارحة علي شبرين..


عفراء تتمزق من الألم: ماعليه يأمك تعال وبس..


كساب لم يكن يريد الدخول لأنه مازال يشعر بالضيق من موقفه بالأمس.. ولكنه لا يستطيع رفض طلبا لخالته..


عفراء تدخل على جميلة وتخبرها أن كساب سيدخل
جميلة بضيق: وش يبي؟؟ أبي أقعد معش بروحنا... خليه يأخذ خليفة ويفارقون اثنينتهم..


وقتها خليفة كان يقف مع كسّاب في الخارج


عفراء لم ترد على تذمرها وهي تضع على وجهها الجلال.. وتدعو كسّاب للدخول


كساب هتف بهدوء: كيف أصبحتي جميلة؟؟ إن شاء الله أحسن؟؟


جميلة بنبرة محايدة: الحمدلله على كل حال


حينها همست عفراء بثبات قدر ما تستطيع وهي تقف بعيدا قليلا عن جميلة:
خليفة يأمك حنا بنمشي الحين
الله الله في جميلة.. حطها في عيونك يأمك


أربعة عيون توسعت بصدمة
خليفة وجميلة
وحزن يائس يغمر قلبيهما فجأة
هل يعودان سويا معا لوحدهما وبهذه السرعة؟؟


وإن كان خليفة تماسك بسرعة وهو يرد بثقة لا يعلم حقيقتها من اصطناعها:
لا تحاتينها يا خالة
في عيوني الثنتين.. روحي وأنتي مطمنة


فإن جميلة جفت الكلمات على لسانها
كانت تريد أن تصرخ وتصرخ وتستجديها أن تبقى
فهي عرفت كيف يكون الإحساس من غيرها
وكادت تجن من غيرها لمدة ساعات فقط
فكيف أياما وأسابيع وربما شهور من غيرها قبل أن يأخذ الله أمانته كما تعتقد



كانت دموعها تسيل أنهارا تحت غطاء وجهها وداخلها ينتحب بجزع
ولكنها صمتت.. ابتلعت شهقاتها وغصت بها.. حتى لا تشمت كسّاب فيها
سيتشمت فيها.. تعلم أنه سيفعل حتى لو لم يتكلم
سيقول : " مهوب اخترتي ولد عمش على علي وحتى على امش
يالله اشبعي فيه
خليه يكفيش عن العالم"


جميلة لم تقل كلمة.. بينما عفراء اقتربت بسرعة لتطبع قبلة على رأسها وتنسحب بسرعة
قبل أن تنجح جميلة في التشبث بها


عفراء أنزلت طرف شيلتها على فتحات النقاب حتى لا يلحظ أحد دموعها
وخوفا أن يحلف عليها كساب مجددا إن رأى حزنها


خليفة كان سيخرج معهما لكن عفراء رجته بصوت خافت يسيل وجعا:
خلك معها...وتراها بتجننك.. أدري
اصبر عليها .. وإذا حسيت يا ولدي في يوم إنك ماعاد فيك صبر... أمنتك الله ما تحمل نفسك فوق طاقتك
كلمني على طول... هذا أنا أمنتك


عفراء خرجت وهي تستند لذراع كساب خشية أن تنهار بينما القلق عليها بدأ يتصاعد في قلب كساب


حينها عاد خليفة للداخل وأغلق الباب وهو يشعر بتوتره يتعاظم خوفا من ردة فعل جميلة


لكن جميلة لم تتحرك ولم يصدر منها أي صوت... بعد لحظات صمت اقترب خليفة وأزال الغطاء عن وجهها
ليجدها تنظر أمامها بذهول.. وسيول من الدموع تغرق وجهها..
خليفة اقترب منها ووضع يده على كتفه وهمس بحنان: جميلة لا تحاتين بترد تزورج قريب


حينها لطمت جميلة يده وانفجرت بهستيرية: يمه.. يمه.. يــــــــــمـــــــــه
يــــــــــــــــمـــــــــــــه
تكفين لا تخليني...
لا تخليني..


جميلة نزعت الأسلاك من يدها بحدة وهي تحاول النزول.. ليمسك بها خليفة بقوة بينما كانت هي تضربه بأناملها الجافة وتصرخ:
أكرهك.. أكرهك
أنا أكرهك.. أنت السبب.. أنت السبب
أبي أمي.. أبي أمي..


تلطخ قميص خليفة من دمها المتناثر من معصمها .. ولكنه أعاد تثبيتها على السرير وهو يضغط جرس استدعاء الممرضات.. ويضغط على معصمها ليوقف سيلان الدم مكان انتزاعها لأبرة الجلوكوز..



وفي ذات اللحظات كانت عفراء الباكية بصمت تركب سيارة الأجرة وكساب يهمس لها بقلق حنون:
خالتي تبين نقعد شوي قعدنا؟؟ والله العظيم عادي وما عندي مشكلة


عفراء بصوت مبحوح تخفي البكاء فيه: لا يأمك.. توكلنا على الله..
خلنا نروح نشوف علي.. ونرجع الدوحة





********************************





وضحى اليوم في البيت تدرس امتحاناتها التي أصبحت بعد ايام
مازالت تشعر بالذنب من موقفها مع والدتها بالأمس
آلمها إشاحة والدتها بصرها عنها البارحة
تعرف أن هذه طريقتها في العقاب.. تحرمها من نظرة عينيها الحانية الغالية
ولشد ما كانت تؤلم هذه الطريقة قلبها الرقيق
فأمنيتها دائما نظرة رضا من العينين الحانيتين!!


هاهي تنزل وهي تجمع شجاعتها خوفا أن تكون والدتها مازالت تريد معاقبتها أكثر
وجدتها عند جدها في غرفته تتقهوى معه..
قبلت رأسيهما ثم جلست بجوار جدها على سريره وهي تنظر لوجه والدتها لتقرأ انفعالاتها اليوم
وجدتها تتحادث مع والدها وتبتسم وهما يستذكران معا أشعارا وحكايات وأقواما رحلوا
لذا تشجعت وهي تقوم لتجلس بجوار والدتها وتهمس لها من قرب:
يمه أنا آسفة على اللي صار أمس.. والله حتى النوم ماجاني وأنا دارية إنش زعلانة علي..


مزنة تطبطب على يدها وتهمس بحنان: خلاص يأمش رضيت من بارحتي
ثم أردفت بحزم حنون: بس كنتي تبين لش قرصة عشان ما تعيدينها


وضحى تبتسم وهي تقبل كتف والدتها: حرمت يأم امهاب.. حرمت..


الجد يهتف بصوت عال: أنتو وش أنتو تقولون؟؟


مزنة باحترام مغرق في المودة: مابه شيء جعلني فداك


جابر يتمدد على سريره ويهمس بهدوء: بانسدح شوي.. وقوموني للصلاة


مزنة نهضت لتتاكد من وضع والدها وتغطيه.. ثم تنادي وضحى للخارج..
حين أصبحتا في جلسة الصالة..
همست مزنة بحزم: اسمعي يا وضحى خلينا نخلص من ذا السالفة.. تبين عبدالرحمن وإلا لا..


وضحى بحذر: لا ما أبيه..


مزنة بذات الحزم: حتى لو عرفتي إنه أنتي أول حد خطبه قبل كاسرة حتى.. بس أنا اللي ما رضيت
وقتها توش سنة أولى جامعة.. وصغيرة.. وما حبيت أستعجل عليش
فعبدالرحمن عقب.. قال أنا ما ابي إلا نسبكم فخطب كاسرة


وضحى بسخرية موجوعة: وعقبه خطبها عشرين مرة.. ما أدري وأشلون تفكير ذا الإنسان.. إحساس الكرامة عنده معدوم
ما أبيه يمه.. والله العظيم ما أبيه...


مزنة بهدوء حازم: كيفش ماحد بجابرش على شيء.. بس عبدالرحمن رجّال ما مثله يا وضحى.. مابعد شفت مثل طيبت قلبه وطيب أخلاقه
غير عن إن وضعه المادي والوظيفي زين.. وولد عمتش لحم ودم


وضحى بحزم: يمه ما أبيه...


مزنة بحزم أكبر: زين بس لا تقولين الحين رأيش لأي أحد.. لو أي حد سألش قولي أفكر ما بعد قررت


وضحى باستغراب: وليش يمه؟؟


مزنة بهدوء: لأن امهاب خطب جوزا من عبدالرحمن.. ويمكن أنتي لا رفضتي عبدالرحمن تلاقي جوزا نفسها مجبورة ترفض امهاب
وخصوصا مع أفكار رجّال عمتش المعقد ..إيه والله إن قد يعيي
حرام جوزا ماراح تلاقي حد يجيها أحسن من امهاب.. فلا تخربين فرصتها عليها.. خلها لين تتخذ قرارها


وضحى كانت تستمع لوالدتها وعيناها تتسعان ذهولا.. لتهمس بذهول:
يمه تقولين امهاب خطب جوزا.. متأكدة أنتي؟؟


مزنة بهدوء: إيه قال لي البارحة في الليل عقب مارجع من عشاه مع عبدالرحمن


وضحى بذات الذهول: جوزا جوزا؟؟ يمه يمكن قصدش شعاع.. وش يحد امهاب يأخذ جوزا؟؟ وأنتي ما قلتي له شيء؟؟


مزنة بحزم: بنت عمتش مافيها قصور وهو مقتنع فيها فليش أعارضه..


وضحى باستغراب متغاظم: أما أنتي يمه غريبة.. جوزا مافيها قصور ماقلنا شي
بس شعاع أحسن منها لو امهاب يبي نسبهم
عدا إنه من حقه بنية يكون هو أول واحد في حياتها وش حاده على أرملة عندها ولد
وبعدين يوم أنتي تقولين امهاب مقتنع فيها وقاعدة تدافعين عنها وعنه
ليش نفس التفكير هذا ماقلتيه عند تميم


مزنة بذات نبرتها الحازمة: لا يا وضحى هذاك موضوع وهذا موضوع


وضحى باحترام: لا يمه المبدأ واحد.. الحين امهاب مقتنع يجوزا على قولتش مع إن فيه أحسن منها واجد.. ومع كذا أنتي مقتنعة معه
وتميم يبي بنت نفس حالته مع أنه يقدر يأخذ أحسن منها مثل ما تبين.. فليش ما اقتنعتني مع تميم؟!


تنهدت مزنة: مشكلتكم ماحد فاهم وجهة نظري إلا كاسرة هي الوحيدة اللي فاهمتني في موضوع تميم..
حتى في موضوع جوزا أنا متأكدة إنها بتفهمني لأنها تفكر بعقلها قبل عواطفها
وقرارات مثل ذي العقل لازم يكون حاضر حتى لو كان القلب رافض


الحين أنتي وامهاب تقولون عادي خلي تميم يأخذ بنت نفس حالته يكون الصمم عندها مهوب وراثي عشان إن شاء الله عيالهم ما يصير لهم شيئ
زين أنا وافقت وتزوج البنت.. وخليتهم يسكنون عندي على أساس عيني على الصغار.. زين هل أنا دايمة لهم؟؟
بكرة يبون يودون عيالهم المستشفى.. أو صار لهم مشكلة في المدرسة.. هل بيقعدون يتكلمون مع العالم بالورقة والقلم
( انتظروا شوي أجلوا حل المشكلة.. خلونا نكتب لكم..
والله مافهمت ذا الكلمة.. خطك مهوب واضح.. عيدها مرة ثانية)


كانت مزنة تنهمر بألم حقيقي: يعني أنتم ظنكم إنه هاين علي أرد في خاطر تميم شيء شايفته يبغيه بذا الطريقة
والله العظيم إني أستوجع فوق الوجع وأنا أشوفه يترجاني وأنا أرده..لكن إذا هو تفكيره عاطفي.. (وأبي لي بنية ما تحسسني إنها أحسن مني).....
أخليه على كيفه ما أعارض... تميم أصلا عاده صغير في السن.. وأنا أبي له الأصلح...
كفاية هو ما يسمع ولا يتكلم في مجتمع ماعنده صبر ولا حتى ذوق إنهم ينتظرون عليه شوي
أبي مرته تكون عوين له... مهوب هم اثنينتهم محتاجين من يعاونهم ويشرح عنهم وبدالهم...
وتميم ماشاء الله وضعه ممتاز يقدر يأخذ أحسن بنت صحيحة..
فليه الأصرار على بنت نفس حالته.. أيش ايدريه أساسا إنها بتكون هي الراحة له
وليش يظن إن البنت السليمة بتتكبر عليه.. كم بنات أجواد حاطين رياجيلهم على رووسهم وهم فيهم عيوب الدنيا..
وتميم مافيه عيب فكيف ما تحطه على رأسها؟؟


لكن امهاب موضوع ثاني.. أكيد كنت أبي لولدي بنت هو أول بختها...
لكن هل معنى إن جوزا تزوجت وعندها ولد هذا عيب الواحد ما يقدر يعيش معه؟؟
جوزا مسكينة مالحقت تهنا بحياتها.. عبارت إنها ما عرست أصلا
وكفاية إنه يربي حسن.. ياحظ اللي يضم له يتيم.. فياترى أحرم امهاب من ذا الأجر ومن اللي يبيه عشان خرابيط مالها معنى...





********************************





مزون أصبحت في المطار
متوترة.. بل غاية في التوتر..
أناملها متصلبة.. وريقها جاف.. وعرقها يتصبب على وجهها تحت نقابها
توجهت لاستراحة الطيارين.. والتوجس يغتالها
كان بها حوالي خمسة من الشباب وهي المرأة الوحيدة معهم
شعرت كما لو أنها عارية والعيون تلتهمها
كانت العيون تتجه ناحيتها باستغراب.. بل بمعنى أدق باستهجان


"من أين أتت هذه المخلوقة؟؟ وماذا تفعل هنا؟؟"


توترها يتزايد وهي تريد أن تجلس على الحاسوب
ولكن الشباب الخمسة كانوا متوزعين بطريقة أنها في أي مكان ستجلس ستكون مجاورة لأحدهم


الكباتن شعروا أنها تريد أن تجلس.. لذا انزاحو جميعهم لناحية واحدة.. وتركوا الناحية الأخرى لها


جلست وهي عاجزة عن ابتلاع ريقها.. هي بالفعل درست سنوات دراستها كلها مع شباب.. ولكن كان الإحساس مختلف
فهم كانوا في قاعة دراسة.. ومعهم أستاذ وهي كان معها زميلات حتى وإن كن في تخصصات أخرى.. ولكنهن يشتركن في المقررات


تشعر بضيق غير طبيعي وهي تسترق نظرها للباب علها ترى الكابتن إيمي أو كابتن سهى المساعد الأول..
بعد دقائق ثقيلة طويلة وخانقة.. حضرت سهى.. تعرفتا على بعضيهما فورا..
تبادلتا الحديث لفترة.. وسهى تهمس بهدوء: غريبة كابتن إيمي ماإجت..
إحنا على العموم مفترض نطلع للطايرة بعد ساعة


مزون وسهى عادتا للانشغال بالحاسوب.. وهما تسجلان المعلومات الضرورية


بعد مضي الساعة توجهتا للسيارات المخصصة لتنقلهما للطائرة
لكن مزون تذكرت أنها نسيت حقيبتها في الاستراحة
فعادت لأخذها
وحين عادت لموقف السيارات كانت سهى قد غادرت
انتظرت مزون السيارة التالية وطلبت منه نقلها للطائرة المتجهة لأبوظبي


وصلت مزون لسلم الطائرة.. سلمت بطاقتها للأمن في الأسفل الذي كان يقول لها: لم يسمح للمسافرين بالركوب بعد..


أعاد لها البطاقة وهو يعتذر رغم تعجبه الشديد من هذا الكابتن الغريب
صعدت مزون بتوتر.. وهي تتمنى أن تكون كابتن إيمي وصلت
لماذا كل هذه التعقيدات في رحلتها الأولى
الا يكفيها كل هذا التوتر؟!!


وصلت لقمرة القيادة وطرقت الباب لتدخل
وتــفــجــع وهي ترى الكتفين العريضين لظهر عريض يستحيل أن يكون ظهر إيمي


شهقت والكلمات تجف على لسانها بينما سهى تبتسم لها وتشرح بمهنية:
الكابتن إيمي اعتذرت عن الرحلة
والكابتن استلم مكانها.. إجا دايركت لهون ماكان عندو وئت يشوفنا بالاستراحة
وما تخافي من شيء هو حافظ خط الدوحة- أبوظبي
واحنا بنزوده ببائي المعلومات


حزن عميق غمر قلب مزون لفساد مخططاتها.. ولكن على الأقل هاهي معها فتاة أخرى وليست لوحدها معه
كانت تدلف خطوة للداخل
في الوقت الذي كان الكابتن يدير وجهه ناحيتها بحزم وغموض

همس المشاعر
09-24-2011, 01:54 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الثالث عشر






مزون وصلت لقمرة القيادة وطرقت الباب لتدخل



وتــفــجــع وهي ترى الكتفين العريضين لظهر عريض يستحيل أن يكون ظهر إيمي




شهقت والكلمات تجف على لسانها بينما سهى تبتسم لها وتشرح بمهنية:



الكابتن إيمي اعتذرت عن الرحلة



والكابتن استلم مكانها.. إجا دايركت لهون ماكان عندو وئت يشوفنا بالاستراحة



وما تخافي من شيء هو حافظ خط الدوحة- أبوظبي



واحنا بنزوده ببائي المعلومات




حزن عميق غمر قلب مزون لفساد مخططاتها.. ولكن على الأقل هاهي معها فتاة أخرى وليست لوحدها معه



كانت تدلف خطوة للداخل



في الوقت الذي كان الكابتن يدير وجهه ناحيتها بحزم وغموض




مزون تأخرت بحرج وهي تتطلع لوجهه الوسيم الذي بدأ لها مألوفا



رغم أنه ليس من المعتاد رؤية هاتين العينين بلونهما الأشبه ببحر عميق من عسل صاف




سهى أكملت حديثها بابتسامة ودودة: اسمحي لي عرفك بكاتبن غانم



من أشطر كباتن القطرية... رجل المهمات الصعبة مزبوط.. مستعد يطير ئبل اللحزة الأخيرة




مزون تنهدت بعمق وهي تدفع بصوتها النبرة المهنية المطلوبة وتجلس عن يساره حيث يفترض أن تجلس وهي تحاول أن تبعد جسدها قدر المستطاع:



تشرفنا كابتن..فيه توقع لمطبات جوية في المنطقة بين تقاطع 345 شرق على 765 غرب



وتقاطع 564 شرق على 323 غرب فترة قد تصل من عشر دقائق لربع ساعة..بس الرؤية إن شاء الله صافية




انهمرت بالمعلومات المطلوبة بدقة عالية وسرعة ودون أدنى تلعثم .. ويداها تعملان بسرعة ودقة على الاجهزة أمامها




مازالت لم تستمع لصوته.. فقط كانت يداه تعملان بذات سرعة يديها



ليهمس بعد دقائق وعيناه مثبتان أمامه ودون أن ينظر ناحيتها وبصوت رجولي عميق:



صباحش خير يا كابتن.. (صمت لثانيتين) بنت زايد آل كساب؟؟.. والا أنا غلطان؟؟




ابتلعت مزون ريقها ولكن ريقها جف وتبخر على أول حنجرتها لشدة جفافها دون أن يرطب جفاف امتداد باقي حنجرتها المتيبسة




فهذه اللهجة الحادة بتركيزها على مخارج الحروف



يستحيل أن تكون لهجة أحد لا ينتمي إلى قبيلتها ..



همست في داخلها : (ومن قبيلتي بعد.. وش ذا البلوة؟؟ ذا الرحلة باينة سودا من أولها



ذا البدوي أبو عيون عسلية من وين الله جابه؟؟)




ردت مزون بذات المهنية ودون أن تنظر ناحينه: كابتن مزون زايد.. مساعد ثاني



ونعم بنت زايد بن علي آل كساب...




خيل لها أن طرف عينها إلتقط شبح ابتسامة على طرف شفتيه وهو يهمس بهدوء:



وأنا غانم بن راشد آل ليث..




حينها شعرت مزون كما لو كان سُكب على رأسها ماء مغليا أذاب خلايا دماغها..



وهي تسأله بذات النبرة المهنية المحترفة التي تبدو غير مهتمة وفي ذات الوقت غاية في اللباقة: آل ليث جماعتنا وإلا غيرهم؟؟




لا تعلم لما بدت لها نبرته متلاعبة باسمة وهو يجيب بهدوء ودون أن ينظر ناحيتها: جماعتكم نفسهم




حينها كانت مزون على وشك أن تقفز من الطائرة...أو أن تلطم وجهها



(خلصوا طيارين الخطوط القطرية



مالقوا على أول رحلة لي إلا واحد عيال جماعتنا)




مزون لم ترد عليه وهي تتشاغل بما بين يديها بطريقة تبدو للناظر واثقة ومسيطرة



بينما هي في داخلها تهدئ روعها وروع حرجها المتزايد




(احمدي ربش زين ما طلع امهاب الله يقطع أيامه



الرحلة ذي وكسة من أولها



كان ناقصها ولد آل ليث عشان تكمل)








*****************************







خليفة يجلس جوار جميلة المخدرة والغارقة في نوم عميق..



مازال قميصه الملطخ بالدم عليه...لم يكن يريد تركها



فهي أصيبت بحالة هستيرية بعد مغادرة والدتها



وكأنه تلبس جسدها المتهاوي مئات العفاريت



وجهت لكماتها الهزيلة لصدره وهي تعتقد أنها تؤلمه بينما هو لم يشعر حتى بوقع يديها



وكل ما كان يشغله الدم المنبثق من معصمها والذي أغرق صدره تماما وتناثر في أرجاء الغرفة وعلى سريرها وملابسها



وهو مذهول من كمية الدم المتناثرة...




"كيف توافرت كل هذه الكمية داخل جسدها المتخشب؟"





الممرضات حضرن وكذلك داليا ليتعاونن على تخديرها بينما صرخاتها تتعالى:



أبي أمي .. أبي أمي




حتى بدأت صرخاتها تخفت شيئا فشيئا من تأثير المخدر لتتحول لهمس موجع أشبه بالأنين المكسور المتحشرج..



حينها لم يحتمل خليفة كل هذا ...خرج ليقف عند الباب




الممرضات حينها أبدلن ملابسها وشراشف السرير وقمن بتنظيف المكان




ليعود بعدها ويجلس جوارها..



داليا تعود بعد دقائق وتهمس له بخفوت واحترام: أستاذ خليفة روح غير ملابسك..



الطاقم الطبي كله متضايق من شكلك.. وأنت طولت ما رحت تغير ملابسك




خليفة كأنه يحادث نفسه: أخاف تصحا ما تلقاني




داليا بمهنية: الأفضل أساسا إنها تصحا ما تلقاك.. ترجع تثور.. أنت روح بدل ملابسك.. ونام لو تريد



وأنا قاعدة جنبها.. لما تصحا.. وأشرح لها الوضع تمام.. واهديها..وبعدها أنا بأتصل فيك ترجع




خليفة وقف دون أن يرد بكلمة.. وسحب نفسه خارجا..



بينما داليا تناولت مقعدا وقربته من سرير جميلة وجلست..







**************************







" أصب لك قهوة يبه؟؟"




زايد بحزم هادئ: شكّرت.. تسلم يمينك..



ثم أردف وهو يتلفت حوله بتساؤل: الرجّال اللي كان يشتغل عندك وينه؟؟




علي وهو يعيد الفناجين ويضعها في آنية الماء المخصصة لذلك يهمس بهدوء:



عم حمزة اليوم مستأذن.. فيه واحد تركي بيتزوج اليوم



فهم يبون يكونون معه من أول النهار..




ابتسم زايد: ما علمونا نعينهم..




فابتسم علي ابتسامة مشابهة: خلاص كفيناك.. جاتهم عانيتهم وكله من خيرك.. عم حمزة غالي عليّ..




زايد بحنو حازم: الله يغليك عند ربك.. الله الله فيه...




علي بهدوء: يبه أخواني شاخبارهم؟؟ وخالتي وعمي؟؟




زايد بذات هدوءه: عمك مودع عليك بالسلام.. ويقول لك بيجيك يصيف عندك كم يوم




علي بابتسامة ودودة: حياه الله.. أربه صادق.. عمي منصور أصلا ما ينوخذ منه حق ولا باطل.. من يوم تعينت في جنيف ما مرني




زايد بمودة: توك في جنيف مالك إلا سنة... ثم أردف بهدوء: ومزون اليوم أول رحلة لها




حينها انتفض علي بعنف: أول رحلة وخليتها بروحها؟؟




زايد بابتسامة: عمك عندها.. وبعدين طاقم الطيارين اللي معها كلهم نسوان.. رحلة قصيرة لأبوظبي



وأنا كلمت عمك قبل شوي.. هو بنفسه وصلها لين داخل المطار...




علي متضايق لأبعد حد من كل هذا حتى وإن لم يظهر ضيقه وهو يهتف بذات هدوءه الأزلي العميق:



زين وكساب وخالتي؟؟ كسّاب أدق على جواله البارحة يعطيني رنة خارجية ولا رجع يكلمني..




تنهد زايد: خالتك وكساب عند جميلة.. واكيد بيمرونك عقب




تصلبت يدا علي بعنف رغم أنه كان يهتف بذات هدوءه: حياهم الله




حينها ماعاد بزايد صبرا..يريد أن يطمئن على روح ولده الشفافة



فهتف بنبرة شفافة كثيفة: ليش يوم جيتني في الدوحة ما قلت لي عن اللي في خاطرك؟؟



عمرك ما دسيت علي شيء.. فأشلون تدس علي شيء مثل هذا؟؟




علي تراجع بحرج ما ولكنه عاد ليهمس بشفافية والده: وش تبيني أقول يبه؟؟



إني فيه شيء بقلبي لبنت خالتي مثلا..



خطبتها.. وما توقعت أصلا إنه فيه سبب أقول مشاعري لأحد.. لأني ما توقعت إنه فيه حد ممكن يوقف لي في الخطبة



مع إنه يبه قلبي ناغزني من يوم وصلت الدوحة.. بس كذبت إحساسي..



وعلى العموم يبه لا يروح بالك بعيد وتظني أتعذب.. وهيمان وما أنام الليل




ما أكذب عليك في قلبي مشاعر لجميلة.. يمكن لأنها بنت خالتي اللي ربتنا.. يمكن لأنها بنت خليفة اللي كنت أحسه إبي الثاني



يمكن عشانها هي.. ماعاد يهم..



وصدقني.. خلاص يالغالي.. وعزت من خلاك أغلى خلقه إنه قلبي جاته الصدة منها من يوم صارت حلال غيري..




زايد بعمق: وكاد ذا الكلام.. وإلا تبي تبرد قلبي بس.. عشان ما تحسسني بذنب اللي سويته..




علي بعمق مشابه: أكيد يالغالي أكيد..




حينها استرخى زايد في مقعده أكثر وهمس بعمق متجذر لأبعد حد: إن كان وكاد يابيك اللي تقوله..



فأنت ما حبيتها.. دور لمشاعرك اسم ثاني غير الحب




حينها ابتسم علي بمودة وهو ينحي كل ألامه لنقطة مخفية في روحه: شكل أبو كسّاب خبير..




التفت له زايد وابتسم وهو يعتدل في جلسته ويهتف بمرح شفاف: خبير عود بعد.. ولو تبي عطيتك دروس




فور انتهاء زايد من جملته.. تعالى جرس الباب



هتف زايد بتساؤل: تتنى حد؟؟




علي يقف وهو يتجه للباب: الشباب في القنصلية يوم كلمتهم أعتذر إني ماني بجاي اليوم عشانك



كلهم قالوا بيمرونا عقب الدوام.. بس تو الناس مابعد خلص الدوام..




فتح علي الباب..



ورغم أنه كان يتوقع مجيئهما.. إلا أن سعادة المفاجأة أشرقت على وجهه لأبعد حد وهو يرى خالته وشقيقه..




كساب كان أول من تحدث وهو يسلم على شقيقه بحرارة ويهتف بمرح دافئ :



زين إنك هنا.. توقعنا في الدوام وإنه بنقعد نحرس باب الشقة لين تجينا




علي بترحيب حقيقي مليء بالدفء والحماس والمودة: ياهلا ومرحبا والله إني صادق.. هلا والله بالغاليين




عفراء كان سلامها لعلي مختلفا.. فهي لم تره منذ أشهر.. تشعر بألم عميق لكل ماحدث.. عدا عن وجيعتها التي تنزف بتركها ابنتها خلفها



وكان ناتج هذا أن ارتمت في صدر علي وهي تنتحب ببكاء مكتوم..



علي احتضنتها بقوة حانية وهو يهمس بقلق متأثر: خالتي تعوذي من الشيطان.. وش فيش؟؟ هذا أنا بخير




بينما كان كساب بدوره كان يربت على كتفها رغم اختفائها في أحضان علي



وهو يهمس بقلق مشابه: خالتي الله يهداش.. وش فيش صايرة حساسة بزيادة




زايد لم يتحرك من مكانه لأنه لم يرد أن يثر إحراج عفراء




عفراء حين أفرغت طاقة بكاءها الأولى.. أفلتت علي وهي تهمس بصوت مبحوح: مشتاقة لك يأمك بس..




علي يقبل رأسها ويهتف بحنان: وأنا اشتقت لش..



ثم أشار بعينيه لكل من عفراء وكسّاب وهمس بخفوت: ترا أبي داخل




عفراء شعرت بحرج عظيم انها كانت تبكي بهذه الطريقة وزايد يسمعها



لذا استاذنت ودخلت إلى غرفة علي دون أن تتجه للصالة



بينما كساب يهمس لعلي باستغراب خافت: غريبة وش عنده؟؟




علي يبتسم ويهمس بخفوت مشابه وهما يتجهان لوالدهما: مشتاق لي وجاي يشوفني.. وإلا عندك مانع؟؟




كسّاب يبتسم: وش مانعه يا دلوع البابا؟؟ منت بهين اللي قادر تجيب رأس زايد




علي يبتسم: يسلم لي رأس زايد..




كسّاب يصل والده.. ورغم كل شيء.. ابتسامة عفوية تتسلل للاثنين.. صريحة عند زايد.. وخفية خفيفة عند كسّاب



فكسّاب يشعر بالسعادة من أجل علي وأن والده جاء للاطمئنان عليه ولم يهمله في حزنه..



سعادته كانت من أجل علي.. وهاهو يشعر بالرضا على زايد لأول مرة منذ فترة طويلة..







*****************************







"وين رايحة نجلاء هانم؟؟ أشوفش لابسة عباتش؟؟"




نجلاء تبتسم: تكونين أنتي رجالي وما عندي خبر.. ولازم أعطيش خط سيري




سميرة بابتسامة مشابهة: آه يا بت يا نقلاء عاوزة تهيتي على حل شعرك من ورا الواد صويلح ابن ام صويلح..




نجلاء تضحك: أما عاد أهيت وعلى حل شعري.. لابقة يا بنت ..




سميرة تضحك: خشي في عبي يا بت.. أنتي رايحة فين كده من (مغباش) ربنا..




نجلاء تعدل وضع نقابها أمام مرآة المدخل وتنادي الخادمة: وش مغباشه؟؟ الساعة صارت عشر..




سميرة تمسك بنجلاء وهي تهتف بمرحها الدائم: نجول اخلصي علي.. علميني وين بتروحين؟؟



عمي الشيخ صالح موصيني أسوي عليش كنترول.. خبرش يغار عليش.. وأنا لازم أحمي أملاك ولد عمي من العيون الطامعة




نجلاء تنحدر لهجتها من المرح للهدوء الساكن: أنتي يعني ما ترتاحين لين تجيبين طاري صالح عندي.. فكيه من شرش..




سميرة تضحك: لا تكونين تغارين على صويلح مني... بصراحة صالح جنتل ورزة وكلامه حلو وينخاف عليه..



وأنتي ما تبينه... وانا باموت أبي واحد يقول لي كلام حلو... خلاص حوليه لي...




نجلاء خلعت حذاءها وقذفت به سميرة الهاربة وهي تهتف بغيظ مرح: هذي أخرتها يا مسودة الوجه.. تبين رجّالي؟!




سميرة تضحك وهي تخفي وجهها خلف إحدى كوشيات الصالة وتجلس على الكنبة:



عدال نجول عدال.. الأخت تغار وحركات ورجالي ..وهي تقول إنها تبي الطلاق...



يأختي (جحا أولى بلحم ثوره) على قولت المثل... أنا أولى بجوز أختي..




حينها وضعت نجلاء حقيبتها جانبا وخلعت عباءتها ونقابها وشيلتها ووضعتها على المقعد..



بينما سميرة تضحك بهستيرية: الخبلة شكلها بتسويني شاورما




نجلاء تضحك وهي ترفع كميها: شاورما بأكون حنينه عليش بعد...أنا بأسويش شوربة خضرة مهروسة..




سميرة تقفز بعيدا وهي تقول بمرح: علميني وين بتروحين... وخلاص ما أبي صويلح..




نجلاء تقذفها بكل كوشيات الصالة وهي تهتف بمرح: أنا الحين محترة منش.. خليني أصيدش وعقب أقول لش



وبالفعل أصابتها إصابة مباشرة لتهتف سميرة بألم مصطنع: حشا ماردونا شايت له كورة.. خبصتي مخي..




نجلاء حينها تجلس منهارة على المقعد: ول عليش.. أطلقتي عينش علي..




حينها قفزت سميرة لها وهي تمسكها بقلق: نجول وش فيش؟؟ من جدش ؟؟ والله إني أمزح..




حينها أمسكت بها نجلاء من قرب وقرصتها وهي تضحك: ها تبين صالح؟؟




سميرة تقبل رأسها وهي تضحك: حرمت خلاص.. وبعدين يأختي حتى لو أنا أبيه.. هو ما يبي إلا أنتي..



علميني سر الطبخة؟؟ وش مسويه فيه عشان أسويه لردي الحظ اللي بيأخذني؟؟




حينها انتهت وصلة المرح التي نعمت بها نجلاء كما لو كانت في مشهد تلفزيوني بتر فجأة وهي تهمس بنبرة جدية مغايرة تماما:



أنا باروح أجيب عيالي... اليوم يخلصون بدري..




سميرة استغربت انقلاب مزاج نجلاء المفاجئ.. ومع ذلك ابتسمت وهي تهز كتفيها وتتجة للأعلى:



وأنا باطلع أذاكر جيبي لي معش أيس كريم فراولة..




نجلاء عاودت لبس عباءتها لتخرج للسائق والخادمة المنتظرين في الخارج




بعد دقائق رن هاتفها.. كان هو المتصل..توترت ولم ترد



عاود الاتصال.. ردت بهدوء متوتر: هلا بو خالد




صوته الغاضب: مهوب أحسن لو نقعتيني بعد شوي؟؟




صوتها العذب الهادئ: أنت متصل عشان تلاغي يعني؟




حينها رد عليها بعمق اختلط فيه غضبه بشوقه: متصل عشان مشتاق أسمع صوتش.. وإلا حتى الصوت بتحرميني منه..




نجلاء توترت وقلبها العصي على الفهم وعلى السيطرة تتعالى دقاته وهي تحاول أن تهمس بهدوء:



بالعادة ما تتصل علي إلا عشان شيء يخص العيال..




ابتسم صالح: وأم العيال موضوع ما يخصهم يعني؟!




صمتت نجلاء.. فمكالماته الدائمة التي ظاهرها مناقشة شؤون الأولاد



ورسائله الليلية الملتهبة التي هي باطنها ومضمونها



كلاهما: صوته ونبض مشاعره.. باتا يحدثان عليها ضغطا نفسيا هائلا..



تشعر كما لو كان يحاصرها.. وأنه كلما رفعت حواجزها عاد ليخلخلها



هي مصممة على الطلاق وتشعر باستحالة الحياة بينهما.. فلماذا اصراره على تقييدها إليه؟!




حينها همس صالح بخفوت رجولي موجع: تدرين حتى لو ما حكيتي.. صوت نفسش على التلفون يذوبني..




نجلاء شعرت أن الإحمرار قفز حتى أطراف أذنيها وهي تتنحنح: أبو خالد عندك شيء تبي أقوله أو أبي أسكر



أنا الحين رايحة أجيب عيالي من المدرسة..




تنهد صالح بعمق (يبدو أن لا شيء يفيد مع هذه العنيدة!!) ليهتف بعدها بحزم أعاد فيه سيطرته على الأمور:



متصل عشان موضوع يخص العيال والمدرسة



طبعا مثل منتي عارفة عزوز تمهيدي وخلاص تقريبا خلص .. وخالد صف أول باقي عليهم يومين ويخلصون



ومثل منتي عارفة بعد.. يوم طفشتي من بيتش السنة اللي فاتت كنا حاجزين بنسافر بنوديهم ديزني لاند



والثنين كل ما شافوني يسألوني متى بنروح.. خاطرهم في الروحة اللي أنتي حرمتيهم منها




نجلاء تتصاعد دقات قلبها جزعا وتهمس بصوت مبحوح:



أول شيء مافيه داعي لنبرة العتاب المخفية ذي.. لأني ماغلطت يوم طفشت على قولتك



الشيء الثاني وش مقصدك من ذا الكلام؟؟ لا تكون تبي توديهم؟؟




صالح بهدوء حازم: إيه طبعا بأوديهم خلال ذا الأسبوعين الجاية.. وإلا بتمنعيني بعد..




نجلاء شهقت: وكم يوم مقرر تسافر فيهم؟؟




صالح ببرود: أسبوعين..




حينها انتفضت نجلاء جزعا وغضبا: على جثتي تطلع بعيالي




حينها وصلها صوت صالح غاضبا يمور بالانفعال المخيف: قصري حسش.. ماعاد باقي الا تطولين صوتش عليّ.. هذا اللي قاصر يا بنت عمي



وأظني إنهم عيالي مثل ماهم عيالش!!




نجلاء ابتلعت ريقها وهي تهمس بتراجع: صالح ما أقدر استحمل عيالي يبعدون عني أسبوعين..




صالح بعتب عميق: هذا أنتي مبعدتهم عني صار لش أكثر من تسع شهور




نجلاء بألم مصدوم: يعني أشلون؟؟ تلوي ذراعي يعني؟؟.. ما هقيتها منك يأبو خالد




صالح بعمق صريح شفاف: والله العظيم ما خطر ذا التفكير الحقير في ببالي..



لكن إذا أنتي تبين تشوفينه لوي ذراع.. بكيفش



حاولت معش بكل الطرق الودية وما فاد.. يمكن لوي الذراع يفيد







******************************







منذ البارحة وتفكيرها مشوش.. عاجزة حتى عن التفكير المنطقي



تحاول ترتيب أولويات.. وصنع تراتبيات منطقية.. لتجد كل شيء ينهار.. وتعود في تفكيرها لنقطة الصفر





هي.. شابة صغيرة.. بتجربة زواج عقيمة خرجت منها بجراح عميقة وطفل..



وهو.. رجل مكتمل ناضج.. تعرفه جيدا في نطاقهم الأسري.. تعرف مقدار حنانه وقوته...



ولكن لم يسبق له الزواج وستكون هي تجربته الأولى في عالم النساء





هو بالنسبة لها فرصة لن تتكرر



وهي بالنسبة له .. عجزت عن إيجاد مسمى لا يجرح أنوثتها




في كل الأحوال هي الرابحة الأكبر في كل المعادلات





" فهل من حقي أن أكون أنانية..



أبحث عن فرصة ما لسعادة لم أعرفها في كنف زوج يكون لي سكنا ولابني والدا



أنجب مزيدا من الأطفال يكونون لحسن عزوة وسندا



لا أعلم لما أشعر بكل هذا التردد؟



المنطق يفرض علي أن أوافق فورا



ولكن شيء بداخلي يقول لي لا تفعلي لا تفعلي!!



ربما من أجل شعاع!!



لم تقل لي يوما أنها تحمل مشاعرا ما لمهاب



ولكن لطالما شعرت أنا بذلك



فهل من حقي أن أخذ الرجل الذي تفكر به شقيقتي؟؟



لا لا ليس من حقي..



.



لا تكوني غبية... شعاع صغيرة وجميلة وغاية الرقة



فرصتها كبيرة في الحصول على زوج بالمواصفات التي تريدها



ولكن أنا لا.. لن أحصل مطلقا مرة أخرى على فرصة كمهاب



فهل سأعيش حياتي الباقية هنا في بيت والدي؟؟



وأرى عبدالرحمن وشعاع يتزوجون ويعيشون حياتهم



بينما أنا أبقى أحتضن ابني وأجتر حزني حتى يكبر ابني ويبتعد عني في عوالمه الخاصة "





جوزاء حين شعرت بالارهاق من أفكارها قررت أن تتجه لشعاع التي تعلم أنها تذاكر الآن




حين دخلت عليها وجدتها تبرد أظافرها.. فهتفت جوزاء بغضب: يا سلام على اللي تدرس




ابتسمت شعاع برقة: بس تايم آوت شوي




جوزاء تجلس على السرير وهي توجه لها الخطاب بعتب رقيق: يا قلبي يا شعاع ليش تطولين أظافرش.. يعني ما تدرين إنه حرام




شعاع برجاء: شوفيهم والله قصرتهم واجد.. ما خليت منهم إلا نتفة بسيطة.. أحسهم يعطوني منظر أنثوي شوي




ابتسمت جوزاء: وأنتي ماشاء الله محتاجة أنوثة يعني..




شعاع تضحك:إيه والله محتاجة.. ليه قالوا لش مثلش أوزع أنوثة على ذا الجسم اللي تنافسين فيه "بيونسيه" ماشاء الله...



يأختي أي حد يشوفني يفكرني عمري 15 .. أقول 21 ما حد يصدقني




تضحك جوزاء: أما إنش غريبة.. حد يعيف يبين إنه أصغر من سنه.. هذا حلم كل مره في العالم..




تضحك شعاع: إيه حلم كل مره.. مهوب كل بزر.. إذا أنا أساسا شكلي بيبي.. فمافيه سبب أصغر نفسي.. حتى الكذب على خلق الله محرومين منه




حينها تنهدت جوزاء وهي تشعر بضرورة مصارحة شقيقتها.. لن ترتاح إن وافقت على رجل وهي تظن شقيقتها تفكر به..




همست بهدوء: اشعيع ممكن أسألش عن شيء وتجاوبيني بصراحة




شعاع ابتسمت: وش لو المقدمات يأم حسون.. خش في المفيد على قولت سميرة




جوزاء بتردد: أنتي تفكرين في امهاب؟؟




شعاع هتفت باستنكار: افكر فيه أشلون يعني؟؟




جوزاء بنبرة مرهقة: تكفين شعاع أنتي فاهمة جاوبيني..




شعاع بحرج: أنتي بصراحة غريبة.. وش دخلني في امهاب أفكر فيه وإلا ما أفكر فيه




جوزاء برجاء: تكفين اشعيع جاوبيني وبصراحة...




ابتسمت شعاع بشفافية: مع إني والله ما ادري وش القصد من سؤالش



لكن الجواب هو لا.. ما افكر في امهاب بالطريقة اللي في بالش



صحيح امهاب كستايل يعجب البنات.. كابتن طيار له هيبة وشخصيته قوية



وما أنكر إني قبل كم سنة كنت أفكر فيه تفكير مراهقات شوي



بس الحين لا.. بيني وبينه فرق تسع سنين موب شوي..وبعدين جدي حبتين..



سبحان الله صرت أحسه مثل عبدالرحمن...يمكن من قد ماهم أصحاب وربع




جوزاء بحذر: يعني نهائي ماله في بالش تفكير خاص؟؟




شعاع باستغراب: جوزا اشفيش.؟؟. وانا وش أقول قبل شوي..




جوزاء بحزم: احلفي لي عشان أصدق ويرتاح بالي..




شعاع ضحكت: والله العظيم إني ما أفكر في امهاب ولد أم امهاب التفكير اللي في رأس جوزا بنت أم عبدالرحمن




حينها هتفت جوزاء بصوت مبحوح متقطع وكأنها تريد أن تلقي مالديها وتنتهي:



يعني لو امهاب خطبني.. ذا الموضوع ما يضايقش؟؟




حينها قفزت شعاع بحماسة وهي تصرخ بحماس عذب: من جدش.. من جدش.. قولي والله..




جوزاء بجزع: قصري حسش لا حد يسمعش..




شعاع تبتسم: خليني أعبر عن وناستي.. ليه مسوين جريمة وإلا حرام ندسه؟؟




جوزاء بتردد : انا مابعد وافقت.. وامي وابي أصلا ما يدرون..




شعاع تجلس جوارها وهي تهتف بحماس: وشو له ما توافقين.. وافقي يالخبلة.. وين بتلاقين أحسن من امهاب؟؟




جوزاء بذات التردد المؤلم: ماهو عشاني ماراح ألاقي أحسن منه مترددة.. أخاف أكون أظلمه




شعاع باستغراب: تظلمينه؟!



والله أنتي ما ضربتيه على يده وقلتي تعال اخطبني..



امهاب رجال عمره 30.. وشوره في رأسه.. وهو جاي يخطب من نفسه..



والله منتي بمسؤولة تفكرين عنه.. انتي فكري في مصلحتش ومصلحة ولدش وبس..







*********************************







" جاي من المعسكر وإلا جاي من مدرسة السواقة؟؟"



نبرة رجولية شابة لم تخلُ من سخرية عميقة




فهد التفت لمحدثه الذي يضع رأسه على فخذ والدته بينما فهد ألقى السلام وقبّل رأس والدتها...وكان متجها للأعلى



همس فهد بسخرية مشابهة: ودلوع أمه مهوب في غرفته يدرس ليه؟؟




هزاع يتناول يد أمه من فوق رأسه ويقبلها ويهتف بمرح: والله دلوع أمه.. جعله ما يبكي أمه ..مشتاق لأمه.. وجاي يمتع عيونه بطلتها البهية..




فهد الواقف قريبا منهما هتف بابتسامة: والله اللي أشوفه أنك 24 ساعة لاصق في أمك.. والدراسة مابه دراسة



والله لما تنجح ياهزيع ذا السنة إن قد أدخلك الجيش بشهادة الإعدادي.. وخلك جندي حالك حال ربعك الفاشلين




هزاع يعتدل جالسا وهو يقول (بعيارة): عدال ياحضرت النجمتين.. وش فيه العريف أبو شريطتين.. يا زينه .. مهوب تارس عينك يعني




فهد بجدية : إيه هذا أقصى طموحك.. عريف بشريطتين..



ما تستحي على وجهك انت.. سناينك قدهم بيتخرجون من الكلية وأنت عفنت في ثالث ثانوي




هزاع مازال يبتسم: عدال فهيدان لا ينقطع لك عرق... يمكن أجيب في الثانوية ذا السنة نسبة أحسن من اللي بتجيبها أنت في مدرسة السواقة يا دريول سكند كلاس




أم صالح الغارقة في أفكارها تكلمت أخيرا: هزيع عيب عليك.. احشم أخيك الكبير




فهد يبتسم مثله: عادي يمه خليه .. الأخ عنده إني بأعصب إذا قال لي يا دريول سكند كلاس..



خلينا الدرولة لك.. وذا شنبي بأحلقه كنك فلحت ذا السنة




هزاع يضحك كأنه فاز بجائزة ثمينة: وترا ماحد موديك للحلاق غيري.. أبي أشرف بنفسي على حلاقة الشنب الغالي على الزيرو..



وخلش شاهدة يمه...



ولا تخاف أنا اللي بأسوق.. خبرك دريول رقم واحد..








************************************







الرحلة تسير على مايرام.. مضت نصف ساعة على الإقلاع.. وتبقى حوالي نصف ساعة أخرى




الصمت محتكم بين جميع الأطراف.. رغم أن مهمة الطيران يقوم بها الآن الطيار الآلي




سهى كانت لا تسمع شيئا لأنها كانت تضع سماعاتها على أذنها.. بينما مزون وغانم لا يضعونها لانهما اكتفيا بوضع سهى لها




مزون كانت تحلق في عالم آخر.. رحلتها الأولى.. حلمها الأزلي..



هاهي تنظر للسحاب تحتها.. ويغتال كل شريان ووريد فيها إحساس مذهل بالانتشاء وهي تتحسس الأجهزة أمامها بنشوة



وتشعر أنها في هذه اللحظة يتلبسها شيطان الشعر وقد تكتب قصيدة طويلة بل مفرطة في الطول.. علها تعبر عن بعضا من إحساسها الخيالي..





غانم كان أول من بدد الصمت وهو يخرجها من فقاعة انتشائها



وهو يسترخي على مقعده ويوجه السؤال لها دون أن ينظر ناحيتها: أشلون الوالد؟؟ بشرينا عنه.. لي زمان ما شفته




مزون انتفضت وهي يفاجئها باقتحامه قوقعتها الخاصة.. تنهدت في داخلها (اللهم طولك يا روح) وهتفت بذات النبرة البارعة الباردة واللبقة:



الوالد طيب وبخير.. ومجلسه مفتوح لخلق الله.. اللي يبيه يدل مجلسه..




ابتسم وهتف بهدوء: وأنا جيته أنا الوالد في مجلسه كم مرة.. وهو بعد دايم يجينا.. أبو كساب واصل وما يقطع جماعته..




(يا ملغك يأخي.. الله يعدي ذا الرحلة على خير) هتفت ببرود: ماعليكم زود..




حينها عاود غانم السؤال: وكساب وعلي.. أشلونهم بعد؟؟ علي عاده في جنيف؟؟




حينها هتفت مزون ببرود احترافي: اسمعني كابتن غانم.. من جماعتي؟ على رأسي وعيني..



بس هنا حن زملاء.. تلتزم حدود الزمالة وبس.. تسالني عن الرحلة وبس



أي شيء ثاني تحتفظ به لنفسه




بدا لها لم يهتم بما قالته.. وهو يهمس بصوت منخفض فيه نبرة سخرية:



يعني لو كنت واحد مهوب من جماعتش.. كان سمحتي لنفسش تأخذين وتعطين معي؟!




حينها التفتت له مزون بحدة وهمست من بين أسنانها بذات البرود:



تدري... من سخافة السؤال.. أستسخف نفسي لو رديت عليه..



ولو وجهت لي كلمة وحدة بعد من ذا النوع.. أقسم باللي ما ينحلف فيه زور إني أقدم فيك شكوى أصعدها لأعلى مستوى..



وقتها لا يهمني أنت ولد آل ليث.. وإلا واحد من أقصى الشارع..




هتف غانم بثقة شديدة: اللي ينتهدد يا بنت زايد غيري مهوب أنا.. أنا مادريت إن أسئلتي بتضايقش



لو طلبتي بلباقة إني ما سأل.. بأقول لش تم.. والسموحة.. بس الظاهر الغرور راكب رأسش الله يكفي شره








************************************







كانت على وشك الجلوس على سفرة الغداء لكنها تذكرت شيئا وقفزت



"بأروح أشوف إبي جابر تغدى وإلا لا؟؟"




مزنة بمودة: اقعدي يامش.. جدش تغدى ومنسدح ذا الحين




عاودت كاسرة الجلوس بجوار والدتها ..



يوم اعتيادي وكلهم اليوم مجتمعون...في أحيان كثيرة يكون أحدهم ناقصا



رحلة عند مهاب.. محاضرات للعصر عند وضحى.. ضغط عمل عند تميم..



الاثنتان المتواجدتان على الدوام: كاسرة ومزنة..




تميم يشير لمهاب: عندك رحلة قريب لأوربا؟؟




مهاب يشير له بكتابة في الهواء: بكرة يا باريس يا لندن.. ماني بمتأكد..




تميم يشير له.. ولكن مهاب لم يستطع فهم الإشارة جيدا..



فتسارع وضحى بالقول دون أن تشير حتى لا ينتبه تميم وكأنها توجه حديثها لأمها: يقول لك يبي جهاز وبرامج مهيب موجودة هنا




دائما حريصة على الحفاظ على مشاعره.. وحتى لا يشعر بانفصاله عن أسرته أو عجزهم عن فهم أي شيء قد يقوله




مهاب يبتسم وهو يشير له أن يكتب كل مايريد في ورقة وسيحضره له..



ثم يلتفت مهاب لكاسرة ويهتف بهدوء: ومزيونتنا أشفيها ساكتة..؟؟




تبتسم كاسرة: يأخي حكيي دايما ما يعجبك.. خلني أريحك اليوم




مهاب يبتسم: أفا أفا.. حكيش يعجب الباشا.. واليوم عاد نبي رأيش معنا..




تتنهد كاسرة: آمر..




امهاب وقف ليغسل يديه: إذا خلصنا الغدا تكلمنا..




بعد انتهاء الغداء.. تجمع أسري لطيف وضحى ومزنة يعرفون سببه..



رغم أن مهابا مطلقا لا يحتاج رأي أحد منهم.. فما يهمه هو رأي أمه وهي موافقة



ولكنه حفاظا على مشاعر أخوته.. يريدهم أن يسمعوا الخبر منه




هتف مهاب بحزم: وضحى لو شفتي تميم ما فهمني علميه



وعلى العموم هو ماصار شيء أساسا بس أنا حبيت أنكم تسمعون مني.. عشان مايجي في خاطر حد منكم إذا دريتم عقب



أنا خطبت جوزا بنت فاضل.. وأنتظر ردها عشان أخطب رسمي..



ولو افقوا بأتزوج على طول بدون تأخير.. يعني خلال شهر شهرين بالكثير




كانت كاسرة أول من تحدث وهي تهمس بثقة هادئة: أنت مقتنع فيها؟؟




مهاب بحزم: ومتى كنت أسوي شيء أنا ماني بمقتنع فيه




كاسرة بذات الثقة دون تذبذب: إذن توكل على الله.. وعقبال مانقول لك مبروك على الملكة والعرس




وضحى صمتت بعد أن أنهت إشارتها لتميم.. فرأيها قالته لوالدتها.. وهي غير مستعدة لإعادته أمام مهاب..




لكن تميم كانت علائم وجهه تغيم بغموض..ثم أشار لوضحى: وضحى لوسمحتي ترجمي لأني ماني بمستعد أعيد الإشارة



أبي أقول لمهاب الله يوفقك مع اللي اخترتها.. تدري بغلاك عندي وفرحتي للشيء اللي بيفرحك



وأبي أسال أمي: أنتي موافقة على اختيار مهاب..؟؟




مزنة بهدوء حازم: طبعا موافقة.. هو مقتنع فيها.. وهي مافيها قصور..




شبح ابتسامة موجوعة يرتسم على وجه تميم: يعني أنتي موافقة على اللي اختارها امهاب مع إنها ما تناسب تصوراتش المثالية للمره التي تبينها لعيالش



لكن أنا تحرميني من نفس الحق في اختيار اللي أنا مقتنع فيها




حينها أشارت مزنة لوضحى بحزم: لا تأشرين عني.. بيني وبين ولدي ما أبي وسيط..



الحين أنا أبي اسالك يمه.. هل عندك لو حتى ذرة شك إني مثلا أحب امهاب أكثر منك.. أو مصلحته تهمني أكثر من مصلحتك




حينها انتفض تميم وهو يشير: لا طبعا.. ولا خطر ببالي..




مزنة تشير وهي تتحدث بحزم: خلاص إذن انتهينا.. أنا أشوف إن اللي اختارها امهاب تناسبه..



وأنت أبي أختار لك اللي تناسبك..




حينها أشار تميم بحزم: زين يمه... أنا واحد أبي أتزوج



خلاص اختاري لي ذا الوحدة اللي أنت شايفتها تناسبني



لكن بأقول لش شيء يمه.. لو ما ارتحت معها حتى لو كان شوي



ترا ذنبها في رقبتش.. لاني بأطلقها.. أنا ماني بمستعد أربط حياتي كلها بوحدة أعيش معها تعيس



وعقبها خلاص أنا اللي اختار لنفسي..

همس المشاعر
09-24-2011, 01:57 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الرابع عشر







عل كل الجبهات



رماد معارك انجلت.. ومعارك مازال غبارها يثور ينتظر لحظة الإنجلاء






***************************







رحلة العودة



تبقى القليل من الوقت للهبوط في مطار الدوحة




الصمت مطبق.. وحزن مجهول خانق يطبق على قلب اعتاد الحزن..



فلماذا يبدو لها هذا الحزن عصيا على الاحتمال؟!



ما الجديد في هذا الحزن حتى تشعر أنها غير قادرة على التنفس



وهي من اعتادت على تنفس الأحزان شهيقا وزفيرا لسنوات



حتى باتت لا تعرف أنفاسا ليس لها لون الحزن ونكهته




تتذكر الآن سعادتها الطفولية المبتورة وهي تركب الطائرة قبل ساعات قلائل



حينها لا تعلم هل خدعت نفسها؟! أو كانت ترسم لنفسها فرحة في خيالها لم تنطبق أبدا على الواقع؟!




قبل أربع سنوات تحدت الكل لتكون هنا.. أرادت التراجع ولم تستطع..



وظلت طوال السنوات الماضية تقنع نفسها أنها حينما تركب الطائرة لأول مرة ككابتن فعلي



حينما تتحسس الأزرار بإحساس الكابتن.. وترى الأرض تبتعد لتنفصل عنها وتحلق في سموات لا يحدها حدود



حينها سينتهي الحزن كما لو كانت في حلقة أخيرة من مسلسل طويل طال انتظار حلقته الأخيرة..



أقنعت نفسها بذلك.. حتى تصمد!!




" حلمي سيضمد جراحي!!



حلمي سيضمد جراحي!!



حلمي حين يتحقق سيضمد جراحي!!"





هاهو الحلم تحقق.. تحقق



فلماذا تشعر أن الجروح لم تتضمد.. لم تنغلق.. ولكن تنفتح باتساع..ليذر عليها الملح



لماذا لم تقنع بسعادتها المسروقة من بين الأحزان؟!!



لماذا هي عاجزة عن إقناع نفسها إنها سعيدة؟!



لماذا هي عاجزة عن الإحساس بسعادتها المفترضة؟!




لماذا تشعر أن كل هذا لا يوازي حتى ساعة واحدة من أيام جلوسها بجوار كسّاب حتى وإن كان غارقا في القراءة بصمت؟!!





بعد انتهاء حوارها السابق مع غانم.. بدأت تغرق في إحساس سوداوي بالحزن والاختناق




"أنا من سمحت لنفسي أن أكون في هذا الموقف



أنا من سمحت له بالتطاول عليّ بوجودي في هذا الموقع



كما سمحت قبله لمهاب ان يتجرأ على إهانتي



فمن يصنع بنفسه شيئا يستحق ما يلاقيه



ولكن ماعاد بي صبر!!



ما عاد بي صبر !!"





حينما وصلوا لمطار أبوظبي



قضت ساعتي الانتظار في استراحة الطيارين لا تلتفتت يمينا ولا يسارا ونظرها الغائم مثبت على جهاز الحاسوب أمامها



تكاد تقسم أنها حفظت كل درجات الحرارة وكل إحداثيات الطريق



وهي تشعر أن عرقها يتصبب غزيرا



وإحساسها بالحزن والاختناق والغربة يتزايد ويتزايد ويتزايد



حتى أنها كادت أن تتوجه لعيادة المطار لترى مشكلتها.. ولكنها تراجعت



فما بها لن يعالجه كل أطباء العالم!!





في الاستراحة كان غانم كان يجلس قريبا منها



لا تعلم لِـمَ توارد لذهنها الذي كان مثقلا بالأسى إحساسا أنه في اختياره لهذا المكان بالتحديد كأنه يهدف لحمايتها.. أو مراقبتها!!



لكنها نفضت أفكارها الغريبة عن رأسها وهي تعاود التركيز في حاسوبها والإنشغال بحزنها الخاص



وغانم وكل ما يرتبط به يتقزم في ذاكرتها!!





وهاهي تنتظر انتهاء الرحلة بعد عدة دقائق



وهي تتمنى أن يحدث شيئا ما يقنعها أن هذا الأمر معجزة



هاهي تطير ومحلقة ومشبعة بالسعادة



ولكنها لا تشعر بشيء من ذلك.. كل ما تشعر به الاختناق



الاختناق.. الاختناق..



الاخـــتـــنــــــاق!!!!






"سهى الأكسجين بسرعة.. بسرعة"



كانت هذه صرخات غانم الجزعة وهو يسمع صوت الحشرجة الصادر عن مزون



والذي بدأ لأذنه الخبيرة عجزا عن التنفس




سهى قفزت وهي تنزل قناع الأكسجين



وهي تقترب من مزون التي بدت فعلا تعاني من ضيق من التنفس



بينما غانم ثبت وضعية الطيار الآلي ثم وقف وتأخر وهو يوليهما ظهره




سهى نزعت النقاب عن وجه مزون.. ووضعت القناع عليها.. وهي تصرخ في أذنها: اسحبي نفس.. اسحبي نفس



ياربي البنت بتموت.. ياكابتن.. وجهها صار أزرق




كان غانم يعاني في قهر نفسه حتى لا يلتفت أو يساعد..



يعلم أنها يستحيل أن تتقبل رؤيته لوجهها... لذا صرخ بسهى وهو مازال يوليهما ظهره: زيدي دفع الأكسجين..




بعد ثانيتين.. شعر غانم براحة عميقة تجتاح أعصابة المشدودة وهو يسمع صوت كحتها..



مزون أخذت نفسا عميقا ثم صرخت بجزع: وين نقابي؟؟




سهى ناولتها النقاب ومزون تنظر بجزع وحرج لغانم.. لتتنفس بعض أنفاسها الذاهبة.. وهي تراه يقف موليا ظهره لهما..



عاودت وضع نقابها بسرعة والسماعات على أذنها وهي تشعر بحرجها يتزايد.. لتصرخ بعدها: كابتن برج المطار يتصلون




غانم عاود الجلوس بسرعة وهو يضع سماعاته بسرعة.. وبرج الاتصالات يطالب بتوضيح لعدم ردهم عليهم مع أن الهبوط اقترب



ومازال نظام الطيار الآلي هو من يقود الطائرة..




هتف غانم بثقة: مافيه شيء.. الحين نضبط الوضع..



وهو يحول القيادة للملاحة للعادية




غانم هتف بحزم لمساعداته الاثنتين: مافيه داعي حد يعرف اللي صار قبل شوي..



كابتن مزون هذي رحلتها الأولى.. واللي صار بيكون مهوب في مصلحتها




لتهتف مزون بحزم أكثر شدة: وأنا ما أبي حد يتستر علي.. أنا بنفسي بارفع تقرير عن اللي صار لي..




غانم هز كتفيه : مثل ما تبين يا كابتن.. ولا تعتقدين إنه أنا أتستر عليش لكن هذا من باب الموأزرة بين أهل الكار الواحد



لأنه غالبا في الرحلة الأولى للكابتن تصير مشاكل.. كلنا صار لنا



وصار عُرف إنه الكابتن يمشيها لحد الرحلة الثانية.. لو تكررت حينها يرفع تقرير



صح كابتن سهى أو أنا غلطان؟؟




سهي بثقة وهي مشغولة بما أمامها: صحيح كابتن..




مزون لم ترد عليهما فهي في عالم آخر من ألم عاود اجتياحها حتى نخر النخاع عالم أعادها له المنظر الذي بدأ تحتها.. وكأنها غادرت الألم الساكن في حناياها أصلا!!



كانت مشغولة بالنظر إلى معالم الدوحة التي بدأت تتضح..



البحر.. الشطآن..المباني..



والــوجـــع.. الكثير من الوجع





كان هبوطه رائعا ثابتا ومحترفا.. ولكنها لم تنتبه حتى شعرت باحتكاك العجلات بأرض المطار




لم يوجه لها مطلقا أي حديث وهو يتناول جاكيته وقبعته ويعاود ارتداءها وينزل لأرض المطار




تنهدت مزون بعمق.. تشعر بصداع متزايد



ووجع متزايد



وحزن متزايد



لا تشعر حتى بأدنى رغبة أن تعود لهذا المكان مرة أخرى



كم بدا لها هذا المكان باهتا...باهتا جدا



لا يستحق حتى ألق عيني كسّاب اللتين تشعان بحنان حينما يراها بعد غياب



لتفتقد لهذا الألق.. وذاك الحنان..



بل لتفقد كسّاب نفسه!!





أنهت مزون اجراءتها لتتفاجأ أن عمها ينتظرها في الداخل



وكان غانم خلفها مباشرة




منصور حين رأى غانم أشار لمزون أن تذهب لمواقف السيارت... بينما بقي هو للسلام عليه




وهاهي مزون تقف بجوار السيارة وهي تدعي الله بعمق ألا يكون غانم قد أخبر عمها أنه من كان معها على متن الطائرة



أو يخبره بما حدث لها



تشعر بذنب يخنق روحها أنها مضطرة أن تكذب على عمها



ولكنها ليست مستعدة لغضبه.. فما بها من الحزن اليوم يكفيها عن كل شيء





منصور وصلها بعد دقيقة.. وهو يفتح السيارة ويهتف بالثقة: تأخرت عليش يا أبيش؟؟



شفت واحد من عيال الجماعة... الله يعينه جاي من الرباط.. رحلة طويلة والله




مزون ركبت بصمت دون أن ترد بكلمة



هتف لها منصور بحنان حازم: أفا .. مافيه أشلونك ياعمي.. وحشتني.. أي شيء؟؟




مزون بسكون: تعبانة شوي فديت قلبك..




منصور بقلق: وش فيش يالغالية؟؟




حينها انفجرت مزون في بكاء مفاجئ مكتوم.. منصور حينها أعاد إيقاف سيارته في موقفها قبل أن يتحرك بها



فهو لن يستطيع أن يقود مطلقا وقلقه يتفجر عليها: وش فيش يأبيش؟؟ حد قال لش شيء؟؟




مزون بين شهقاتها: مافيه شيء يستاهل.. مافيه شيء يستاهل..




منصور بقلق: وشو اللي ما يستاهل؟؟




مزون الباكية: ذا السالفة كلها.. ماكانت تستاهل زعل كساب ولا زعلك.. ولا هروب علي.. ما تستاهل.. ما تستاهل




منصور بحنان يربت على كفها: خلاص يأبيش.. وش لش بذا السالفة كلها.. خليها..




مزون تحاول تهدئة نفسها: بأخليها.. بس كسّاب اللي يطلب مني.. تكفى ياعمي.. قل له.. أبيه يدري إني خليتها عشانه..




منصور يحرك سيارته ويهتف لها بحنان: أبشري.. ما يصير خاطرش إلا طيب...







******************************







"متى تبي ترجع؟؟"




كساب يجيب والده بهدوء : بكرة على الطيارة اللي بتنزل باريس شوي..وعقب الدوحة إن شاء الله




زايد بهدوء حازم: أنا طالع الليلة لباريس عندي شغل هناك.. وبكرة بأكون معكم



فأكد حجزي معك..




كساب هز كتفيه وهو يهمس بنبرة اعتيادية: تامر




بينما علي انتفض بخفة وهو يهتف بخيبة أمل: يعني كلكم بتخلوني




زايد بحزم: ما يخليك ربك.. لو أنك تبي قربنا.. كان دليته..




علي ينهض ليقبل رأس والده.. ويهتف بحزم ودود: يبه ذا السالفة انتهت من زمان



أنا خلاص صرت تبع مكاتب التمثيل الدبلوماسي الخارجي..




زايد بحزم يخفي خلفه رجاء لا يكل ولا يمل: خل الموضوع علي ولا لك شغل




علي يعاود تقبيل رأسه ويهتف باحترام: أنا واعد خالتي أطلعها إذا راحو الرياجيل اللي كانوا عندنا



وهذا هم راحوا.. ما يحتاج أقول البيت بيتكم




ثم أردف وهو يوجه الحديث لكسّاب: كسّاب تكفى لا تطلع مكان



باقي ماجد ماجاء.. وأكيد إنه على وصول.. مهيب زينة يأتي ما يلاقي حد عند إبي




كسّاب استرخى في جلسته وهو يهتف بحزم: وين بأروح؟؟ حياه الله




وهو يتبادل نظرات حذرة مع والده.. فغالبا ما ينتهي لقاءهما منفردين بتحفز جاهز من كسّاب



وكان ينقذه من والده ادعاءه بالانشغال.. ولكن هنا في جنيف



وفي شقة مغلقة... بماذا سيتحجج هذه المرة؟؟







*****************************







"نجول قلبي.. وش فيش فديت عينش.. من يوم جبتي الشواذي من المدرسة وانتي سكتم بكتم.. طلعي لسانس أشوفه



لا تكون القطاوة كلته والا شيء"




نجلاء بضيق عميق: تكفين سميرة انا ماني بناقصتش... اللي فيني مكفيني




سميرة تبتسم وهي تجلس جوارها ثم تحتضن عضدها: أفا ام خلودي.. قولي لي من اللي مزعل الغالية عشانه أحطه في الخلاط




نجلاء بذات الضيق العميق: صالح




جينها وقفت سميرة وهتفت بمرح: حسبت عندش سالفة.. ليه فيه سبب أصلا للضيقة غير صويلح



ولو أنه صويلح فلة.. ودهينه على الكبود.. بس وش نسوي بالناس اللي ما يقدرون




نجلاء وكأنها لم تسمع شيئا مما تقوله: يبي يأخذ عيالي يا سميرة..




سميرة حينها قفزت وانتفضت بغضب: ليه هي فوضى والا على كيفه ياخذهم



خله يسويها عشان أقول لأبي وغانم وحتى عمي خالد على سواياه الشينة



يعني شافش دسيتي سواد وجهه يبي يحرمش عيالش




نجلاء تشير بيدها : وين راح مخش.. يبي يأخذهم يوديهم ديزني لاند أسبوعين




حينها انقلبت سميرة لتنفجر بالضحك: حسبت عندش سالفة.. صبيتي قلبي



وخليتيني أقلب الموجة على الموجة القشرا



حرام خويلد وعزوز من السنة اللي فاتت ميتين على الروحة.. خلهم يروحون يستانسون



وبعدين ماشاء الله لا حد منهم يلبس حفاظة ولا يشرب مرضاعة عشان تقلبين وجهش تراجيديا كذا




حينها انتفضت نجلاء بغضب مليء بالضيق: وأشلون أصبر من غيرهم..أنا حتى يوم واحد ما أقدر أبعد عنهم.. تبينه يأخذهم أسبوعين




حينها همست سميرة بخبث: روحي مع عيالش.. وأدبي صويلح.. وطلعي اللي هو سواه من عينه




حينها همست نجلاء بحرج: تدرين إنش خبلة.. والشرهة على اللي يشتكي لش




حينها جلست سميرة وهي تبتسم وتحاول بطريقة فاشلة أن تتكلم بجدية:



نجول خلينا من خبالش وأنتي صار لش معسكرة عندنا 9 شهور وأنتي محلش سر



لا أنتوا اللي حليتوا المشكلة



ولا أنتي اللي خليتي حد يتدخل في السالفة



ولا أنتي اللي حتى رضيتي تقولين لأحد شيء



كل ما حد سألش (مشكلة بيني وبين رجالي.. مضايقتكم قعدتي عندكم يعني؟؟)



يعني تحدين إبي وغانم على أقصاهم عشان يتنافضون وهم مسوين فيها حاتم الطائي وولده



(إذا ماشالتش الأرض تشيلش عيوننا.. والعين أوسع لش من الخاطر)



ويخلونش فترة ويرجعون يفتحون الموضوع ونفس الموال ينعاد




نجلاء بخجل وحرج وضيق: وش تبين أقول لهم (ولد أخيك وولد عمك يعاير أم عياله بأمها)



أنتي عارفة أشلون العلاقة قوية بينهم وبين عمي خالد وعياله..أموت ولا أكون أنا السبب في خرابها..




حينها غمزت سميرة بخبث: تحبينه وإلا لا؟؟




نجلاء بخجلها الشفاف: عيب يابنت..




سميرة تضحك: علي يا بنت.. أدري إنش تموتين عليه..




نجلاء حينها هزت كتفيها وهمست بيأس: زين وأموت عليه..بس ما أقدر أعيش معه على ذا الوضع.. نفسي شانت من ذا الحالة



الإنسان يقدر يعيش من غير حب.. بس ما يقدر يعيش من غير احترام




سميرة بنبرة من يلقي سرا: نجول عمرش ما قلتي لي يوم تزعلين عليه وأنتي في بيته.. أشلون تتعاملين معه..




نجلاء باستغراب: وش تقصدين؟؟




سميرة تبتسم: عن الخبال.. وحدة عمرها 29 وقد هي داخلة الثلاثين.. تبي وحدة مثلي بيبي تعلمها




نجلاء تبتسم: أنتي اللي عن الخبال يالعجوز..وش تقصدين؟؟




سميرة تهمس بخفوت خبيث: أقص يدي أنش يوم تزعلين عليه.. أقصى ما تسوينه تكشرين في وجهه..



وهو يقول لش: أسف حبيبتي سامحيني آخر مرة



وعقب تقولين مثل الرسوم المتحركة: سامحتك حبيبي.. ورأسش تدور حوالينه قلوب تولع



لأنش خبلة وعند صويلح عظامش ما تشلش... عشان كذا قاعدة معسكرة عندنا وطاقة منه.. وحتى الشوفة ما تبين تشوفينه



أنتي كان ممكن تخلصين السالفة كلها وتحلينها في بيتش لو أنش قويتي قلبش على صالح..




نجلاء صمتت وهي تشعر بحرج متزايد.. لأن سميرة تقريبا وصفت ببراعة ما يحدث بينها وبين زوجها في كل مرة تغضب منه



تغضب منه.. تعتزله في غرفة أبنائها.. فيأتي معتذرا.. فتكره أن تراه بهذه الصورة التي تؤلم قلبها.. فتدعي أنها رضيت رغم جراح القلب المتزايدة



وجرح تلاه جرح فجرح..



حتى شعرت أنها ماعادت قادرة على الصبر .. وروحها مثقلة بالجروح..



وماعاد بها قدرة على احتمال المزيد وخصوصا أن أبنائها كبروا..



حينها قررت أن تهرب منه.. وهي مصممة على ألا تعود له





سميرة أكملت كلامها بابتسامتها المرسومة على الدوام: الحين يالخبلة أنتي من جدش تبين صالح يطلقش ويتزوج وحدة غيرش؟!!



زمان سألوا جحا: قالوا له وين ديرتك يا جحا.. قال ديرتي اللي فيها مرتي



والله إنه حكيم ذا الرجّال.. شكلي بأخليه مثلي الأعلى




يعني يا بنت أمي وأبي.. بكرة صالح لا تزوج بيتفل في عينش .. والغلا كله بيصير لمرته وعياله اللي في حضنه



نجول ركزي معي يالمفهية.. صالح رجّال فيه مميزات واجد.. كريم وحنون وفيه خير وبعدين عنده استعداد يقول لش أحبش طول اليوم



وين تلاقين واحد مثله..



أكيد إنه لسانه يبي قص.. وعيب عليه اللي سواه.. لكنه مالقى من يسنعه



وأنتي أصلا ما وريتيه العين الحمراء..



وعلى قولت جدي جابر قصدي جد وضوح (اللي ما يخلا خوف ما يخلى حشمة)



وريه إنش حتى لو رجعتي له مهوب معناه إنش سامحتيه.. وريه وش ممكن تسوين فيه وأنتي عنده..



عشان يحرم.. ويفكر مليون مرة قبل لسانه يجيب طاري شيخته أم غانم..




نجلاء صامتة وسميرة مازالت مسترسلة في كلامها بذات النبرة الضاحكة والمنطقية: دامش على كذا...والله ما يمشي حالش...



اصطلبي يا مرة... صويلح يعشق الأرض اللي تمشين عليها..



أنتي في موقع القوة.. اشلون لحد الحين ما سيطرتي على الوضع




حينها لمست سميرة رأس نجلاء ثم لمست قلبها وهي تهمس بهدوء باسم:



نظفي هذا.. ثم قوي هذا



وإذا ما مشيتي صويلح على العجين ما يلخبطه..



قولي سميرة قالت..







********************************







نـــــام ..



صــحــى مــن نــومــه..




دار في نواحي أنسي



سلم على كل طفل رآه.. وتحدث مع كل عجوز..



جميلة هذه المدينة لأبعد حد...ولكنه عاجز عن تذوق جمالها



يريد التوجه للمصحة.. ليس لأنه يريد ذلك....ولكن لأنه لا شيء يفعله عدا ذلك..



هاهو متغرب.. بل مثقل بالغربة .. ومن أجلها



أينما هرب.. ستبقى هي المكان الأخير العودة!!




انتظر اتصال داليا.. ولكن الوقت تمدد وتمدد والاتصال لم يصله



أ يعقل أنها مازالت مخدرة حتى الآن؟!



أو ربما ببساطة لا تريد رؤيته.. كما هو لا يريد رؤيتها



هو لا يستطيع التهرب من واجبه



ولكن ربما هي طلبت من داليا أن تعفيها من رؤية وجهه اليوم




وكم كان محقا في توقعه!!



حينما عاد طرق الباب بخفة ودخل.. ليجد داليا تجلس جوارها



وجميلة تخبئ رأسها في كتفها



ودموع صامتة تسيل بكثافة على عظمتي خديها البارزتين




أشارت له داليا ان يخرج قبل أن تنتبه جميلة لوجوده



أنزلت جميلة بخفة ولكن جميلة تمسكت بها وهي تهمس بجزع حقيقي:



وين بتروحين؟؟




داليا همست لها بحنان: دقيقتين للحمام وراجعة




خرجت لتقابل خليفة خارجا... همس خليفة بسكون أشبه بسكون صحراء هامدة: شاخبارها؟؟




داليا بحذر: وضعها سيء كثير.. بكت كثير.. وما تبي تشوفك



كنت أعرف تعلقها بأمها.. بس ما تخيلت لذا الدرجة



وخصوصا إنها وافقت إنها تسافر بدونها



أم جميلة الله يهديها أخطئت كثير بهذي الزيارة.. لأنها حاسة الحين إنها ممكن تضغط علينا نجيب أمها



بما أن أمها ما كان عندها مانع تجي من الأساس




خليفة بذات السكون: طيب والحل؟؟




داليا بحذر أكبر: أنت أشلون أعصابك؟؟ مستعد تتحملها لحد أخر الخط




هز خليفة كتفيه وهو يهمس بنبرة من يسخر نفسه: لا تخافين على اعصابي.. لين عقب آخر الخط بعد..



ثم أردف باهتمام: أشلونها الحين.. وكيف معصمها؟؟ من وين جاء هالدم كله.. أنا مستغرب أشلون باقي في جسمها دم أساسا




داليا بمهنية وهي تبتسم: عادي.. كمية الدم في جسمها مش قليلة بالشكل اللي أنت متصوره..



بس الدم اللي في جسمها بدون فايدة يعني بكلام الناس العاديين.. كأنه ماي وبس.. مافيه كريات حمراء مافيه حديد..



وعلى العموم ترا اللي نزل مو كثير.. ما يجي حتى 100 ملي..



بس إن شاء الله هي بتتحسن قريب... بس همتك معنا.. لأنه أنا بعد قريب بأنزل الدوحة




خليفة بجزع: أنتي بعد يا دكتورة تبين تخلينا..




داليا بذات النبرة المهنية: جميلة دايما محتاجة حد يسوي لها حماية.. يعني لما كنا في الدوحة ما كانت متعلقة فيني بهالطريقة



لكن بما أن أمها غير موجودة.. فهي خلتني مكانها



فأنا حابة إنها تحس إنك أنت حمايتها الوحيدة وفي نفس الوقت أريدك تشد عليها في قضية الأكل..




خليفة تنهد: طيب ممكن أشوفها..




داليا بحذر: أكيد.. بس حط في بالك إنها ممكن تثور عليك..




خليفة هز كتفيه: عادي يا بنت الحلال..




وبالفعل فتح خليفة الباب بخفة ودخل.. التقت عيناه بعينيها.. لم تقل شيء ولكنها اشاحت نظرها عنه



استغرب أنها لم تصرخ حين رأته...لم تثر.. اقترب وجلس قريبا منها



همس بهدوء حان: أشلونج الحين؟؟




جميلة بهدوء عميق ساكن: تدري أني أكرهك.. ومستحيل أحبك في يوم



وبأموت وأنا أكرهك..




انتفض خليفة بعنف.. لا يعلم لِـمَ بدت له كلمة "أكرهك" مؤلمة وموجعة وهي تقولها بهذه الطريقة



رغم أنها سبق وقالتها له.. ولكنها قالتها وهي في حالة غضب



ولكن أن تقولها بهذا الهدوء والتصميم



كان أمرا جارحا لأبعد حد



رغم أنه فعلا لا يبحث عن أي نوع مشاعر مع هذه المخلوقة



ولكن قسوة الكراهية جارحة.. جارحة!!




ومع ذلك أجابها بكل هدوء: عادي بتكرهيني اليوم وبتحبيني بكرة.. ماني مستعيل.. حبيني على راحتج وعلى أقل من مهلج..




حينها سالت دموعها وبدأت تشهق شهقات خافتة متقطعة.. وبين كل شهقة وأخرى تهتف بخفوت " أكرهك"




خليفة لم يرد عليها بقي معتصما بالصمت جالسا على مقعده



وهي تصفعه بكراهيتها المتكررة!!






***************************








"مساكم الله بالخير"




غانم العائد من المطار.. ينحني على رأس والده ورأس عمه الذي يتقهوى قهوة العصر مع والده في مجلسهم




شبه رائع بين الشقيقين.. ولكن أبو غانم كان أطول وقامته أكثر اشتدادا ويبدو عليه بالفعل أنه أصغر من أبي صالح كما هو فعلا



ولكن الفرق بينهما يبدو كما لو كان يتسع مع أثر السنوات الذي بدأ يبرز على أبي صالح بوضوح



وكأنه مع كل سنة تمر يكتسب سنوات.. ولحيته الطويلة البيضاء تمنحه هيبة وألما وعمرا !!



في الوقت الذي راشد مازال محتفظا بألق خاص يشع من روحه المشبعة بالحنان





أبو صالح هتف بحزم: مساك الله بالنور والسرور



اقعد يأبيك احضر سالفتنا..




غانم جلس تنفيذا لأمر عمه.. رغم أنه لا يحب أن يجلس في المجلس بلبس الطيارين دون ثوبه وغترته



وهتف باحترام ودود: آمرني يبه




أبو صالح بحزم: عاجبك حال صالح ومرته.. وابيك يقول ماني بجابر بنتي على شيء




غانم بحزم هادئ: اللي إبي يقوله تم.. مالي رأي عقب رأيه..




ابو صالح بغضب: وش ذا الخبال اللي عندك أنت وإبيك.. ما يسوى علي كل يوم أكلمكم في ذا السالفة



ولا لي حشمة ولا تقدير عندكم..




راشد انتفض جزعا: ماعاش من لا يحشمك



قدرك وحشمتك على رأسي ورأس ولدي... بس يا خالد جعلني فدا لحيتك



نجلاء كل ما قلت لها ارجعي لبيتش.. قالت أنتوا ضايقين مني؟؟



وأنا وأنت عارفين نجلاء زين.. نجلاء مرة عاقلة.. وقد لها حول عشر سنين عند صالح ما عمرها زعلت منه



ما حدها على الطلعة من بيتها إلا شيء(ن) كايد.. فأنت شوف صالح وشو مزعلها فيه؟؟



وأنا ماني بغاصب بنتي بكري وأول فرحتي على شيء هي ما تبيه.. ولاني بقاهرها..



لأني أعرف نجلاء ماحدها على ذا إلا وجيعة كايدة...ولاني بموجعها فوق وجيعتها



إذا بغت ترجع رجعت من كيفها وإلا والله ما أغصبها على شيء




غانم اعتصم بالصمت احتراما لوالده ولعمه بينما كان أبو صالح يتنهد:



والله أني قلته لصالح.. قلت له نجلاء عاقلة وماحدها تطلع من بيتها إلا شيء(ن) كايد.. بس هو بعد يقول مثلها (شي(ن) بيني وبين مرتي)



دام ماحد (ن) منهم راضي يعلمنا... نخليهم على كيفهم وعلى خبالهم؟!!



لازم نشوف سالفتهم عشان عيالهم.. ما يصير ذا الحال..




حينها وقف غانم ليتجه للداخل وهتف لعمه باحترام: يبه أنت وصالح على رأسي



وانا بنفسي واجد حكيت نجلاء وهي ملزمة على اللي في رأسها



وأم خالد ماحد بغاصبها على شيء هي ما تبيه



أم خالد شيختنا.. وتمون على رقبتي








*************************







" خالتي عندش إنش لو قعدتي منزلة طرف الشيلة على نقابش..



إني ماني بعارف إنش تبكين من قبل حتى ما نطلع من الشقة حتى"




عفراء بصوت مبحوح تحاول بعث التماسك فيه: لا تلومني يأمك.. اللي فيني يهد جبال




علي بحنان وهو يمسك بذراعها ويدخلها في ذراعه وهما يمشيان في ساحة بورغ دي فور قلب مدينة جنيف القديمة:



نعنبو لا يمش.. ومن أقول ألومش.. أنا ودي لو أقدر بس أشيل منش شوي




عفراء حنان موجوع: فيك ما يكفيك يأمك..




ابتسم علي وهو يحتضن ذراعها أكثر ويهتف بعمق متجذر: أقدر اشل عني وعنش




حينها همست عفراء برجاء عميق: علي تكفى يامك خلاص ارجع الدوحة



والله إن حن محتاجينك هناك.. الجو بين أبيك وأخوانك تحس إنه على طول فيه توتر



أنت كنت نسمة الهوا اللي بينهم..




تنهد علي بعمق: خالتي بيني وبينش.. أنا مقرر أرجع.. بس مهوب الحين.. شوي..




عفراء شهقت بفرحة مبتورة: صحيح يأمك وإلا تسكتني..




علي بذات نبرة الحنان العميقة: إلا صحيح.. يعني ظنش باكذب عليش في موضوع مثل ذا




عفراء بتساؤل محموم: زين متى؟؟




أيعقل أنه سيعود إلى احضانها أخيرا بعد كل هذا الغياب..؟!



أ يعقل أنه سيرتاح بالها ولو قليلا من بعض الهم؟!



ماعاد بها قدرة على احتمال هذا القدر من الغياب والغائبين



تعبت من الهموم.. ولا يوجد من يسندها.. ولا حتى يخفف عنها!!




علي بهدوء عميق: عطيني كم شهر بس.. ومثل ما قلت لش.. خلي الموضوع بيننا لين يصير..








****************************








"هلا والله بفاطمة..



وين عيالش يا بنتي؟؟ ليه ما جبتيهم معش؟؟"




فاطمة بمودة صافية: مع أبيهم ياخالتي.. نزلني هنا ووداهم الألعاب




مزنة تقف وهي تهمس بمودة: بأخليش أنتي وخويتش تقعدون براحتكم وأنا بأروح أشوف أشغالي..




فاطمة برجاء: اقعدي خالتي ماشبعنا من قعدتش




مزنة بعذوبة حازمة: باروح وخلكم براحتكم




كاسرة بذات عذوبة أمها الحازمة: يمه الله يهداش اقعدي.. وش بنقول يعني




ابتسمت مزنة وهي تجيب كاسرة: يمكن تقنعش فاطمة بالخطيب الجديد..




حينها ابتسمت فاطمة: قريب خالتي..قريب.. أنا متحلمة لكاسرة بحلم والله ماله من التفسير إلا إنه معرس



تحلمت ياخالتي بكاسرة واقفة في حوشكم.. ويأتي ذاك الصقر الكبير ويلقطها من كتوفها ويطير بها.. جيت بالحقها.. ضربني جدي جابر بالعصا



يمكن إن شاء الله بتوافق على ذا العريس الصقر العود




ثم انخرطت فاطمة في الضحك



حينها ضحكت كاسرة: حشا فيلم أكشن مهوب حلم.. وبعدين وش صقره يا الله خلايفك



بزر عمره 27 سنة.. أول خل هله يفطمونه من المرضاعة.. وعقب يزوجونه..




مزنة وقفت استعدادا للخروج وهي تهمس بحزم: أما يافاطمة خويتش ذي مافيها فود ولا تسمع شور...



ثم أردفت بحزم لطيف: ترا عشاش عندنا يأمش




فاطمة باستنكار مهذب: لا خالتي تكفين.. تو حن العصّير.. وين حن ووين العشا..




مزنة خرجت وهي تهتف بذات الحزم: خلصنا يأمش عشاش عندنا أنتي وعيالش وأبو عيالش



مهاب الليلة موجود ماعنده رحلات




حين أغلقت مزنة الباب التفتت فاطمة لكاسرة وهي تهتف بحماس: تدرين سوسو خاطري أشوف شكل أمش من غير ذا الجلال اللي هي متلفلفة فيه 24 ساعة



بصراحة أمش تجنن.. خاطري أشوف الصورة كاملة




حينها ابتسمت كاسرة: لو تشوفينها في الليل ببيجامة الحرير بس وشعرها على كتوفها تنسطلين..




فاطمة باستغراب: أمش تلبس بيجامات.. ما أتخيلها!!




حينها ضحكت كاسرة برقة: ليه إن شاء الله.. أمي توها.. توش تقولين تجنن.. يعني جينا عند البيجامات صارت غريبة




حينها أردفت كاسرة بعمق باسم: تدرين فطوم.. حرام أمي ما تهنت بشبابها



أحس عمي فيصل أبو امهاب وأبي الله يرحمهم جميع.. ماحد منهم استحمل إن ذا الجمال كله بين يديه



كنه كثير عليهم..




حينها ضحكت فاطمة: إذا أنتي تقولين كذا على أمش.. أجل من هي في زينش رجالها بيودع من أول يوم.. لأنه بتجيه سكتة قلبية أول ما يشوفش




ابتسمت كاسرة: ياذا الرجّال اللي منتي بمرتاحة لين تذبحينه..




فاطمة تضحك: خليه يأتي ومهمة الذبح عليش.. أدري منتي بمقصرة فيه...



ثم أردفت بابتسامة: وين وضوح؟؟ أبي أسلم عليها




كاسرة بهدوء: الحين تدرس.. بناديها حل العشاء




فاطمة باستنكار: من جدش أنتي وأمش عشا.. بتمسكوني عندكم خمس ساعات بأروح لبيتي ياناس




كاسرة تبتسم: والله أوامر أم امهاب.. تنفذين وأنتي ساكتة




فاطمة تضحك: يا سلام يعني أنا اللي أنفذ الاوامر وأنتي لا... يالله وافقي على صقر حوران اللي جايش




كاسرة بعذوبة باسمة: أخييييه.. وش صقره أنتي الثانية.. صدقت خرابيطها وحلمها..



أقول لش بزر عمره 27 سنة.. اللي خطبني قبله عمره 30 وما وافقت.. أوافق على ذا




فاطمة باستغراب باسم: تدرين كاسرة على أن تفكيرش دايما منطقي.. إلا في ذا السالفة.. ما أدري ليش إصرارش على العمر بذا الطريقة



هذا أنا رجّالي أكبر مني بشهور بس.. وامشيني على الصراط المستقيم.. ولا عمري قدرت أفرض عليه شيء




كاسرة بابتسامة عذبة: هذا عشانش أنتي يا قلبي اللي سويتيه كذا.. مهوب من شخصيته اللي تهز الجبال..



بزر يوم خذتيته عمره 23 سنة والله أنش كنتي تقدرين تحطينه تحت باطش.. بس أنتي اللي خليتيه ينفش ريشه عليه..




فاطمة تهز كتفيها بمرح: حلاله خله ينفش ريشه.. عقبال ما أشوف ريشش مقصوص.. قاصه طيري اللي أنا تحلمت فيه




كاسرة بغرور لطيف: قلنا لش ألف مرة.. لا عاش ولا كان.. ولا بعد جابته أمه..




فاطمة تضحك: على قولت خالتي الحكي معش ضايع... قولي لي وضحى وافقت على الدكتور الدحمي




كاسرة هزت كتفيها وهمست بحزم: كل ما سألتها تهربت مني



تدرين فطوم إن أمي قالت لي اليوم إنه خطبها أول مرة قبل حتى ما يخطبني وأمي علمتها بعد.. وش له مترددة ما أدري




فاطمة باستغراب: غريبة ذا السالفة...



بس على العموم من حقها تفكر..




كاسرة بحزم: إلا قولي تبي لها من يهزها شوي.. البنت ذي غبية وبتقعد غبية.. شكلها تبي تضيع عبدالرحمن من يدها




فاطمة تضحك: وليه تأخذ واحد أنتي عايفته..




كاسرة بجدية: فاطمة لا تدخليني في السالفة.. أنا كنت مقررة ما أحاول أقنعها.. لكن بما أن أمي تقول إنها هي أول وحدة خطبها



وهي كانت رغبته الأولى... فيكون غباء منها تدخلني في السالفة..



ويكون غباء أكبر ترفضه عشان تفكير عاطفي ماله معنى..



زين وخطبني كم مرة.. بس هي كانت في الاول والأخير.. خلها تشوفني محطة انتظار.. وفي الأخير وصل لها



والله وهذا أنا حلفت لش.. لو كان عبدالرحمن أكبر بكم سنة.. أني أوافق عليه بدون تردد



لكن عبدالرحمن وحتى شخصيته أنسب لها بواجد مني.. الرجّال كله مميزات.. فليش تضيعه من يدها..



وأنا مستحيل أخليها على كيفها الخبلة.. وراها وراها لين توافق..







*************************







"مهوب كأن علي وخالتي تاخروا؟!"




زايد يسترخي ويهمس بمباشرة: تمللت من قعدتي؟؟




كساب بهدوء مباشر كهدوءه: محشوم جعلني فداك.. أنا أسأل بس..




زايد بعمق: خلهم يوسعون خاطرهم..




حينها هتف كسّاب بنبرة سخرية ذات مغزى: محتاجين يبه وساعة الخاطر.. اثنينهم جرحهم واحد..




نظر له زايد نظرة مباشرة وهتف بعمق حازم: يعني دامك ما وصلتني في الحكي منت بمرتاح..



خلنا يأبيك من الحكي المغطى.. أنا وأنت فاهمين بعض زين..



لمتى وأنت زعلان علي.. متى بترتاح وتريحني




كساب بهدوء أقرب لليأس: ومن قال زعلان.. ما يحق لي أزعل عليك حتى لو كان ودي




زايد بنبرة عميقة حازمة: ذا الحكي ما يوكل خبز يأبيك..



خلنا نتصارح كود ترتاح وتريحني..




كسّاب بعمق شفاف: يبه مهوب زعل ومايحق لي أزعل عليك جعلني فداك



لكنه كسر يبه.. يبه أنت كسرتني.. يوم أشوفك وإلا حتى اسمع اسمك.. ما يطري علي إلا أشلون كسرتني..



يبه كسر الروح ما ينجبر.. وأنت كسرت روحي..




حينها انتفض زايد بجزع: المكسور غيرك يأبيك..



ثم هتف زايد بعمق متجذر أشبه باليقين: لو أنك انكسرت مثل ما تقول.. كان نخيت.. خذت الأمور ببساطة.. كذا المكسور يسوي..



لكن أنت يأبيك حر.. والحر ما ينكسر.. أنا ذا الحين ما أفاخر في المجالس إلا بك..




حينها هتف كسّاب بسخرية مرة: وحضرت الكابتن الطيار ما تفاخر فيها بعد؟!!




زايد بحزم: لا تدخل أختك في السالفة.. الموضوع بيني وبينك..




كسّاب هز كتفيه: يبه مزون هي كل السالفة.. ذا اللي تقوله كله ماصار إلا عقب ما وافقتها أنت على خبالها




زايد بذات الحزم: سالفة وانتهت.. وحكي في الفايت نقصان في العقل



خلنا فيك.. حالك مهوب عاجبني.. وأنا سكتت لك واجد




حينها هتف كساب باحترام مبطن بسخرية مهذبة: وأشلون ممكن تصلح حالي اللي مهوب عاجبك؟!




زايد بحزم شديد: بأزوجك..




حينها هز كسّاب كتفيه: والحين المره صارت هي السلاح السحري اللي بيحل مشاكل الكون..



كان انتهت المشاكل من زمان لو أن هذا هو الحل..




زايد بحزم أشد: أنا ماعلي من مشاكل الكون ذا الحين.. أنا عليّ منك أنت



واحنا نتكلم عنك.. فلا تلف ولا تدور..



تعبت وأنا أترجى فيك كنك بزر.. يا ولدي خاطري على الأقل بحفيد مثل ذا العالم..




حينها هتف كسّاب بذات احترامه الملغوم: هذا علي كان بيعرس وما خليته.. وش معنى عرسي هو اللي بيونسك جعلني فدا خشمك




حينها بدأ زايد يعاني غضبا يحاول كبته.. يعلم أن هذا هو ما يهدف له كسّاب



فهما لا يفتحان هذا الموضوع حتى يجعله كسّاب يحتد.. ويضيع الموضوع بين الهجوم والهجوم المضاد




لذا هتف زايد بهدوء احترافي: حتى لو خليت علي يتزوج جميلة.. عبارت إنه ما تزوج لأنها مريضة



لكن أنت ولدي الكبير..وأنا أبي أشوف عيالك.




حينها ابتسم كسّاب: يبه من جد.. على إلحاحك علي كذا.. عندك وحدة معينة في بالك




حينها صمت زايد.. وهو يدرس المعطيات في ذهنه.. يعرف ابنه جيدا.. قد يكون اقتناعه هو بواحدة هو السبب الوحيد ليرفضها كسّاب



لمجرد أن يعانده



فكيف يقنعه؟! كيف يحضر ابنتها لبيته؟! كيف يرى بعضا من أطيافها أمام عينيه؟!!



إن كانت هي أصبحت حلما مستحيلا؟!!



فليحقق ابنه ما عجز هو أن تحقيقه!!



يحضر تلك المهرة المستحيلة التي لطالما رأها بجوار جدها وهي صغيرة



ومازال كلما جاء جدها يهذي بها وكأنه ليس في الحياة سواها.. وكأنه يسمع في أوصافها طيف أوصاف مزنة



وهي ترفض الخُطاب واحدا تلو الآخر دون أن تقتنع بأحد




يعلم إن كان هناك من يستطيع إخضاع مهرة مثلها فليس سوى ابنه..



هذا المتفاخر المتكبر.. الذي حتى وإن كان يظن نفسه مكسورا فهو لا يعرف نفسه كما يعرفه والده.. قد يحطم هو العالم بينما هو عصي على الانقياد أو حتى الخدش..



لأنه كالشجرة التي لا تعرف الانحناء.. رفض أن ينحني للريح.. أو أن ينزل رأسه حتى تمر العاصفة..




انتزع زايد من أفكاره صوت كساب العميق: ها يبه.. من هي سعيدة الحظ اللي حضرتك تبيها لولدك الكبير على قولتك؟؟




حينها هتف زايد بنبرة مدروسة تماما تخبئ خلفها خبثا كبيرا: والله يأبيك كان فيه بنت في بالي



بس عقب غيرت رأيي لأنها مستحيل توافق عليك..




حينها احمر وجه كساب وهو يغالب ثورة قادمة: أكيد إنه أهلها مستحيل يوافقون عشان سواد وجه بنتك..




حينها هتف زايد بحزم: سواد الوجه مهوب لبنتي.. بنتي تكرم عن الدنايس..



الرفض لك أنت ولشخصك.. وإلا أهلها أنا متاكد أنهم مستحيل يردوني وأنا جاي أخطب لولدي..




حينها ثار كسّاب بالفعل.. وابتسامة مخفية ترتسم في روح زايد..



يعرف هذا الفتى كما يعرف نفسه.. ولكن الحوار دائما كان يقف قبل أن يصلا لهذه المرحلة




كساب الثائر كان يهتف بغضب: زين وليش إن شاء الله بترفضني لشخصي الشيخة؟؟ وش فيني ما يعجب حضرتها؟!




حينها هتف زايد بهدوء يخفي خلفه ابتسامته: هذا أنت قلتها (شيخة) ما خلق مثل زينها ولا شخصيتها..



تعرف (جابر بن فهد الـ) و ( حمد بن فلاح الـ) ترد في حد منهم شيء؟؟




كساب باستغراب وهو لا يفهم العلاقة بين السؤالين: رياجيل والنعم.. يكرمون




زايد بهدوء: هذولا أخر اثنين هي ردتهم.. وشوفت عينك الثنين منصب وقدر ومكانة وخير..




كان كسّاب على وشك أن يثور وأن يصرخ أنه أفضل منهما.. وأنه مستعد أن يريه أنها يستحيل أن ترفضه..



ولكن كما الإضاءة الخاطفة.. قفز لذهنه تفكير معين وهو ينتبه لمقصد والده (خبيث وذكي يا أبي.. ولكنني تربيتك



مثلك: خبيث وذكي)




حينها هتف كسّاب بهدوء خبيث وابتسامة شاسعة متلاعبة: تدري يبه إيه والله الاثنين ما فيهم قصور



أكيد لو خطبت بتعيي مني بعد .. ما فيني زود عليهم




حينها ابتسم زايد ابتسامة شاسعة وهو يصمت ويهتف في داخله (ولد أبيك.. بس اللعبة ما بعد خلصت!!)







*********************************










منذ البارحة وهي عاجزة عن النوم...تريد أن توافق وتخشى من عقبات الموافقة



لا تريد أن تقدم على الخطوة قبل أن تتأكد من شيء معين



لا تريد أن تسبب الحرج لمهاب ولا لعبدالرحمن



لذا فلابد أن تقدم على هذه الخطوة



لابد أن تخبرها بنفسها!!




جوزاء تناولت هاتفها وهي تتصل بأنامل مرتجفة



جاءها صوتها كالعادة خافت ضعيف مثقل بأسى عميق: هلا والله بام حسن



أشلونش يأمش.. واشلون حسون؟؟




ابتلعت جوزاء ريقها: طيبين يمه جعلني الاولة..




بعد عدة عبارات من السلامات المعتادة همست جوزاء بتردد عميق: يمه فيه موضوع أبي أكلمش فيه




حينها انتفضت أم صالح: فيه شيء قاصرش يمه.. وإلا قاصر حسن؟؟




جوزاء ابتلعت ريقها الجاف: لا يمه خيركم سابق.. بس.. بس..




أم صالح تستحثها للحديث: وش بسه يأمش..




جوزاء ألقت الخبر لتتخلص منه وقبل أن تذهب كل شجاعتها: يمه امهاب بن فيصل آل يحيا خطبني.. ونا مارديت لين أخذ شورش



إذا أنتي توعديني إنه ما تأخذون ولدي بأوافق.. لكن شيء يلحق ولدي.. لا أبيه ولا أبي غيره




حينها تنهدت أم صالح بحزم غريب عليها: انتظري علي يامش لين بكرة وأرد عليش





أم صالح أغلقت من جوزاء واتصلت فورا بهزاع الذي وضع لها رقمه على قائمة الاتصال السريع.. لتهتف له بسرعة ونفس مقطوع:



هزيع يامك.. اتصل في فهد وصالح خلهم يجوني الحين




هزاع الذي كان يدرس في غرفته هتف باستغراب: وش فيش يمه.. فهد وصالح أصلا كلهم هنا



فهد توه راجع من الزام.. وصالح يلبس يبي يروح يمشي..




أم صالح بحزم: خلهم يجوني ذا الحين أبيهم




بعد قائق كان الثلاثة يجلسون أمامها وهزاع يهتف بمرح قلق:



صحيح ما طلبتيني معهم بس أنا بصراحة متروع وابي اعرف سبب اجتماع القمة ذا




أم صالح بغضب: أم حسن خطبها امهاب ال يحيا.. وشكلها تبي توافق عليه..




حينها قفز صالح بغضب: يعني تعيي مني وتوافق على ولد آل يحيا.. والله ما يكون إن ولدنا يربيه غريب




حينها التفتت أم صالح لفهد بتصميم: أنا ما أدرج لك.. أدرج لذا الساكت.. فهيدان وش عندك؟؟




فهد بهدوء حازم: عندي إني أقول الله يوفقها.. بكيفها.. ولدنا ما إحنا بعاجزين منه.. وهي خلها تشوف نصيبها



حرام أم حسن عادها صغيرة.. تبين نقطع نصيبها؟؟




أم صالح بغضب: قد ذا اللي عندك يا مسود الوجه.. بدل ما تقول أنا اللي باخذها وأضم ولد أخي..




حينها ابتسم فهد وهي يضرب مؤخرة رأس هزاع: زوجيها ذا الدبش العود



تراه شيبه قده في 21 سنة.. خله على الأقل يفيد بشيء




حينها انتفض هزاع وهو يلطم يد فهد: لا عاد تعودها تراني ما انا بأصغر بزرانك



هذا أولا..



ثاني شيء نسوان أخواني طول عمري عادهم خواتي الكبار.. ولا أنا براد نفسي لهم.. المفروض ما يكون ذا حكيك يا شيبتنا




أم صالح غضبها تزايد: أنت وأخيك حاطين السالفة لعبة وأنا محترقة




صالح باحترام وتصميم: لا تحترق أعصابش ولا شي.. أم حسن أنا اللي بأخذها وانتهت السالفة





"إيه بدل ما ترضي مرتك.. وتشوف وش أنت مزعل(ن) مرتك فيه



بتنط تأخذ مرت أخيك"





الجميع اتجهت انظارهم للصوت الحازم القادم من خلفهم..



ليقفزوا أربعتهم احتراما للهيبة القادمة..




حينها هتف صالح باحترام: يبه أم حسن خاطبها امهاب آل يحيا.. يرضيك نخلي ولدنا يريبه غريب..




حينها صمت أبو صالح لثانية ليهتف بعدها بحزم: كفو أبو فيصل.. ونعم النسب..




حينها اتسعت عيني أم صالح دهشة: وش ذا الحكي يأبو صالح.. كنه جايز لك؟!




ألتفت لها أبو صالح بغصب: بتراديني في الحكا بعد..




حينها انتفض فهد الذي يكره أن يرتفع صوت أحد على والدته حتى وإن كان والده: يبه أمي ما قالت شيء جعلني فداك




أبو صالح بغضب متزايد: إذا مت خيطوا وميطوا أنتو وأمكم على كيفكم




صالح يسارع بالقول باحترام: عمرك طويل في الطاعة..



يبه وش فيك زعلان؟؟ ماقلنا إلا حق.. خلاص جوزا أنا اللي باخذها وأضم ولد أخي وانتهينا




أبو صالح بغضب: أنت بالذات تلايط.. الله العالم وش أنت مزعل(ن) شيخة النسوان فيه..



وجوزا ماحد منكم بقاهرها.. كفاية عليها اللي شافته من ولدكم.. خلها توفق في طريقها..




أم صالح بصدمة: وولدنا..




أبو صالح بذات الغضب: ليه تبوننا نقهرها ونأخذ ولدها.. عشان نحرق قلبها



لا والله ما يصير ولا يكون.. ولدنا تحت عيننا.. وإذا كبر شوي خيرناه..



لكن ذا الحين ما يبغي إلا حضن أمه..



ما يقهر الشوفة إلا رخيص .. وأنا أكرم لحاكم من الرخص..




كان صالح يريد أن يتكلم ولكن اتصالا ما وصله.. كان على وشك تحويل الاتصال للصامت لولا رؤيته للاسم الذي قلب كيانه



ليقفز وهو يهتف باستعجال: دقيقة ..اتصال مهم..



ويخرج من فوره



غريب هو ما تفعله المرأة برجل عاشق..



تأخذه من خضم انشغاله إلى عالم لا يجرؤ على اقتحامه إلا ذكراها!!





وخلف صالح كان صوت أبي صالح يتعالى بحزم: ذا الكلام أخر مرة أعيده.. أم حسن ماحد بقاهرها على ولدها..



غدا ودها توافق توافق من كيفها وهي دارية إن ولدها على كل حال في حضنها وماحد بماخذه منها



ثم أردف بمرارة: البنية جاها ماكفاها..جاها ما كفاها..




ليتك تعلمين ياجوزاء أن نظرات هذا الشيخ الجليل الصامتة لكِ طوال فترة حدادك لم تكن عتابا مطلقا



لم تكن سوى شفقة عميقة .. وحزن أكثر عمقا بكثير!!!



تمنى لو يستطيع أن يعيد الأيام



أن يصحح الخطأ



ولكن ماحدث بالأمس امتدت وجيعته لليوم..



إن لم يكن قادرا على إصلاح خطأ الأمس.. فليسمح لهذه الصبية على الاقل ببعض فرح اليوم!!







في مجلس النساء حيث خرج صالح ليختلي بهاتفه وانفعال عميق يهزه



لأول مرة تفعلها منذ تسعة أشهر.. لأول مرة تكون هي البادئة باتصال



فأي خبر أتته به اليوم؟!!



أ فرح تهديه لروحه بعد طول هجر؟!



أم هو مزيد من الهجر كما اعتادت أن تفعل به؟!!




بعث في صوته أكبر قدر من الحزم لم يكن صعبا عليه اصطناعه ليبدو فيه غاية في البراعة: حيا الله أم خالد




نجلاء بهدوء عذب: حياك الله




صالح بلهجة مدروسة: وش ذا النهار المبارك اللي عبرتينا فيه باتصال؟!




نجلاء بحزم لطيف وهي تلقي عليه الخبر الصادم: إذا انت ملزم تروح بالعيال..أبي أروح مع عيالي..




صالح يعتقد أنه سمع خطأ: نعم.. عيدي.. ما فهمت..




نجلاء تتنهد وتهتف بذات النبرة الحازمة غير المعتادة: أنت مهوب تقول تبي تودي العيال لديزني لاند.. أنا ما أقدر أخلي عيالي يروحون بروحهم



باروح معهم.. وش الشيء الغير مفهوم في كلامي؟؟




صالح مازال عاجزا عن الاستيعاب تماما.. هتف بدهشة تمتزج بالأمل: يعني بترجعين لي




نجلاء بذات الحزم: لا تخلط المواضيع.. قلت بأروح مع عيالي.. ما قلت بأرجع لك




حينها هتف صالح بغضب: أنتي شايفتني بزر عندش.. أشلون تبين تسافرين معي وأنتي ما رجعتي لي.. وش ذا الخبال؟؟




نجلاء ببرود مدروس: والله افهمها مثل ما تبي.. تبي تسافر بعيالي أنا معهم.. لكن إنك تفسرها إني رضيت عليك..



لا والله ما أنا بكاذبة عليك.. لا رضيت عليك ولا هو بحولي.. وقلبي مليان زعل عليك..




صالح غضبه يتصاعد: نجلاء عيب عليش ذا الكلام.. زعلانة علي وتبين تسافرين معي.. تبين تجننيني أنتي؟!



أشلون يعني نسافر مع بعض.. ربع ورفقة سفر.. وش الخبال ذا ولعب البزارين؟؟



وهلي وهلش وش أقول لهم؟؟




نجلاء بذات البرود الذي كانت تغذيه سميرة الجالسة جوارها وهي تكتم ضحكاتها: والله قل لهم اللي تبي.. ما شاء الله لسانك ما يبي من يسنعه لك




حينها تنهد صالح وهتف ببرود أكثر احترافا من برودها: يا حليلش يا بنت عمي



شكلش ما عرفتي صالح من هو.. تبين تلاعبيني.. زين نلعب.. ولا يهمش



تدرين؟؟ تجديد حلو للروتين.. ليش لأ؟!







********************************






" يالله يأبيك أنا طالع للمطار.. توصلني؟!"




علي بحزن أخفاه خلف ابتسامته الصافية: أكيد بأوصلك.. ولو إنه ما شبعت من شوفتك.. توك واصل اليوم صلاة الفجر




زايد بحنان حازم يشبهه تماما: يأبيك وراي أشغال واجد.. وعندي بكرة الصبح اجتماع في باريس.. وماسك منصور عند مزون..



أبي أخلص شغلي وأرجع الدوحة




ثم أردف بحزم وهو ينظر لكسّاب: كسّاب يأبيك لا تنسى تاكيد حجزي من باريس للدوحة



تراني معتمد عليك ماقلت لسكرتيري شيء..




كساب كان يقوم بحركات الضغط اليومية والتي يستحيل أن يفوتها ولكن الغريب أنه لا يستند على يديه الاثنتين كالعادة



بل يستند في كل مرة على يد واحدة واليد الأخرى خلف ظهره ثم يناوب بين اليدين بحركة محترفة لا تخاذل فيها



حركة تحتاج مع تكرارها كما يفعل هو لقوة هائلة في عضلات الذراعين..




حين سمع والده يحادثه توقف وهو ينهض ليقبل رأس والده ويهتف باحترام: إن شاء الله تم.. لا توصي حريص..




ابتسم زايد وهمس بخبث: ما خلصنا حكي يأبيك .. إذا رجعنا الدوحة كملناه




بادله كساب الابتسامة وهو يقبل رأسه: خلنا من ذا السالفة جعلني فدا خشمك



والله مالي فيها.. ولا عمرها بتكون حل لشيء








******************************







"وش تكتبين يأبيش؟!"




مزون التفتت لعمها الذي جلس جوارها على الكنبة وهي تضم ركبتيها وتضع عليهما ملفا تكتب فيه




همست بمودة واحترام: تقرير عن رحلتي اليوم.. عشان أستفيد منه في رحلة بكرة




حينها عقد منصور حاجبيه بحزم: ما قلنا إن حن خلصنا من ذا السالفة..




مزون برجاء: فديت قلبك يا عمي كسّاب وأبي وخالتي جايين بكرة..



وأنا قلت لك أبي كسّاب يدري إني طرت.. لكني مستعدة أخلي كل شيء عشانه



وبعدين يا عمي.. هي نفس رحلة اليوم ونفس الوقت.. رحلة قصيرة لابوظبي




منصور بحزم بالغ: أنا واحد ما أحب ألف ولا أدور.. وذا الحال مهوب عاجبني..



بكرة تكون أخر رحلة.. خلاص يأبيش ما طال مسخ



بكرة بأكلم كسّاب.. رضى وإلا عنه ما رضى بالطقاق..



أنتي خلي ذا الشغلة ذا الحين ...وهو بيرضى غصبا عن خشمه..







******************************







"ادخل ياللي عند الباب"



همسها الهادى ردا على طرقات هادئة على الباب




فُتح الباب ودخلت كاسرة يسبقها ألقها الخاص والدائم الأشبه بسحر عصي على التفسير




هتفت بحزم: ممكن خمس دقايق من وقتش؟؟




وضحى تنهدت: تكفين كاسرة إذا عشان موضوع عبدالرحمن.. قلت لش عادني أفكر.. مافيه داعي تسوين علي ذا الحصار




كاسرة بذات الحزم: وليش تسمينه حصار.. ليش ما تسمينه خوف على مصلحتش؟!




وضحى بتردد: لا حصار.. تبين تشوشين أفكاري.. عشان أوافق على كل شيء تقولينه




كاسرة باستغراب مغلف بالثقة: خليتيها خطة عسكرية.. أشوش أفكارش.. وأسوي حصار.. ليش ذا كله؟!




وضحى بذات التردد: لأنه أنتي تدرين إني ماني بمقتنعة بعبدالرحمن.. وأنتي غصب تبين تقنعيني



من حقي أفكر.. وإلا حتى حق التفكير مستكثرته علي؟!!




حينها اقتربت كاسرة منها.. لتنكمش وضحى قليلا كعادتها.. بينما شدت كاسرة قامتها وهتفت بثقة:



اسمعيني ياوضحى.. أنتي عارفة عدل إنه ما همني من ذا الموضوع كله إلا مصلحتش..



عبدالرحمن رجّال نادر.. وأنتي كنتي أول وآخر حد خطبه.. يعني أنتي الأساس.. ما يكفيش ذا الشيء؟!



لا تصيرين غبية.. وترفضينه.. لا فات الفوت ما ينفع الصوت..




حينها همست وضحى بسخرية: ولد عمتش هذا ما عنده كرامة يمكن أرفضه اليوم يرجع بعد شهر يخطبش أو يخطبني ماعنده مشكلة




كاسرة بغضب: وضحى عيب عليش..




حينها همست وضحى بضيق: لي أنا عيب.. لكن أنتي من حقش ترفضينه وتسبينه



لي أنا رجّال ما ينرفض.. لكن لش أنتي ما يناسب تصوارتش العالية



تكفين كاسرة.. فكي عني مرة وحدة.. خليني أقرر مصيري بروحي







******************************







" وين بناتش العلل لا بارك الله فيهم من بنات؟ "



ربما وصل صراخه مجرة أخرى تبعد ملايين السنوات الضوئية




أم عبدالرحمن همست بخفوت متردد: يأبو عبدالرحمن الله يهداك.. صياحك سمعوه قصرانا..



البنات في غرفهم.. آمرني.. وش تبي؟؟




مازال يصرخ: ليش ما منهم فود؟؟ كله منش.. خلي اشعيع الكلبة تجي.. دواها عندي




أم عبدالرحمن ابتلعت ريقها (يارب أرسل عبدالرحمن .. يارب أرسل عبدالرحمن قدام يسوي في البنية شيء)



همست أم عبدالرحمن بضعف: شعاع في غرفتها تدرس.. آمرني أنا بأسوي اللي تبي...




أبو عبدالرحمن يصرخ بغضب مرعب لا مبرر له: وش عقبه؟؟ بنتش شينة الحلايا



اتصلت فيها وقلت لها تعشي طيوري



الصبي اللي عندها اليوم ماخذ أجازة اليوم.. جيت عينتها ما عشتها..



لا وقال تدرس في غرفتها.. خلني أوريها الدراسة أشلون




أم عبدالرحمن برجاء عميق: تكفى يافاضل.. شعاع وش عرفها بعشا الطيور.. كان قلت لي أنا..



خلاص سامحها ذا المرة..




أبو عبدالرحمن مازال صراخه يتعالى: وليه هي ما قالت لش......اشعيع..يا اشعيع.. تعالي




شعاع اللي كانت ترتجف في الأعلى في حضن جوزاء وهي تسمع صوت والدها يناديها



كانت تشهق في حضن جوزاء: ياويلي بيذبحني عشان طيوره



والله إني حاولت أعشيها.. بس خفت منها.. يمه شكلها يروع..




جوزاء تحتضنها وتهتف بخوف مشابه: كان قلتي لي الله يهداش وانا عشيتها.. الحين لا يسوي في أمي شيء.. من زمان ما شفته معصب كذا




حينها قفزت شعاع وهي تهتف بجزع: يا ويلي على أمي.. خلاص أنا بأنزل له



يضربني ولا يضرب أمي..



ثم أردفت بالم استسلام موجع وهي تشجع نفسها: كف والا كفين ما تذبح حد..




جوزاء حاولت التمسك بها: اقعدي يا بنت الحلال.. أمي تعرف له.. وبتهديه الحين




لكن شعاع لم تستجب وهي تخرج لتنزل له رغم ارتجافها كورقة جافة: لا اليوم معصب بزود.. كل شي ولا يمد يده علي أمي..




كانت أم عبدالرحمن تحاول تهدئته.. بينما صراخه يتعالى: اشعيع.. اشعيع




شعاع كانت تنزل الدرج بخطوات مترددة.. وهي تهتف بصوت مبحوح: لبيه يبه أنا جايه..




حينما رآها بدأ بالصراخ: كذا تعصيني لا بارك الله فيش من بنت.. وتخلين طيوري من غير عشا..




شعاع وصلت له وهي مستسلمة لمصيرها وصراخه عليها يتعالى لأنها نسيت طيوره الغالية



كانت تهتف في داخلها (ماعليه أقلها إبي ما يسرف في الضرب.. كف وإلا كفين ويهدأ)



وبالفعل كان أبو عبدالرحمن على وشك رفع يده ليصفعها لولا اليد الحانية التي أمسك يده ليقبلها وهو يهتف باحترام حنون:



يبه الله يهداك روعت البزر.. مابه ما يستاهل.. بدل الصبي بأجيب لك اثنين لطيورك.. إن راح واحد الثاني موجود




جوزاء كانت تطل عليهم من الأعلى وهي تحمد ربها أنها حين اتصلت بعبدالرحمن وأخبرته.. وجدته قريب من المنزل ليحضر فورا




شعاع حين رأته انخرطت في بكاء حاد هستيري وهي ترتمي في حضنه.. وأعصابها المشدودة ومشاعرها الثائرة تستكين في حضنه



لم تتوقع أن هناك ماقد ينقذها اليوم من والدها




عبدالرحمن احتضنها بحنو وهو يهمس في أذنها بحنان مصفى: ماصار شيء يالدلوعة.. لحقنا عليش




أبو عبدالرحمن هدأ تماما.. كالسحر غير المعقول.. من قمة الغضب لقمة الهدوء وهو يهتف بهدوء ودود:



عاجبك سواتها يأبيك.. خلت الطيور إلى ذا الحزة بدون عشا.. كان قالت لأمها وإلا لجوزا..




عبدالرحمن عاود تناول كفه وتقبيلها وهو يهتف باحترام: امسحها في وجهي جعلني فداك.. بزر وماعرفت تصرف



ثم أردف برجاء عميق: يبه تكفى طالبك.. ماعاد تضرب حد منهم



يهون عليك تقهرني.. أنا إذا دريت إنك ضربتهم وأنا ما أنا بهنا.. أحس إني باموت من القهر..



يهون عليك تقهرني كذا




حينها انتفض أبو عبدالرحمن بجزع: ماعاش من يقهرك.. ماعاش من يقهرك..







********************************






صباح جديد..




منصور أوصل مزون لداخل المطار.. لتتوجه بخطوات سريعة لاستراحة الطيارين



كانت خالية الذهن تماما بعد أن اتصلت بسهى وأطمئنت أنها هي وكابتن إيمي متواجدتان في الاستراحة



ماعادت تشعر بأدنى رغبة للطيران.. ولكنها تجد نفسها مجبرة أن تمضي في الطريق حتى تحصل على رضا كسّاب



رضاه الذي أصبح أمنيتها الوحيدة في الحياة



الشيء الذي هي مستعدة أن تفعل أي شيء لتحصل عليه!!





حين دخلت الاستراحة..



شهقت في داخلها بعنف.. كانت على وشك التراجع والهرب



ولكنها دخلت بخطوات تمثيلية مسيطرة وواثقة وهي تحاول منع نفسها من توجيه نظرات كراهيتها العميقة لأحد الوجهين اللذين كانا آخر وجهين تتمنى رؤيتهما في حياتها كلها





غـــــــانـــم ......... و مـــهــــاب





كان كل غضبها الوقتي على غانم ينزاح أمام حقد تجمع لسنوات وسنوات لمهاب



فغانم وإن كان جريئا معها.. فجرأته لم تتعدى رغبته أن يكون لطيفا




ولكن هذا الكريه استخدم ضدها أبشع ألوان الإهانة والتحقير والتجريح.. مازالت كل كلماته الحقيرة تسكن ذاكرتها وتغذي كراهيتها المتزايدة له




لا تعلم لماذا أحست فور دخولها.. أن شرارة توتر اشتعلت بين الرجلين



وهما يتبادلان نظرات مجهولة.. شعرت كما لو كانت نظرات تحدي من مهاب.. ونظرات تهديد من غانم




مزون تنهدت بعمق وهي تقرر أن تتجاهل الأثنين وتتوجه لتجلس بجوار سهى وإيمي بعد أن سلمت عليهما




بعد مرور دقائق وقف مهاب.. ليتحفز غانم ويقفز بدوره وهو يتوجه ناحيته ويهمس قريبا من أذنه بحزم:



امهاب لا تضحك العالم علينا.. ترا حن ماعدنا طلاب في الكلية.. غير كباتن وعيال جماعة.. وعيب في حقك وحقي نسوي فضيحة




حينها ابتسم امهاب وهو يهتف بسخرية خافتة: ليه الواحد إذا جا بيروح الحمام يكون يسوي فضيحة يا كابتن غانم




مهاب كان على وشك المغادرة ولكنه التفت لغانم وهو يهمس بذات السخرية الخافتة: شأخبار طقم سنونك؟؟




حينها رد عليه غانم بذات السخرية الخافتة: وأنت شأخبار كتفك المخلوع.. أظني إنه لحد الحين وهو يراجعك وجعه








*********************************







وضحى تستعد للذهاب للجامعة فلديها امتحان اليوم



كانت تعد أوراقها وتجهز نفسها حين دخل عليها تميم وبدون استئذان لأول مرة




وضحى التفتت له باستغراب كان يحمل جهاز حاسوب بين يديه.. عرفت فور رؤيتها له جهاز من.. ويرتسم على وجهه علائم غضب عميق على غير عادته




وضحى أشارت له باستغراب: تميم أشفيك؟؟




تميم وضع جهاز الحاسوب على طاولتها وهو يشير بغضب: هاش اخذي لابتوب رفيقتش لابارك الله في العدوين




وضحى بذات الاستغراب: زين اشفيك معصب..




تميم كان يشير بعصبية بالغة: الحين رفيقتش ذي في أي كوكب عايشة.. حد يودي كمبيوتر للتصليح وهو مليان صورها



وأساسا ليش تحط صورها على الكمبيوتر.. يعني ما تسمع عن البلاوي اللي تصير



لو أنا مأنا باللي صلحت كمبيوترها واللي صلحه حد من اللي عندي في المحل



وش كان مصير صورها؟؟




وضحى مازالت عاجزة عن الاستيعاب لتشير بعدها بصدمة: الصور أنت شفتها؟؟




تميم باستنكار: ليه أنتي شايفتني رخيص لذا الدرجة؟!



لا طبعا ما شفت صورها..بس شفت إنه فيه ملف صور وأول مافتحته سكرته... وكنت ناوي أمسح ملف الصور كامل



بس عقب قفلت الملف برقم سري... وهذا هو الرقم.. وقولي لها خلها تمسح صورها بنفسها الغبية..





وضحى تناولت حاسوب سميرة وهي تضعه في حقيبته المخصصة وغضبها يتزايد على سميرة على هذا التصرف غير المسؤول..



وهي تحمد ربها أن صور سميرة لم تتسرب




بعد ساعتين.. وبعد انتهاء الاختبار..



وضحى ناولت سميرة جهازها وهي تهتف بخبث: تفضلي جهازش وتميم يقول لش صورش تلوع الكبد.. كان حطيتي صور أحسن من ذي




حينها اتسعت عيني سميرة وجف ريقها: أي صور؟!




وضحى ترقص حاجبيها: ملف صورش اللي اأنتي خابره.. واللي كنت أقول لش امسحيه.. وغلط تخلين لش أي صور على الكمبيوتر




حينها شهقت سميرة بعنف وغامت عيناها: والله إني ساحبتهم على فلاش وعقب مسحتهم قبل أعطيش اللابتوب




وضحى تبتسم: لو أنش مسحتيهم ماكان لقاهم.. الحين عقدتي أخي من جنس الحريم




سميرة وبشكل مفاجئ بدأت تشهق بصوت خافت: يا فضيحتي.. يافضيحتي..




وضحى بجزع وضعت كفها فوق كفها: أمزح معش يالخبلة.. من جدش.. كنش ما تعرفين تميم.. يستحي من خياله.. أشلون يقلب في صورش يا شينه الحلايا




حينها رفعت سميرة عيناها لها وهي تهمس بصوت مبحوح: أنتي يالخبلة صبيتي قلبي.. أخيش لقى صور في اللاب والا لا؟؟




وضحى تبتسم: لقى.. بس ماقلب فيهم.. وقفلهم برقم سري.. وهذا هو الرقم



وتراه معصب عليش ويقول لش امسحي الصور..




قالتها وهي تناولها الرقم.. حينها ابتسمت سميرة: لا يكون هذا مهوب رقم سري



وأخيش يرقمني..




ضحكت وضحى: الله يخلف على أمش.. وأشلون بيغازلش؟؟




سميرة تستعيد مرحها: مسجات يا قلبي.. أحلى شيء..



ولكن خاطرها عاد للتكدر فورا: وضحى أنتي متاكدة إنه ماشاف صوري




وضحى بهدوء: اكيد متاكدة.. انا اضمن تميم أكثر ما أضمن نفسي..



ثم أردفت بابتسامة: ولو أنه عادي نخليه يشوفها .. خبرش يبي يتزوج.. يمكن تعجبينه




سميرة تضحك: دنا أعجب الباشا البغاشة.. لو إن أخيش مهوب يبي وحدة سايلنت وإلا والله ما افكه من يدي.. موت ذا التميم موت..




وضحى تضحك: خبرش عتيق.. تميم غير الموجة.. يقول يبي وحدة أعلى فوليوم



أوامر أم امهاب...




حينها عقدت سميرة حاجبيها: من جدش؟؟




وضحى تبتسم: إيه والله.. والحين أمي شغالة تدور له عروس..




حينها همست سميرة بمرح: صدق خوية مامنها فايدة... طول عمري أقول (جحا أولى بلحم ثوره) .. يأختي خويتش أولى من غيرها يامال العافية



تدورن بعيد وأنا قدام عينش جعلها البط..




وضحى بغضب: سميرة أنتي أكثر وحدة عارفة إني ما أحب حد يحط تميم موضوع مسخرة.. سكري الموضوع لا أزعل عليش..




سميرة مازالت تبتسم: ومن قال أتمسخر.. أنا أتكلم من جد جدي بعد...




وضحى بغضب متزايد: سميرة لو سمحتي..




سميرة مازالت تتكلم بذات النبرة الباسمة المرحة ولا أحد يعلم ما الذي يدور خلف هذا المرح من أفكار مصيرية:



أنتي يالخبلة لا تعصبين علي...أنا أتكلم من جدي.. رشحيني لأمش...



ويا ويلش وياسواد ليلش أشم ريحة خبر إنش معلمة إني اللي قايلة رشحيني



حافظي على برستيجي... وقولي إن الاقتراح من عندش







******************************







"يا قلبي ياعلي.. والله إنه حزين يوم خليناه"




كساب يفك حزامه بعد نزولهم مطار شارل ديغول في باريس ويهتف بحزم: خلاص خالتي تعود على كذا



ثم أردف بذات الحزم: خالتي الطيارة بتنتظر بس 40 دقيقة.. أنا بانزل أشوف أبي وبارجع أنا وياه




عفراء بمودة: براحتك يامك..




كسّاب نزل بينما عفراء فتحت مصحفها واستغرقت في التلاوة بصوت شديد الانخفاض.. بعد حوالي عشر دقائق بدأ الركاب بصعود الطائرة



عفراء وضعت مصحفها في الجيب امامها لأنها لا تريد أن يشغلها شيء عن القراءة.. والطائرة بدأت تصبح مزعجة مع ركوب الركاب




بعد دقائق صعدت فتاة منقبة بجوارها شاب لطيف المحيا.. فورا شعرت عفراء نحوهم بحنان أمومي شفاف.. ظنت أنهما عريسان جديدان



وتمنت أن ترى أبنائها كلهم مثلهما



وأسعدها احتشام الفتاة بهذا الشكل وهي تصعد من باريس..



يبدو وكأن هذه العفراء لا تعرف من المشاعر في العالم سوى مشاعر الأمومة



منذ شبابها المبكر وهي أم فقط.. ثم مدرسة



لم تعرف كيف هي مشاعر الأنثى الأخرى



لم تختبر مشاعر الأنثى.. لا غيرتها.. لا لهفتها.. لا رغبتها في أن تسيطر على قلب شريكها في الحياة



أم فقط مستعدة للعطاء حتى اللحظة الأخيرة...!!





الشابان جلسا... بينما الفتاة تهمس بمرح: وش عندك مدلعني ذا المرة.. فيرست كلاس مرة واحدة عقب ماكسرت جنوبي بالإيكونومي




حينها ابتسم الشاب بشفافية: ومن قال أدلعش.. وجه دلع أنتي... أنا كنت حاجز على الايكونومي وواجد على خشتش



بس أبيش مايهون عليه يالدلوعة.. فشلني.. حجز وأرسل لي الحجز... الاميرة والبودي جارد حقها




الشابة همست بمودة عميقة: فديت قلب خلودي .. جعلني ما أذوق حزنه



ثم أردفت بابتسامة: وترا واجد عليك بودي جارد حقي... احمد ربك




الشاب يضحك: يا ملا الماحي.. أكبر منش وخالش جعل أمحق خال...




الفتاة تضحك بصوت منخفض: وخير يا طير خالي.. وترا الفرق بيننا سنة وحدة بس




الشاب يبتسم وهو في ابتسامته يستعيد مأساة حياته: ذليتونا بذا الصغر أنتي وأمش وخالاتش.. ما يسوى علينا..



تدرين خلاص فكة من وجهش..



بأخذفش في بيت هلش وثلاث شهور حتى تلفون ما ابي أسمع صوتش




الشابة بضيق: نايف من جدك ما تبي تجي عندنا.. والله البيت فاضي.. حتى نجلاء مرت صالح زعلانة في بيت أهلها



تعال مع هزاع وإلا فهد... حتى لو تبي غرفتي عطيتك إياها




نايف بضيق مشابه ولكن أكثر عمقا: خلاص يالغالية ماطال مسخ...



تعبت وأنا أتنقل بين بيوت خواتي... أبي أفتح بيت أبي...رجّال صار عمري 25



ولحد الحين خواتي يتناتفوني بينهم ويتهادون علي كني بزر... يعني هو ذنبي إن إبي وأمي جابوني على كبر عقب سبع بنات.. وعقبه ماتوا



تربيت في بيت كل وحدة شوي.. وكل وحدة منهم تقول ابي ريحة أمي وأبي عندي..



ماصدقت أخلص ثانوية عشان أطفش منهم وأعتمد على نفسي شوي



ثم أردف بابتسامة: بس ماصدقت أرتاح سنة إلا أنتي لاحقتني مثل القضا المستعجل




الشابة تبتسم: إيه أنا قضا مستعجل.. ماصدقت تشوفني عشان تقط علي الغسيل والطبخ... زين أنت واحد صار لك على قولتك سنة معتمد على روحك



وشو له تقط روحك علي...




نايف بضيق جديد: هذا أنتي باقي لش فصل واحد وتخليني..




الشابة بلطف: وأنت الفصل اللي عقبه بتخلص.. وبعدين ماشاء الله أنت بترجع بماجستير وإلا أنا بس بكالوريوس




نايف بهدوء: أنتي اللي اخترتي ذا التخصص الصعب.. ست سنين صار لش فيه




الشابة تبتسم بهدوء: هندسة جينية مهوب لعب ياخالو...




كان الحوار مستمر بينهم كعادتهما... لا يمكن أن يتوقف الحوار بينهما مطلقا



دخل كساب ووالده للطائرة.. نايف عرفهما ووقف وتوجه لهما حتى لا يسلم قريبا من ابنة أخته..




ثم عاد وجلس جوارها بينما هي توسعت عينيها وهي تهتف بتساؤل: من ذولا ياخالي..




نايف بهدوء: زايد آل كساب.. وولده كسّاب..




حينها أمسكت الشابة معصمه وهي تهتف برجاء مرح: تكفى ياخالي.. أنا عاوزة من ده على قولت سميرة بنت عمي..




نايف باستغراب: وش ده يالخبلة.. والله ماحد مخبل فيش إلا بنت عمش الخبلة اللي طول اليوم قاعدة أنتي وياها تهذرون



أستغرب وحدة عبقرية دراسة مثلش وخبلة كذا..




ابتسمت لمجرد الطاري وهمست (بعيارة) : فديتها سميرة.. لولا أني خايفة إن اختك ورجالها يزعلون وإلا كان أصلا رحت أسلم على سميرة أول شيء




نايف يبتسم: أمحق بنت.. جعل ما تغدين بنتي.. أبو صالح قلبه تقطع عليش.. وأنتي تبين تسلمين على شينة الحلايا قدامه..




تبتسم وهي تردف بنبرة من سيخبر سرا: أنت داري بغلات خلودي عندي.. مانبيك وسيط.. وخلنا ذا الحين في ده..



أكيد إنه كسّاب مهوب أبيه.. يالله قم قل له الشيخة عالية بنت خالد آل ليث.. تسبغ عليك الشرف الرفيع ومستعدة تضحي بروحها وتأخذك




حينها قرص نايف ذراعها وهو يهتف بغيظ مرح: خذوا روحش قولي آمين



أنتي مافي وجهش سحا.. وجهش مغسول بمرق




عالية تمسح مكان القرصة وتهمس بمرح: حرام عليك خالي قطعت لحمي.. عيب القبص للنسوان..



وبعدين بنت أختك صار عمرها 24 ..عنست ياخالي أبي أضمن مستقبلي



بتقوم تقول له.. وإلا ترا بأقوم الحين وبأمر جنب كرسيه.. وأسوي مثل الأفلام وأطيح في حضنه..



وعقب أقول تراني ماني بقايمة من حضنك إلا على سنة الله ورسوله...



وعاد شوف فشيلتك ذاك الوقت..




نايف بذات الغيظ المرح فهو اعتاد على مزاحها الثقيل: سويها عشان أرجعش لأختي أم صالح نصين.. رأسش في كرتون وباقيش في كرتون..




عالية تضحك: سوفاج يانويف سوفاج..




نايف يبتسم: لو أنه قد جاتش علوم السوفاج ماكان مديتي لسانش ذا الطول عند خالش..




عالية تبتسم: بس جد خالي مهوب يهوس.. من أي كوكب جاي.. مستحيل تكون أنت وياه من نفس الكوكب حتى




نايف بسخرية: والله ما شفت فيه زود على باقي مخاليق ربي..




عالية (بعيارة): علي يا نايف.. أنا حافظتك.. أنتو يا الشباب إذا شفتوا الرجّال الهيبة المعضل.. مثلنا يالبنات إذا شفنا البنت الحلوة



الغيرة تعمل حيرة الله يكفي شرها...




حينها ابتسم نايف: يكشف حالش.. كاشفتني ما أقدر أدس عليش



ثم التفت لكساب وهو يكمل (بعيارة): بصراحة مابعد شفت تركيب مثالي كذا..



تدرين إني مرة قد دزيت عليه أخيش فهيدان يسأله وشو مسوي.. بأموت خاطري أعضل..



على أساس معرفة فهيدان له أحسن ودايم يقابله في مجلس عمه منصور



فهيدان قال لي إنه كساب ذا مهوب من اللي يحبون يأخذون ويعطون في الكلام واجد



لكنه متأكد إنها رياضة لأنه مرة راح معه هو ومنصور للنادي.. يقول هم عقب ساعة تمارين عنيفة تعبوا.. وهو كمل ساعة عقبهم بعد..



ول عليه وش ذا الطاقة اللي عنده.. ما ألوم ذا العضلات طلعت.. هد حيلها لين نفصت...




عالية تبتسم وهو تهتف بجزع مصطنع: إلا انت اللي ول عليك تبي تبطح رجّالي عين..




حينها عاود نايف قرصها وبشكل أقوى.. شعرت حينها أن لحمها خرج بين أصابعه.. والألم يتفجر في عضدها مكان قرصته



وهو يهتف لها بغضب كاسح مكتوم: الظاهر عطيتش وجه أكثر من اللازم..



وحتى لو حن ربع وأنتي أعز علي من روحي.. مهوب كل سالفة بايخة من سوالف البنات تقولينها عندي



احشمي إني خالش ياقليلة الحيا..

همس المشاعر
09-29-2011, 06:00 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الخامس عشر








" أنتي الحين من جدش زعلانة؟!!



صار لنا خمس ساعات من يوم طلعنا من باريس.. حتى كلمة وحدة ما رديتي علي"





لم ترد عليه وهي تعتصم بصمت عميق.. والألم لا يبارح عضدها مكان قرصته الموجعة



وكرامتها لم تسمح لها حتى أن تسأل المضيفات عن لاصق طبي أو مسكن للألم




هتف نايف بتصميم غاضب: والله ثم والله لما تردين علي ذا الحين.. إني ماعاد أكلمش عمري كله..




حينها التفتت له بتصميم وهي ترد بحزم وجدية بالغين..تبدو كما لو كانت خلقت بهما ولهما..



وكأن من تتحدث الآن بهذه الجدية المحترفة ليست هي نفسها أبدا من كانت تتفجر مرحا ساخرا قبل ساعات قلائل:



نعم خالي آمرني..




وحينها ابتسم نايف: أفا حبيبت خالها زعلانة.. زين وقرصناش قرصة صغنونة.. واعتذرنا عقبها... وأنتي أساسا الله يهداش اللي طلعتيني من طوري



قلتي لي كلام ما ينقال..




عالية بذات التصميم والجدية الطبيعين غير المصطنعين إطلاقا:



خالي أعتقد إن مزحي مهوب غريب عليك..



لكن الغريب إنك تمد يدك علي بذا الطريقة



بس خلاص ولا يهمك حرمنا نمزح مع جنابك إذا هذي أخرتها




نايف برجاء حنون: علوي.. تدرين ما تهونين علي.. لا يصير قلبش أسود..



تدرين إني ما أحبش تقلبين على ذا الموجة القشرا.. لا لبستي وجه الجد ذا



أحس إني قاعد مع جدتي.. فكيها الله يفكها عليش




عالية بذات نبرتها الجدية: تدري زين إن قلبي مهوب أسود... بس كل شيء ولا أن حد يدوس لي على طرف




نايف بعتب: وأنا أي حد.. نايف خالش وصديقش وحتى ولدش.. الأم تزعل ولدها؟!!




عالية همست بضيق عميق وهي تدير وجهها لتسند رأسها لزجاج النافذة الصغيرة: تكفى خالي خلاص... مزاجي متعكر..




صمت نايف بضيق أعمق.. فارتباطه بهذه الفتاة هو الإرتباط الأقوى في حياته.. فليس له أم ولا أب..فقط سبع شقيقات ..



وإن كان يحبهن كثيرا.. إلا أنه يتضايق من معاملتهن له كطفل.. وهن يخنقنه باهتمامهن..



يشعر في طيف كل واحدة منهن طيف أمه.. فأصغرهن تكبره بـ14 عاما..



ورغم محبته العميقة لهن.. إلا أن علاقته بعالية مختلفة..



عالية يشعر أنها أخته وابنته وأمه وصديقته فعلا.. ست سنوات وهما ملتصقان معا في الغربة.. كلاهما ينتمي للآخر



كلاهما يعرف عن تفاصيل حياة الآخر أدق التفاصيل..



يكاد يقسم أنه حفظ درووس الهندسة الجينية من كثرة ما تناقشا في الموضوع



وهي تكاد تتلو كل موضوعات وقضايا قانون النزاعات الدولية.. تخصصه في البكالوريوس ثم الماجستير




كلاهما يعرف مايحبه الآخر وما يكرهه.. يكملان جمل بعضهما وهما يتحدثان..



وحتى في وقت فراغهما يخرجان معا..



يتناولان طعامهما في مطعم ما.. يتفرجان على المتاحف.. يتسوقان وكل منهما يأخذ رأي الآخر فيما سيشتريه



ليس لأي منهما في هذه الغربة صديق بمعنى الصديق سواهما.. فكل واحد منهما اكتفى بوجود الآخر عن أي صديق أو صحبة




كلاهما... أصبح للآخر وطنا في غربته!!




فكيف بعد ذلك كله



يعودان وهي غاضبة منه بهذه الصورة..؟!!








**************************







في الطائرة



كسّاب يجلس بجوار خالته... وزايد يجلس على مقعد لوحده والمقعد المجاور له فارغ..



في بعض الأحيان إن لم يكن كسّاب مستغرقا في القراءة فهو ينتقل ليجلس بجوار والده



ويتبادل معه بعض الأحاديث من باب الذوق.. وحتى لا يتملل والده من هذه الرحلة الطويلة




زايد يسأل كسّاب وهو يسترخي في مقعده: شأخبار المجمع اللي شركتك تسويه لشركتي؟؟




كسّاب بنبرة عملية تماما.. فالعمل عمل: ماشي على المخطط تمام.. وبنسلمه لكم في الموعد اللي بيننا في العقد وبنفس المواصفات..




حينها ابتسم زايد: كفو.. مهوب أول مرة نجرب شغلكم




حينها هتف كسّاب بمباشرة عملية صريحة: زين ودام شغلنا عاجبكم..



يا ليت يكون فيه تعاون أكبر.. وتعطينا مشروعكم الجديد.. مشروع المجمع الكبير اللي تبي تسويه على البحر..




زايد بذات نبرته العملية: لا يأبيك.. المشروع ذا بمواصفات عالمية وبتنفذه شركة عالمية..




كسّاب بهدوء عملي: وأنا مستعد أسويه لك بالمواصفات العالمية اللي تبيها وبسعر أقل..



وبيزنس إز بيزنس.. وأظني مهوب أول مرة تجربون شغلنا على قولتك



ثم أردف بسخرية واثقة: أنتو حتى ما جربتو شغلنا لين ثبتنا رجلنا في السوق.. وصار لنا سمعتنا.. قبل ما تتكرم بالتعامل معنا




زايد برفض قاطع: قلت لك خلاص المشروع هذا بتنفذه شركة عالمية




هز كسّاب كتفيه بثقة: مثل ما تبي.. الله يهنيك بالشركة العالمية اللي بتأخذ منك دبل السعر على الفاضي




زايد بحزم: يأبيك أنا ماني بولد أمس.. تجي تعلمني شغلي..




كانا في حوارهما الذي بدا أنه سيتجه للتحفز..حين دخل عليهما كابتن الطائرة.. بعد أن ترك مهمة القيادة لمساعده وللطيار الآلي




زايد حين رآه أشرق وجهه وهو يقف ويسلم عليه بحرارة: أشلونك يأبيك؟؟



وأشلون عمي جابر واشلون تميم؟؟




مهاب باحترام متزايد: طيبين طاب حالك... توني انتبه لقائمة اسماء الركاب وانتبهت لاسمك أنت وكسّاب..




ثم التفت لكسّاب وهو يسلم عليه بحرارة أيضا




قد يكون مهاب يحمل في داخله غضبا عميقا على هذه العائلة التي سمحت لابنتها أن تتصرف هذا التصرف..



وتتخصص هذا التخصص الذي لا يليق بأي فتاة.. فكيف بفتاة في مكانة أسرتها ووضعها الاجتماعي القبلي المتحفظ؟!!



ولكنه في داخله لا يستطيع أن يحمل ضغينة على زايد.. فهو يحمل لهذا الرجل احترام عميق غذاه جده جابر فيه..




فور انتهاءه من السلامات.. انتبه أيضا لنايف... ليسلم عليه هو أيضا.. ثم يعود لقمرة القيادة




حينما عاود زايد وكسّاب الجلوس.. همس زايد بعمق شفاف مختلف وكأنه يحادث نفسه:



تدري يا أبيك إن أمنية حياتي إني أناسب ذا الصبي..



بس خلاص.. لا عاد العمر ولا المكانة تساعد.. وشكل ذا الأمنية بتقعد حسرة في قلبي..




حينها عقد كسّاب حاجبيه وهو يهتف بجزع عفوي: بسم الله عليك من الحسرة..



ثم تنحنح وهو ينتبه لشفافية عبارته العفوية ثم أردف باستغراب: تبي حد من خواته؟؟




حينها ابتسم زايد: خواته؟؟ ليه وش شايفني عشان أخذ بنت من سن بنتي..




كسّاب بذات الاستغراب: أنت اللي تقول..




زايد هز كتفيه بثقة: خلك من اللي أنا أقول.. حكي شيبان ماعليك منه..




كسّاب عاد لمقعده بجوار خالته.. وتفكيره مشغول بما قاله والده.. لأول مرة يسمع والده يتكلم عن رغبة مدفونة بالزواج



مع أنه هو شخصيا وقبل غضبه من مزون قبل أربع سنوات كان يلح عليه أن يتزوج.. ولكنه كان يرفض...




وليست مجرد رغبة.. بل أن يقول أنها أمنية.. وحسرة بقيت في قلبه..



فمن تكون هذه اللي استطاعت أن تفعل هذا بقلب زايد؟!



أي امرأة هذه التي بقيت أمنية في قلب رجل لا يعرف المستحيل ولا يعرف التراجع أو التزحزح أو الضعف؟!





ودائما منطق الرجال عن المشاعر مختلف.. فالشاب يتقبل مشاعر والده بانفتاح



وقد يستمع حتى لغراميات والده قبل أن يتزوج والدته



المهم ألا يصل الضيم لأمه..



فكيف لو كانت الأم متوفية؟! حينها سيكون تقبله لمشاعر والده أكثر انفتاحا بكثير



"ولكن ليتك تعلم يا كسّاب أن الضيم غير المقصود قد وصل لأمك فعلا!!"





بعد صمت دقائق ..هتف كسّاب بهدوء: خالتي




عفراء كانت غارقة في أفكار حزنها الخاص المتجسد في روحها بكل الحدة..



وصغيرتها جميلة تحتل كل الذاكرة وتستشري في كل الشرايين بوجع..



وهي تشعر بفراغ مر يجتاحها.. وكأن مكان قلبها هوة هائلة خالية تكاد تسقط في سوداويتها وفراغها



انتفضت من أفكارها لترد عليه بحنان: لبيه




كسّاب بذات الهدوء: لبيتي في مكة.. خالتي تعرفين امهاب بن فيصل آل يحيا؟؟




عفراء بنبرة اعتيادية: أعرفه بالأسم.. هو اللي جا وسلم عليكم قبل شوي..؟




كسّاب لا يعرف بالتحديد ما الذي يهدف له من هذا الحوار..



ولكن هاهو يكتشف ويتسلى حتى موعد النزول: إيه هو..بس أنا أقصد تعرفين هله؟؟




عفراء بذات الطبيعية: إيه أعرفهم.. عرب أجواد وفيهم خير..




كسّاب هتف بنبرة ماعاد يُعرف ماخلفها: امهاب عنده خالة أو مرة كبيرة عمر شوي تقرب له..؟؟




حينها ابتسمت عفراء وهي تهمس باستغراب: صراحة أسئلتك غريبة.. بس لا ماعنده خالات.. أمه كانت وحيدة أبيها



إيه وتراهم كانوا قصارى جدك علي الله يبيح منه في بيتهم القديم..أظني إنك تدري..




لا يعلم حينها كيف قفزت الفكرة بباله وتجسدت بشكل كامل وواضح وحقيقي..



فهو ذكي.. ووالده أعطاه المفتاح.. وخالته أكملت الصورة




(جارة قديمة إذن!!) ابتسامة مرحة خبيثة ترتسم على شفتيه:أدري إنهم كانوا جيران بس نسيت..



إلا خالتي.. أمه حلوة؟؟




حينها وضعت عفراء يدها على فمها.. لأنها خافت أن يتعالى صوت ضحكاتها.. منذ وقت طويل لم تشعر بهذه الرغبة في الضحك:



لا تكون تبي تخطب أمه؟؟




حينها ضحك كسّاب: يمكن.. ليش لا.. خليني أدري حلوة وإلا لا...




ابتسمت عفراء: دايم أشوفها ببرقعها.. بس إيه باين عليها حلوة... وماشاء الله عادها شباب.. وهي أساسا مهيب كبيرة واجد



يا الله توكل على الله اخطب.. دام البنات ماعجبوك.. كود يعجبونك العجايز..



ثم أردفت بابتسامة: مع إنه عندها بنت تطيح الطير من السما..ليتك تنوي بس




كسّاب يبتسم: أنتو عندكم كل خفسه تطيح الطير من السما..




ابتسمت عفراء: مشكور قد ذا رأيك في ذوقي.. خلاص لا تسألني..




كسّاب بخبث: الحين أنا سألتش عن البنت؟؟.. أنتي اللي تبرعتي.. أنا سألت عن الأم وبس..




عفراء تدعي الزعل وتهمس بنبرة غاضبة لطيفة: خلاص لا تكلمني.. ماعندك ذوق..




كسّاب بمودة عميقة مرحة: فديت الزعلانين.. يا الله علميني عن أخت امهاب.. يمكن اقتنع ذا المرة..




عفراء مازالت مستمرة بغضبها المصطنع: خلاص روح ماني بقايلة لك شيء.. خلك في العجوز..قدرك




لتتنهد بعدها.. وابتسامتها تنطفئ تماما.. تماما



كم هو مؤلم إدعاء المرح ورسم الابتسامة أو حتى مجرد الشعور الوقتي بها



لتنهار سريعا تحت أطنان من وجع متراكم..لا ينزاح ولا ينتهي..



وجع بات هو ما يلون روحها ويرسم مساراتها ويشكل أفكارها




" ألا أستطيع أن أعقد معك يا هذا الحزن معاهدة ما؟؟



إن كنت غير قابل للانزياح أو التقلص.. فلتحتفظ بموقعك وحجمك



لماذا تصر على التوسع والتضاعف والازدياد في مساحات امتلئت حتى فاضت



أين أذهب ياحزن بكل هذا الحزن الفائض من جنباتي؟!!



ماعاد لكِ في روحي بقية من مكان خال..



يا لك من ضيف لئيم.. كلما أفسحت لكِ مكانا.. طالبتني بالمزيد والمزيد من الأمكنة



فمن أين اتيك بأمكنة بعد أن صادرت كل الأمكنة والساحات؟!! "







***********************************







"أنتي تراش حولتيني.. في بطنش علم.. اقعدي واهرجي"




وضحى غصت بترددها: صح يمه أنتي تدورين عروس لتميم الحين؟؟




مزنة بهدوء: صح.. وأنتي عارفة.. فليش المقدمة..؟؟




وضحى بذات التردد: امممممممم... زين يمه.. ممكن أنا أرشح وحدة..




مزنة بذات هدوءها الحازم المعتاد: أكيد يمكن.. وخلصيني وضحى.. ليش ذا المقدمات كلها يأمش.. تعرفيني ما أحب ذا الطريقة




وضحى قالت في استعجال وكأنها تلقي قنبلة: زين وشرايش في سميرة؟؟




مزنة قطبت حاجبيها: أي سميرة؟؟




وضحى تبتلع ريقها: يمه.. سميرة.. فيه حد غيرها يعني؟؟




مزنة بذات تقطيبة الحاجبين: سميرة بنت راشد؟؟ يأمش ما ظنتي يوافقون.. مهوب قصور في ولدي.. بس سميرة عندها عيال عمها اثنين عزابية



مستحيل يخلون وحدة مثل سميرة تروح عليهم.. والا لو علي أنا ماني ملاقية حد أحسن منها.. أخلاق وأدب وزين..




وضحى بذات التردد: يمه ما تضر المحاولة.. أحس ماعندها مانع.. لو تبين كلمتها.. وجسيت نبضها..




مزنة تنهرها بحزم: البنات ما يتدخلون في ذا السوالف.. أنا بأكلم أم غانم بيني وبينها.. مع إني بعد ماظنتي إنهم يوافقون..



بجس نبضهم...عشان ما أحرج تميم..



والله لا يعيون ويدري هو.. إن قد يأخذها حجة.. ويقول شفتي هذا اللي تحكي وتسمع ماتبيني







****************************








"بشريني عنج اليوم؟؟ إن شاء الله أحسن؟؟؟"




جميلة همست بغيظ وضعف: وأنت وش عليك مني.. من البارحة مخليني.. وجاي الحين عقب صلاة الظهر تسأل عني.. كان قعدت زيادة بعد



هذي وصات أمي لك ما تخليني..؟!




خليفة لم يبدو عليه التأثر مطلقا لما قالته..وهو يقرب مقعده ليجلس قريبا منها ويهتف بتصميم:



البارحة أنتي اللي طردتيني.. لو أنتي ناسية يا بنت العم



واليوم رقعة سني طاحت .. ورحت أدور دكتور يرقع لي السن من يديد.. وتوني ياي من عند الدكتور



ثم أردف بابتسامة: شكلج اشتقتي لي.. يا الله اعترفي..




جميلة بغيظ: يا برودك يأخي.. وش أشتاق له..




خليفة بهدوء باسم: لي طبعا.. ترا مافيها شيء تعترفين.. لأني أنا بعد تولهت عليج..




جميلة أشاحت بوجهها: مشكلتك ما تعرف تكذب.. وأنا ما أحب الكذب



أنا ما اشتقت لك.. ولا أبيك تشتاق لي ..مشكور



بس أنا الحين مسؤوليتك.. ودامك متورط فيني.. غصب عنك تقابلني طول اليوم..



ولو أنت تعبت من مقابلي.. كلم أمي خلها تجيني.. والوجه من الوجه أبيض




حينها ابتسم خليفة وهو يسترخي على مقعده: ليه احنا كنا نلعب..



أجابلج 24 ساعة لو تبين.. مين عندي غيرج أجابله يعني؟!!




ثم رفع كتاب في يده: ممكن أقرأ وإلا بيضايقج أنشغل عنج بكتاب؟؟




جميلة هزت كتفيها بيأس وثورتها تخفت بلا مقدمات: عادي اقرأ.. ما تفرق عندي




بعد دقائق صمت استغرق فيها خليفة في القراءة.. همست جميلة كأنها تكلم نفسها:



تدري إن كسّاب مجنون قرايه.. مع إن شخصيته ما توحي بكذا أبد



عنده مكتبة وش كبر.. ودايم لو ماعنده شغل تلقاه يقرأ.. مستحيل يضيع وقته حتى في شوفت التلفزيون حتى




ضيق عميق تصاعد في روح خليفة وأحاط بها...



أ يجب أن تجد لها دائما سببا لتذكر أحد ابني خالتها؟!!



أ يجب أن تعقد مقارنة لا تنتهي بين كل ما يفعله وبين ما كانوا يفعلونه؟!




ألا تحترم قليلا هذا الحائط المسمى زوجها ؟!!



أ تهزأ به؟؟ أم تختبر صبره؟؟ أم تستهين برجولته؟!!




كلها مؤلمة.. مــؤلــمــة



فأي ألم هو هذا؟!!







*******************************








الطائرة تهبط والركاب ينزلون..



وكل يتجه لغايته ومكانه... قلوب شتى.. وغايات تنتظر من يصلها!!




.



.



عائلة زايد وجدوا منصور في انتظارهم.. سلام مفعم بالمودة بين منصور وشقيقه وابن شقيقه



بينما عفراء تأخرت وشعور حرج عميق يعود لها وهي ترى منصور وتتذكر مكالمتها الأخيرة له



(يارب ما يكون كسّاب يبينا نروح معه)




منصور كان يريد أن يقول لعفراء (الحمد لله على السلامة) ويسألها عن ابنتها.. من باب الذوق.. ولكنها كانت تقف بعيدا



لذا بعد انتهاء السلامات.. هتف بحزم: يالله سيارتي في المواقف..




كسّاب بهدوء حازم: توكل أنت وأخيك الله يحفظكم.. أنا ينتظرني واحد من سواقين الشركة بسيارتي..




عفراء حين رأتهما يغادران بينما كسّاب يعود لها ويهتف لها (يالله سيارتي في المواقف) تنفست الصعداء وهو تحمد الله الذي استجاب دعاءها







في سيارة منصور.. الحوار يُفتح بين الشقيقين..




زايد بمودة يسأل منصور: مزون شأخبارها؟؟




منصور بحزم: طيبة وتراها إن شاء الله ماعاد هي بطايرة عقب المرتين اللي طارتهم



فشغل لنا علاقاتك وشوف لها عمل مكتبي زين يناسبها ويناسبنا...




حينها هتف زايد بغضب: ليه أنت وش أنت قايل لها؟؟




زايد بحزم أشد: ما قلت لها شيء... لعبة وخلصت منها... خل البنت تعقل.. ولا تقوي رأسها... كفاية اللي صار




زايد صمت لأن هذا الموضوع لا يناقش على عجالة.. وهو لابد أن يرى ابنته قبلا




بينما منصور تنهد ثم هتف بهدوء حازم: وأنت بشرني من علي.. أشلونه؟؟




زايد بمودة عميقة: طيب ويسلم عليك..




ابتسم منصور: ارتاح قلبك...؟؟




ابتسم زايد: مرتاح إن شاء الله ...عقبال ما يريح كسّاب بالي بعد



ثم أردف برجاء أقرب للأمر: منصور يأخيك.. حاكه.. نشف ريقي.. أنا أدري إنه يسمع منك أكثر ما يسمع مني




منصور بابتسامة: عادك تبي تزوجه بنت مزنة..؟




زايد هتف بغضب مفاجئ: أظني اسمها أم امهاب وإلا بنت جابر هذا أولا..



وبعدين البنت بنت ناصر.. مهيب بنت مزنة..




منصور بابتسامة ونبرة شديدة المباشرة: زايد لا تلف وتدور علي... وخير يا طير إنها بنت ناصر.. أنت أصلا ما همك من السالفة إلا إنها بنت مزنة



عشان كذا تبي تلزقها في الصبي.. كود يرتاح قلبك لا شفت ريحة مزنة عندك في البيت




رغم أن زايد لم يشرح مطلقا لمنصور أسبابه.. ولكنه كان يعلم أنه يعلم.. وأنه يفهمه بدون شرح.. لذا لا داعي للف والدوران كما يقول



ولذا هتف زايد بذات نبرة شقيقه المباشرة: زين وبغيت بنتها لولدي... هل أنا أجرمت؟؟...



البنت مابه مثل زينها وشخصيتها.. ياحظه اللي بيضويها!!




منصور بحزم: بس كسّاب مهوب من حقه يعرف أسبابك..




زايد بحزم أشد: لا طبعا مهوب من حقه... سالفة وانتهت من سنين.. وشو له نقلب فيها..



يعني حتى ذا الخدمة الصغيرة مستكثر تقدمها لي.. وش طلبت أنا منك؟؟



ترى كل السالفة كلمتين تقولها لكسّاب




منصور بحزم: زايد لا تهاجمني عشان تطلعني غلطان.. أنت عارف إني سبق وكلمت كسّاب..



وأنت عارف إن كسّاب آخر واحد ممكن الواحد يقنعه بشيء هو ما يبي يقتنع فيه




زايد بلهجة أقرب للأمر: زين حاول.. عشان خاطر أخيك.. وإلا حتى أخيك الكبير ماله خاطر..




منصور تنهد: خاطرك على الرأس والعين.. أبشر ..بأحاول فيه..



ثم ابتسم وهو يردف: ولو تبي أعطيه كفين عشان يوافق ولا يهمك..المهم ما تزعل علينا يأبو كسّاب




حينها ابتسم زايد: لا كفين ما نبيها.. وش بيفكك أنت وولد أخيك لا تكافختوا..



ثم تنهد وهو يهتف بعمق: ما أكذب عليك يامنصور.. وأنت الوحيد اللي عارف السالفة..



بأموت بحسرتي لو على الأقل البنت ماحصلت لولدي.. مهوب كفاية أمها ماحصلت لي..



كل سنة تمر وأنا أحاول أقنع كسّاب يتزوج وهو ما يرضى..



البنت خطاطيبها واجد.. وخايف تروح منه.. ووالله إني ما أبي له إلا الزين..




حينها ابتسم منصور: زين يا ابن الحلال خلاص ارجع اخطب الرأس الكبيرة




حينها ضحك زايد: من جدك؟؟ ماحصلتي لي وهي صغيرة.. تحصل لي وعيالها رياجيل..



من الرجّال اللي فيه خير اللي يرضى إن أمه تعرس؟؟




حينها ضحك منصور: خاطري أشوف وجه امهاب لا درى إن أمه لها عشاق..



مهوب بعيد يصلبك على باب المطار..




حينها هتف زايد بغضب: ماعاش ولا كان اللي يصلبني.. وعيب عليك يا منصور ذا الهرجة.. احشم ام الرجّال..




ابتسم منصور: يا شينك لا عصبت وقلبت جد... نمزح يا ابن الحلال نمزح..








*************************************








كانت في غرفة أبنائها.. ترتب ملابسهم.. وترى إن كانوا في حاجة لملابس جديدة للسفر..




تنتفض بعنف ورنين هاتفها ينتزعها من خضم إنشغالها.. كم أصبحت تخشى رنات هذا الهاتف.. خشية للصوت القادم عبر أثيره!!




لا تعلم ما الذي يدور في رأسه الآن... فهو من بعد مكالمتها له بالأمس.. لم يعاود الإتصال بها..




تنهدت (يعني لازم إنه أي حد بيرن بيكون صالح!! خلني أشوف من)




ألتقطت الهاتف.. كان هو.. وهل هناك سواه..؟!



(الله يصلحش ياسميرة



حد يسمع نصيحة من خبلة..



الشرهة علي مهيب عليها.. وإلا هي فاسخة من يومها



الحين وش عاد بيفكني منه؟! )




ردت بتردد: هلا أبو خالد




وصلها صوته حازما قاطعا ودون تحية حتى: أنا تحت.. انزلي جيبي لي جوازاتكم عشان أسوي الفيزة




نجلاء بذات التردد: بأخلي خالد يجيبها لك..




وصلها صوته أكثر حزما: أنا قلت أنتي انزلي وجيبيها



ثم أردف بسخرية: عقب أسبوعين بنسافر سوا.. تعودي من الحين تشوفيني



وبعدين فيه موضوع مهم نبي نتكلم فيه




نجلاء أخذت جوزات السفر ونزلت له بخطوات مترددة... وجدت والدتها في الصالة..



كانت مها على قدميها.. وصالح الصغير يحبو قريبا منها هتفت لنجلاء بحنان: نجلا يأمش أبو خالد هنا صار له شويه



وأنا قلت له ينتزرش في مجلس الحريم... روحي له.. الله يهدي سرش يا بنتي..



أبو خالد رجال مافيش منو وشاريش يا بنتي.. ما ترفسيش النعمة




تنهدت نجلاء بعمق وهي تقبل رأس والدتها للتوجه بعد ذلك لمجلس الحريم بخطوات مترددة



وتهتف داخلها بوجع (توصيني عليه يمه؟!! ليتش بس تدرين وشو مسوي!!)




دخلت بخطواتها المترددة ذاتها (والله إني ماني بكفو... وش أبي بذا السالفة كلها؟!)




كانت على وشك إغلاق الباب لكنها تذكرت وهي تفتحه على مصراعيه وتتوجه حيث يجلس صالح




صالح وقف وتجاوزها ليغلق هو الباب ويهتف بحزم: ترا أمش في الصالة.. إذا المتوحش الهمجي بغى يسوي فيش شيء.. صيحي وبتسمعش..




نجلاء ابتلعت ريقها وجلست.. في وجوده يستعصي عليها التفكير المنطقي



تشعر كما لو كان هناك سحرا يتسربل به..



يبعثر صفوفها حين يحضر.. ليعيد ترتيب هذه الصفوف كما يشاء هو



تختلس النظرات له.. لِـمَ يبدو اليوم أكثر وسامة من المعتاد؟!!



أكثر قربا!!



أكثر بعدا!!



أكثر ألما!!



موجعا أكثر!! وفاتنا أكثر!! وأكثر سحرا من كل يوم!!




كان صالح أول من تكلم وهو يهتف بسخرية حازمة: فيني شيء متغير.. لا يكون طالع في رأسي نخلة وأنتي قاعدة تمقلين فيها




نجلاء ابتلعت ريقها الجاف (هذا من أولها جاي شال سيفه كذا الله يعين من تاليها)




كان مازال واقفا لم يجلس.. لذا وقفت وهي تناوله الجوزات وتهتف بحزم مصطنع: تفضل الجوازات.. واسمحي لي أروح وراي أشغال..




قالتها وهي بالفعل تهم بالمغادرة.. ولكنه تناول الجوازات.. وأمسك بمعصمها وشدها قريبا منه



وهو يهتف من قرب بنبرة دافئة: وين بتروحين؟؟ أنا قايل لش أبيش في موضوع




نجلاء انتزعت معصمها منه وهتفت بحزم: نعم.. آمر




صالح بشبح ابتسامة: خوفتيني..




نجلاء بذات الحزم المصطنع الذي تخشى بشدة أن ينهار: مافيه داعي تمسخر علي... قلت لك آمر..




صالح جلس وهو يهتف بهدوء حازم متلاعب: بما أنه بنسافر قريب..



هل تشوفين إنها حلوة في حقي أو حتى حقش.. قعدتش في بيت هلش



خلاص ارجعي لبيتش...




حينها هتفت نجلاء حزم حقيقي غير مصطنع: آسفة.. بنسافر من هنا... وعقب بارجع هنا..




رفع صالح حاجبا: وعقب وش بنقول لأهلنا؟؟




نجلاء بسخرية: قول تزاعلنا في السفر... عادي.. تحصل في أحسن العائلات




حينها وقف صالح وهو يهتف بسخرية مشابهة: ليش لا.. مثل ما تبين أم خلودي



ولو تبين أحجز لش فندق غير الفندق اللي بانزل فيه ترا عادي .. المهم تكونين مرتاحة




قال كلمة "مرتاحة" وهو يمرر ظاهر سبابته على خدها.. نجلاء أبعدت وجهها عن مدى يده



وهتفت بذات السخرية: اقتراح حلو.. وأكيد باكون مرتاحة




صالح هز كتفيه بثقة ساخرة وهو يتناول الجوزات ويستعد للخروج: تدرين نجلا.. الحوار معش بصراحة ممتع.. ويونس..



بس لازم أروح.. عالية ونايف على وصول..








******************************








يقف.. يجلس.. يمشي.. يعود



وعيناه لا تفارقان الساعة : "كنهم تأخروا؟!"




أم صالح بابتسامة دافئة: وين تأخروا؟؟ الطيارة توها نازلة مالها إلا ساعة.. وفهد في المطار من زمان.. أكيد على وصول ذا الحين




كم هو مشتاق!!



وكم هو قلق!!



مصلوب بين مشاعر تشويه على صفيح ساخن!!



صغيرته المدللة.. أكملت عامها السادس بعيدا عنه



كم يخشى عليها من تلك البلاد البعيدة.. أن تلتهمها كما التهمت شقيقها قبلها



أن تعود الحسرة في قلبه حسرتين




قبل ست سنوات... طالبة شديدة التفوق.. بمعدل مرتفع جدا



ساندها عبدالله في حقها أن تدرس تخصصها الذي تريد.. بشخصيته القوية استطاع اقناع والده..



كان يعرف تماما كيف يقنعه.. كان يستطيع التسلل بينه وبين جلده



وكم كان قريبا من قلبه وعقله.. كان يراه أقرب للكمال المتجاوز لحدود البشر



فلماذا خذله هكذا؟!! لماذا ؟!!



كان خالد من المستحيل أن يوافق أن تتركه صغيرته وتبتعد عن ناظريه..



ولكن عبدالله استطاع اقناعه ببراعة




ومنذ وفاة عبدالله وقلقه عليها يتزايد... يخشى أن يفجع يوما بخبر عنها.. كما فُجع بخبر عبدالله



ويا لها من فجيعة.. يا لها من فجيعة!!!



وكأن تلك البلاد لن تهديه إلا اللعنات!!




كان يطل عبر النافذة وأفكاره تبحر به إلى البعيد القريب... لتتسع إبتسامته وهو يرى سيارة فهد تتوقف في الباحة



ثم يرى خيالها الضئيل تنزل ثم كأنها تركض لتتجه للداخل



فتح الباب قبل أن تدخل.. كانت تنزع نقابها.. وتدخل



لتجده يقف أمامها.. كانت نظرة واحدة لهيبته.. للسنوات التي باتت ترتسم على تجاعيده بوضوح.. وكأنه يكتسب سنوات خلال أشهر



نظرة للحنان المتدفق من عينيه.. للشوق الذي ماعاد قادرا على كبح جماحه



للهفة التي أضنت ثناياه وجعا وبعدا




لترتمي في حضنه وهي تشهق شهقات متقطعة!!




خالد فجع.. فُجع تماما... وهو يشدها ليدفنها بين ضلوعه



فعالية يستحيل أن تبكي... لطالما كانت قوية.. صلبة.. مثله!!




هي لا تعلم ما الذي أبكاها.. هل هو منظر الضعف البادي على محيا والدها.. ولحيته التي باتت بنصاعة الثلج؟؟



هل هو إحساسها بالغبن من نايف الذي يمد يده عليها للمرة الأولى؟؟



هل هو اشتياقها لدفء أحضانه وعبق رائحته؟!!



لا تعلم...



ما تعلمه أنها تريد أن تبكي في حضنه.. وان يحتضنها هو أكثر وأكثر!!




صالح وصل خلفهم تماما



وهاهو يهتف بحنان: شكلش ما تبين تسلمين على حد غير أبيش..



الأخ الكبير ماله سلام!!




نايف كان متأثرا بشدة وهو يرى عالية تبكي بهذه الصورة.. تمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه إن كان هو سبب بكائها أو حزنها



لم ينتبه لأي شيء حوله سوى المخلوقة الصغيرة التي اختبئت في ثنايا الرجل العظيم ولا تريد إفلاته ولا يريد إفلاتها



تمنى أن يشدها ناحيته يهمس في عمق أذنها:




"أنا نايف ياعالية..



نايف.. الخال والأخ والصديق



سمير الليالي.. ورفيق الأيام.. وكاتم الأسرار



أ تغضبين من نايف؟؟



أناشدك ألا اكون أنا سبب بكائكِ أو حزنكِ



لا تكوني هشة هكذا كالفتيات.. لم أعتد منكِ على هذا



اعتدت أنكِ رجل لا أقلق وأنا أعلم أنه يسندني وخلفي.. لا يتخاذل ولا يضعف ولا يتهاون..



فهل يبكي الرجّال؟؟



هل يبكون؟؟ "









******************************








" يمه الحقيني.. الحقيني



يمه.. يمه.."




صرخاتها الجزعة تتعالى.. لتقفز مزنة التي كانت ترتب ملابس تميم في غرفته القريبة من غرفة كاسرة .. فلم يسبق أن سمعت كاسرة تصرخ هكذا



ركضت ناحية غرفتها وجزعها يتصاعد ويتصاعد رغم أن الصراخ توقف




فتحت الباب بحدة لتجد كاسرة تجلس على سريرها.. وهي تضم يديها لصدرها وعرق غزير يتصبب على جبينها




مزنة جلست جوارها وهي تحتضنها وتقرأ عليها آيات من القرآن..



بينما كاسرة كانت صامتة وترتعش في حضن والدتها التي كانت تهمس لها بحنان:



أنتي كنتي راقدة يأمش؟؟.. النوم ذا الحزة مهوب زين.. ماعاد باقي شيء على صلاة المغرب..




كاسرة بصوت مبحوح وهي تفلت والدتها وتجمع شعرها المتناثر وترجعه خلفها: كنت مصدعة وخذت حبتين بنادول وماحسيت بنفسي يوم نمت.. وإلا أنتي تعرفيني ما أحب أنام ذا الحزة..




مزنة تمسح العرق عن جبينها وتهمس لها برقة: وش فيش؟؟




كاسرة تتناول يد والدتها من جبينها وتحتضنها بين كفيها: مافيني شيء فديتش




مزنة بحنان قلق: أشلون مافيش شيء وانتي كنت تصيحين.. الحقيني يمه




كاسرة بحرج: أنا أصيح..؟؟




مزنة باستغراب: إيه أنتي.. أنتي كنتي تحلمين؟؟




كاسرة بذات الحرج: حلم مهوب زين.. بس ما توقعت إني كنت أصيح بصوت مسموع..




مزنة بهدوء عميق: يأمش إذا تحلمتي بشيء مهوب زين.. تعوذي بالله من الشيطان الرجيم واتفلي عن يسارش.. ولا تعلمين به أحد



ومابه إلا الزين يأمش..




كاسرة تضم يديها لصدرها وكأنها تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة



وتهمس لنفسها قبل أن تكون تهمس لأمها: مابه إلا الزين.. مابه إلا الزين إن شاء الله..




ضغطت على جانبي رأسها وعلى وجهها ترتسم علامات تعب ثم أردفت وهي تتذكر شيئا: يمه بلغتي أم الرجّال اللي كان جاي يخطب بردي...




مزنة بحزم رغم ضيقها: بلغتها.. الله يفرجها عليش يا بنتي.. ويهديش.. ويبعد عنش عيون الناس..







********************************








" ها أمرني... مكلمني وتقول تعال.. موضوع مهم"




عبدالرحمن بمودة باسمة: يالله يدك على المهر.. وتعطيني مثله لأني كنت الوسيط




حينها ابتسم مهاب: وافقت..؟؟




عبدالرحمن رفع حاجبه وهتف بابتسامة: وافقت.... وابيها وافق بعد... أنا كلمته نيابة عنك... وقلت له إنك خطبت مني



وأنت عارف إبي.. شيء أقوله.. ما يرادني فيه...




اتسعت ابتسامة مهاب وهو يهتف بود موغل في العمق: جعلني ما أخلى منك يوم... ويومي قبل يومك يابو فاضل..




انتفض عبدالرحمن بجزع حقيقي: تف من ثمك... أمحق طاري..



ثم أردف بابتسامة: أنا وانت في يوم واحد...



ثم أردف بعمق شفاف وهو يتذكر: مهوب كفاية يوم بغيت تخليني قبل 7 سنين.. والله ماعاد أسمح لك بغيرها




مهاب بعمق مشابه ومودة مصفاة: وحد سوى سواتك يا الخبل.. حتى دراستك الماجستير وقتها وقفتها.. وجيت وعسكرت عندي




عبدالرحمن بذات العمق: من جدك تبيني اقعد في بريطانيا وانت في غيبوبة في الدوحة..



ثم زفر عبدالرحمن بحرارة: الله لا يعيدها أيام... وش أبغي بذا الطاري.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..




ثم نفض رأسه وهو يقول: خلنا فيك وفي موضوعك..




حينها ابتسم مهاب وهو يهتف بهدوء: يعني لو بغيت أتملك.. تملكوني؟؟




كان عبدالرحمن على وشك أن يقول (خل ملكتنا في يوم واحد) ولكنه تراجع



فوضحى لم ترد.. ولا يريد أن يربط مهابا وجوزاء به



فربما ترفضه وضحى... وهذا مابات يشعر به.. لذا فلينهِ موضوع مهاب.. قبل أن تحرجه وضحى برفضها




لذا هتف عبدالرحمن بهدوء حازم: بكرة لو تبي..




لكن مهاب استدرك بحذر قلق: او يمكن أحسن ننتظر رد وضحى.. ونخلي ملكتنا وحدة




عبدالرحمن بحزم: لا... تملك أنت أول... وضحى عندها امتحانات الحين... أحسن ما نشغلها بشيء..




مهاب تنهد في داخله براحة.. ثم هتف بحزم: خلاص ترخص عمي أبو عبدالرحمن..



إذا هو موافق.. بأجيب الشيخ بكرة عقب صلاة العصر





لا يعلم أي إحساس يشعر به.. هل هو الراحة.. الوصول لمخططه



ربما قد يكون مضى عليه أكثر من سنة وموضوع خطبة جوزاء في ذهنه



ولكنه كان يشعر أنه غير مستعد للارتباط بعد




تفكيره بجوزاء كان خليطا من العاطفة والعقل.. والعاطفة كانت أكثر بكثير



لم تكن عاطفة الإعجاب أو الرغبة في جوزاء كأنثى



بل هو وضع جوزاء ذاته..



جوزاء ذكرته بأمه.. وحسن بنفسه..



أمه تزوجت ناصر بعد والده.. كان شابا كانت هي الأولى في حياته



ورغم أن ناصرا لم يفرق بينه وبين أولاده في المعاملة



إلا أنه في داخله بقي يعاني احساس يتم عميق



إحساس يتمنى أن ينقذ حسنا منه



يريد أن يكون له والدا.. وأن يحبه أكثر حتى من أولاده الذين سينجبهم



لن يسمح أن يشعر هذا الملاك بالمرارة التي شعر بها في طفولته وأخوته يتقلبون في حضن والدهم



بينما هو يرفض حتى مجرد الاقتراب حتى لو ناداه ناصر.. لم يرد مشاعر شفقة لا يشعر بها زوج والدته حقيقة..



يريد أن يجنب حسن كل ذلك.. فقلبه مثقل بالحب له قبل أن يصبح زوج أمه حتى.. الحب الذي تمنى هو أن يجده واستعصى عليه




ومن ناحية أخرى.. سيكون عبدالرحمن خالا لأبناءه.. ونعم الخال والمنسب!!



الأمنية الغالية الثمينة التي يبدو أنه سيكون عاجزا عن إهداء عبدالرحمن مثلها



فمهاب يشعر أن رفض وضحى قادم.. لذا يريد أن يرتبط بعبدالرحمن قبل أن تحدث هذه الكارثة








*****************************








يدور في شقته بيأس.. وحدة.. وألم متزايد



قبل ساعات كانت تضج بالحياة والناس والاحتواء



والآن باردة.. يلفها صقيع لا حدود لتجمده



يخشى أن يمتد هذا التجمد يوما لقلبه الدافئ



إحساسه بالغربة يتزايد... فحتى متى هذا الهروب؟!! حتى متى؟!!





"بدك ئهوة يا ابني؟!!"



صوته الحنون انتزع علي من أفكاره




التفتت علي بضيق للعم حمزة.. الشيخ التركي القادم من أنطاكيا في لواء الأسكندرونة حيث يتحدثون العربية بلكنة شامية..وكثير من السكان من السوريين..



وهتف بضيق عميق: القهوة ياعم حمزة توسع خاطر الضايق؟؟




هتف العم حمزة بعمق: لا يا ابني.. ما بتعمل شي.. المتدايئ بيوكل امرو لأ الله..




علي بإيمان عميق: حسبي الله ونعم الوكيل.. عليه توكلت وإليه أنيب



اللهم أني أسألك التفريج من عندك



ثم أردف وهو يتجه بالداخل: أنا بأتوضأ وأقرأ بعض وردي.. لين صلاة العشا



كود يستاسع خاطري شوي..



وأنت تبي تروح مكان.. براحتك




العم حمزة يعود لداخل المطبخ وهو يهتف بحنان: وين بدي روح واتركك بهالليلة اللي عمري ما شفتك متدايئ ئدها..



ئاعد جوا يا ابني.. بس بدك تنزل للمسجد ئلي تا ننزل سوا..








*******************************







" يا الله ياخالتي ما تتخيلين وش كثر اشتقت لش.. كنش غايبة عني سنة!! "




عفراء بابتسامة حنونة: يا النصابة.. ترا ما كملت ثلاث أيام حتى..




مزون تحتضن عضدها وتهتف بمودة عميقة : عندي كنها سنة..



بشريني من جميلة.. أشلونها يوم خليتيها؟؟




تصلب حينها جسد عفراء.. وشعرت مزون بذلك... رفعت مزون رأسها عن عضد عفراء وهمست بقلق: جميلة فيها شيء؟؟




عفراء تنهدت بعمق: هي ما فيها إن شاء الله شيء.. أنا اللي فيني



خايفة عليها.. وخايفة حتى على رجالها.. ما ظنتي إنه بيستحملها



وما كان ودي أخليها.. بس الدكتورة قالت أحسن أخليها!!




مزون بنبرة مطمنة: إن شاء الله إنها بخير.. وهذا التلفون بيننا وبينها.. لو حسيتي إنها متضايقة هي أو رجّالها روحي لهم




عفراء بضيق تحاول إخفائه: ماعليه يأمش ماعليه... قولي لي أنت وش سويتي في رحلتش يا كابتن..




حينها انتقل الضيق العميق لمزون: زينة خالتي.. ماشي حالها




عفراء باستغراب: ماشي حالها بس..؟؟




مزون هزت كتفيها: وش أقول لش بعد... ماشي حالها




عفراء بذات الاستغراب: بصراحة توقعت إحساس أقوى شوي غير "ماشي حالها" ذي..



ماشي حالها تقولينها لو سألتش أشلون روحتش البايخة للسوق.. أشلون وحدة ما تهضمينها.. هذاك الوقت قولي ماشي حالها




مزون بضيق عميق: خالتي تكفين لا تزودينها علي



وش تبين أقول لش... مهما كان إحساس الطيران خيالي وممتع ويحسسش إنش فوق العالم والناس



يبقى إحساس مهما كانت عظمته ما يساوي زعل كسّاب ولا هروب علي..



حسيت يا خالتي كأن كل فرحتي انسحبت مني.. لأني حسيت إنه شيء ما يسوى..



مثل ياخالتي لو أنتي مشتهية مصاصة.. لولي بوب.. تخيلي..ومشتهيتها من قلب!!! حاسة حياتش واقفة على أنش تذوقين طعم ذا المصاصة!!



ثم يقولون لش بنعطيش المصاصة بس أنتي خلينا نستأصل كل مجسات التذوق في لسانش



وأنتي ياخالتي وافقتي...وشالوا إحساس التذوق من لسانش..




يالله ذوقي المصاصة.. طعمها حلو؟؟ حسيتي فيها؟؟



عقب ارجعي تبين تعيشين حياتش.. تشربين قهوتش.. تأكلين قطعة شكولاته...



(حاسة في طعمهم؟؟ حاسة بحلاوتهم؟؟ أو مرارتهم؟!!)



العبي على نفسش وقولي يمي لذيذ.. وإلا اندبي حظش وقولي الصدق




إنه كل شيء في الدنيا ماعاد له طعم.. وأنتي اللي جنيتي على نفسش عشان مصاصة..







*******************************








"ليش متوترة كذا؟!"




جوزاء بتوتر عميق: يعني ما تشوفين إن ذا السرعة تجيب التوتر..



ملكتي بكرة..




شعاع تبتسم: ماعقب الموافقة إلا الملكة..وبعدين جوزا حتى يوم ملكتش من عبدالله هذا اللي صار.. أول ماوصلتهم الموافقة تملكتوا على طول



وبعدين يا بنت الحلال استغلي موافقة أهل حسون.. لا ترجع لهم الذاكرة ويوقفون في الموضوع





جوزاء وقفت وهي تروح وتأتي.. ثم جلست بجوار ابنها النائم.. ومسحت على شعره بحنان مصفى: ظنش امهاب بيكون حنون مع حسن؟!




شعاع مالت لتقبل خد الملاك النائم وهمست بحنان: حسن ماشاء الله الكل يحبه.. ومن شافه انفتح قلبه له



وبعدين امهاب مجرب اليتم.. إن شاء الله إنه بيكون له خير أب..




جوزاء بضيق: بس تدرين شعاع.. تضايقت إن ابي ماجاء يكلمني في الموضوع.. ولا حتى قال خل امهاب يخطب مني أول



يعني عشان عبدالرحمن قال له.. أنا مالي وزن ولا اهتمام..




شعاع بضيق أعمق بكثير: يا بنت الحلال احمدي ربش إنه ماعقد السالفة... الله يخلي لنا عبدالرحمن بس



وإلا ابيش أصلا مادرى عنا إلا عشان يعصب علينا.. ويروح







*********************************








" يا حيا الله عمي!!! "




منصور بنفس نبرة كسّاب المرحبة: يا حيا الله ولد أخي... وش العلوم؟؟




كسّاب بهدوء واثق: العلوم تسرك إن شاء الله




منصور بهدوء: وأنا بعد عندي علوم تسرك




كسّاب بهدوء أقرب لعدم الاهتمام: بشر..




منصور بحزم: مزون بتخلي الطيران..... بس تبي رضاك..




حينها نظر كسّاب لعمه بنصف عين ولم يجبه..




منصور يعتدل بغضب صارم: إذا كلمتك ياولد.. تحط عينك في عيني وترد علي مثل الناس..قدام أسنعك سنع مهوب ذا




كسّاب هتف بنبرة احترامه الملغوم التي يستخدمها بمهارة حين يريد: محشوم يا عمي محشوم



ثم أردف بنبرة عدم اهتمام: وخير يا طير إن بنت أخيك تبي تخلي الطيران.. هذا شيء أنا متوقعه أصلا..



جربت وما عجبتها اللعبة.. وجايه الحين تبي رضاي




ثم أردف بنبرة غاضبة موجوعة غير مهتمة مليئة بالمتناقضات: رضاي يا عمي كان قبل أربع سنين..



الحين خلاص... قل لها اللي انكسر ماعاد يتصلح




منصور يعاود الاسترخاء في جلسته على (مركاه) ويهمس بثقة: مسيرك ترضى ياعمك.. وغصبا من ورا خشمك



متعنطز على خلق الله... يا ولدي الظفر عمره ما يطلع من اللحم.. فتلاحق روحك...




كسّاب يشعر بضيق أخفاه خلف حزم صوته: خلنا من ذا السالفة... قل لي وش علومك انت؟؟




منصور حينها عاود الاعتدال في جلسته وهو يهتف بنبرة مقصودة تماما: علومي إني أبي أزوجك..




كسّاب يبتسم: لا تكون تبي تخلي العسكرية وتشتغل خطّابة..




منصور ينظر لكسّاب من تحت أهدابه: الله لا يرفع قدر العدوين يا ولدي.. لو أني ضربتك على وجهك بفنجالي ذا.. كان ثمنت كلمتك




كسّاب يعتدل ليقبل رأس عمه: أفا أفا.. ابو زايد عصب... السموحة.. السموحة..




منصور يخفي ابتسامته: ما رضيت ولا هو بحولي..




كسّاب يبتسم: عمي اخلص علي... ها وش اللي يرضيك..




منصور بحزم مباشر: تريح بال أبيك وتعرس..




كسّاب بذات الإبتسامة: أنا أبي أدري وش اللي بيريح أبي في عرسي..




منصور بمنطقية: يا ولدي ماعادك بصغير.. داخل على الثلاثين.. أنا يوم إني في عمرك كنت قدني متزوج مرتين..




كسّاب تغادره الابتسامة ليهتف بجدية: ياعمي مالي خلق على مره.. ألتزم فيها.. وتنشب في حلقي..



ليش تأخرت؟؟ وليش ما سويت؟؟



أنا واحد دمي حار.. بقعد كل يوم متمشكل معها يعني..




منصور بجدية مشابهة: زين وعشانك واحد حار.. تحرم على نفسك العرس.. يا كثر الرياجيل الحارين.. ماحد منهم فكر مثلك..




كسّاب بمباشرة: والله ياعمي ما شفت العرس سرك




منصور بحزم: لا يأبيك.. لا تقارن نفسك فيني... وبعدين أنا جربت بدل المرة ثلاث..يحق لك أنت إنك تجرب وتشوف بنفسك



ومهوب لازم إن اللي ينطبق علي ينطبق عليك



وبعدين يا أبيك أنت عارف إن مرتي الثانية أنا كنت مستعد أكمل معها.. بس ما مشى حالنا.. وهذا نصيبي..



لكن أنت إن شاء الله بيكون نصيبك أحسن..



ريح بال أبيك وأنا عمك... فكر فيها زين كأجر وطاعة لأبيك.. ما يكفي إنك على طول منشف ريقه..



جرب يا ولدي نصيبك.. ما تدري.. يمكن تكون ذا المرة خيرة لك وعليك




حينها تنهد بعمق وهو يهتف: أنا داري إن ابي يدرج لوحدة في رأسه



الله أعلم ليش يبي يلزقها فيني.. خلني أعرف من هي أول




قل لي من هي اللي ابي يبيها لي؟!!

همس المشاعر
09-29-2011, 06:02 AM
.


بين الأمس واليوم/ الجزء السادس عشر





كساب تنهد بعمق وهو يهتف لعمه منصور بنبرة مقصودة:
أنا داري إن ابي يدرج لوحدة في رأسه
الله أعلم ليش يبي يلزقها فيني.. خلني أعرف من هي أول


قل لي من هي اللي ابي يبيها لي؟!!


عمه منصور يجيبه بابتسامة: وليش تسميها لزقة؟؟
يمكن أنت اللي عقب تصير لزقة
ثم أردف بصوت خافت: ذولا شكلهم لا لصقوا في قلب الواحد ما عاد يطلعون


كسّاب باستفسار: عمي أنت تحاكي روحك... أقول لك من هي..


منصور بحزم: أخت امهاب آل يحيا... بنت ناصر آل سيف...


حينها اتسعت ابتسامة كسّاب ليهمس بخبث شاسع: إلا ليش ما تقول بنت حبيبة القلب القديمة؟!


عقد منصور حاجبيه باستغراب أقرب للغضب: وأنت وش عرفك؟!


كسّاب بخبث: ياعمي واحد + واحد اثنين.. وأنا و إبي عيال سوق.. خلكم يا العساكر بعيد..


منصر يضغط على صدغه بأطراف أصابعه: تراني صدعت منك ومن أبيك قدامك يا عيال السوق.. خلصوني.. ماصار عرس ذا


حينها وقف كسّاب وهتف بحزم: وعيال السوق يتفاهمون وجه لوجه..مايبون بينهم وسيط


منصور وقف معه وهتف بحزم: أنا تعبان بأروح لبيتي.. وأنت تفاهم مع أبيك بكيفك.. نشفت ريقي


.
.


بعد دقائق.. طرقات ترتفع على باب مكتب زايد في بيته حيث كان مشغولا بمراجعة بعض الأوراق
هتف زايد بصوت مرتفع حازم: ادخل يا اللي عند الباب..


كسّاب دخل بخطوات واثقة هادئة ليجلس أمام والده ويهتف بحزم ومباشرة حادة: أنا موافق بس لي شروط..


زايد رفع عينيه عن الاوراق وهو يهتف باستغراب: موافق على ويش..؟


كسّاب بمباشرة صريحة: أتزوج اللي أنت تبي..


حينها تنهد زايد بعمق.. وهتف بحزم مباشر أكثر حدة: وشروطك..؟؟


كسّاب بنبرة عملية: مشروع المجمع الجديد تعطيه شركتي تنفذه..


زايد بنبرة عملية مشابهة: بس أنت عارف زين إن المشروع ذا بالذات كنت بأعطيه لشركة عالمية.. لأنه مواصفاته على أعلى مستوى


كسّاب يتلبس دور العمل تماما: بيزنس إز بيزنس.. وأنا مستعد أسويه لك بالمواصفات اللي تبيها.. فليش الخساير وشركة تجيبها من برا
وتقدر تخلي خبير شركتك العالمي اللي قاعد تعطيه راتب وش كثره على الفاضي يراقب المشروع خطوة خطوة بداية من الأساسات
لو لقى أقل عيب ما يطابق المواصفات العالمية أنا مستعد أنسحب من المشروع وأخلي شركة ثانية تنفذه.. وأدفع الشرط الجزائي بعد
ها وش قلت ؟؟..


زايد بحزم مباشر: بكرة أخلي المحامي يكتب العقد..ووالله ما أرحمك يا كسّاب لو غلطت في المشروع أقل غلطة.. سامعني؟؟ على أقل غلطة بأنتف ريشك
ثم أردف بحزم أشد: وبكرة العصر نروح نخطب.. وتملك وتعرس في أسرع وقت


ابتسامة متلاعبة واثقة ترتسم على وجه كسّاب: لو تبي الليلة ما عندي مانع..


ذات الابتسامة ترتسم على وجه زايد: لو أنك قد شفتها ما ألومك تستعجل
بس الحين أنا بعد عندي شرط.. وظني المشروع يستاهل
مشروع مثل ذا بينط بشركتك 100 خطوة قدام...


كسّاب بمباشرة: آمر..


زايد بحزم: تسكنون عندي.. البيت كبير وما فيه الا أنا ومزون... أبي أشوف عيالك عندي


كسّاب باستغراب: وبيتي اللي أنت بروحك مسويه لي جنب بيتك..؟؟


زايد بذات الحزم: البيوت ذي أنا سويتها لك أنت وخوانك من يوم بنيت بيتي للزمن.. مهوب عشان تسكنونها وتخلوني...


كسّاب يسترخي على مقعده ويهتف بثقة: حاضر.. ما طلبت شيء..






**********************************





"علوي جات .. نبي نروح لهم بكرة.. ياني مشتاقة لها الدبة"


كانت صرخات سميرة الفرحة تتصاعد.. بينما همست لها نجلاء بتردد: روحي لها أنتي وأمي.. وعقب اعزموها عندنا عشان أشوفها


سميرة بغضب واستغراب: من جدش ما تبين تسلمين على عالية..؟؟


نجلاء بهدوء رقيق: لا تألفين على كيفش.. ما قلت ما أبي أسلم عليها.. بس ما أبي أروح هناك..
زيني أصدف صالح هناك وهو يقول لي اليوم ارجعي ..وأنا أقول لا ..وعقبه يشوفني ناطة عنده في البيت


سميرة تبتسم: يا شين حساسيتكم يا النسوان... لله در جلود الأفيال اللي مثلي.. ما يأثر فيهم شيء
ثم أردفت وهي تهمس بنبرتها السرية اللطيفة: نجلا وشرايش ترجعين.. يفتح صالح الباب.. تنطين في وجهه: سربرايز


نجلاء بغضب: أنتي انطمي... الشرهة أصلا على اللي عاده بيسمع شور وحدة خبلة مثلش..


سميرة تضحك: الحين هذا جزاتي عقب المخططات الجهنمية اللي سويتها لش..


نجلاء بضيق: والله ما وداني في داهية إلا مخططاتش الجهنمية..


سميرة بابتسامة عذبة: شوفي أم خلودي.. زعلانة على صالح بكيفش أنتي وياه.. بس علوي بنت عمش قبل تكون أخت صالح
وعيب عليش تهجرين بيت عمش... عشانش ما تبين تشوفين وجه صويلح..






**********************************





كان منصور قد وصل لبيته للتو.. يريد أن يتوضأ ليصلي قيامه وينام... فغدا عندهم عرض عسكري مبكر..


فاجأه رنين هاتفه.. التقطه ليتنهد وهو يرى اسم مزون يتلألأ على الشاشة "بنتي"
هتف بحزم بدود: هلا يأبيش..


مزون بتردد: صحيتك من النوم..؟؟


منصور بابتسامة: لا.. ما بعد نمت أصلا.. قاعد بريحاتي أعد النجوم


حينها اغتصبت ابتسامة: ما أتخيلك ياعمي تعد النجوم..


حينها ابتسم: إيه والله يأبيش.. زمان أول كانت أمي تقول اللي يعد النجوم "ينجم".. يعني تجيه خفة..
آمريني يالغالية..


همست بتردد مثقل بجوع الأمل: كلمت كسّاب؟؟


كان يتمنى أن يقول لها أنه لم يجد فرصة ليكلمه.. ولكنه ما اعتاد الكذب ولا تلوين الأشياء بلون ليس لونها
لذا هتف بمباشرة: كلمته..


مزون ابتلعت ريقها ودقات قلبها تتصاعد بين الأمل واليأس: وش قال لك؟؟


منصور بهدوء صارم: يأبيش تعرفين كسّاب.. منتي بجاهلته.. بس مسيره يرضى.. صدقيني..


انطفأ الأمل في بريق صوتها وبقي اليأس ماثلا متعلقا على أهداب عينيها التي امتلئت بالدموع..
اختنقت بعبراتها..إن كان يصح تسمية الأشواك التي انغرزت في حنجرتها عبرات
كانت تعلم ذلك... كانت تعلم.. لكنها حاولت أن تخدع نفسها بسراب أمل ماعاد له معنى


هتفت بصوت مختنق حاولت اخراجه بصورة طبيعية: ما قصرت ياعمي.. جعلني ماخلا منك.. تصبح على خير


زفر منصور بضيق عميق تلبس روحه الجامحة
يعلم أنها كانت تغالب دموعها وتحاول إخفاء وجيعة صوتها عنه..الأمر الذي أثار ضيقه لأبعد حد
ولكن هل باليد حيلة؟؟.. لو كان يعلم أن هناك طريقة قد تجبر كسّابا على أن يعلن رضاه عنها
لم يكن ليتردد لحظة في تنفيذها!!





***********************************





طالت السهرة..
ونايف بعد أن مر بشقيقاته كلهن قرر العودة لبيت إبي صالح ليبيت مع فهد في غرفته.. رغم أنه لم يفعلها سابقا
فهو إن بات عندهم يبيت في المجلس الخارجي..
ولكن بما أن البيت خال من زوجة صالح فهو يستطيع الدخول لداخل البيت
ولكن السبب الحقيقي أنه لن يستطيع أن ينام وعالية غاضبة منه..


" ياحيا الله خالي اللي أصغر مني"


نايف يبتسم: يا حيا الله ولد أختي الشيبة اللي أكبر مني


فهد بمودة مرحة: تو ما نورت حجرتنا..


نايف بمرح ونبرة مقصودة: وغرفتك الخايسة ذي متى بتنورها مدام مثل باقي مخاليق ربي..


فهد يضحك: صدق إن طينتك وطينة أختك أم صالح وحدة.. ما تستانسون لين تنكدون على الواحد بذا الطاري


نايف يضحك مثله: والله ماشفتك متنكد من الطاري.. شدوقك بتطيح من الضحك.. والإبتسامة واصلة علباك..


فهد يبتسم: لأنه هذا اسمه شر البلية ما يضحك..


نايف بمرح مقهور: هذا وأنت ما يحن على راسك إلا أم صالح اللي دهينة على الكبود فديت عينها
أجل لو أنك كل عطلة تجي للدوحة تبي ترتاح عند هلك
تلاقي كل وحدة من خواتك السبع مجهزة لك لستة أسامي بنات وتنشب في حلقك إلا تبيك تعرس
(وياويلك تعجبك اللي جابتها لك فلانة وما تعجبك اللي أنا جبتها لك... إيه عشانك تحب أختك فلانة أكثر مني تبي اختيارها)


والمشكلة إني ما أبي اختيار حد منهم ولا أبي العرس كله.. لاعت كبدي من السالفة كله
أقولهم ياناس تو الناس علي.. عادني حتى حياتي ما رتبتها.. خلوني لين أرجع الدوحة أستقر سنة سنتين..
بس عمك أصمخ... عندهم هواية نكد غير طبيعية.. والقضية كلها فرض سيطرة
كل وحدة منهم تبي هي اللي تسيطر علي..


فهد كان يضحك حتى دمعت عيناه: ما أقولك شر البلية ما يضحك..


نايف بمرح: زين يابو شر البلية أنت.. قوم روح جيب عالية تسهر معنا
الاخت ماخذه على خاطرها مني من يوم احنا في الطيارة
وما أقدر أنام وهي زعلانة علي..


فهد يقف وهو يهتف بابتسامة: مشكلتك تعطي عالية وجه بزيادة
صحيح عالية أختي الوحيدة وأموت عليها.. بس لا جيت للحق ما ينصبر عليها.. غثيثة.. ودلعها ماسخ..
وعقب ذا كله إذا زعلت وإلا جاتها حالة الجد.. وخر من طريقها لا تأكلك بقشورك..


نايف يضحك: صحيح إنك شخصت الحالة المرضية اللي عند أختك بدقة
بس أنتو بعد ما تفهمونها
عالية هذي حبيبة قلبي.. ماحد يفهمني مثلها ولا حد يفهمها مثلي..


فهد يضحك: الله يهني سعيد بسعيدة.. أنا باروح أجيبها.. بس لو طولتوا السهرة فوق رأسي بانام واخليكم بالطقاق


نايف بمرح: أنت روح جيبها.. وأنا عارف إنك أول واحد بتقعد معنا لين الفجر


فهد خرج وتوجه لغرفة عالية.. وعاد بعد دقيقة وهو يهز كتفيه: لقيتها نايمة.. غريبة مهوب عوايدها..


نايف حينها أنطفأ مرحه: أكيد عادها زعلانة علي..


فهد يخلع ثوبه ليتوجه للحمام: يا ابن الحلال ماعليك منها.. تتدلع عليك عشانك معطيها وجه
الحين أنا بأجيك ونفلها سهرة لين نصلي الفجر إن شاء الله







******************************





اليوم التالي
نار مفتوحة على كل الجبهات...




.
.
.


"من جدش فاتحة ألبوم صور عبدالله وتورينه حسن وملكتش اليوم؟!"
هتاف شعاع الغاضب


جوزاء رفعت عينيها الغائمتين لشعاع وهتفت بصوت مختنق: من لما قام الصبح.. من أول مافتح عينه.. وهو ماعنده إلا طلب واحد
"أبي أشوف صورة بابا"
حاولت ألهيه .. أتهرب منه.. بس جنني..


شعاع بضيق وهي تجلس جوارها بينما حسن يشد الألبوم على قدميه:
الله يهداش من زمان وأنا أقول لش إنش تعلقين حسن بخيال ميت.. وش استفدتي الحين؟؟
الحين لازم تبدين تبعدين حسن عن الصور هذي.. بيبكي يومين .. وعقب بيسج... هذا بزر ما أسرع ما ينسى..


تنهدت جوزاء بعمق: يا بنت الحلال أنا مقررة كذا.. بس اليوم أنا عادني أرملة عبدالله مابعد صرت مرت امهاب...
خلي حسن ينبسط بصور أبيه اليوم..


شعاع بضيق حذر: ياخوفي يا جوزا إنه أنتي اللي ما تبين تخلصين من صور عبدالله..
أصلا جيبتش للألبوم من بيته كانت غلط من أساسها...


حينها همست جوزاء كأنها تكلم نفسها: تدرين شعاع.. إني حبيت صور عبدالله..
لأنها الشيء الوحيد اللي عاش معي وبقى لي منه بدون ما يرفضني..


شعاع بضيق: جوزا عيب عليش خلاص.. اليوم أنتي بتصيرين مرت رجّال..


جوزاء بعمق: ليه الإنسان آلة.. يقولون له طف مشاعرك.. ووجهها لوجهة جديدة لازم ينفذ بدون تفكير..
حسي فيني شعاع.. امهاب سالفته توها قبل أمس... لكن عبدالله مأساة صار لي فيها أربع سنين... أبي لي وقت لين أطلع منها..
وصدقيني أنا بأحاول.. ما فيه داعي تزودينها علي!!


حينها ابتسمت شعاع وهي تحاول التخفيف عنها.. أو حتى تذكيرها بمساؤى عبدالله علها تقوي عزمها للنسيان:
ودام إنه خلاص بنقلب صفحة عبدالله... فيه أشياء كان خاطري أسأل عنها.. بس استحي.. خليني الحين أشبع فضولي..
الحين أنتي قعدتي مع عبدالله شهرين.. وعقبه هو سافر في شغل.. وعقب شهر جاء خبر وفاته..
يعني خلال الشهرين ذولا نهائي ماعاملش زين أبد.. وخلال الشهر اللي سافر فيه اتصل فيش؟؟.. كلمش؟؟


تنهدت جوزاء وهي تنظر لصور عبدالله مع حسن المشغول بتقليب الصور..
أشارت لأحد الصور.. كان عبدالله يظهر فيها متحزما بثوبه..
وغترته ملفوفة على رأسه عمامة حمدانية وهو يسلخ له خروفا معلقا..وثوبه ملطخ بالدم..
كان يبتسم ويشير بيده ألا يصوروه..


همست بألم: هذي كانت أخر صورة له... صوره فهد قبل ما يسافر تقريبا بأسبوع..
كانوا في كشتة هو أبيه وأخوانه وعمه وولد عمه..
شوفي أشلون مليان حياة وابتسامته تطير العقل...
معي كان يصير العكس تمام.. تحسينه مخلوق ميت والإبتسامة مايعرفها..
ماراح أكذب عليش واقول إنه عاملني معاملة شينة.. لأنه نهائي ماكان يتعامل معي..
يعني لو كان عصب علي مرة أو هزئني.. كان قلت إنه حاس بالمخلوقة اللي ساكنة معه..
لكن هو كان يدخل ويطلع مايقول لي شيء غير السلام عليكم وبس
شهرين كاملة ما لمسني ولا قرب مني حتى.. وعقبه مرتين قبل سفره مباشرة
استغربت..
قلت يمكن يكون هذا بشير خير إنه أبو الهول تحرك.. لكني تفاجأت فيه يسافر بدون حتى ما يقول لي كلمة..
يا الله يا شعاع .. تخيلي يرتب شنطته.. أسأله وين بتروح؟؟ ما رد علي بشيء.. بس طالعني وسكر شنطته وراح..
كان عليه الله يرحمه نظرة عيون سبحان من خلقها.. توديش في عالم ثاني..


حينها ابتسمت شعاع: جويزي ياختش.. لا أحد يروح يقارن في الشكل بين عبدالله وامهاب.. المهم زين الفعايل
والوكاد إنه مثل امهاب مافيه..


حينها ابتسمت جوزاء: ليه شايفتني عقلي صغير لذا الدرجة.. هي سالفة وطرت علي..


شعاع بحماس طفولي لجمته بحذر: زين كلمش عقبها..؟؟


جوزاء هزت كتفيها: قبل ما يتوفى الله يرحمه بأسبوع... ما تخيلين أشلون استغربت.. يعني أكثر من 3 أسابيع مرت وأنا أنتظر منه تلفون لين يأست
عقبه أتفاجا وأنا نايمة في الليل متأخر بتلفوني يصيح ويصيح
يوم رفعته لقيته رقم خارجي... حسيت ريقي نشف.. وقلبي يرقع طبول: أخيرا تذكرني..
وعقبه تخيلي وش قال لي: (أشلونكم شأخباركم وسلمي لي على أمي)... وبس
الله يرحمه.. ياكبر جروحه بقلبي.. بس ما أقول إلا الله يسامحه ويبيح منه.. ويجعل مثواه الجنة


والحين شعاع اخذي الألبوم ودسيه عندش... ولو طلبته منش لا تعطيني إياه.. مهما جننتش ومهما طولت لساني عليش
أعرف نفسي إذا جاتني الحالة أصدع بلد... وأدري لو حسن طلبه إني ما أقدر أرده.. فأنتي ساعديني على نفسي
بس حلفتش بالله شعاع ما تسوين شيء في الألبوم.. الألبوم هذا لحسن..





******************************






زايد يتناول قهوته استعدادا للذهاب إلى عمله
اليوم يشعر كما لو كان صغر عشرين عاما.. يشعر بانتعاش وسعادة
يشعر بنفسه خفيفا.. وروحه تحلق..
حسرة أكثر من ثلاثين عاما.. ستنطفئ بعض نارها قريبا


خطواتها الرقيقة تقترب منه.. ابتسم لرؤيتها بدفء حنون..
اقتربت لتقبل رأسه ثم تجلس جواره وهي تهمس بصوت مرهق: أنا بأقهويك..


زايد بحنان: تقهويت يابيش.. طالع للشغل..
ثم أردف بنبرة ذات مغزى: وأنتي ما عندش رحلات اليوم؟؟


مزون تمسح أطراف وجهها بإرهاق وتهمس بذات الإرهاق: اليوم أساسا ما عندي رحلات.. واتصلت فيهم وطلبت منهم تعليق رحلاتي مؤقتا
لين أنا أتصل لهم...


زايد هتف لها بنبرة مباشرة: وأسبابش؟؟


مزون بهدوء عميق فيه رنة ألم شاسعة: فيه أشياء كثيرة تحتاج مني إعادة تفكير.. أنا مشتتة ومرهقة ومهمومة..
أبي لي استراحة محارب مثل ما يقولون... توني خلصت اختبارات الكلية من شهر واحد بس..
وافكر يبه أترك ذا الشغلة كلها واسجل ماجستير إدارة هنا في جامعة قطر... يقبلون بكالوريوس أي تخصص.. شرطهم المعدل والتوفل... وكلها متيسرة عندي إن شاء الله..
معدلي امتياز... ولغتي الإنجليزية ممتازة..ممكن أخلصه في 3 كورسات..


زايد بذات النبرة المباشرة: ومقتنعة؟؟


مزون بعمق مهموم: الحين يبه ما أكذب عليك.. تفكيري مشوش.. وخلاص زمن القرارات غير المدروسة ولى..
الحين أبي أريح رأسي وبس...


زايد بحزم حنون: تأكدي يأبيش إنش ما تضامين ولا تقهرين وأنا وراش.. وسعي خاطرش..


مزون تحتضن عضده وتهمس بمودة مصفاة: الله لا يحرمني منك..


زايد يبتسم: وبعد عندي لش اليوم خبر بيونسش..


مزون ترفع رأسها .. تشك إن كان هناك ماقد يسعدها.. ولكنها همست مجاملة لأبيها: وش يبه؟؟


زايد بابتسامة مشرقة: اليوم بنروح نخطب لكسّاب..


حينها قفزت مزون وجهها المرهق منذ لحظات فقط يشرق بصورة جذرية
وتتغير تعابيرها من النقيض للنقيض وهي تصرخ بفرحة هستيرية: صدق يبه؟؟ صدق؟؟


زايد يشدها وهو يهمس بحنان: إيه يأبيش صدق.. الله يتم على خير ويوافقون


مزون لم تستطع الجلوس لشدة حماسها وبهجتها.. عاودت الوقوف وهي تهتف بحماس طفولي: ومن المجنونة اللي يجيها كسّاب وما توافق عليه..
إلا قل لي يبه من هي؟؟... أعرفها..


زايد ابتسامته تتسع وتتسع لفرحة مزون التي لم ير شبيها لها منذ سنوات: بنت ناصر آل سيف


مزون بدأت تقهقه بصوت مسموع وبطريقة طفولية غريبة وآسرة:
ما أعرفها.. بس ما يهم.. لا صارت مرت كسّاب عرفتها وحبيتها وحطيتها فوق رأسي عشانه..
يا الله يبه.. الله يجعلها وجه خير عليه قول آمين..





****************************






" يمه عطيني مهاوي.. هاتيها عنش عشان تقومين تصلين الظهر "


سميرة تتناول الصغيرة.. وهي تنظر لوالدتها بحذر بالغ.. والكلمات تضطرب في حنجرتها..
مرة من المرات النادرة التي تشعر فيها سميرة أنها عاجزة عن إيجاد كلمات


بينما أم غانم همست لها بحنان: وانتبهي لصلوحي بعد.. أنا بأصلي وأتمدد شوية..


كانت أم غانم على وشك النهوض لكن سميرة أوقفتها وهي تهمس بنبرة مصطنعة: يمه نبي نروح لعالية اليوم نقهويها ونسلم عليها


أم غانم باستغراب: عارفة.. ئلتي لي أمس.. مالحقت أنسى.. وقلت لش إن شاء الله


حينها همست سميرة باختناق وهي تلقي ماعندها: خالتي أم امهاب كانت عندش اليوم..؟؟


حينها توترت أم غانم قليلا وهي تهمس بنبرة طبيعية مصطنعة أيضا: آه.. كانت جايه تتقهوى عندي الضحى..


سميرة ما اعتادت مطلقا على أسلوب اللف والدوران ولا تعرف كيف يمكن تمثيله..
لذا همست لوالدتها بمباشرة مغلفة بخجل عميق: ما قالت لش شيء؟؟


حينها همست أم غانم بحزم: شكلش عارفة السالفة.. فما فيش داعي تلفي وتدوري..


سميرة حينها غصت بالكلمات.. ولم تستطع الرد..
وأم غانم أشاحت بوجهها غضبا وكانت على وشك الوقوف للتوجه للصلاة..
ولكن سميرة عاودت منعها من القيام وهي تهمس باختناق: زين مهوب من المفروض إنش تقولين لي وتأخذين رأيي..؟؟


أم غانم بغضب تحاول كتمه: عيب يا بنت.. المفروض أقول لراشد مهوب لش..


سميرة باختناق: عشان هو يرفض.. وانتي تبلغينهم الرفض بدون ما تأخذون رأيي..


أم غانم رفعت حاجبا وأنزلت الآخر: لا تكوني عاوزة توافقي..


سميرة بدأت الكلمات ترتعش على شفتيها وريقها يجف: وليش ما أوافق؟؟


أم غانم بصدمة: يأمش.. تميم ماشاء الله عليه فيه مميزات كثيرة.. ما نظلم الولد.. بس فيه عيب كبير.. ولو وافقنا عليه بنكون بنظلمش أنتي..


حينها استجمعت سميرة كل شجاعتها وهمست بحزم رقيق: أنا ما أشوفه ظلم لي.. بالعكس.. أشوفني محظوظة فيه
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه..
يعني ما قال لو كان ما يتكلم..


حينها وقفت أم غانم وهي تهتف بحزم بالغ: قصري حسش يا بنت.. والله وطلع لش لسان..


سميرة حينها هتفت برجاء عميق: يمه طالبتش إذا قلتي لأبي.. قولي له إني ما عندي مانع.. لا تظلموني وتحرموني حقي اللي الله عطاني إياه..






*******************************






بعد صلاة العصر.. مهاب يخرج من المسجد وهو يسند جده ويتبعهما سليم..
كان يريد إيصاله للبيت.. ليذهب لإحضار الشيخ ويتوجه لبيت أبو عبدالرحمن..
ففوجئ باتصال من زايد يخبره أنه قادم الآن لمجلسه..
اتصل بعبدالرحمن وأخبره أنه سيتأخر قليلا وأخبره بالسبب


مهاب عاد لمجلسه.. وأمر المقهوي بإعداد القهوة وهو خال الذهن تماما من سبب خاص لزيارة زايد
فزايد كثيرا ما كان يزورهم للسلام على الجد جابر.. بينما جلس الجد جابر ينتظر مع مهاب


بعد دقائق وصل زايد ليشعر حينها مهاب أن هذه الزيارة غير طبيعية أبدا..
فزايد كان دائما يحضر وحيدا.. فما به اليوم يحضر مع خمسة آخرين..
ابنه كسّاب.. وشقيقه منصور.. وثلاثة من رجال القبيلة الكبار جدا...
مهاب فور أن رأى الرجال حلف أن يكون عشائهم عنده الليلة..
حاولوا التملص ولكنه سبقهم بالحلف والتشديد...


منصور وكسّاب كانا يجلسان متجاورين.. كسّاب يهمس لعمه: والله يا عمي إحساس غريب الواحد رايح يخطب..
ابتسم وأكمل: كنه رايح للسجن ويقول يا الله اسجنوني... ما أدري أشلون أنت جربته ثلاث مرات..


منصور يبتسم وهو يهمس له: انتظر المراسيم الحين.. بيشربون القهوة.. وعقبه أبيك ينتحنح ويكح له كحتين


كسّاب يتذكر شيئا: إلا ياعمي المخلوقة اللي أنا جاي أخطبها وش اسمها؟؟


منصور عقد حاجبيه: والله ما أدري وأنا عمك.. الخبر عند أبيك.. والحين بس ركز مع الرياجيل.. مهوب زين مشاورنا بينهم..


بعد أن دارت القهوة عدة مرات.. وتبادلوا أحاديث متنوعة.. أغلبها يصب في السياسة.. تنتحنح زايد (تماما كما توقع منصور) ثم هتف بحزم واحترام:
عمي جابر.. يا امهاب.. حنا اليوم جاينكم عانين حن وذا الوجيه الطيبة اللي ما ترد
نبي قربكم.. ونتشرف بنسبكم.. ونبي بنتكم الكبيرة لولدي كسّاب..


حينها تصلب جسد مهاب بعنف.. بينما هتف الجد جابر على طريقة الأجداد المنقرضة: والله ما تطلعون من مكانكم إلا مرتكم معكم
قربوا المطوع.. نملككم..


مهاب شعر بالاختناق ورد جده يشعره بضيق كاتم.. لماذا يتصرف هذا التصرف الذي لم يفعله مطلقا مع أي ممن سبقوا وخطبوا كاسرة
لماذا مع زايد بالذات؟؟ حتى لو فعلها سابقا لم يكن مهاب ليشعر بكل هذا الضيق..
ولكن لابن زايد.. الذي سمح لابنته بدراسة الطيران..؟؟؟
لا وألف لا...
آلاف المشاعر المتناقضة تثور في نفس مهاب... رغم احترامه العميق لزايد.. إلا أنه يرفض أن يناسبه...



لذا كان رد زايد الذي أعاد بعضا من الهواء لرئتي مهاب المختنقة: جعلك سالم ياعمي..
ثم ابتسم: هذاك ياعمي زمان أول.. يوم الرجّال يهز الرواق على شق هله..
ويقول يامره عندكم عرس الليلة...
الحين العرب افهموا الدين.. ومايصير عرس بدون شور البنت... شاوروها.. وردوا لنا الخبر.. حن عرب شارين..


انتهت المراسيم .. واستعد الجميع للخروج وحينها هتف مهاب بحزم واحترام:
ياعم زايد يوم إن الله جابك الليلة.. فأنا أبيك تشهد على ملكتي.. أنا رايح أتملك الحين..


زايد بمودة : أبشر يابيك.. أفرح ماعلي أشهد على ملكة ولدي..


أشار زايد للجميع أن يغادروا من دونه... وخرجوا والكل يركب سيارته.. بينما منصور وزايد وكسّاب كانوا قد جاؤا كلهم على سيارة كسّاب
لذا عاد منصور وكسّاب معا..
حين أصبحوا في السيارة هتف منصور لكسّاب: ها وش إحساسك يالعريس؟؟


كسّاب هز كتفيه بعدم اهتمام: بدري على عريس ذي.. وإحساسي والله يقول لي لو أني رايح لشركتي أبرك لي بواجد..


ابتسم منصور: نشوفك إذا عرست أنت وذا الشركة.. كان ما تتفل في عينها...


حينها التفت له كسّاب لعمه ونظر له نظرة مباشرة: مشكلتك ياعمي أنت وإبي إنكم معلقين آمال كبيرة على عرسي إنه بيغير فيني شيء
أنا ياعمي واحد رأسي حجر صوان... مهيب المره اللي بتغيره ولا ألف مرة بعد.. ما يغيره إلا اللي ركبه..






*******************************






الجد جابر توجه للداخل.. وطلب من سليم أن يتصل له بكاسرة ويطلب منها الحضور فورا..
وبالفعل كان سليم يحتفظ بهواتف الجميع في هاتف خاص هو للجد ولكنه مع سليم ليتصل له بمن يشاء..


اتصل بكاسرة التي كانت في حينها تتقهوى قهوة العصر مع والدتها.. وكانت أساسا تنتظر اتصالا ليخبرها بقدوم جدها


لذا نهضت وتوجهت له.. لتحضره حتى يتقهوى معهما..


طرقت الباب وتأكدت من خروج سليم.. لتدخل لجدها.. قبلت رأسه ثم همست بحنو: يا الله يبه أوديك تقهوى عند أمي..


الجد بحزم عميق: اقعدي يأبيش توني جاي من المجلس وتقويت مع لحى(ن) غانمة..
اقعدي أبيش في سالفة..


كاسرة ابتسمت وهمست برقة: آمرني جعلني فدا عينك..


الجد بنبرة ذات مغزى: أنا قد طلبت منش شي(ن) أبد؟؟؟


كاسرة تبتسم وتهتف بمودة بالغة العذوبة: اطلب عيني ما تغلى عليك.. ياويلي على إنك تطلب مني شي


الجد بذات النبرة المقصودة: جعل عينش سالمة.. أبي أطلب وأجرب غلاي..


حينها انتفضت كاسرة باستنكار: تجرب غلاك؟؟
مثلك ما يجرب غلاه.. لأنه غلاك داخل بين لحمي وعظمي..
وش ذا الحكي الله يهداك.. آمرني جعلني فداك..


الجد مستمر في خطته: خافه حكا بس؟؟!! وإذا جينا للصدق إلا مابه غلا؟؟


حينها كادت كاسرة تبكي فعلا.. فهذا العجوز يستولي على خلاياها حتى آخر خلية..
ولكن لأن الدموع لم تخلق لها هتفت بحزم عميق ومثقل بالاحترام والمودة في ذات الوقت:
يبه والله ثم والله لو تبي رقبتي إنها حلالك.. وش عاد دون الرقبة؟!


الجد وصل للهدف: دونها أني أبيش توافقين على رجّال(ن) جايش اليوم..
إذا أنا صدق غالي.. منتي بمفشلتني وأنا عطيت الرجّال كلمة..
وأنتي تدرين إني ما أرخص الغالي إلا للغالي اللي مثله


حينها شعرت كاسرة كما لو أن ماسا كهربائيا عبر جسدها من أطراف شعرها حتى أنامل قدميها.. ولكنها هتفت بثبات واثق:
ما أردك وأنت عطيت.. بس أقدر أعرف من الرجّال وإلا ما يحق لي..


حينها اتسعت الابتسامة الخالية من الأسنان: ولد زايد آل كسّاب..


صمتت كاسرة.. لم تبدُ لها فكرة ابن زايد آل كسّاب فكرة شديدة السوء.. فهي خشيت مع هذه المقدمة الطويلة أن يكون هناك ما هو أسوأ
ولكنها عادت لتتذكر أن زايد آل كسّاب لم يتزوج إلا بعد زواج والدتها.. لذا فلابد أن يكون أبنائه أصغر من مهاب..
ولكن أصغر إلى أي مدى؟؟
هل من المعقول ن يكون أصغر منها في السن؟؟
أي مصيبة هذه؟؟
(من هرب من شيء لم يقتله إلا هو) كما يقول المثل!!


لذا همست لجدها بهدوء حذر: ووش كبره يبه؟؟


ابتسامة الجد مازالت مرتسمة: هو ولد زايد الكبير كسّاب.. يمكن إنه أصغر من امهاب شي(ن) بسيط.. سنة وإلا ما حول..


كاسرة حينها شعرت بصداع مفاجئ بدأ يطرق خلايا مخها بعنف..
أن تكون رافضا لفكرة ما بكل قوتك وقناعتك طوال سنوات.. ثم تجد نفسك متورطا بها حتى الاختناق.. حتى النخاع
تجد الفكرة المرفوضة تتلبسك لتدخل حتى مسامات جلدك وبشكل مفاجئ سريع
أي شعور مرير قاتل هذا الشعور؟!!


كاسرة همست بثبات وهي تقاوم صداعها: تبي تقوم لأمي..؟؟


الجد بثبات: لا غير أبغيش توافقين وتعلمين امهاب.. العرب مستعجلين..


شعرت كاسرة حينها أن صداعها تزايد وتزايد حتى باتت الرؤية تصبح غائمة أمامها وهي تهتف بذات الثبات الواثق الذي أخفت ورائه صدمتها وألمها:
يبه قلت لك تم.. تبي تملكني الليلة حاضرة... وش تبي بعد حاضرة؟؟


حينها همس الجد بهدوء وهو يتمدد كما لو كانت كل طاقته المتوقدة قبل دقائق نفذت: جعلني ما أبكيش.. بردتي خاطري
من يوم عيت أمش من زايد.. وأنا خاطري حزين عليه..
أنا ما أبي لش إلا الزين.. وأنتي عندي أعز من خلق الله.. ذولا عربن أجواد يأبيش وإن شاء الله إنش ما تضامين عندهم..


حينها وقفت كاسرة وهمست بحزم رغم أنها تقريبا أصبحت عاجزة عن الرؤية من شدة الصداع:
ماعاش من يضميني ولا انخلق.. ومهوب بنتك اللي تصبر على الضيم....بنتك تأخذ حقها بيدها..


كاسرة غادرت جدها وصعدت فورا لغرفتها وهي تعتذر من والدتها بالصداع.. دون أن تخبرها السبب الحقيقي..





***********************************





انتهت مراسيم عقد قران مهاب وجوزاء.. وأصبحت جوزاء زوجة لمهاب..
وتم تحديد موعد الزواج بعد شهرين ونصف..



"يا لله كيف الإحساس ياعروس؟؟؟ "
هتافات شعاع المتحمسة


جوزاء بتردد : متوترة.. خايفة.. مبسوطة.. مشوشة.. ما أدري صراحة..


شعاع تحتضن جوزاء وهي تهتف بسعادة: انبسطي يا بنت الحلال... بلاش وجه الهم ذا..


جوزاء بضيق: الله يشرح صدري.. ويعين امهاب علي.. ويعيني على نفسي..


شعاع بمودة باسمة: تبين بس شوي إعادة تأهيل فكري وتصيرين بمب..


.
.
.


"مبروك يا عريسنا "


مهاب بمودة: الله يبارك فيك يا النسيب..


عبدالرحمن يضحك: وعلى قولت المثل (كن نسيب ولا تكون ابن عم) الحين بصير أنا غالي عندك..


مهاب يبتسم: إيه صادق عشانك أول رخيص..


عبدالرحمن بابتسامة: الله يرخص عدوينك قول آمين يا شيخ..
والحين قل لي وش إحساس الرجّال المتزوج
شاب شعري وأنا ما جربته.. فعلمني أنت...


مهاب يبتسم: ما أدري حاس ذا الحين مثل اللي دخل مرحلة عدم توازن.. شيء جديد يبي له تعود..


عبدالرحمن بذات الإبتسامة الدافئة: عقبال ما أفقد التوازن أنا بعد..
بنات خالي شكلهم مهوب هاين عليهم يخبلون في ولد عمتهم..






**************************





"مبروك يأمك ألف مبروك"


مهاب بمودة: الله يبارك فيش يمه..


مزنة بابتسامة عذبة: بكرة إن شاء الله بأروح أنا وكاسرة ونشتري لعروستك شبكة ونروح لهم نسلم عليهم ونبارك لهم..


مهاب بابتسامة: خلاص بكرة باسحب وأعطيش تشترين.. وأعطيش مهر جوزا تودينه معش بالمرة..
عشان تلحق تجهز.. لأنه إن شاء الله العرس عقب شهرين ونصف.. وشفت واحد من الربع ضبط لي حجز القاعة خلاص..


مزنة بمودة عميقة: الله يعطيك من خيرها.. ويجعل وجهها خير عليك.. ويجمع بينكم في خير إن شاء الله..


مهاب يتذكر مالم ينساه.. ويهتف بحزم: يمه كاسرة جايها خطاطيب..


ابتسمت مزنة: ماشاء الله توها رادة واحد البارحة


حينها هتف مهاب بحزم: وهذا بعد بترده إن شاء الله..



" وليش أرده إن شاء الله؟؟ "
هتاف كاسرة الحازم وهي تنزل الدرج..


مهاب بحزم: لأنه مافيه زود على اللي عييتي منهم.. فأكيد مثله مثلهم..


كاسرة اقتربت منهما وقبلت رأس مهاب وهتفت بمودة رقيقة: ألف مبروك ياعريس..


مهاب رد بهدوء: الله يبارك فيش


بينما كاسرة توجهت للجلوس ثم همست بهدوء حازم: وليش ظنك إني لازم أرفض الخطيب الجديد..؟؟


مهاب بحزم: مثل ما قلت لش.. وإلا لازم أعيد الكلام...
مافيه زود على غيره


كاسرة بهدوءها الحازم: والله أنا اللي أقرر ذا الشيء..


مهاب بمباشرة: عدا إني ماني بمقتنع فيه..


كاسرة بذات الحزم: المهم أنا مقتنعة...


مهاب حينها هتف بغضب: أنتي وش فيش الليلة.. على كثر ما حايلتش على رياجيل فيهم خير كنتي ترفضين..


همست كاسرة بهدوء: وهل الرجّال اللي جايني مافيه خير..؟؟


مهاب بمباشرة صريحة فهو لا يستطيع أن يبهته بالباطل: يكرم.. حاشاه.. إلا فيه خير وما يلحقه قصور..


كاسرة بنبرة مقصودة: زين وش أنت ترد فيه..؟؟


مهاب بنفاذ صبر: أرد فيه اللي أنا أرد فيه..


حينها قاطعت مزنة حديثهما بحزم غاضب: قاعدين تشاورون وأنا قاعدة بينكم كني طوفة.. مالي راي..
الرجّال اللي جاي لكاسرة من هو..؟؟


حينها هتفت كاسرة بسخرية: ناس يرد فيهم امهاب إنهم خلو بنتهم تقهره.. وتدرس معه وتصير أحسن منه..


مهاب بغضب: تلايطي ياقليلة الحيا..


مزنة بدهشة: من؟؟ ولد زايد آل كساب؟؟


حينها شد مهاب نفسا عميقا: إيه ولد زايد الكبير.. كسّاب.. وشكل جدي قده معطي الشيخة كاسرة العلوم..


حينها التفتت مزنة لمهاب باستغراب: وش فيها يأمك.. عرب أجواد.. وخيرهم واجد..


مهاب وقف وهو يهتف بغضب: فيها إنهم ضيعوا سلوم العرب يوم خلو بنتهم تدرس وتشتغل ذا الشغلة
ثم أردف بسخرية: وبعدين وش فيه زود على اللي رفضتهم الشيخة كاسرة؟؟


كاسرة بسخرية مشابهة له: فيه إنه ولد زايد آل كسّاب.. يكفيه ذا الشيء ميزة
ثم أردفت بحزم: إذا اتصلوا فيك يبون ردنا..
قل لهم إنه حن موافقين.. ومتى ما بغوا الملكة.. يجيبون شيخهم..

همس المشاعر
09-29-2011, 06:05 AM
.


بين الأمس واليوم/ الجزء السابع عشر







مهاب وقف وهو يهتف بغضب: فيها إنهم ضيعوا سلوم العرب يوم خلو بنتهم تدرس وتشتغل ذا الشغلة
ثم أردف بسخرية: وبعدين وش فيه زود على اللي رفضتهم الشيخة كاسرة؟؟


كاسرة بسخرية مشابهة له: فيه إنه ولد زايد آل كسّاب.. يكفيه ذا الشيء ميزة
ثم أردفت بحزم: إذا اتصلوا فيك يبون ردنا..
قل لهم إنه حن موافقين.. ومتى ما بغوا الملكة.. يجيبون شيخهم..


مهاب بغضب: يامسودة الوجه ما تستحين أنتي.. ذا كلام تقولينه لأخيش


كاسرة بهدوء عميق واثق: بصراحة ما أشوف شيء غلط في اللي أنا قلته.. وما ينقال بغير ذا الطريقة..
وين الشيء اللي خلاني ما أستحي في نظر جنابكم؟؟
رجّال تقدم لي وأنا موافقة عليه..وانتهت السالفة


مهاب بذات الغضب: بس أنا ماني بموافق..


كاسرة وقفت وهي تهز كتفيها بثقة: ليه أنت اللي بتزوجه..؟!!


أنهت كلمتها ثم خرجت متوجهه لغرفة جدها..



بينما مهاب كان ينتفض من الغضب: أبي أعرف هذي وش اللي اقنعها فيه..
أكيد إنه جدي اللي اقنعها.. زين ياكاسرة دواش عندي


مزنة بهدوء حازم: اقعد يأمك الله يهداك.. اقعد..


مهاب جلس.. بينهما أكملت مزنة حديثها بذات الهدوء:
الحين يأمك ولد زايد أنت ترد شيء في صلاته؟؟.. في أخلاقه؟؟ في شغله؟؟ يعني هل هو بطالي ومعتمد على أبيه؟؟


مهاب يتنهد بعمق: لا والله ماني بباهت الرجّال.. رجّال مصلي وثقيل وكلمته موزونة.. ومعه ماجستير وعنده شركة له بروحه..
صحيح إنه أحيانا تحسين إنه شايف حاله.. بس ذا ظاهر.. والله أعلم بالباطن.. انا ما أعرفه زين أحكم عليه..


حينها ابتسمت مزنة: شايف حاله.. أختك شايفة حالها أكثر منه
يأمك ما صدقت إن كاسرة توافق على حد
تكفى يأمك لا ترده عشان شيء ماله معنى... والله لا ترده إنه كاسرة ماعاد توافق على حد
لا توقف في وجه أختك يأمك وتردي نصيبها عشان شيء في رأسك...
آل كسّاب عرب أجواد... ونعرفهم من سنين... ساسهم طيب.. وعرب فيهم وصل وخير..


تنهد مهاب ثم زفر بحرارة: خير يمه خير....






************************************








" وش فيها أختش ترّقّص كنه شاب تحتها ضو؟؟"
همس عالية الخافت في أذن سميرة..
وهي تنظر لنجلاء التي تدعك أناملها بتوتر وهي تطوق خصر شقيقها صالح الجالس على رجليها


بينما أم غانم وأم صالح مشغولتان بتبادل الحديث معا..


سميرة تبتسم وتهمس في أذن عالية: يأختي خايفة صالح يجي وهي هنا..


عالية رفعت حاجبا وأنزلت الآخر: خايفة من صالح.. وهي بتسافر معه؟؟.. يأمتيّ من النسوان..


سميرة تضحك وهي تهمس في أذن عالية: شفتي يأختي شفتي..


عالية بخبث: تكفين سمور.. قومي خل نسوي فيها مقلب..


سميرة بخوف مصطنع: لا يأختي ما أقدر على مقالبش.. أنتي ماعندش كنترول.. يمكن تذبحين الواحد في مقلب من مقالبش وانتي عندش إنها مزحة


عالية برجاء: سمور تكفين.. والله مقلب بدون دم... بس نوقف قلبها شوي


سميرة تضحك: أما أنتي ياعالية غريبة.. صدق يوم يقولون العباقرة مجانين.. الحين وحدة عبقرية مثلش وتخصصها صعب
وش يطري عليها ذا المقالب؟؟


عالية بنبرة أسى مصطنعة: يأختي وش أسوي أفك عن روحي شوي لا أستخف


ثم أردفت باستعجال: يا الله قومي قومي.. ياني بسوي فيها مقلب يطلع من رأسها
قال مستحية من صالح وما كانت تبي تجي تسلم علي؟؟..
زين دواها عندي..



عالية وسميرة خرجتا وصعدتا للأعلى.. ولم يهتم أحد لصعودهما لأن هذا هو المتوقع...
فلابد أنهما يريدان التحدث براحتهما وعالية تريد أن تعطيها هداياها التي أحضرتها له..


بعد دقيقتين... عالية اتصلت بنجلاء وهي تدفع في صوتها أكبر قدر من الجزع:
نجلاء الحقي عزوز سكر على روحه الحمام.. وميت من الصياح..


نجلاء قفزت وهي تلقي بهاتفها وتعطي صالحا لوالدتها وتصعد راكضة للأعلى دون تفكير.. فالخبيثتان أجادتا رسم السبب
فعبدالعزيز الصغير انغلق عليه باب الحمام سابقا.. لذلك هو يعاني من خوف مرضي من انغلاق الأبواب عليه وهو وحيد..


حين وصلت نجلاء للطابق العلوي.. كانت سميرة تقف أمام باب غرفة صالح وهي تهتف بجزعها التمثيلي البارع: داخل في حمام أبيه..


نجلاء دخلت كالأعصار دون تفكير.. وكانت عالية تمسك باب الحمام وهي تهتف بصوت حنون وطمأنة: بس عزوز حبيبي لا تبكي.. ماما جاية الحين..


فور أن رأت عالية نجلاء انسحبت بهدوء وأغلقت باب الغرفة بالمفتاح..


بينما نجلاء تصرخ عند الباب: عزوز حبيبي أنا هنا..
ولكن عبدالعزيز لم يرد عليها
شعرت أنه سيغمى عليها من الرعب على ولدها وهي تحرك قفل الباب
لينفتح الباب ببساطة وينكشف لها الحمام الخالي تماما....


حينها قفز قلب نجلاء في بلعومها.. وهي تعود ركضا لباب الغرفة لتحاول فتحه.. وتجده مغلقا..
طرقت على باب الغرفة طرقات قصيرة وهي تهتف بصوت مكتوم:
يا حيوانة أنتي وإياها... والله لا تشوفون شيء عمركم ما شفتوه..
يا الله افتحوا لي.. لا تفضحوني.. ما أقدر أطول صوتي..


الاثنتان كانتا تضحكان بهستيرية خارج الباب.. وعالية تهتف بين ضحكاتها:
لا وتهدد الأخت هي ووجهها.. زين يا نجول... خلي المقلب يحلى..
بأتصل في صالح... أصلا مهوب بعيد في المجلس.. فرحان بعياله.. خنت حيلي أخيي المسكين..


حينها شرقت سميرة وكحت وتوقفت ضحكاتها: لا عالية .. لا.. تكفين.. والله ماعاد تسامحني نجلا


عالية مستمرة في جنونها: قولي لها الخطة كلها خطتي.. وأنتي مالش دخل..


سميرة بغضب: لا عالية لحد هنا وكفاية...


ولكن عالية لم ترد عليها وهي تضع المفتاح في جيبها.. وتتصل بصالح وهي تهمس بنبرة استعجال:
أبو خالد تعال بسرعة الحين أبغيك عند غرفتك دقيقة وتكون عندي...




سميرة غضبت بالفعل وهي تلبس نقابها وتتجه للأسفل.. وتسب نفسها لموافقتها على كل هذا..
فهذه ليست المرة الأولى التي تورطها عالية في مقالبها الثقيلة


عالية أخرجت المفتاح من جيبها استعدادا لإعطاءه صالح..
وفعلا صالح وصل بعد دقيقة وهو يكاد يركض قلقا من طريقة عالية في استدعاءه
ليصل لعالية ولباب غرفته
عالية حين رأته ناولته المفتاح وهي تهمس بخبث: فيه مفاجأة تنتظرك داخل..


صالح تناول المفتاح بدهشة ليفتح الباب...



قبل دقيقة
نجلاء في الداخل.. تكاد تبكي حرجا وهي تتوعد الشريرتين في الخارج..
كانت تتحاشى النظر لكل شيء حولها.. فهي تعلم أن وقعت عينها على شيء ما هنا
فهذا كفيل بتقليب مواجع سنوات..
يكفيها رائحة عطر صالح التي تعبق في الجو بتركيز لتشتيت أفكارها وتقليب آلامها!!


لذا بقيت قريبا من الباب ووجهها يحتقن ويحتقن.. وعيناها تغيمان بالدموع
أ هكذا هي مشاعرها بالنسبة لهما.. محض لعبة يعبثان بها؟
ألا يعلمان أي أذى نفسي يجبرانها على الخضوع له؟!!
تهرب من هذه الغرفة وصاحبها وجروحه لشهور طويلة.. لتجد نفسها محبوسة فيها وبدون مقدمات..
تشعر أن أنفاسها تضيق وتضيق.. ووجهها يزداد احتقانا..


لا تريد مطلقا أن تبكي..
لا تريد أن تراها الاثنتين وهي تبكي من محض أمر سيبدو لكلتيهما أمرا سخيفا.. هو إغلاق الباب عليها
ولكنها لا تستطيع منع الدموع من طمر نظرة عينيها..
لأن الأمر عندها ليس "مجرد إغلاق باب" عليها بل هو فتح لجروح تحاول أن تدعي تناسيها.. لتكمل مسيرة الحياة
ولكن هذه الجروح تأبى أن تسمح لها بالنسيان أو حتى التناسي.. كيف وهي تجد لها مرتعا خصبا؟!



اقتربت أكثر من الباب وكأنها تريد إخفاء وجهها فيه من وحش ما سيقفز من الغرفة لينقض عليها.. ليمزق شرايين قلبها إربا


لتتفاجأ بالباب يفتح.. قفزت مقتربة وهي تظن أنهما عالية وسميرة..
لتتفاجأ بصالح يقف أمامها


صالح صُدم صدمة حياته وهو يرى نجلاء أمامه التي اختنقت بصدمتها الكاسحة ..بشهقاتها :
والله أنهم عالية وسميرة اللي سوو فيني مقلب وجابوني هنا..


صالح بدأ يرتعش من شدة الغضب وهو يرى حالة نجلاء المزرية.. وجهها المحتقن الغارق في العرق وعينيها الغائمتين بدموع تحاول ألا تنهمر
إزداد غضبه وتضاعف كيف أن هاتين الطفلتين اتخذتا من مشاعره هو ونجلاء ومشاكلهما أداة للعبث والسخرية والمقالب
دون أدنى احترام لأي شيء .. لا لفارق السن الكبير ولا حتى لمشاعرهما


زفر بغضب عميق يحاول كتمه: أم خالد روحي تحت.. وقولي للثنتين يجوني في الصالة اللي تحت.. أنا انتظرهم..
دقيقة وحدة والله لو ما جاوني لأدخل عليهم في مجلس النسوان وأكوفنهم...


نجلاء تنهدت وهي تمسح وجهها وتسحب نفسا عميقا.. وعادت للأسفل...


حين وصلت لمجلس النساء كانت كل واحدة منهما تجلس في زواية
لأن سميرة كانت تنتفض غضبا وخوفا .. غضبا من عالية.. وخوفا من نجلاء وعليها
بينما عالية التي كانت سعيدة بمقلبها ..كانت الآن متأثرة من غضب سميرة عليها



نجلاء بنبرة تشفي لقهرها منهما مالت على أذن عالية ثم سميرة: أبو خالد يبيكم في الصالة الحين..


الاثنتان ابتلعتا ريقهما الجاف.. وتوجهتا للخارج وسميرة تنزل نقابها على وجهها..
بالتأكيد عالية لم تكن خائفة من شيء.. فإحساس الخوف ملغي من قاموسها
لكنها تخشى أن يكون صالح غاضبا منها بينما ظنت أنها ستسعده...
بينما سميرة كانت ركبتاها ترتجفان حرجا وخوفا..


حين وصلتا علمتا أن هناك مصيبة قادمة لأن وجه صالح كان محتقنا بشدة من شدة الغضب
فور أن وصلتا انفجر فيهما: ها مبسوطة أنتي وياها.. مبسوطين يوم خليتو أخوانكم الكبار مسخرة لكم..


حينها قاطعته عالية بحزم شديد: إذا عندك كلام تبي تقوله.. تقوله لي أنا
سميرة مالها ذنب.. وكانت أساسا مهيب موافقة.. بس أنا اللي سويت الشغلة من رأسي


ازداد غضب صالح وهو يشير لسميرة أن تعود للداخل بينما أكمل حديثه لعالية:
أنا أبي اعرف متى بيصير عندش إحساس مثل الناس... أمنتش الله هذا تصرف تسويه وحدة عاقلة..
تحرجيني وتحرجين أم عيالي بذا الطريقة.. شايفتنا بزران تبين تلاعبينهم الغميضة؟؟


ما حد قد قال لش إن مشاعر الناس ومشاكلهم مهيب لعبة تلعبين فيها؟!
ماحد قد قال لش إن المزح والخبال لهم حد يوقفون عنده؟!
ماحد قد قال لش عيب عليش اللي تسوينه؟!!
ماحد قد قال لش حافظي على شوي العقل اللي في رأسش لا يطير؟!
ماحد قد قال لش تراش ماعادش بزر.. واللي تسوينه منقود وفشيلة في حق بقرة في عمرش وحتى منصبش اللي بتستلمينه عقب كم شهر؟!


عالية بهدوء بارد: هذا أنت قلت لي.. ومشكور.. بصراحة كنت محتاجة حد يفوقني من الغيبوبة اللي أنا فيها..
خلصت وإلا بعد؟؟


صالح اقترب منها وهو يمنع نفسه ويقهرها حتى لا يمد يده عليها وهو الذي لم يفعلها مطلقا: وتمسخرين بعد... ولش وجه؟؟


عالية بذات هدوءها البارد الذي تخفي خلفه استعدادا حقيقيا للبكاء: لا أتمسخر ولا شيء
أنا أسفة على اللي صار.. وهذا خشمك أحبه.. وسامحني.. والحين اسمح لي


قالتها وهي بالفعل تتطاول على أطراف قدميها حتى تصل لأنفه وتقبله ثم تسحب نفسه للأعلى
لتغلق على نفسها باب غرفتها.. وتنفجر في بكاءها الخاص...



سميرة عادت للداخل.. وهي تتحاشى النظر لأحد.. ثم جلست جوار نجلاء وهي تهمس باختناق: نجول سامحيني
والله مادريت إنها بتسوي كذا.. اتفاقنا نسكر عليش دقيقة ونفتح بسرعة..


نجلاء تشيح عنها بغضب: زين سمور دواش عندي بس خلنا نرجع البيت..



بعد دقائق يصل لهاتف نجلاء رسالتين.. الأولى من عالية:


"سامحيني نجلا
أنا آسفة.. وترا سميرة مالها ذنب"


والثانية من صالح:


"السموحة يأم خالد..
امسحيها بوجهي..
والله إن علومي ضاعت يوم شفت الدموع بعيونش
بس الحين عقب ما هديت
أقول..... فديت أختي
وليتني استغليت الفرصة بس!!
وش استفدت الحين كون شوف وحر جوف!!"







*********************************






" صحيح كاسرة وافقتي على الخاطب الجديد؟؟"


كاسرة تلتفتت لوضحى الجالسة جوارها ثم تكتم صوت القناة الإخبارية التي كانت تشاهدها
وتهمس بهدوء: إيه.. وافقت..


وضحى بتردد: ومقتنعة.. ؟؟


كاسرة تنظر لها نظرة مباشرة وتهمس بحزم: ومتى كنت أسوي أنا ماني بمقتنعة فيه


وضحى بذات التردد: ما أقصد.. بس أنتي كنت مصرة على واحد أربعيني.. وهذا تقول لي أمي أصغر من امهاب..


تنهدت كاسرة وهي تهتف بحزم: أحيان الواحد يغير قناعاته.. على حسب المتغيرات اللي يمر فيها


وضحى بهدوء: بس مهوب أنتي اللي تسوينها.. وافقتي عشان جدي..صح؟؟


كاسرة بحزم: أسبابي تخصني أنا بروحي...
وأتمنى أنه أنتي بعد ما تطولين على عبدالرحمن في الرد.. هذا أنا خلاص بأتزوج وبروح من طريقش


وضحى بضيق: وليش تظنين إن الامر متعلق فيش دايما.. لو أنا رفضت عبدالرحمن بارفضه لاني ماني بمقتنعة فيه.. مهوب لأي سبب ثاني


كاسرة تهمس بحزم: وضحى ترا الفرصة يوم تجي للإنسان.. تجيه مرة وحدة وما تكرر
فإذا ضاعت منه ما يلوم إلا نفسه هو وبس...






****************************






"ناموا العيال؟؟"


أم غانم بإرهاق: ناموا بعد ما هلكوني..


أبو غانم بهدوء حان: يا سبحان الله.. وقفتي بدون سبب عقب سميرة.. وعلى آخر عمرنا يجينا ذا الأثنين..


ابتسمت أم غانم: ماحدش يعترض على ئسمت ربنا


أبو غانم يبتسم: يا حبني لش إذا طرى عليش حكي المصاروه..


أم غانم بذات الابتسامة: أنتو خليتوني أخبص كل حاجة بالوشوشة العالية اللي عندكم.. لا عاد فيه حكي مصاروه ولا دياولو..
صمتت لثانية ثم أردفت بهدوء حذر: فيه شيء أبي أقوله لك


أبوغانم بتساؤل: قولي يالغالية!!


أم غانم بتردد: أم امهاب اليوم جاتني تخطب..


أبو غانم باستغراب شديد: أشلون تخطب وملكة امهاب كانت اليوم... اليوم كنا عنده على عشا لرياجيل ..وباركنا له...


أم غانم ابتلعت ريقها: تخطب لتميم..


أبو غانم بصدمة واستنكار بالغين: نعم..؟؟؟
ثم تراجع وهو يهتف: يا الله لا تواخذني.. اللهم أني استغفرك وأتوب إليك..
يا بنت الحلال كان صرفتيها على طول.. مافيه داعي تطولين السالفة..


حينها هتفت أم غانم بغضب: أم امهاب معرفة خير.. وعمرها ماضايقت حد بكلمة..فيوم تجي تخطب لولدها أفشلها وأقول لها على طول مافيه قبول
قلت لها خلني أشور البنت وأبوها.. لو وافقوا اخطبوا رسمي..


أبو غانم يتمدد وهو يهتف بعدم اهتمام بصوت داخله النعاس: خلاص إذا جاتش المرة الجاية قولي لها


حينها همست أم غانم بتردد: بس سميرة موافقة عليه


قفز أبو غانم والنوم كله يطير وهو يهتف بغضب: نعم موافقة؟؟ ويش؟؟


حينها كانت أم غانم من همست بإرهاق تريد به تخفيف المواجهة:
شوف ياراشد أنا ماليش دماغ.. تفاهم أنته مع بنتك.. لأني تعبت معها اليوم وتكلمنا كثير
وهي مقتنعة فيه وعاوزاه.. وتقول مافيه أي عيب عشان تردونه وخافوا من ربنا
أنته أقنعها وتكلم معاها لأن البنت ذي شكلها استخفت..





**********************************






" هلا خالتي.. متصلة علي وتقولين تعال بسرعة.. هذا أنا جيت"


عفراء بحماس أمومي شفاف: كذا يا كسّاب تروح تخطب من وراي؟؟ وحتى عقبها ما تقول لي..


حينها تجاوزها كسّاب ليجلس ويهتف بعدم اهتمام: (نساني إياه قِل همه).. على قولت المثل..
وعلى العموم ما بعد صار شيء... خطبنا العصر وتونا الحين في الليل..


عفراء بابتسامة: والله إن علومك علوم... توك البارحة تنشد من العجوز اليوم نطيت تخطب البنت..


كسّاب بذات نبرة عدم الاهتمام: والله شور أبو كسّاب وإلا أنا وش عرفني بهم..


ابتسمت عفراء بحنو: وأبيك ما يبي لك إلا الزين.. وأنا أشهد إنه تنقى لك أزين الزين..


حينها سأل كسّاب وهو يتذكر شيئا: إلا هي وش اسمها يا خالتي..؟؟


عفراء بطبيعية: كاسرة..


حينها هتف كساب بسخرية: من جدش خالتي والا تنكتين؟؟


عفراء باستغراب: من جدي أكيد..


كسّاب بذات نبرة السخرية: هذي لو خذتها أول شيء بسويه اخليها تغير اسمها..


حينها ضحكت عفراء برقة : شكلك أنت اللي تنكت..


عقد كسّاب حاجبيه: وليش أنكت.. أتكلم من جدي..


عفراء بهدوء: كاسرة معروفة إن شحصيتها قوية.. وناس واجد قد قالوا لها تغير اسمها بس هي تقول مستحيل.. اسمي لابسني وأنا لابسته


حينها هز كسّاب كتفيه بعدم اهتمام: شخصيتها قوية على روحها مهوب علي..
ولو بغيتها أنا تغير اسمها بتغيره وهي ما تشوف الدرب
ولو بغيتها تقعد باسمها.. بيكون بمزاجي بعد...


حينها همست عفراء بقلق: يأمك وش فيك شايل سيفك على بنت الناس كذا من أولها.. لحد الحين مابعد وافقت البنية وأنت واقف تحد سكاكينك...


كسّاب بثقة: والله ياخالتي انتي عارفتني وعارفة طبعي.. وماني بمتغير عشان حد.. وإذا وافقت علي ذنبها على جنبها.. ماحد ضربها على يدها




كسّاب تحاور مع خالته قليلا.. ثم غادرها
ليصبح المكان خاليا على عفراء التي تدور طوال اليوم كالآلة.. علها تنسى وتتناسى..
ولكن الآن في هجعة الليل هذه.. كيف تنسى أو حتى تتناسى..
وكل مافي هذا الليل يقلب المواجع والألم والذكريات
كل شيء في البيت يذكرها بجميلة ورائحة جميلة وضحكات جميلة وحتى مرض جميلة..


ماعاد بها صبر وهي تحاول منع نفسها من الاتصال بخليفة.. فأخر اتصال به لم يمض عليه حتى ساعات..
والطبيبة حذرتها حتى من الاتصال بجميلة شخصيا حتى تعتاد جميلة على فكرة غياب والدتها..


رن هاتف خليفة.. ولكنه كان بالفعل عند جميلة.. التي كانت غارقة في النوم..
خليفة رأى اسم عفراء.. خرج بالهاتف للخارج
لأن داليا حذرته أن يهاتفها أمام جميلة أو حتى يخبرها باتصالاتها
هتف بصوت هادئ يظهر فيه أثر الإرهاق: هلا خالتي..


عفراء بقلق: أشفيك يأمك صوتك مهوب زين..


خليفة بذات الصوت المرهق: مافيني شيء خالتي..


عفراء بقلق: أشلونها جميلة يأمك.. بشرني منها.. وأربها ما جننتك معها


خليفة يخفي كل الحقيقة هو يهتف بهدوء: طيبة خالتي ولا جننتني ولا شيء..


فالوضع كان عكس ما يقول تماما
فوضع جميلة كان سيئا وهي تصيبه بجنون فعلي وهي تصر عليه ألا يفارقها حتى للحمام وللصلاة إلا بعد محايلة
وليس السبب مطلقا رغبتها في بقائه جوارها أو كونه مصدر أمان لها.. حتى يشعر خليفة ببعض العزاء
ولكنها تصارحه فعلا أنه تريد أن تضيق عليه حتى يمل ويهرب ويتصل بوالدتها لتحضر..
والليلة رفضت حتى أن يذهب للفندق وهي تصر على طبيبها أن يأخذ لخليفة أذنا ليبات عندها..
الطبيب الفرنسي تقديسا للحب المفترض بين العصفورين الجديدين.. خالف القوانين ليستخرج لخليفة الأذن.. ليبقى عند عروسه الذابلة


وابتسامة تشفي ترتسم على شفتي جميلة وهي تهمس لخليفة: وش حادك ترقد على كرسي عقب صلب ذا النهار كله
يا ابن الحلال ارجع لأبيك وأخوانك وخل أمي تجيني


حينها ابتسم خليفة وهو يجلس ويجيبها بسخرية واثقة: يا زينها نومة الكرسي.. أنا أصلا أحب نومة الكراسي


رغم أنه يكاد ينفجر منها... وليس مطلقا لأنه لايريد النوم عندها.. فهو مستعد لذلك تماما
ولكن طريقتها في فرض ما تريد مستفزة تماما.. فتاة أفسدها الدلال لأبعد حد..
وتحتاج لإعادة تربية.. ولكن حتى وضعها لا يسمح له أن يمارس ذلك بحرية



عفراء هتفت حينها بعمق أمومي شفاف: الله يوفقك يا ولدي ويريحك ويريح بالك مثل منت مريح بالي..


تنهد خليفة (خلنا الحين نريح جسمنا اللي قرب ينهار) أجاب بمودة: وبالج ياخالتي


حينما أنهى خليفة الاتصال عاد للداخل.. ليتفاجأ بأريكة ضخمة كان يحملها 3 عمال بخفة ويضعونها في الزاوية وأحدهما يهمس بانجليزية ركيكة:
دكتور بيير أمرنا بإحضارها هنا...


ابتسم خليفة: ماشاء الله عليج يا خالتي ..دعوتج مستجابة.. استجاب الله دعاج..


ليتجه ناحيتها وهو يتمدد عليها ليغرق فورا في نوم عميق لشدة إرهاقه..





صباح اليوم التالي..



جميلة تصحو بجزع وهي ترى الشمس تغمر الغرفة تماما بينما هي مازالت لم تصلِ الفجر


كانت تريد أن تضغط الجرس حتى تحضر أحد الممرضات فتساعدها للذهاب للحمام لتتوضا..
وهي تتلفت فوجئت بخليفة الغارق في نوم مريح.. على أريكة ضخمة ومخدة مريحة وغطاء وثير..
فشعرت بالغيظ ليس لأنها تكره أن يرتاح بالمعنى المطلق.. إنما هي لا تريده أن يرتاح في وجوده عندها
تريد أن تستنزف طاقته الجسدية والنفسية حتى يصبح عاجزا عن احتمال المزيد ليهرب وتعود لها أمها..
لذا هتفت بصوت عال قدر ما تحتمل حبالها الصوتية: خليفة.. خليفة..


ولكن خليفة الذي صحا من نومه على صرخاتها.. لم يجبها وهو مستمر في تمثيل النوم


تعالت صرخاتها: خليفة.. خليفة... قوم صل.. كذا تخلي صلاة الفجر تفوتنا..


ولكن خليفة لم يرد عليها.. كان بودها أن تنكد عليه..ولكنها الآن مشغولة باللحاق بالصلاة التي فات وقتها..


لذا نقرت جرس الاتصال للممرضات وتأتيها إحداهن لتساعدها.. حينما انتهت من الصلاة.. عاودت الصراخ: خليفة خليفة.. قوم صل..


كانت تشعر بغيظ عميق وتود لو كان لديها طاقة أن تتجه ناحيته لتنكد عليه.. لذا حاولت فعلا أن تنزل دون مساعدة.. لتنهار تماما في منتصف الطريق


خليفة حينما سمع صوت فوضى السقوط.. قفز ليتفاجأ بها على الأرض..
اتجه ناحيتها.. بينما هي بدأت تصرخ بجزع كاسح وحرج عميق: لا تقرب مني ولا تطالعني حتى


فجزء كبير من جسدها كان مكشوفا مع انفتاح روب المستشفى نتيجة لسقوطها
خليفة لم يرد عليها وهو يشد ملابسها عليها ثم يحملها بخفة كما لو كان يحمل طفلا رضيعا.. ويضعها في سريرها
لتنخرط هي بكاء حاد موجوع عال الشهقات وهي تشيح بوجهها عنه...
شعرت أن إنسانيتها امتهنت.. وحقها الطبيعي في الخجل سُلب منها..
فأي ألم عميق جارح هذا؟؟ أي ألم؟؟


خليفة شعر بندم عميق أنه لم يجبها منذ المرة الأولى ودفعها لأن تحرج نفسها بهذه الصورة


بكت مطولا قبل أن تهدأ.. حينها همس لها خليفة بحنان: الحين ممكن أعرف ليه هذا كله.. وليه تنزلين من سريرج أساسا..؟؟


جميلة بصوت مبحوح تحفي خلفه مرارة انكسارها وحرجها العميق: مهوب شغلك.. وأنت ليش ماقمت تصلي..


خليفة بهدوء: أنا صليت من فجر.. ورجعت ونمت.. وصحيتج بس أنتي كنتي رايحة في النوم


حينها همست بغيظ وهي تمسح أنفها المحمر: ما أبي الكنبة هذي في غرفتي.. شكلها مشوه الغرفة..


حينها ابتسم خليفة: لا .. والله.. وأنتي هامج وايد ديكور المستشفى..
الكنبة هذي بتظل موجودة.. إلا لو أنتي تبين تنزلين تطلعينها بروحج


حينها عاودت جميلة الانخراط في البكاء: إيه تمسخر علي عشان أنا وحدة بأموت وما فيني حيل.. حرام عليك


خليفة تنهد: لا حول ولا قوة إلا بالله... بس يا البيبي.. كل شيء يخليج تصيحين جذيه..


جميلة عاودت التماسك وهي تمسح عيونها: كم مرة قلت لك لا تقول لي بيبي..


حينها ابتسم خليفة: زين خلج حرمة وتصرفي مثل الحريم...


حينها عاودت جميلة الانخراط في بكاء حقيقي متألم خافت وهي تشهق: ما أبي أكون مرة.. أبي أمي بس.. تكفى خليفة جيب لي أمي..
أبي أمي... حرام عليك.. بأموت وأنا نفسي أشوفها.. حرام عليك.. ترا ذنبي في رقبتك


حينها ماعاد خليفة يحتمل... تركها وخرج لخارج الغرفة...
فهو قد يحتمل ثورتها وعصبيتها وهي تنعته بمختلف النعوت وتصفعه بكراهيته الجارحة
ولكنه لا يحتمل مطلقا أن ترجوه بهذه الطريقة المشبعة بالأسى والحسرة
وخصوصا انه يشعر بمرارة انكسارها المحرج بعد أن تكشّف جسدها أمامه بهذه الطريقة المحرجة..
جسدها الجاف الخالي تماما من أي معالم تدل على أنها أنثى حتى.. شعر بمزيد من الحنان عليها وكأنها طفلته..
فهو على كل الأحوال لا يستطيع أن ينظر لها كامرأة حتى..
إنما محض طفلة مدللة مثقلة بالوجع والألم!!








***********************************






صباح الدوحة



زايد ماعاد به صبرا.. يعلم أنه يستحيل أن يكون لدى مهاب ردا بعد وهم للتو خطبوا البارحة
ولكنه يريد فقط أن يُشعر مهابا أنهم مستعجلون.. لذا اتصل بمهاب
كان مهابا حينها متجها للمطار
بعد السلامات المعتادة هتف زايد بحزم: أدري أنكم يمكن مالحقتوا تشاورون بس أنا حبيت أاكد عليك إن حن شارين ومستعجلين..


حينها هتف مهاب في داخله (زين ياكاسرة تبين تعرسين وتملكين.. ولا يهمش) رد على زايد باحترام:
وحن ماعاد عندنا رد عقب رد إبي جابر عليكم البارحة... اللي يقوله جدي تم
تبون تملكون الليلة تفضلوا.. حن نشتري رياجيل.. ومثل ما أنتو شارين.. حن شارين وزود..


زايد شعر بدهشة أخفاها خلف صوته الثقيل: الليلة الليلة؟؟ شاورتوا البنت؟؟


مهاب بحزم: إيه الليلة .. أنا طالع رحلة وراجع العصر.. والبنت شاورناها وماعندها مانع
تفضلوا عقب المغرب.. والعرس عقب شهر لو تبون.. دامكم مستعجلين ما حن بمعطلينكم


ابتسامة شاسعة ترتسم على وجه زايد (وش ذا النهار المبارك ؟؟) :
خلاص يأبيك تم.. انتظرونا الليلة عقب المغرب.. والعشا عندي الليلة


مهاب أغلق الهاتف وهو يبتسم : زين يا كاسرة.. أنتي اللي قلتي وأنا نفذت بس..



بينما زايد أغلق من مهاب ليتصل بعفراء وهو عاجز هن السيطرة عن فرحته..
بعد التحيات المعتادة هتف لها بسعادة عميقة: أم جميلة.. ترا ملكة كسّاب الليلة.. الحين أنا باحول لحسابش فلوس..
أبيش تشترين لمرته.. أحسن شبكة وساعة ودبلة بتلاقينهم في الدوحة..


عفراء أشرقت روحها بالسعادة: وأخيرا يا كسّاب مابغيت..
بس تكفى يأبو كسّاب لا تحول شيء لحسابي... كسّاب بيزعل
أوعدك أشتري لها أحسن شيء في الدوحة.. بس بأخذ الفلوس من كسّاب


حينها شعر زايد بضيق لم يظهر في صوته الحازم: يأم جميلة هذي شبكة مرت ولدي


عفراء بمودة: تشتري شبكة مرت علي إن شاء الله.. كسّاب ماشاء الله عنده خير.. خلني أخسره شوي


حينها تنهد زايد: زين اخذي مزون معش.. أبيها تنبسط بتنقية شبكة مرت أخيها






***********************************







"وش ذا الكلام اللي أمش قالته لي؟؟"


سميرة التي كانت مستغرقة في المذاكرة وباب غرفتها مفتوح لم تنتبه لدخوله حتى انتفضت لسماع صوته الحنون العاتب


همست بصوت مختنق وهي عاجزة عن مجرد الإلتفات ووضع عينها في عيني والدها.. وهي تدعي عدم الفهم: أي كلام؟؟


أبو غانم بحنان: قومي حطي عينش في عيني.. أنتي فاهمة أني فاهمش.. وعارفة وش قصدي..


استدارت لوالدها وهي عاجزة عن رفع عينيها لوالدها.. وحياء الفتاة يحضر بعنف ويتلبسها بأعنف صوره..


حينها ابتسم والدها: ويوم إنش وحدة تعرفين السحا.. وشو له مادة لسانش عند أمش أبغيه وأبغيه...


حينها اختنقت سميرة تماما.. وعيناها بدأتا تغيمان من شدة الحرج والحياء.. وريقها جف تماما: والله يبه ماقلتها بذا الطريقة
بس قلت هو رجّال ماعلى أخلاقه ولا دينه شيء.. ومهوب من الشرع إنه يرد من غير عيب فيه
وكون إنه مايسمع ولا يتكلم هذا عطا ربي وقسمته.. وماحد يعترض عليه..


راشد جلس على سريرها.. ثم أشار لها أن تجلس بجواره.. سميرة تقدمت بخطوات مترددة وجلست..


حينها احتضن والدها كتفيها بحنان خالص وهتف بذات الحنان: تدرين يابيش إنكم عيوني اللي أنا أشوف بها
وعمري ما غصبت على وحدة منكم بشيء.. بس يأبيش أنتي عادش صغيرة
ويمكن إنش حاسة بشفقة على تميم.. وتفكرين بقلبش مهوب عقلش
يأبيش لو حتى وافقتش على اللي تبينه... صدقيني عقب كم سنة وخصوصا لا جاكم عيال...
بتقولين ليتك عييت علي وما وافقتني على خبالي...


حينها تصلب جسد سميرة وهمست بصوت مختنق خجول: وأنت ناوي تعيي علي وتردهم؟؟


راشد بهدوء منطقي: طبعا عشان مصلحتش أنتي.. أنا ماني بمعاشره.. أنتي اللي بتعاشرينه..


سميرة تتجرأ قليلا لتهتف بضعف: يبه أنا صليت استخارة مرتين.. وقلبي مرتاح له
وربي إن شاء الله مهوب مخيبني..تكفى يبه ما تغصبني على شيء ما أبيه..


راشد يتنهد ثم يهتف بحزم: يأبيش أنا مستحيل أغصبش على رجال ما تبينه
بس بعد مستحيل أخليش تزوجين واحد مثل تميم..
حد قال إني معينش مع نبت الفقع.. يأبيش أنتي أغلى علي من نسمتي اللي أتنسمها







*********************************






"قومي البسي عباتش"
همسه الساخر الواثق..


كانت كاسرة وقتها تجعد شعرها أمام المرأة استعدادا للذهاب مع والدتها لبيت أبو عبدالرحمن للسلام على جوزاء وإعطائها شبكتها
واستغربت دخول مهاب المفاجئ عليها...
ولكنها هتفت بثقة وهي مستمرة في لف شعرها بالألة الساخنة: ألبس عباتي ليه؟؟
تو الناس على المراح لمرتك.. اركد شوي.. أبي لي نص ساعة بس وأخلص..


حينها هتف بذات السخرية الواثقة: قومي.. الشيخ ينتظرش في الصالة اللي تحت يأخذ موافقتش وتوقعين..


حينها انتفضت يدها لتلسع نفسها بالألة وضعتها وهي تهتف بغضب: عن المزح الماسخ.. خليتني أحرق يدي


ابتسامة مهاب تتسع.. يشعر أنه رد لها ما فعلته به البارحة : ومن قال أمزح ..مهوب أنتي اللي قايلة لي بالحرف


" إذا اتصلوا فيك يبون ردنا..
قل لهم إنه حن موافقين.. ومتى ما بغوا الملكة.. يجيبون شيخهم.."


قالها وهو يقلد طريقتها في الكلام.. ثم أردف: مهوب ذا كلامش.. وإلا كنتي تقولين شيء ما تقصدينه..


حينها وقفت كاسرة على قدميها ووجهها يحتقن: إلا قلته.. وهذا كلامي.. بس المفروض يا ولد أمي.. تبلغني قبلها.. مهوب تسوي فيني كذا


والحين انزل وصرف الشيخ.. كيفك أنت وياه.. خلهم يرجعون بعدين
والفشيلة أنت تحملها.. مهوب تجي تبي تعاقبني إني عارضتك بذا الطريقة الخايـبة..


حينها هز مهاب كتفيه بثقة: والله المجلس مليان ناس كبارية جايين مع زايد.. ومسوي عقبه عشاء وش كبره في مجلسه عازم أمة لا إله إلا الله..
دامش تبيني أسوي فضيحة.. بسويها عشان شيء يستاهل... بأقول البنت تراجعت وغيرت رأيها


حينها وقفت كاسرة لترتدي عباءتها وهي تهتف بحزم: زين يا امهاب.. والله ما أطوف لك ذا الحركة.. زين





بعد الملكة مباشرة..


صعدت كاسرة لغرفتها لتتوجه فورا للحمام لتستحم رغم أنها استحمت قبل أقل من ساعة
ولكنها شعرت أن رأسها يغلي من القهر والغيظ.. وصداع مؤلم يجتاحها.. لشدة نبض عروق دماغها وانتفاضها


اشترطت في العقد أن لا يمنعها من عملها.. رغم أن أخيها مهابا كان رافضا أن تكتب شروطا في العقد... ولكنها أصرت..
شعرت أن هذا أقل ما يجب أن تفعله للتغلب على خيبة الأمل التي اجتاحتها بعنف..
فهي لابد أن تتحسب لتقلبات هذا الطفل الذي أجبرت نفسها عليه
حين كانت توقع لمحت عيناها تاريخ ميلاده .. بينهما تماما 3 سنوات ومن مواليد ذات الشهر ..


" ياربي وش ذا البلشة؟! عقب ذا كله.. أرجع أخذ لي بزر"


كانت المياه الباردة تنسكب على رأسها ولكن تفكيرها لا يبرد..
أنهت حمامها وهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.. وتقرر أن تصلي صلاة العشاء لتقرأ بعدها بعض وردها.. عل بالها يرتاح قليلا


بعد أن هدأت قليلا.. شعرت أن هناك من يجب أن تخبره.. لن تسامحها إن لم تخبرها..


بعثت لها برسالة: "فطوم.. أنا تملكت!!"


وصلها الرد بعد ثوان: " يا ثقل الطينة.. مت من الضحك
تصدقين حتى بطني آجعني من الضحك
بس لا عاد تعودينها"


حينها تنهدت كاسرة وأرسلت لها: "والله العظيم إني توني تملكت"


ثوان ليرن هاتفها.. ليصلها صوت فاطمة الغاضب: والله لا تكونين صادقة لا يصير شيء ما يرضيش..


تنهدت كاسرة همست بهدوء: صادقة.. واللي فيني مكفيني.. فلا تزودينها أنتي بعد فطوم..


حينها انفجرت فاطمة لا تعلم هل هو غضب أم عتب أم فرحة: كذا يالخايسة.. ملكة على طول..
وأنا حتى مادريت بالخطبة من أساسه.. مهوب حن متفقين يوم ملكتش أكون معش من الصبح.. كان خاطري أكون معش دقيقة بدقيقة
كذا تكسرين بخاطري..


تنهدت كاسرة: فطوم تكفين لا تزعلين.. والله كل شيء صار بسرعة أنا ما توقعتها.. توهم خطبوا أمس.. بسم الله الرحمن الرحيم
واليوم كان عندي ورشة برا الشغل.. ما قابلتش أقول لش.. وما حبيت أقول لش على التلفون عن الخطبة..
أنا بعد كنت أبي أشوف وجهش لا دريتي..بس والله كل شيء صار بسرعة تفر المخ


فاطمة تبتسم بحزن رقيق: خلاص ما أقدر أزعل عليش.. بس خلش تعرسين من وراي بعد.. عشان تشوفين شغلش
ثم أردفت بحماس ونبرة صوتها تتغير تماما: الزعل نساني أهم شيء.. من هو سعيد الحظ؟؟


كاسرة بهدوء: كسّاب بن زايد آل كسّاب..


حينها هتفت فاطمة ببهجة: ماشاء الله ياسوسو.. صدق ما تطيحين إلا واقفة.. صبرتي ونلتي.. ولد زايد آل كسّاب مرة وحدة..
والله إنه حلمي ما يطيح الأرض.. ما قلت لش بيأتيش الصقر ويلقطش.. وهذا صقرنا كسّاب جا..


ثم أردفت وهي تتذكر شيئا: بس اللي أعرفه إنه زايد آل كسّاب نفسه مهوب كبير.. مستحيل يكون ولده فوق الثلاثين حتى


ثم صرخت بحماس وهي تقهقه: الأخ عشريني صح؟؟ يا الله اعترفي..


كاسرة همست بهدوء واثق رغم أنها بدأت تغلي من هذا الموضوع: قريب الثلاثين.. بيني وبينه 3 سنين بس.. ارتاح قلبش


حينها ابتسمت فاطمة: المهم قلبش أنتي يرتاح







***********************






" مبروك.. مبروك.. ألف مبروك..
والله العظيم من فرحتي ودي أحجز الليلة وأجيك"


كسّاب بسخرية مبطنة: لا أكون فتحت عكا وأنا مادريت.. ترا كل السالفة مرة..


علي يبتسم: صدق إنك بايخ وما عندك إحساس.. الحين نصك الحلو اللي تصير أم عيالك وشريكة حياتك
اسمها "كل السالفة مرة!!" (قالها وهو يقلد طريقة كسّاب الساخرة)


كسّاب بذات النبرة الساخرة: لأنه هذي هي .. كل السالفة مرة..
يعني ما تحتاج المهرجان اللي مسويه أنت وأبيك وهو يحدد موعد العرس عقب شهر واحد بس..


علي بسعادة صافية: يا كثر بربرتك على الفاضي.. تلاقيك تنطط من الوناسة ومسوي روحك ولا همك
والحين اسمعني ترا حجزك حق شهر العسل علي أنا.. والله العظيم ما تقول شيء
بأحجز لك هنا في جنيف أحلى فندق وبأسوي لك أحلى برنامج..
وأنا أساسا بأكون في الدوحة...فخذوا راحتكم.. ماعندكم عزول...


كسّاب بغضب: استغفر يا ابن الحلال.. وشو له ذا الحلايف... يمكن أنا ما أبي أسافر.. تجبرني؟؟..


علي بمودة صافية: إيه بأجبرك... إذا مهوب عشانك.. عشان مرت أخي الكبير أم زايد..
وعجلوا علينا بزايد... يانا مشتاق لبيبي صغير ندلعه.. ويخلي بيتنا فيه حياة وصريخ شوي...






***********************************






طرقاته التي تميزه والتي هي تعرفها جيدا.. ترتفع على الباب..


رغم أنها تعلم أن ارتباطه بوضحى أقوى.. وعلاقته بها أمتن
ولكنه يبقى قريبا جدا من روحها ..وتحبه كثيرا ولكن بطريقتها الخاصة..
ولكن الأغرب أنها الآن تشعر بالخشية من هذا الفتى الصامت.. تخشى نظرته السابرة..
لذا تمنت ألا تفتح له وهي مازالت تحتاج للتأقلم مع الفكرة
لو أن الطارق أحد سواه.. لم تكن لتتردد لحظة في الفتح..
لا تريد أن يشعر أي أحد بخيبة أملها!! ولا أنها قد تتردد في المواجهة


ولكن تميم شيء آخر..
فهو لن يسمع صوتها الحازم الواثق الذي تصيغه بمهارة لتقنع الجميع أنها وافقت بملء قناعتها..
لن يحتاج إلى محاورتها بالكلمات التي تبرع فيها
بل سينفذ مباشرة عبر بحيرتي عينيها...
ولشد ما تخشى هذا النفاذ!!!


تنهدت بعمق وهي تشد قامتها وتسحب شهيقا عميقا.. تبتسم ثم تفتح الباب..


تقدم خطوتين للداخل وهو وجهه ترتسم ابتسامة غاية في النقاء والصفاء والمودة.. قبل رأسها ثم أشار:
مبروك يا عروسة..


كاسرة تشير بثقة وهي تتحاشى النظر لعينيه بطريقة بارعة وتركز على يديه: الله يبارك فيك..


تميم يبتسم: سبق لي تعاملت معه.. وسوينا صيانة لكمبيوترات شركته كلها..
رجال محترم وفيه خير.. الله يهنيش..


كاسرة تشير بذات الثقة: ويهنيك ونشوفك عريس قريب إن شاء الله


تميم يشير وفي عينيه نظرة مقصودة: إن شاء الله.. وما يصير يعني تردين علي وعينش في عيني..؟؟


ابتسمت كاسرة وهي تنظر له بشكل مباشر وتشير باصطناع بارع: ملكتي توها الليلة مايحق لي استحي من أخي يعني..


تميم يربت على خدها: يحق لش يا الغالية... بس تعودت أنش على طول واثقة من نفسش
ويوم تتكلمين تحطين عينش في عين اللي تكلمينه.. يعني أنا متعود على شوفت نظرة عيونش الحلوة وأنتي تأشرين لي..


ثم أكمل وهو ينسحب: ألف مبروك مرة ثانية.. وأتمنى إن السالفة فعلا حيا مهوب شيء ثاني






************************************





تمسح على شعره بحنان مصفى وتهمس برقة عذبة: ماشاء الله كل ما يكبر كل ما يشبه أبيه أكثر


شعاع تتنهد بابتسامة مثقلة بالضيق: ياذا الأب اللي منتي براضية تطلعينه من راسش
خلاص جوزا أنتي الحين مرت امهاب...


جوزاء تجيبها بألم: والله شعاع كلمة عفوية ماقصدت فيها شيء
تدرين اشعيع مشكلتش إنش تظنين إني أتذكر عبدالله بالطريقة الإيجايبة..
عبدالله أتذكره في حياتي كمأساة وبس.. يبي لي وقت لين أتأقلم ..
يعني يا شعاع تخيلي لو كانت يدش في الجبس.. تكرهين الجبس هذا ومضيق عليش وتمنين اليوم اللي تخلصين منه
ومع كذا يوم يشيلونه عنش تحسين بالفراغ.. يعني أنا أربع سنين وأنا في مأساة
والحين أحس المأساة انشالت عني... ابي لي وقت قبل أتعود الانطلاق
ولو انه الجبس هذا ترك تشويه جامد في يدي..
كفاية دراستي اللي ماعاد قدرت أكملها..


شعاع بضيق: والله حرام جوزا.. كنتي فصل تخرج وباقي لش مادتين بس..


جوزاء هزت كتفيها بألم عميق: قولي لي اشلون اكمل.. مات وأنا في في بداية الفصل وحاديت ثمان شهور وعقبه في يدي طفل صغير خايفة عليه من كل شيء
وعقبه الشهور مرت .. ودفعتي كلهم تخرجوا.. وأنا طاف علي وقت الرجعة
وما بقى لي غير الحسرة..


شعاع تهز كتفيها: تدرين جوزا.. كل ما أتذكر فترة حدداش أستغرب اصرار أبوصالح إنه تحادين عنده في البيت
ابي تضايق وقتها واجد من ذا السالفة.. كان يبيش تجين عندنا..


جوزاء هزت كتفيها بألم أعمق وأعمق: لولا إن ابي حلف عقب ما ولدت إني ما اطلع من المستشفى إلا على بيته
وإلا يمكن ابو صالح كان حلف أرجع عقب ما ولدت عنده
تذكرين حلوفته على أبي أيام حدادي إني ما أطلع من بيتي على قولته... قال له أبي وهو زعلان من السالفة (بيتك فيه شباب مهوب محارم لها)
قال باطلعهم من البيت... وفعلا هزاع وفهد طول فترة حدادي وهم مقيمين في المجلس
وصالح نزل غرفة تحت وفتح لها باب على برا...
كرهت روحي كره... حسيت إني عفست حياتهم فوق حدر... والكل يحملني الذنب بنظراته..
بس والله مهوب ذنبي.. ذنب أبو صالح اللي كان يبي يعاقبني على موت ولده الغالي..






*****************************





عفراء أنهت قبل دقائق اتصالا مع كسّاب وطلبت منه مالا حتى تشتري شبكته في الغد
تشعر بسعادة لطيفة تغزو روحها
وهي تجد شيئا تدفن فيه فوضى وجعها ويشغلها عن التفكير الذي جعل روحها تتأكل..والوحدة تلتهمها التهاما..
كان بودها لو تبات مزون عندها.. ولكنها يستحيل أن تطلب منها ذلك
لأنها تعلم أن زايدا لا يرضى أن تبات خارج المنزل بعيدا عنه..


نظرت لساعة الهاتف الذي مازال في يدها.. كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف بعد منتصف الليل
كانت على وشك النهوض لتصلي قيامها ثم تنام.. فلديها غدا دوام في المدرسة
ولكنها قبل أن تتحرك سمعت حركة غريبة..
ابتلعت ريقها جزعا وأرهفت السمع ودقات قلبها تتصاعد بعنف


"هل هذا صوت خطوات؟؟ أم يخيل لي"


صوت خطوات أقدام ثقيلة تتسحب قريبا منها
عفراء شعرت أن قلبها سيتوقف من الرعب وهي عاجزة عن التنفس حتى.. وركبتاها بدأتا تتصاكان
ولكنها تناولت هاتفها بخفة وهي تضعه على أذنها بخفاء بعد أن أعادت الاتصال بكسّاب وتهمس بخفوت بالغ مختنق وكلماتها تتناثر:
كسّاب الحقني فيه حرامي عندي في البيت..


وصلها صراخ كسّاب المزمجر المرعب الذي بدا لها أنه يكلمها وهو يركض:
سكري على روحش في أقرب غرفة.. أقل من دقيقة وأنا عندش


عفراء وقفت بهدوء جزع وريقها يجف تماما.. وهي تشعر أن شعر جسدها قد وقف كله والدم توقف عن عبور شرايينها ..
وتيارات رعب لا حدود لها تمر عبر مسامات جسدها كلسعات الكهرباء
لأنها شعرت أن الحركة أصبحت قريبة جدا منها


لذا قررت أن تركض بأسرع ما تستطيع.. وبالفعل بدأت بالتنفيذ وهي تركض ناحية الدرج
لولا اليد القوية التي منعتها من الصعود وأمسكت بها بقوة وألقتها بكل عنف على الدرجات الرخامية...

همس المشاعر
09-29-2011, 06:09 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الثامن عشر








في مجلس زايد.. مازالت السهرة ممتدة بين كسّاب ومنصور احتفالا بعقد قران كسّاب..



هو احتفال من وجهة نظر منصور ربما!!





منصور يهتف بابتسامة: كان خاطري تشوف وجهك يوم قال لك الشيخ إنها شرطت شغلها



حسيت إنك تبي تقوم تعطي الشيخ كفين..




ابتسم كسّاب بتهكم: والشيخ ليه يعطيها أساسا مجال تتشّرط هي وجهها..



ليه ما قال لها المره مالها إلا بيتها وتلايطي.. يا حرتي ليتني كنت موجود



أنا تتشرط علي الشيخة... زين دواها عندي..




كانا مستغرقين في الحديث حينما رن هاتف كسّاب.. كانت خالته..



تناوله بذهن خالي: لحقتي تشتاقين لي... توش مسكرة من خمس دقايق..




كسّاب قفز على قدميه وبدأ يركض وهو يصرخ ويزمجر بصوت مرعب:



سكري على روحش في أقرب غرفة.. أقل من دقيقة وأنا عندش




منصور حينما رأى حالة كسّاب وسمع صراخه ..شعر أن ورائه مصيبة ما.. لذا ركض خلفه دون أدنى تردد







قبل ذلك بدقيقة في بيت عفراء





عفراء تنظر لساعة الهاتف الذي مازال في يدها.. كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف بعد منتصف الليل


كانت على وشك النهوض لتصلي قيامها ثم تنام.. فلديها غدا دوام في المدرسة

ولكنها قبل أن تتحرك سمعت حركةغريبة..
ابتلعت ريقها جزعا وأرهفت السمع ودقات قلبها تتصاعد بعنف









"هل هذا صوت خطوات؟؟أم يخيل لي"




صوت خطوات أقدام ثقيلة تتسحب قريبا منها


عفراء شعرت أن قلبها سيتوقف من الرعب وهي عاجزة عن التنفس حتى.. وركبتاها بدأتا تتصاكان


ولكنها تناولت هاتفها بخفة وهي تضعه على أذنها بخفاء بعد أن أعادت الاتصال بكسّاب وهمست بخفوت بالغ مختنق وكلماتها تتناثر:
كسّاب الحقني فيه حرامي عندي في البيت..









وصلها صراخ كسّاب المزمجر المرعب الذي بدا لها أنه يكلمها وهو يركض:


سكري على روحش في أقرب غرفة.. أقل من دقيقة وأنا عندش






عفراء وقفت بهدوء جزع وريقها يجف تماما.. وهي تشعر أن شعر جسدها قد وقف كله والدم توقف عن عبور شرايينها ..


وتيارات رعب لاحدود لها تمر عبر مسامات جسدها كلسعات الكهرباء

لأنها شعرت أن الحركة أصبحت قريبة جدا منها








لذا قررت أن تركض بأسرع ما تستطيع.. وبالفعل بدأت بالتنفيذ وهي تركض ناحية الدرج


لولا اليد القوية التي منعتها من الصعود وأمسكت بها بقوة وألقتها بكل عنف على الدرجات الرخامية...







لتشعر كما لو أن ألف شظية انفجرت في ظهرها



وألم لا يحتمل يتخلل خلاياها لدرجة جعلتها عاجزة عن رؤية الوجه الغريب الذي لم تتعرفه أبدا ولم يسبق لها رؤيته



كان غرضه الأساسي للدخول هو السرقة ولكن الغرض تغير حينما رأها..





وحينما بدأت تتبين غرضه وهو يدفعها على الدرج ويحاول تمزيق ملابسها



انتفضت حينها كنمرة مفترسة... وكأن طاقة غير محدودة صبت في جسدها وهي تقاومه بعنف




لم تطل مقاومتها له ولا حتى لدقيقة واحدة لأن دويا هائلا اقتحم المكان..



وقفل الباب الضخم ينخلع تماما من مكانه جراء ركلة مشتركة من كسّاب ومنصور




كسّاب هو من دخل أولا.. حينما رأى الموقف الذي لم يحتج تفسيرا أمامه..



أعلى جيب خالته المفتوح.. وأثر الصفعات على وجهها..



حتى جن تماما.. وثارت براكين غضبه العاتي.. وهو يركض ناحيتها ويتناول الرجل بوحشية.. ويرفعه عاليا ليلقي به خلفه بكل عنف




ثم يحمل خالته راكضا بها للأعلى وهو يضمها لصدره.. لأنه يعلم أن منصور سيتولى من ألقاه خلفه



وكل همه الآن انصب في خالته فقط..




عفراء حين رأته.. شعرت أن قوتها كلها انهارت.. وهي تنتحب كطفلة مغبونة على صدره..



كسّاب كان يشتعل غضبا حارقا وهو يهدئها ويضعها على سريرها ثم صرخ بغضب هادر مجنون لا حدود لوحشيته:



الــكــلــــب



والله لأشرب دمه الليلة..خالتي خليني ألحق على عمي منصور قدام يذبحه.. ماحد بذابحه غيري.. والله ما يرويني كل دمه الحيوان




وبالفعل نزل كسّاب بسرعة.. يسيره غضب أسود على من اجتاز أسوارهم وتجرأ على محارمهم



ليجد أن عمه قد أنجز المهمة.. وروح الرجل أسلمت إلى بارئها




كسّاب صرخ بغضب هستيري كاسح: ماأسرع مات ذا الكلب.. ما خليتني أبرد خاطري فيه




منصور كانت أنفاسه تعلو وتنخفض من شدة الغضب والتأثر: كلب ما يسوى..حتى كفين ما استحمل




كسّاب تفحصه ليتعرف عليه ثم هتف بغضب أشد وأشد: الخسيس النذل واحد من صبيان المجلس...



داري إن حن لاهين في المجلس وهي بروحها..




كسّاب يحاول أن يفكر بسرعة رغم شدة غضبه المستحكم.. ليهتف بعدها بحزم: عمي خلنا نتفق من الحين



تراني اللي ذبحت الرجال..



أنا رجّال مدني.. لكن أنت عسكري.. حتى لو حالة دفاع عن النفس.. لازم بيسجنونك حق العسكرية




منصور انفجر بغضب هادر وعيناه تشتعلان غضبا مرعبا: تخسى وتهبى أنت ووجهك.. أنا أندس وراك.. خلهم يسوون اللي يبون




كسّاب أجابه بغيظ ووجهه مازال محمرا من أثر غضبه الكاسح:



ياعمي الله يهداك.. فكر معي زين.. أنا ما أبي اسم خالتي يجي في السالفة أبد..



خلنا نشل الرجّال ونطلعه برا.. وأقول إني لقيته ينط درايش البيت العود



وعقب هو تهجم علي أول.. فأنا ذبحته دفاع عن النفس..



وأنت تشهد معي وانتهت السالفة..



كذا أنا حتى أسبوع ماني بماخذ في السجن.. لكن أنت لو دخلت في السالفة بتتعقد...



المحاكمة بتصير عسكرية ..وبيصير فيه حق العسكرية عليك



سالفة عويصة والله مالها سنع





وبالفعل حمل كسّاب الرجل.. وألقاه بعيدا عن منزل خالته بالقرب من حائط البيت الرئيسي..



واصطنع له ساحة قتال على الأرض والحشائش بسرعة وبراعة وحرفنة لا مثيل لها تحت عيني منصور المدهوش مما يفعله



لينتهي بعدها بضرب رأسه في زاوية الحائط الحادة.. ودمه يسيل على وجهه وعلى الحائط




منصور صرخ بجزع: وش تسوي يالخبل؟؟..




كسّاب بحزم أشار له أن يتمهل وهو يقرب رأسه من كتف الرجل لتسيل بعض دمائه وتختلط بدماء الرجل



ثم يلتقط هاتفه ليتصل بمزون التي كانت وقتها نائمة... لتتفاجأ من الاتصال



وتتفاجأ أكثر من صاحب الاتصال الذي همس لها بحزم شديد ..دون أدنى اهتمام بسيل الدم الذي بدأ بالتدفق على وجهه:



روحي الحين لبيت خالتي.. واقعدي عندها.. وأبيش تنظفين المكان من الدم عدل..




مزون بجزع ورعب: دم؟؟




كسّاب بذات الحزم: خلصيني.. ما أبي الخدامة تلاقي أي أثر إذا نزلت بكرة..



ما ظنتي إنها سمعت شيء لأنها غرفتها فوق والتكييف يصم الأذاني




ثم التفت لعمه وهو يهمس بحزم أشد: شوف يا عمي أنا ما همني من الموضوع ذا كله إلا خالتي..



أنا سويت ذا كله عشان ما فيه أي حد يشك إن الهدة ماكانت هنا في ذا المكان فعلا..



واسمعني عمي..خالتي اسمها ما يأتي في التحقيق ولا بأي صورة.. ولا أي أحد يدري بأي شيء؟؟



فاهمني يا عمي...



والحين اتصل أنت في الشرطة... وقل لهم إني قاعد أتهاد مع واحد يبي يسرق البيت..








*********************************







"صباح الخير ياعروسة"




كاسرة بابتسامة غريبة: أي عروسته اللي يهداش؟؟



رجّالي المبجل صباح ملكتنا مقضيه في التوقيف ذابح له واحد...




فاطمة بجزع: من جدش؟؟ ياويل حالي.. وتقولينها وأنتي مبتسمة..




كاسرة تهز كتفيها: وليش ما أبتسم.. شر البلية ما يضحك..



واحد بزر.. وش تتوقعين منه؟؟... ما عنده كنترول على أعصابه.. وإيديه تسبق تفكيره




فاطمة بجزع حقيقي: كاسرة أنتي من جدش.. وإلا تعييرين علي..؟؟




كاسرة بهدوء غريب: والله من جدي.. وافتحي البلاك بيري حقش صدقيني بتلاقين الخبر حد دازه لش..



اليوم عقب صلاة الفجر وامهاب طالع من المسجد جاه الخبر على البلاك بيري..



"كسّاب آل كسّاب ذابح واحد من صبيان مجلسهم كان يبي يسرق البيت



وصارت هدة بينهم..



وكسّاب الحين في التوقيف وفيه ضربة كايدة في رأسه"




امهاب فعلا راح لهم مركز العاصمة.. يقول أمة لا إلة إلا الله هناك.. محشر ناس كبارية..



وامهاب معتقد السالفة هامتني...يبي يطمني.. يقول لي لا تحاتينه.. الجرح في رأسه بسيط.. وأسبوع بالكثير وطالع .. هذي حالة دفاع عن النفس..





(ومالا تعلمه كاسرة أن كسّاب كان يخرج في هذه اللحظة من مركز أمن العاصمة برفقة والده وعمه



بعد أن تدخلت الواسطات لتسريع الإجراءات.. ليخرج بكفالة حتى انتهاء التحقيقات ومن ثم موعد المحاكمة)





أكملت كاسرة حديثها وهي تهمس بذات الهدوء الغامض: ما درى امهاب إني يمكن أكون مهتمة بالعامل اللي مات أكثر..



الحين المسكين حدته الحاجة يسرق..



امسكه.. سلمه الشرطة.. مهوب تذبحه... نعنبو ما للدم حرمة عندك..




فاطمة باستغراب: أما أنش غريبة.. هذا دفاع عن نفسه وعن بيته.. والرجّال متهجم عليه..



احمدي ربش عندش رجال دمه حامي..




كاسرة تشعر بغيظ عميق لم يصدر مع نبرة صوتها الهادئة المتحكمة: أحمد ربي؟؟.. أنا حاسة إني ورطت نفسي أكبر ورطة




ثم أردفت بهدوء صارم تخفي خلفه خوفا ما: يا خوفي تنحسب علي ذي زواجة وأنا ما ظنتي إنه حن بنعمر معا



بزر ودمه حامي!!!








***********************************








" ها حبيبتي عادها زعلانة علي؟!"




عالية تهز كتفيها: ياكثر اللي زعلتهم وزعلت عليهم ياخالي..




نايف بمودة صافية: ماعلي من حد.. علي من روحي...



ثم أردف (بعيارة) :أعرفش لو ما تطلعين روح نص سكان الدوحة قدام نرجع فرنسا ما أنتي بمستانسة




عالية بضيق شديد: تكفى نايف لا تزودها علي..



والله العظيم محتاجة لي كنترول من قلب.. بس والله إني ما أهقى إن المقلب ثقيل لين يصير.. قصدي المزح والله




نايف بمودة: أدري يالغالية... تشرحين لنويف.. نويف فاهمش بدون شرح



ثم أردف بحماس: يالله قومي نتريق برا.. وعقبه نمر على كم خالة من خالاتش




حينها ابتسمت عالية : عادهم مجننينك.؟؟.




نايف يبتسم: أوف.. مهوب شيء والله... لو ما أمرهم كلهم كل يوم يسوون لي فيلم هندي



قلت لهم خلاص كل يوم بأمر ثنتين منكم... وش أسوي يوم كثروا هلي البنات..




تدرين وش قالوا؟؟ ....



قالوا مهوب حولنا.. معنى كذا كل وحدة ما يرجع لها الدور إلا عقب أربع أيام



وحن ما صدقنا نشوفك عقب ذا الغيبة كلها.. مستكثر علينا ذا الكم شهر..




وش أسوي ؟؟ ما اقدر أحزنهم... بس جد عالية تعبت... تخيلي غير عن أمش.. كل يوم ألف ست بيوت.. وكل وحدة منهم تبيني أقعد عندها ساعة لا وتزغطني بعد لين أنفقع..



أحس إني من البارحة لليوم زايد كيلوين..




حينها ابتسمت عالية وهتفت بمرح: زين يالدب ما كفاك أكلهم وهذا أنت تبينا نطلع نتريق برا..




نايف بمرح مشابه: لا هذا غير.. هذا أنا بأكل بدون ماحد يجبرني.. ومع أحلى أم مقالب في العالم...








***********************************








"بس خالتي هدي.. من البارحة لين اليوم وأنتي ترجفين"




عفراء مازالت تحت صدمة ماحدث البارحة رغم أن المهاجم لم يلمس شيئا منها



وكل ما تمكن منه مع مقاومتها المتوحشة أنه صفعها صفعتين وفتح أعلى جيبها قبل أن يصل كسّاب ومنصور..




ولكن الموقف كله كان مرعبا وجارحا ومؤذيا لأبعد حد..



إحساسها بفقدان الامان وهي في وسط بيتها.. واقتراب رجل غريب من حدود جسدها المحضورة



الحرج المميت الذي تعرضت له أمام ابن شقيقتها وعمه..



وماحدث بعد ذلك لكساب ومعرفتها أنه في السجن من أجلها..




كل هذا بعث ألما وحرجا لا حدود لهما في روحها المثقلة بكل أشكال الألم قبل أن يحدث كلها..



فهل مازال هناك مساحة لمزيد؟!!





مزون تحتضن خالتها وهي تجلس جوارها على السرير وتهمس بقلق:



خاطري أعرف وش اللي صار.. يوم الهدة صارت عند بيتنا ..الدم اللي هنا من وين جا




(الدم هذا مالش شغل فيه... ويا ويلش تجيبين لأحد طاريه)



كان صوت كسّاب الحازم الذي اقتحم عليهما الغرفة




عفراء حين رأت كسّاب وقفت على ركبتيها وهي مازالت على السرير وهي تمد يديها له.. ليحتضنها كسّاب بكل قوته



بينما انخرطت هي في بكاء حاد موجوع مترع بالشهقات المتألمة




مزون تأخرت وحزن عميق يخترم روحها..



كم هي مشتاقة.. بل مستنزفة من الشوق لحضن هذا الأخ المتجبر الذي لا يعرف الغفران



أتعبها البعد واليأس والهجر وإحساسها بالفراغ بعيدا عنه!!



أن تكون منتميا لأبعد حدود الانتماء إلى شخص ما.. ثم يلفظك بقسوة ودون رحمة.. فكيف سيكون إحساسك حينها؟!





كسّاب جلس على السرير وهو يهدهد خالته كطفلة وهو يهمس لها بحنان مصفى: بس يا خالتي خلاص..




عفراء بين شهقاتها: كنت أحاتيك.. خفت تطول في السجن..




كسّاب بمودة: وليش أطول.. هذي حالة دفاع عن النفس.. وهذا أنا قدامش مافيني إلا العافية.. وباشل شلايلي وبجي أقعد عندش بعد..




عفراء مدت يدها لرأسه لتنزع غترته وهي تقول بحنان بصوتها المبحوح: خلني أشوف رأسك




كسّاب يلمس الضماد على قمة رأسه ويبتسم: بسيطة خالتي والله العظيم بسيطة..




تمنت مزون لو استطاعت أن تنظر من قرب وقلبها يقفز في بلعومها جزعا عليه..



تمنت لو تستطيع تقبيل رأسه.. أن تهمس له من قرب: سلامتك ألف سلامة.. ليته فيني ولا فيك




ولكن كل ما استطاعت فعله أنها بقيت واقفة في الزاوية.. زاوية المكان.. زاوية التجاهل..



تحترق وتذوي وتتأكل.. تـــتـأكــل..



تتأكل بكل معنى الكلمة!!








*********************************************








"وش أخبار الترتيبات للرحلة؟؟"




نجلاء بضيق: قصدش وش آخر الترتيبات للوكسة؟؟



أنا ما أدري أشلون وافقتش على خبالش.. أشلون أسافر معه وأنا زعلانة عليه



أشلون تركب ذي؟؟ وش ذا الخبال؟؟




سميرة تضحك: يا بنت الحلال صدقيني إنه هذي أكبر خدمة قدمتها لش



أنا بصراحة متعجبة من تفكيري العبقري ما أدري أشلون جاتني ذا الفكرة الألمعية




على قولت خالي هريدي: (اللي تغلب بو إلعب بو)..وأنتي عندش اللي تغلبين به.. العبي به...



مشكلتش ما تعرفين تستخدمين أسلحتش اللي عندش



واللي أهمها إنش عاقدة حبلش في رقبة صويلح المتيم.. شدي الحبل شوي يالخبلة.. بس شوي.. ويجيش يخب ويعثر بعد..




نجلاء تبتسم: زين خلك ورا الكذاب لين باب الدار... نشوف آخرتها



ثم أردفت بابتسامة: بكرة بأروح أشتري لعيالي شوي أشياء ناقصتهم.. كلمي علوي تروح معنا



لا تظن إني عادني زعلانة عليها.. بس قولي لها.. تكفى بلاها مقالبها.. خلنا نرجع سالمين




ثم أردفت وهي تتذكر شيئا: تدرين سميرة.. أخاف إن حسابي مافيه فلوس تكفي..



عندش فلوس؟؟




سميرة رسمت علائم البؤس على وجهها: منين.. دنا ولية غلبانة على باب الله



ثم صرخت بحماس مفاجئ: خلينا نطلب من البنك المركزي... جيب السبع مايخلاش..




نجلاء بغضب: والله ما تطلبين من غانم ريال.. مهوب كفاية إنش ما تشبعين طلبات منه.. أنا بأطلب من أبي خلاص..




سميرة ترقص حاجبيها: وليش ما تطلبين من صالح... مهوب تبين تشترين أغراض لشواذيه؟!!



قولي له إنش خلصتي مصروفهم الشهري اللي هو يعطيكم لأنه الشهر هذا فيه حدث سبيشل.. وسوق سبيشل




نجلاء بغضب: قومي فارقي من وجهي.. تراش صايرة ما تنطاقين..




سميرة تضحك وهي تقف لتخرج: اللي يقول كلمة الحق يصير مجرم عندش وما ينطاق




كانت سميرة مازالت تخرج حين وصل لنجلاء رسالة



"ترا حطيت في حسابش فلوس



يمكن تبين تشترين للعيال أشياء عشان السفر"




تعجبت نجلاء وتأثرت بعمق.. لولا أن سميرة كانت تخرج أمامها أو ربما لكانت اتهمتها أنها من أخبرته



وهاهي الآن حرجها يتصاعد منه.. فهو من الناحية المادية لا يقصر مطلقا



ومع بداية كل شهر يضع في حسابها مصروفاتهم وبسخاء..



عدا عن أنه يتكفل بأي مصاريف يعلم أن أبنائه يحتاجونها حتى لو كانت لم تطلبها



تنهدت وهي تتخيل.. لو أن صالحا طلقها.. وتزوج أخرى



فهل سيظل بذات هذا الكرم الزائد معها ومع ابنائها



وخصوصا أن اعتمادها الأساسي عليه.. فهي لم تكمل دراستها الجامعية بعد زواجها..



شعرت أن رأسها يؤلمها وكأنها تدور في دوامات عاتية.. تريد أن تتمدد.. عل الجسد حين يرتاح يريح العقل قليلا..




ولكنها قبل ذلك شعرت بضرورة أن ترسل شكرا ما لصالح حتى لا تبدو معدومة الذوق




ليصلها الرد بعد دقيقة وهي تتمدد لترتاح قليلا :



" تشكريني على ويش؟؟



اطلبي عيني



اطلبي روحي



اطلبي قلبي



اطلبي أنفاسي اللي أتنفسها



اطلبي اللي تبين.. ومهما طلبتي مافيه شيء يوازي قدرش عندي



عشان كذا لا تشكريني على شيء ما يسوى حتى طرف ظفرش اللي تقصينه"





تنهدت بوجع.. ودمعة يائسة تنحدر على مخدتها



حتى متى هذا الحصار؟؟



حتى متى؟؟



بدأت روحها تضيق من هذا الحصار وهو بعيد عنها... فكيف عندما ينقل ساحة المعركة للقرب القريب؟!!








**********************************








تدرس في غرفتها.. سمعت طرقات حازمة على الباب



وقفت لتفتح لأنها تعرفت على صاحب الطرقات من طرقاته




قالت بمودة عميقة: هلا والله بعريسنا




مهاب دخل بخطوات هادئة حازمة: وأنتي متى بتريحين عبدالرحمن ونشوفه عريس؟؟




وضحى صمتت بخجل.. بينما مهاب استحدثها للرد: أتوقع يا وضحى إنش ماطلتي أكثر من اللازم



عيب عليش خلاص .. الحين تعطيني رد نهائي.. عبدالرحمن مهوب لعبة عندش أنتي وأختش..



وأتمنى إنش تكونين عاقلة وما تضيعينه من يدش مثل ماسوت هي...




وضحى بصوت مبحوح: كاسرة جاها نصيبها خلاص.. الله يهنيها..




مهاب بنبرة غضب: وحن خلصنا من كاسرة.. أنتظر ردش أنتي.. وين نصيبش أنتي؟؟ وش ردش؟؟




وضحى بتردد بصوت خافت: ردي .. إني.. إني.. ماني بموافقة..




مهاب بغضب: نعم؟؟؟




وضحى تراجعت وهمست باختناق: امهاب هذا زواج... وأنا فكرت كثير وما أبيه.. تكفى ما تغصبني




حينها تنهد مهاب بعمق: وضحى فكري أكثر... عبدالرحمن ماحد يفرط فيه..




وضحى بذات الصوت المختنق: خلاص تعبت من التفكير.. خلصوني من ذا السالفة.. ما تنجبر روح على روح




مهاب شد قامته وهتف بحزم: صدقيني إنش بتعضين إيديش ندم.. لكن خلاص لا فات الفوت ما ينفع الصوت



كيفش يا بنت امي.. ماحد بجابرش على شيء...



بس تذكري إني كنت أبي لش الأحسن.. لكن أنتي اللي ماعرفتي مصلحتش..








*************************************








"تدرين إن ولد خالتج ملج البارحة.. بس نسيت أقول لج البارح!!"




لا يعلم ما الذي قصده من إلقاء الخبر عليها بهذه الصورة المفاجئة



ولكنه ألقاه وهو مستعد تماما لاقتناص كل ردة فعل... لذا لم يفته مطلقا اختلاجة عينيها وارتعاش الكأس بين كفيها



بعد أن أصرت أن تشرب لوحدها منه.. ثم وهي تهمس بصوت مبحوح: أي واحد فيهم؟؟




خليفة حاول ان يجيب بطبيعية: كسّاب..




ولكن ما استغربه خليفة فعلا بعد ذلك.. هو سؤالها: ومن اللي بلغك الخبر؟؟




فأجاب بتلقائية: خالتي عفرا




لتنفجر حينها في اتجاه آخر غير متوقع : يعني ذا كله تكلم أمي من وراي وماهان عليك تطمني عليها وإلا تخليني أكلمها



وأنت شايفني محترقة عليها وبأموت من الشوق لها... وش القلب اللي عندك يأخي.. حجر.. ما يحس.. ارحمني الله يرحم والديك



ذا الوقت كله وأنا باموت أظن إن أمي ما تكلم ولا تسأل عني.. واثرها تكلمك أنت يا المتوحش وماهان عليك تقول لي..



تبي تذبحني بالقهر.. مهوب كفاية إني بأموت.. تبيني أموت مقهورة.. ما تخاف ربك أنت.. .............





صرخت مطولا ونعتته بمختلف النعوت المتوحشة والسادية..



طالت ثورتها كثيرا.. بينما خليفة خلال ثورتها بقي صامتا.. فهو يكاد يعتاد على ثوراتها التي ستنتهي بالبكاء ثم صراخها بكلماتها الخالدة



(أكرهك.. أكرهك!!)









*********************************








قهوة العصر في مجلس خالد آل ليث



هو وشقيقه راشد وابناه هزاع وفهد





الأحاديث تدور بينهم.. راشد يقول لخالد بابتسامة: تدري يابو صالح إن تميم آل سيف جاي يخطب سميرة.. تصور




أبو صالح عقد حاجبيه: من جدك يأبو غانم.. نعنبو ذا صاحي وإلا خبل؟!!




حينها هتف فهد (بعيارة) : صدق قدر وعيّن غطاه...تدري ياعمي أصلا ما يستحمل هذرة سميرة إلا واحد ما يسمع..




وحينها أكمل هزاع بذات (عيارة) أخيه: لا وما يتكلم عشان ما تجيه الحسرة..



لأنه لو كان يتكلم عمره ماراح يفتح ثمه



لأنها بتتكلم نيابة عنه 24 ساعة في اليوم




حينها وقف أبو غانم بشكل حاد مفاجئ وهو يقول بغضب كاسح:



اقطع وإخس أنت وياه.. قد ذي هرجتكم على بنت عمكم يالنسوان



والله لولا حشمة خالد ومجلسه.. وإلا جزا كل واحد منكم كف يهل سنونه..




أنهى عبارته وهو يرتعش من الغضب ليخرج من فوره... بينما أبو صالح الذي كان غضبه تصاعد أصلا مع سخرية أبناءه البريئة



فور خروج راشد تناول عصاه ليلكز كل واحد منهما على عضده بطرف العصا..



وهو يرتعش من الغضب: هذا حكي تقولونه لعمكم ياللي ما تستحون




فهد بحزم: يبه السالفة كلها مزوح.. وماذي باول مرة نعلق على سميرة عند عمي.. وش فيه عصب ذا المرة




أبو صالح بغضب: فيه إن ذا مهوب وقت مزح أنت وياه ولا ذا بكلام




هزاع بابتسامة: بس السالفة فعلا مزح.. وإلا من جدك تميم يخطب سميرة.. وش ذا المسخرة؟؟ أكيد أنه استخف



وعمي قالها هو يضحك.. فإحنا ردينا عليه بمزح.. فليه تزعل أنت وأخيك




فهد أكمل باحترام: يبه والله ما قصدنا شيء وأنت داري.. فصدق ليه زعلك أنت وعمي؟؟..




أبو صالح مازال مستمرا في الغضب: لأنه المفروض إنه واحد منكم يا الرخوم..



قال والله ما يكون إن بنت عمنا تخطب وحن موجودين.. ليه حن وين رحنا؟؟




فهد بعدم اهتمام: ليه وأنت صدقت إن خطبة تميم خطبة... هذا لعب بزران... ولا تخاف أنت وأخيك.. ماحن بمرخصين أم لسانين...








********************************************








" البنات والله كانوا يبون يجون معي.. بس خبركم وضحى عندها امتحانات..



وكاسرة توه ملكتها البارحة "




حينها هتفت جوزاء بسخرية مغطاة: لا تكون كاسرة صدق مستحية مثل باقي البنات..........




جوزاء بترت عبارتها وهي تتحسر وتندم فعلا وبحرقة حقيقية على قولها.. بينما والدتها نظرت لها بحدة مؤنبة



بينما مزنة ردت بشكل مباشر وحازم ودون تردد: ومن قال إن كاسرة مثل باقي البنات عشان تسوي مثلهم



كاسرة شيخة البنات.. وشيختهم لازم تكون غير عنهم




جوزاء ابتلعت ريقها بحرج.. وهي تسب نفسها على تفلت لسانها الذي لم تكن تقصده فعلا..



ولكنها شخصيتها المركبة التي باتت تشعر أنها تحتاج فعلا لإعادة تأهيل جذري




أم عبدالرحمن سارعت بالقول: وأنا أشهد إن كاسرة شيخة البنات.. وجاها شيخ الرياجيل.. الله يهنيها يارب




مزنة ترد عليها بهدوء: اللهم آمين.. اسمعيني يأم عبدالرحمن.. ترا امهاب حط مهر جوزا في حسابها



والعرس إن شاء الله عقب شهرين ونص مثل منتي عارفة




جوزاء انسحبت بهدوء من الجلسة وهي تجر أذيال حرجها وندمها..



بينما مزنة أكملت بابتسامة: الله يعيني عرس كاسرة عقب شهر وامهاب عقبها بشهر ونص



وحتى تميم الحين أدور له عروس أبي أزوجه...




أم عبدالرحمن بتساؤل: إلا يأم امهاب ليش ذا العجلة في عرس كاسرة... البنية مهيب لاحقة حتى تتجهز..




مزنة بهدوء: العرب مستعجلين وامهاب عطاهم كلمة... وماقدرنا نقول غير كذا



والحين كل شيء جاهز في السوق.. حتى أسبوع يكفيها تتجهز








**********************************************









"يبه صحيح الكلام اللي وصلني.. كسّاب ذبح واحد من صبيان المجلس"



صوته الجزع المثقل بالقلق وصل زايد عبر أثير هاتفه




رد عليه زايد بانفعال: لا بارك الله فيمن وصل لك الخبر.. محراك الشر ذا




ثم أردف وهو يتماسك بهدوء: يأبيك الدعوى بسيطة.. وأخيك ترا حتى ماقعد في التوقيف ليلة



وصلنا قبل الفجر وطلع الصبح... والقضية دفاع عن النفس




علي بقلق: علمني وش اللي صار؟؟




زايد بهدوء: كسّاب صاد واحد من الصبيان يبي يدخل البيت يسرق.. فتهاد هو ياه.. وضربه الصبي على رأسه



وأنت عارف أخيك.. فتن على الرجّال ماهده إلا ميت...




علي بقلق أكبر: وكسّاب أشلونه؟؟ والضربة في رأسه عسى مهيب كايدة بس؟؟




زايد بطمأنة: والله إنه طيب..




علي بذات القلق: قلبي مهوب مرتاح.. أنا بجيكم أشوفه بنفسي..




زايد بحزم: والله ما تاتي وتعطل شغلك وأنت أساسا جاي عقب شهر في عرس كسّاب..



كلمه برأسه واخذ علومه منه... والله العظيم إنه طيب ومافيه إلا العافية...



بس نبيك لا جيتنا عقب شهر تطول عندنا..








*********************************









"وش أخبار علي يوم كلمك؟؟"




كسّاب بهدوء عميق: طيب.. الخبل كان بيأتي.. بس أنا حلفت عليه مايتعنى ويأتي




منصور بحزم ومودة: زين الحين قل لي وش اللي شاغل تفكيرك كذا.. من يوم طلعت من التوقيف وأنت مهموم



ترا السالفة بسيطة وأنت داري..




كسّاب يتنهد: القضية والله ماهمتني.. بس أنا بالي مشغول على خالتي




منصور يسترخي في جلسته: خالتك طيبة وبخير ومافيها إلا العافية..




كسّاب بهم: وضعها كذا مهوب مقبول.. أنا الحين قاعد عندها بس أنا عرسي عقب شهر.. وإبي شارط أسكن عنده



وأنا مستحيل أخلي خالتي ترجع تقعد بروحها عقب اللي صار.. مستحيل




منصور بعدم اهتمام: وش الحل عندك؟؟




تنهد كسّاب ليهتف بعدها بحزم وكأنه يلقي قنبلة: الحل أنها تزوج إبي.. إن شاء الله غصبا عنها.. وتجي عندنا في البيت




منصور اعتدل في جلسته بحدة مفاجئة وهو يصر على أسنانه: نعم.. عيد..




كسّاب بحزم: تزوج إبي.. وابي أظني ما عنده مانع ولا هو برادني إذا طلبته



المرة اللي فاتت مع أنها كانت فكرتي بس أنا كنت صغير.. ومالي حكم



لكن الحين بأغصبها..




حينها توسعت عينا منصور بدهشة وغضب: ليه هو كان فيه مرة من قبل؟؟




كسّاب بطبيعية: إيه قبل حوالي 14 سنة.. بس خالتي ما رضت




حينها تفجر غضب منصور بشكل عات وكاسح: وأنا وين كنت أيام تيك الخطبة؟؟ ليش ما دريت بها



زايد عمره مادس علي شيء.. أشلون يدس علي موضوع مثل هذا




كسّاب يسترخي في جلسته: والله إنشد إخيك لا تنشدني... وعلى العموم ما صار شيء عشان تدري به..



خالتي رفضت بدون نقاش حتى..



بس ذا المرة خلاص.. ماني بسامح لها.. بتأخذ إبي بتأخذه




حينها قال منصور بحزم مثقل بالغموض وبعبارة قاطعة مفاجئة: وليش إبيك ومهوب أنا؟؟




قفز كسّاب معتدلا: نعم؟؟ أنت من جدك؟؟




منصور هز كتفيه وهتف بثقة: طبعا من جدي... ومثل ما تصفط لإبيك اصفط لعمك



يعني مثل منت شايف خالتك محتاجة رجّال.. منت بشايف إن بيت عمك محتاج مرة..




حينها هتف كسّاب بنبرة فيها غضب: عمي المواضيع ذي مافيها لعب.. وأنا عارف إنك ما تبي تتزوج



وأنا ما أسمح لك تخلي خالتي مطنزة لك..




أشار له منصور بيده بصرامة: اقعد ياولد لا تنشق بلاعيمك بس.. ليه أنت شايفني ألعب عشان أمزح في موضوع مثل هذا



ثم أردف بحزم: أنا أخطب منك خالتك.. وياويلك تردني..



وأبغيك الحين تقول لها اللي أنا بأقوله لك بالحرف.. عشان إذا وافقت علي توافق على بينة



وعلى العموم أكثر الكلام اللي أنا بأقوله لك أنت عارفه..



بس فيه شغلة بسيطة أبيك تضيفها.. أو بمعنى أدق تقدر تقول شرط..








*****************************************








كانت أم غانم تضع مها الصغيرة في سريرها.. لتتفاجأ بملمس شفتين على كتفها من الخلف..



انتفضت وهي تسمي بسم الله وتهمس بغضب من بين أسنانها: أنتي يا بنت منتي بمرتاحة لين تجيبين لي الخفة...




سميرة بابتسامة وهي تهمس بصوت خافت حتى لا توقظ أخويها النائمين: يا ماما يائلبي أنتي.. أحب أدخل بهدوء وأكون كذا مثل النسمة




أم غانم تبتسم: قال نسمة.. قصدش عجة طايرة..




سميرة تلوي شفتيها: أخييييه على الألفاظ.. الحين وحدة مثلش رقيقة واسمها جيهان وتقول عجة.. وش خليتي حق عطيات وفتكات ونبوية؟!!




أم غانم تبتسم: خليتش أنتي كفاية وزود..



ثم زادت ابتسامتها: تدرين يا بنت إني قربت أنسى إن اسمي جيهان.. حسبت إني مولودة واسمي أم غانم




سميرة برجاء لطيف: زين يا جيجي يام غنومي.. تكفين طالبتش ما ترديني..




أم غانم تسمح على شعرها بحنان: آمري ياقلبي..




سميرة بتردد: إذا جات أم امهاب تبي رد.. تكفين ما تقولين لها إن إبي رافض..



قولي إن أنتي مالقيتي فرصة تقولين ليه.. تكفين




أم غانم بحزم: أسفة.. هذي آخرتها.. عاوزاني أعصى أبو غانم عقب ذا السنين..




سميرة برجاء عميق: يمه تكفين.. تكفين




أم غانم تشير بيدها بحزم: خلاص انتهى النقاش.. وروحي لغرفتش عندش امتحان بكرة وبالش مشغول بذا السوالف الفاضية



يا الله فوق يا بنت..





سميرة صعدت وهي تشعر باختناق عميق.. لِـم هم عاجزين عن احترام رغبتها في الاختيار؟!!



تشعر أن تميم هو الرجل المناسب لها للعديد من الأسباب..



بل لم يعد الأمر مجرد شعور بل إحساس أشبه باليقين



إذا لم تكن لتميم.. فهي لن تجد السعادة مع غيره!!!!






كانت أم غانم تنتهي من إعداد زجاجات الحليب وترتيبها.. حين دخل أبوغانم ووجهه غائم.. وناظره معقود



سلم بحزم.. وهو يلقي غترته على السرير.. أم غانم التقطتها وهي تنظر له باستغراب.. علقتها ثم عادت وجلست جواره



همست بقلق: اشفيك يأبو غانم..عسى ماشر؟؟؟




هتف أبو غانم بحزم غامض: سميرة مقتنعة بتميم وتبيه صدق؟؟ وإلاّ لعب بزران؟؟




أم غانم تخبره بتلقائية وهي تقوم لتقف: بصراحة مقتنعة فيه كثير.. وتوها كانت عندي قبل تجي.. وتعيد نفس الموال..




وقف أبو غانم وهو ينفذ عن كميه حتى يتوضأ ويهتف بحزم شديد:



خلاص إذا بغت أم امهاب ردنا.. قولي لها تقول للرياجيل يتوكلون على الله ويكلموني...




أم غانم انتفضت بجزع: من جدك يا راشد.. بتوافقها على خبالها؟؟




أبو غانم توجه للحمام وهو يهتف بحزم: دامها تبيه.. خلاص هي اللي بتعيش معه..








*******************************************









صباح اليوم التالي




كسّاب متوجه لعمله.. نهار عمل اعتيادي.. كأي يوم آخر!!





وهو يقود سيارته لمحت عيناه اسم هيئة حكومية.. لا يعلم لِـمَ شعر أن الأمر شد انتباهه



رغم أنه يعبر هذا الطريق بشكل شبه يومي في طريقه لعمله منذ أكثر من 3 سنوات.. ويعبر يوميا من أمام هذه الهيئة.. وهيئات أخرى غيرها



فلماذا هذه الهيئة بالذات لفتت انتباهه اليوم..؟؟




حينها عرف السبب وهو يبتسم ويستدير ليتوقف في مواقف زوار الهيئة ومراجعيها..



دون أن يتراجع فيما قرره لأفكار عديدة وعميقة ازدحمت في رأسه!!





" أمممممممم مكان عمل المدام..



خلنا نشوف المكان اللي هي متمسكة فيه



ونشوفها بالمرة !! "





لا يعلم ما الذي دفعه لهذا الجنون؟؟ ولهذا التصرف غير المعقول؟؟



فليس مقبولا مطلقا في عرفهم ولا عاداتهم أن يرى زوجته أو حتى يحادثها قبل الزواج فعلا




ولكنه شعر أنه يريد أن يراها.. يحادثها.. وخصوصا أن المكان هنا مكان محايد عام..



لذا قرر أن يترجم هذه الرغبة إلى قرار يتم تنفيذه فورا




فهل كانت هي مجرد الرغبة أن يرى المخلوقة التي أصبحت تنتمي له؟!



أم فعلا أراد أن يراها في مكان عملها الذي أصرت عليه؟؟



أو ربما أراد أن يشعر بأدنى اهتمام بهذه المرأة التي يشعر بعدم الاهتمام بها رغم ارتباطهما بالرباط الأكثر قدسية



أو ربما أراد أن يرى المخلوقة التي قدم والده كل هذه التنازلات من أجل أن يوافق على الزواج منها؟؟



أو ربما يرى ابنة الانثى الجبارة التي من مازالت تحتل تفكير والده؟؟



لا يعلم أيها هو الأهم... أو كلها مهمة...






كسّاب صعد بالفعل بعد أن سأل الاستقبال عن مكان عملها بالتحديد..



توجه للطابق الثاني حيث مكان مكتبها




وصل إلى مكتبها ليدخل بثقة مسيطرة



ثم توجه لمكتب سيدة منقبة كانت مشغولة بفرز بعض الأوراق



ليهتف بذات الثقة المسيطرة: ممكن أقابل الأستاذة كاسرة؟؟




فاطمة توترت نوعا ما..وهو ترفع رأسها لصاحب الصوت الحازم المتحكم



لتتوتر أكثر..



هذا الحضور القوي المغلف بغموض مثير ورجولة طاغية.. وهذه الأناقة الفخمة المتجبرة .. مع نبرته الواثقة في الحديث..



كل هذا جعلها تشعر أنه رجل يُشعر بالخطر فعلا في حضرته المتأنقة الغامضة والمتسلطة




ومع ذلك هتفت بمهنية واحترام: ممكن أعرف من حضرتك؟؟ عندك موعد.. و ممكن أعرف سبب الزيارة؟؟




كسّاب بثقة كاسحة: أنا صاحب شركة k k ..و موعد لا ماعندي.. سبب الزيارة إنه إحنا نبي نسوي رعاية لبعض أنشطة قسمكم..



وتفضلي هذا كرتي..




فاطمة قرأت الاسم وهي مرتبكة ..لم تنتبه حتى له.. ووقفت وهي تتجه لمكتب كاسرة..أحبت أن تخبرها بنفسها وليس عبر الهاتف




دخلت لكاسرة ووضعت الكرت أمامها وهي تهمس بنبرة خافتة :



فيه واحد صاحب شركة يبي يسوي رعاية لبعض أنشطة القسم..يبي يقابلش



وبصراحة شكله يخوف..




كاسرة باستغراب : شكله يخوف أشلون؟؟ بشع يعني؟؟




فاطمة بشبح ابتسامة: لا والله أما صفة بشع ذي.. فهي أبعد صفة عنه.. بس بعد شكله يخوف.. ويخوف من قلب




كاسرة بهدوء عملي: عندي أي مواعيد الحين؟؟




فاطمة بطبيعية : لا الحين مافيه..




كاسرة حينها هتفت بمهنية وهي ترتدي نقابها: خلاص خله يتفضل.. وأنتي وسماح تدخلون قبله




فاطمة خرجت ثم أشارت لسماح أن تأتي.. ثم هتفت لكسّاب باحترام: تفضل يا أستاذ من هنا





كسّاب توجه للباب ..والاثنتان كانتا تسبقانه وعلى وشك الدخول قبله لولا صوته الحازم: وين داخلين أنتي وياها؟؟؟




فاطمة ارتبكت من نبرة التحكم البالغة في صوته: بندخل مع حضرتك.. أستاذة كاسرة ما تقابل أي رجال إلا بوجودنا كلنا




حينها هتف كسّاب بنبرة سخرية غامضة: الأستاذة كاسرة متزوجة.. صح؟؟




فاطمة ابتلعت ريقها وهي لا تعرف سبب السؤال: إيه نعم؟؟




كسّاب بذات النبرة الساخرة المتحكمة: وتعرفين اسم زوجها أكيد؟؟




فاطمة بدأت تغضب من هذا البارد الوقح: أكيد أعرفه..




كسّاب بسخرية أشد أقرب للتهكم: يبقى أكيد أنتي ماقريتي الاسم اللي على الكرت




فاطمة عاد لها الارتباك: ما ركزت صراحة..




حينها عاود كسّاب استخراج بطاقة أخرى وهو يهتف بسخرية واثقة: تفضلي..



وارجعي أنتي وزميلتش كل وحدة لمكتبها واقري الاسم عدل



إلا لو تبون تقعدون معي أنا ومرتي هذا شيء ثاني




فاطمة تراجعت بحرج وصدمة كاسحين وهي تقرأ الاسم...



بينما كسّاب فتح الباب ودخل وأغلق الباب خلفه..

همس المشاعر
09-29-2011, 06:10 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء التاسع عشر








لا يعلم ما الذي دفعه لهذا الجنون؟؟ ولهذا التصرف غير المعقول؟؟



فليس مقبولا مطلقا في عرفهم ولا عاداتهم أن يرى زوجته أو حتى يحادثها قبل الزواج فعلا




ولكنه شعر أنه يريد أن يراها.. يحادثها.. وخصوصا أن المكان هنا مكان محايد عام..



لذا قرر أن يترجم هذه الرغبة إلى قرار يتم تنفيذه فورا




فهل كانت هي مجرد الرغبة أن يرى المخلوقة التي أصبحت تنتمي له؟!



أم فعلا أراد أن يراها في مكان عملها الذي أصرت عليه؟؟



أو ربما أراد أن يشعر بأدنى اهتمام بهذه المرأة التي يشعر بعدم الاهتمام بها رغم ارتباطهما بالرباط الأكثر قدسية



أو ربما أراد أن يرى المخلوقة التي قدم والده كل هذه التنازلات من أجل أن يوافق على الزواج منها؟؟



أو ربما يرى ابنة الانثى الجبارة التي من مازالت تحتل تفكير والده؟؟



لا يعلم أيها هو الأهم... أو كلها مهمة...






دخــــــــــل ..



دخل بخطواته الواثقة وحضوره المتحكم الصارم.. وكأنه بخطواته التملكية هذه يترجم إحساسه بأنه يملك المكان وصاحبته





كانت منكبة على أوراق تقلبها بين يديها.. ولم تنتبه مطلقا لدخوله.. تنحنح بفخامة معلنا عن وصوله العاصف..




لتقفز حينها بغضب هادر وهي ترى رجلا غريبا يقترب منها بخطوات مفرطة في ثقتها بدأت تُضيّق المسافة الفاصلة بينهما



والباب مغلق... ولا وجود لأي شخص ثالث معهما...




شعرت كاسرة فعلا بالخطر.. الخطر بمعناه المعنوي وليس المادي..



الخطر النفسي المتزايد وهي تنظر للرجل المتقدم ناحيتها وحضوره الرجولي العاتي المتدفق كأعاصير أستوائية صاخبة بدا كما لو كان يعبث بها..



ويوقف عقلها -الذي يكون عادة حاضرا في كل موقف- عن التفكير في هذا الموقف



وهي تشعر فورا بمشاعر أنثوية غريبة ثقيلة الوطأة..



مشاعر بدت لضميرها الحي غير سوية أبدا (يا ترى شكلي مرتب.. لا يكون نقابي معفوس)




حضوره الغامض الفخم المتأنق لأبعد حد.. لنخاع النخاع.. أوحي لها بالرغبة في الظهور أمامه بأفضل صورة لسبب لم تتيقنه أبدا




كاسرة انتفضت في داخلها بجزع كاسح: أعوذ بالله منك يا أبليس.. عمري ما فكرت ذا الأفكار المريضة



أفكرها الحين عقب ما صرت مرة في ذمة رجّال..



صحيح إن أبليس يجري من الإنسان مجرى الدم.. وما أجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما





دارت كل هذه الأفكار في رأسها خلال ثانيتين...استعاذت بالله من الشيطان الرجيم.. وضيق عميق يطبق على نفسها لتصرخ بعدها بحزم:



لو سمحت يأستاذ أنت اطلع برا.. لحد ما يجون سكرتيراتي..




بدا له صوتها ساحرا عذبا عميقا دافئا.. ومؤثرا لأبعد حد وبصورة غريبة.. كأنه صوت طيفي ينقلك لمستوى آخر من الإحساس..




ومع ذلك استمر في التقدم بذات الثقة المتسلطة بينما كاسرة التقطت الهاتف وهتفت بحزم شديد: لو سمحتي فاطمة تعالي انتي وسماح بسرعة




فاطمة تكتم ضحكاتها: اقري الكرت اللي قدام عيونش أول




كاسرة رفعت الكرت لمستوى عينيها بينما كسّاب جلس وهو يهتف ببرود ساخر:



وانا أقول من وين الغباء جاء لسكرتيرش.. أثره عدوى من الرئيسة




رفعت كاسرة عينيها له والإعجاب العميق به كرجل قبل دقائق.. يتحول لمشاعر متبلدة ملتبسة أشبه بالنفور..



مشاعر أشعرتها بالراحة أنها لم ترتكب ذنبا قبل ثوان بإعجابها المؤقت به..



ومن ناحية أخرى أشعرتها بالتحفز.. وهي ترد عليه بذات البرود الساخر:



كفارة.. السجن للجدعان..



ما توقعت إنك تطلع بذا السرعة.. لا وتطلع علي مباشرة..




حينها مال كسّاب على المكتب لينظر لها بشكل مباشر..



ولتخترق رائحة عطره المركز الثمين كل حويصلاتها الهوائية رغم كثافة قماش النقاب الذي ترتديه



وعيناه تتعلقان بالشيء الوحيد الظاهر منها بغير وضوح لشدة ضيق فتحات النقاب.... عيناها !!!




(نعنبو وش ذا العين وإلا ذا الرموش طبيعي ذي والا تركيب!!!)



ولكنه رد عليها بذات برودهما المشترك.. الساخر المحترف وغير المصطنع إطلاقا:



أول شيء أنا مادخلت السجن حتى.. وبعدين وش ذا الثقة اللي عندش إني جاي على طول على حضرتش.. أنا طالع من أمس




ردت عليه باحتراف جاهز: بس توك لقيت فرصة اليوم.. وما فوتتها أبد




حينها هتف بسخرية حادة: صحيح كنت بأموت لو فوتت شوفتش يا قلبي..




كاسرة ببرود محترف: قلبي على طول.. ماعندك وقت.. يظهر قلبك معلقه في مخباك..




كساب ببرود أشد احترافا: القلب اللي معلق في المخبا لناس يعرفون قدرهم



والقلب الثاني يعجزون ما وصلوه..




كاسرة تضايقت من وقاحته الجريئة وهو يوجه لها حوار حميم مثل هذا.. وفي مكان عملها..



حتى وإن كانت متأكدة إن أخر ما يقصده هذا الكساب من حواره هو "الحميمية"..



لذا هتفت بحزم: يا أستاذ كسّاب..



أنت جايني في مكان شغلي.. ومكان الشغل للشغل مهوب للقاءات الأسرية




حينها رد عليها كسّاب بسخرية واثقة مباشرة: ليه احنا صرنا أسرة خلاص..؟؟




فردت عليه بذات مباشرته الساخرة: تصدق المأساة ذي؟؟ يا حرام..




استشعر فورا ذكائها الخطر.. فهو ابن سوق بالفطرة .. اعتاد على سبر أغوار محدثيه قبل اتخاذ القرارات..همس بنبرة متلاعبة :



إيه والله حرام.. خلاص عندش شهر تعودين على فكرة المأساة ذي



وإلا تكونين ما تدرين إن زواجنا تحدد بعد شهر..؟؟




كاسرة ردت عليه بذات نبرته المتلاعبة كما لو كانا في مبارة كرة قدم يتقاذفان الكرة بينما على ذات المستوى من القوة والندية:



وش ظنك؟؟ إنه ممكن يتحدد موعد عرس وانا ما دريت فيه..



بس بصراحة..



ما تخيلتك مأساة بذي الطريقة.. يعني شهر ما أدري تكفيني أتاقلم معها وإلا لا




رد عليها بنبرة أكثر تلاعبا فيها رائحة خبث شاسع: ترى كلمة مأساة أحيانا تحتمل الإيجابية فوق مضمون الإيجابية نفسه



عشان كذا ترا مضمون الغزل وصلني خلاص وفهمته..




حينها ردت عليه بخبث كخبثه: تدري وش هي مشكلة أصحاب الذكاء المحدود؟؟



يفهمون اللي يبون على كيفهم عشان يريحون عقولهم الصغيرة اللي فهمها على قدها





حينها ابتسم كسّاب ولا تعلم لما شعرت في داخلها باستغراب ما.. بدا لها منذ رأته للوهلة الأولى.. أنه مخلوق لا يعرف الابتسام



فإذا به يبتسم.. وابتسامته رائعة أيضا.. كسّاب هتف بتهكم مع ابتسامته:



تدرين إنش عجبتيني .. ردش جاهز على طول.. وش ذا اللسان اللي عندش..




ردت عليه كاسرة بالبرود الساخر ذاته: ما عليك زود..



إلا قل لي..أيش تتوقع يوم تقول أني عجبتك..؟؟؟ انتحر من الوناسة مثلا لأني نلت الرضا السامي




كسّاب بسخرية واثقة مغلفة بالغرور: ليش لأ.. شرف ما كنتي تحلمين به..



أنا واحد لازم أجلس مع الواحد أكثر من مرة قبل أحكم عليه



السوق علمني كذا.. وكون أنش تعجبيني ومن أول مرة.. لازم رأسش يكون بين السحاب الحين




كاسرة بثقة مغلفة بغرور أكثر استحكاما: ترا رأسي بين السحاب من زمان.. عشان أنا هي أنا..




كسّاب يرفع حاجبا ويهتف بسخرية: يه يه يه.. على مهلش لا ينقطع عرق في رقبتش بس!!




كاسرة بسخرية مماثلة: لو كان انقطع في رقبتك عرق قبل شوي.. يكون انقطع في رقبتي مثله




كسّاب ينظر لها بشكل مباشر: ليه أنتي تبين تقارنين نفسش فيني.. ترا بتتعبين..




كاسرة تضع عينيها في عينيه وتهتف بثقة: أكيد بأتعب ما دمت بأحاول أوصلك أنت مستوى مستحيل أنت توصل له ولا في أحلامك..




كسّاب نظر لها باستهزاء أقرب للاحتقار: ما تشوفين إنش مغرورة زيادة عن اللزوم...




كاسرة استرخت في مقعدها: بعض ما عندكم...




كسّاب يتلفت حوله ثم يهتف بثقة ساخرة: طيب يامغرورة هانم..



أنا طالع من البيت حتى قهوة ما شربت.. وانتي معدومة ذوق حتى فنجان قهوة ما عزمتي فيه علي




كاسرة بهدوء حازم: والله هذا مكان شغل.. تبي تتقهوى روح أي كوفي وعليك بالعافية




كسّاب رسم ما يشبه ابتسامة: صدق إنش معدومة ذوق.. وأنا جاي في شغل.. وإلا سكرتيرتش الغبية ما قالت لش




كاسرة بنبرة غضب حازمة محترفة: ما أسمح لك تسبها ولا تتطاول على أي حد قدامي



وشغل من وراك الله الغني عنه.. تفضل تراك عطلتني عن شغلي




حينها رد عليها كسّاب بنبرة غضب حاد يتخللها تحكم كاسح: صوتش ما ترفعينه علي مرة ثانية



وإلا والله ثم والله لا تشوفين شيء ما يسرش..




حينها وقفت وهي تهمس من بين أسنانها بغيظ غلفته ببرود بارع: أنا أساسا ما رفعت صوتي لأني احترم نفسي قبل أي شيء ثاني



عشان حضرتك تجي تتهمني بكذا.. لا وتهددني و الحبر اللي وقعنا به عقد زواجنا مابعد نشف..




حينها هتف لها ببرود مستفز: ومهوب لازم ينشف.. ولو تبين ألغيناه وحطينا جنبه عقد ثاني ويجفون عقب سوا...




حينها ابتسمت وهي ترد عليه بسخرية مقصودة: والله إني دارية إن هذي أخرتها..



وإلا وش أتوقع من بزر.. عقله أخر شيء يفكر يستخدمه




كساب توسعت عيناه بدهشة وغضب: من البزر؟؟




كاسرة ببرود: حضرتك طبعا..بزر وستين بزر بعد..



وأثتبت إنك بزر بتفكيرك اليوم..



جايني لمكتبي بكل وقاحة وبدون تفكير... ونافش ريشك.. ثم تهدد بالطلاق..



فيه مبزرة أكثر من كذا..




كسّاب وقف وهو يهتف بثقة كاسحة مقصودة: تدرين إني دريت إنه ما ينشره عليش عقب ذا الهرجة.. هرجة خبلان فعلا



سحبنا الإعجاب بلسانش خلاص..




عندي اجتماع عقب نص ساعة وإلا كان قعدنا نكمل كلامنا مع إنه أنتي بصراحة تقرفين الواحد يكمل حواره معش..



بس شركتي بالفعل بتسوي رعاية لأنشطة قسمكم



وطبعا هذا نوع من الدعاية لشركتي و في نفس الوقت دعم لأنشطة الحكومة




كاسرة بحزم: أولا.. أنت وإعجابك ما تهموني.. سحبته أو خليته.. لأني ماني بمحتاجته ولا محتاجة شهادتك فيني



ثانيا شكرا.. ماني بمحتاجة إن حد يقول إن الرعاية هذي جات مجاملة لي




كسّاب بثقة: قلت لش إنش غبية.. لأنه أولا لازم أنا عندش في المقام الاول وغصبا عنش.. ورأيي لازم يكون الأهم عندش



وثانيا ياحرمنا المصون وش فيها لو كانت مجاملة لش.. ذا الشيء بيثبت أرجيلش في المكان




كاسرة بثقة متمكنة: أرجيلي ثابتة بجهدي ويميني.. وما أسمح لك أبد تعيد غبية هذي..



أو تدري حتى لو تبي تعيدها.. عيدها مثل ما تبي..عادي.. ما يهمني ظنك فيني..




كسّاب ابتسم بسخرية: وعندش إني صدقتش الحين؟! داري إنش بتموتين تبين تنالين الرضا السامي على قولتش




كان يستعد للخروج بينما كاسرة تلجأ لقوة سيطرتها على تصرفاتها حتى لا تلتقط شيئا وتقذف به رأسه الفارغ.. الفارغ كما هي تراه..




ولكن كسّاب التفت لها وهو يهتف لها بتجبر متعاظم:



اليوم ترا عديت لش واجد بمزاجي..بس اعرفي إنه ترا مهوب كل يوم مزاجي رايق مثل اليوم واستحمل وأعديها



ترا بالعادة نفسي في طرف خشمي..




لم يسمح لها أن ترد الرد الذي أصبح يعلم يقينا أنه جاهز على طرف لسانها لأنه كان قد وصل الباب...



وهو يفتحه سمع فاطمة تترجى في أحدهم:



يأستاذ سعود.. أستاذة كاسرة الحين مشغولة.. قلت لك عندها ضيف.. والقرار نهائي ولازم التنفيذ




سعود كان صراخه يتعالى بغضب: إيه علينا مسوية شريفة مكة وهي قاعدة مع رجال بروحهم والباب مسكر



بنت اللذينا أنا أنا تنقلني من قسمني اللي أنا فيه من قبل هي ماتشتغل هنا حتى..





كان سعود مازال سيتكلم لولا أنه فوجئ بيد قوية متجبرة بالغة القوة والتجبر تمسك بجيبه وترفعه لأعلى وقدماه ترتفعان عن الأرض



ويأتيه فحيح كسّاب المرعب من بين أسنانه: شريفة مكة غصبا عن طوايفك يا ابن الــ



تشهد على روحك.. اللي يدوس على طرف ثوب محارمي أدهسه هو بكبره..




كاسرة كانت خرجت خلف كسّاب فورا حين سمعت صوت سعود..



وهاهي تمسك بمعصم كسّاب الحر.. لأنه كان يرفع سعود الذي بدا وجهه يحمر بيد واحدة



وهي تهتف برجاء عميق: كسّاب تكفى هده.. واللي يرحم والديك هده



تكفى كسّاب بس كفاية.. الرجال بيموت في يدك..




حينها ألقى به على الأرض بقوة..



بينما سعود زحف للزاوية وهو يمرر يده على عنقه مكان ضغط جيب الثوب ويلتقط غترته وعقاله اللذين سقطا أرضا




حينها انحنى كسّاب عليه وهو يصر على أسنانه بتهديد حقيقي مرعب:



والله ثم والله لو شميت ريحة إنك وطوطت عند مكتب مرتي وإلا ضايقتها بكلمة



إنه يكون آخر يوم في عمرك..سامعني!




الغريب أن كاسرة خلال كل هذا وحتى بعد أن ألقى بسعود وهي ممسكة بمعصمه.. وأناملها الزبدية تحيط بعروق معصمه النافرة



لم تشعر بنفسها أبدا.. كانها تنفصل لعالم آخر



وإحساسها بقوته من هذا القرب يسكرها بإحساس غير مسبوق.. غير مفهوم.. غير مفسر




بينما كسّاب لم يشعر بشيء إطلاقا ولم يتحرك بداخله شيء سوى رغبته في التنفيس عن غضبه الدائم



حتى في دفاعه عن كاسرة هو يدافع عن نفسه ومكانته وصورته



وكاسرة ليس لها وجود سوى لأنها شيء ينتمي له كشيء وليس كأنسان حتى




لذا همس ببرود دون أن ينتبه حتى لملمس الحرير الاستثنائي الذي كان يمسك بمعصمه:



لو سمحتي فكي يدي.. الرجّال طلع خلاص ليش ماسكتها..




كاسرة انتفضت وهي تفلت يده.. وتتراجع دون أن تتكلم بكلمة.. وتعود لمكتبها



بينما كسّاب غادر متوجها لشركته




فاطمة توجهت لكاسرة وهي تجلس مقابلا لها تضع يدها على قلبها وتهمس بنبرة انبهار:



سوسو.. ماشاء الله ماشاء الله رجالش يجنن يهوس.. الله يهنيش يا قلبي




حينها قالت كاسرة بضيق حقيقي: من جدش؟؟ والا تطيبين خاطري بس؟؟




فاطمة باستغراب: ليه أنتي ماعندش عيون؟!!




كاسرة بضيقها الفعلي الذي بدأ يتأزم فعلا والذي أخفته خلف حزم صوتها المعتاد:



عندي عيون قالت لي إني مقبلة على حياة وكسة.. اللهم أني أسألك اللطف والثبات



اللهم لا اعتراض على حكمك ..بس أنا وش سويت في حياتي تبلاني بواحد مافيه عقل مثل هذا..



قبل يومين ذبح له واحد.. واليوم كان بيذبح الثاني..



حلفتش بالله فطوم رجّال مثل ذا أشلون ينعاش معه.. أنتظر لين يصير عندنا عيال ويذبح له حد ويعدمونه





فاطمة بغضب: ما أشين فالش.... والرجال ظروفه جات كذا وورا بعض



يعني قبل يومين واحد يسرق بيته وتهجم عليه.. يخليه ويقول روح الله يسامحك



واليوم واحد طول لسانه على مرته.. سعود باقي يتهمش في شرفش.. مافيه رجال فيه خير يسمع ذا الكلام ويسكت



ولو هو سكت يكون مهوب رجال أساسا




كاسرة بثبات: بس مهوب كل شيء ينحل بالعنف..




فاطمة بثبات مماثل: بس مواقف مثل ذي ما تنحل الا بالعنف...








************************************








"يا فشلتي والله أني منحرجة من أم امهاب من البارحة..



تخيلي المرة جايتني بشبكتي.. أقوم أعقر في بنتها وهي تسمع!! "




شعاع تمسح على كتف جوزاء المتضايقة من البارحة والتي كانت تزفر بحرارة إحراجها وضيقها المتزايد:



ياجوزا.. ترا الاعتراف بالغلط أول خطوة..



دامش شايفة إنش غلطانة حاولي تصلحين الخطا



يعني كاسرة بتكون اخت رجالش وعمة عيالش عقب.. ما يصير حاطة دوبش من دوبها وهي ما سوت لش شيء أساسا



وأنتي مافيش قصور.. عشان تتعقدين منها بذا الطريقة




حينها هتفت جوزاء بغضب: وش قصدش؟؟ قصدش عشانها أحلى مني أنا غيرانة منها؟!




شعاع تنهدت بعمق: لا حول ولا قوة إلا بالله.. تعوذي با الله من الشيطان الرجيم



وافتحي صفحة جديدة في حياتش كلها.. أدري شيء صعب بس مهوب مستحيل




جوزاء تحمل حسن على ساقيها وتحتضنه برقة وهي تطبع قبلاتها على رأسه.. ثم تهمس بألم عميق:



والله ما كنت كذا.. ما كنت كذا!!!



حسبي الله ونعم الوكيل... عقدني من نفسي ومن حياتي



الله يرحمه.. هو راح وارتاح.. مادرى باللي خلاه وراه



اللهم أني أسألك الثبات من عندك.. اللهم اشرح لي صدري ووفقني لما تحب وترضى..




حينها ابتسمت شعاع: يا الله خلينا نبدأ الحين نغير شوي شوي.. خلينا نبدأ باللي برا ثم نغوص للي داخل. نبدأ بالسهل..



خاطري نبدأ با اللوك.. تبين قصة جديدة وصبغة جديدة.. خلنا نجرب قبل موعد عرسش.. عشان لو ما ناسبت نغيرها



صدقيني تغيير الشكل يغيير في النفسية شوي..




جوزاء بتردد: ما أدري يمكن امهاب يحب الشعر الطويل..




حينها وضعت شعاع يدها على قلبها: ياويل قلبي على اللي تفكر من الحين في اللي يعجب سي امهاب!!








************************************








حوار محتدم بالإشارات يدور بين وضحى وتميم حول قضايا اليوم والساعة حول العالم... وهم في انتظار البقية للتجمع للغداء




يقاطعهما دخول مزنة من الخارج وهي تخلع عباءتها وتجلس.. ليشير لها تميم وعلى وجهه تعابير غامضة:



ها يمه أشوف عقب ما كنتي تلحين علي تخطبين لي وحدة سليمة.. إنش سكتي عن الموضوع بالمرة



الظاهر ما لقيتي بنت تناسب تصوارتش العالية وفي نفس الوقت توافق علي..



يعني يا الغالية.. السليمة اللي بتوافق علي لازم فيها عيب خلى السليمين اللي مثلها يخلونها




مزنة أشارت له وهي ترسم ابتسامة النصر: ومن قال لك سكتت عن الموضوع



أنا خطبت.. وأهل البنت وافقوا.. والحين ابيها ينتظركم تخطبون رسمي...




تميم بدهشة أقرب للصدمة الموجوعة: مسرع.. ومن ذولا؟؟




مزنة بسعادة: سميرة بنت راشد




تميم لم يستوعب إشارتها للاسم ولم يستطع حتى قراءة شفتيها ليستنتج الاسم



وأفكاره تتشتت من المفاجأة..



لذا سارعت وضحى التي قفزت بفرحة وهي غير مصدقة إلى ترجمة الاسم بالإشارات له




لتتعاظم دهشة تميم أو صدمته أو ربما يأسه.. وهو يشير: سميرة ما غيرها رفيقة وضحى..؟؟




وضحى تشير له بسعادة حقيقية : هي نفسها .. ياحظك يا تميم.. والله سميرة ما فيه منها اثنين..




تميم لم يشر بشيء مطلقا.. وهو يقف وعلائم غموض حزين ترتسم على وجهه.. ليتجه للأعلى





" وهل أستطيع أنا التساؤل هل هي محظوظة



أم أقول ما أتعس حظها!!



ما الذي يدفع فتاة مثلها للموافقة على الارتباط بمثلي؟؟



لماذا يا أمي أردتِ أن تجبريني على الإحساس بالنقص الذي أرفض الاعتراف به؟!!



هذه الفتاة النابضة بالصوت والحياة حتى أقصى حدود التفجر ما الذي يدفعها للموافقة علي؟؟



سامحكِ الله يا أمي.. أدخلتِ الوساوس اللعينة لقلبي قبل أن أرتبط بها حتى



فأي سر تخفيه دفعها للموافقة على الأصم الأبكم؟؟



ما الذي يدفع فتاة ممتلئة بصخب الحياة على الارتباط بشخص لن يرد على صخبها يوما بحرف واحد؟؟



لن يهمس لها يوما في أذنها بتدفق مشاعره.. لن يغرقها في كلمات الغزل التي قد تكون حلمت بها



لن تسمع اسمها بلسانه يوما وهو يناديها دلالا وولعا..



لن يسامرها في لياليها الطويل سوى بصمت أشبه بالموت..



هل سيصبح الزواج الذي حلمت به سكنا لروحي وتقصيرا لليالي وحشتي الطويلة هو بذاته الوحشة الأشد؟؟



هل تتحول العلاقة الأسمى التي تمنيتها بين روحين محض علاقة بين جسدين؟!



وإلا أي علاقة ستكون بيننا غير ذلك؟؟



أ يكتب علي أن أعيش ما تبقى من حياتي عاجزا عن السكنى إلى روح تحتويني وروحي هائمة في غربة صمتها الأبدي؟؟



ولماذا هي وافقت علي؟؟ لماذا فعلت هذا الجنون؟؟ لماذا؟؟ لماذا؟؟



.



.



لا أستطيع إلا أن أقول سامحكِ الله يا أمي.. سامحكِ الله!!



واللهم ألهمني الصواب.."





بعد أن صعد.. همست وضحى بضيق: شفتيه يمه.. شكله تضايق..




مزنة بهدوء عميق: الموقف صعب عليه يأمش... عطيه وقت يتأقلم



تميم كان حاط في رأسه إنه مهوب متزوج الا بنت مثل حالته



ولو تزوج وحدة سليمة بيكون فيها عيب معين يخليها توافق عليه



كأن تكون كبيرة أو بشعة.. شيء يخليها توافق عليه وهي مبسوطة



لكن وحدة مثل سميرة يتمناها أحسن واحد.. سوت له صدمة شوي



شوي ويتأقلم...




ثم أردفت بحنان عميق: ليته بس يشوف نفسه مثل ما أنا أشوفه..



كان شاف إنه حتى أحسنها بنت صحيحة ما تسوى مواطي أرجيله الله يخليه لي





وهما مستمرتان في حوارهما دخلت عليهما كاسرة قادمة من عملها



مزنة عقدت حاجبيها: توش تجين..؟؟



أنا أحسبش في البيت.. لأني كنت عند أم غانم.. صليت عندها الظهر وعقبه رحت أجيب أغراض البيت




كاسرة بهدوء وهي تخلع عباءتها: شوفي كم اتصال داقة عليش.. عشان أقول لش بأتاخر..



رحت أوصل فاطمة... رجّالها مسافر..




مزنة تستخرج هاتفها وتجده على الصامت.. تعدل وضعه للعام وتضعه على الطاولة أمامها.. بينما كاسرة تسألها باهتمام:



وش ردت عليش أم غانم؟؟




مزنة بابتسامة: أبشرش وافقوا..



بأقول لامهاب يستعجل في خطبتها لأخيه..



والحين بأقوم أخليهم يغرفون لكم الغدا.. امهاب رايح المطار عنده شغلة سريعة وعقب بيتغدا مع عبدالرحمن برا




كاسرة بهدوء باسم: مبروك.. وعله خير إن شاء الله.. تميم يستاهل كل خير..



وسميرة تجنن ماشاء الله.. أطيب من قلبها ماشفت




ثم أردفت وابتسامتها العذبة تتسع: لو أنه تميم كان يسمع كان صدعته سميرة بالهذرة.. الله باغي له الخير..




مزنة تقف وهي تردف بحزم: ترا خالة رجّالش وأخته متصلين يقولون بيجون قبل صلاة العشاء.. تجهزي تقابلينهم..




كاسرة بحزم: مسرع صار رجّالي.. مابعد تعودت على الكلمة.. أظني اسمه واجد عليه.. قولي خالة كساب وأخته..




مزنة بحزم أشد وهي تغادر المكان: الاحسن تعودين عليها.. عندش في كل شيء رأي خلف خلاف..




وضحى همست بهدوء متردد: مهوب من الأحسن تبدين تجهزين.. لأني ظني الليلة إن هم جايبين مهرش.. مافيه وقت...




كاسرة تسترخي وتغمض عينيها: هذا الشره في الشراء أعتقد إنه مرض.. السوق مليان.. والتجهيز والتسوق ما ياخذون يومين..



مهيب قضية الشرق الأوسط يعني!!




وضحى بذات التردد: ما تبين على الأقل تشوفين لش فستان من بدري..




كاسرة بحزم واثق: خير.. خير..




وضحى بخجل: تمنيت أكون معش وأنتي تختارين و....



ثم بترت عبارتها بتردد حزين: أو يمكن تبين فاطمة بس؟؟؟




حينها فتحت كاسرة عينيها وابتسمت برقة: وليش ما تنفعين أنتي وفاطمة... رأيين أحسن من رأي واحد..




حينها أشرق وجه وضحى بابتسامة طفولية: أي شيء تلبسينه بيكون حلو عليش.. لأنه أنتي اللي بتحلين الفستان..




حينها همست كاسرة بغموض خافت: ليت شين الحلايا يستاهل بس..!!









***********************************








"مبروك.. يقولون ناسبتوا آل كسّاب؟؟"




مهاب ينظر لصاحب الصوت المتهكم وعيناه العسليتان تلمعان ببريق إبتسامة



ليرد عليه بهدوء: الله يبارك فيك




غانم بنبرة ذات مغزى: وش إحساسك وأنت تزوج أختك لأخ اللي أنت نشبت في حلقها من كثر ماكنت تهينها..؟؟




مهاب انقلب هدوء صوته لصرير غاضب يصدر من بين أسنانه: غانم توك قبل كم يوم.. تقول ماعادنا طلاب في الكلية



وإلا أنت مشتاق لطقم أسنان جديد؟؟




غانم يرفع حاجبا وينزل آخر: وإلا أنت يمكن تبي كتفك الثاني ينخلع؟؟




مهاب يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم: غانم اقصر الشر..




غانم يهز كتفيه بهدوء: أنا قاصر الشر من زمان.. بس متعجب من تدابير ربي.. البنت اللي حرقت أعصابها بإهاناتك قبل 4 سنين



ربي ينصرها عليك ويصير إخيها نسيبك..




حينها مال مهاب على غانم ونظر له بنظرة مباشرة: وأنا متعجب من 4 سنين لين الحين وأنت حارق دمك بالدفاع عنها.. ما تعبت..




غانم بحزم: أنا ممكن أتقبل أي شيء إلا إهانة مرة.. لأن المرة ما يهنيها إلا الرخيص..




حينها تصلبت يدا مهاب بغضب وهو يوشك على الإطباق على جيب غانم بدون تفكير...



لأنه شعر أن غانما يوجه له إهانة مباشرة وبشكل مقصود..



لولا فوج كبير من (سكاي تراكس) دخل للتو لاستراحة الطيراين.. جعل مهاب يبتلع غضبته قسرا..



فزيارة السكاي تراكس التفقدية حدث كبير يتم انتظاره بحماس لأنه على ضوءه يتم تقييم درجة خطوط الطيران على سلم من خمس نجوم..



ولن يكون هو من يفسد هذه الزيارة.. لذا استرخى في مقعده وذكرى العراك السابق قبل أربع سنوات تعود لذاكرته...








*********************************








"تبي تشرب شيء ياقلبي؟؟"




كسّاب بهدوء: لا خالتي.. تدرين إني ما أشرب شيء عقب الغدا.. الحين تعالي أبيش في سالفة




عفراء جلست وهي تقول بحرج ودود: سامحني يأمك.. أدري المفروض رحت أجيب شبكة مرتك.. بس الظروف عاكست شوي



اليوم فديتك حول لي الفلوس.. وأروح أشتريها..



أنا أساسا كلمتهم وقلت لهم بجيهم الليلة عقب العشا




كسّاب عقد ناظريه: ياااااااه خالتي... بالش راح بعيد.. وش همني أنا من ذا الموضوع..



بعطيهم فلوسهم وهم يشترون شبكتهم بروحهم وإلا بالطقاق




عفراء بعتب: وش ذا الكلام يامك..عروسك تستاهل أحلى شبكة.. إيه ولا تنسى تحول لي المهر بعد أعطيهم إياه بالمرة



أربكتوا العرب بذا العرس المستعجل... قاعد ذا السنين كلها وعقبه تبي تعرس في شهر..




كسّاب هز كتفيه: والله أوامر أبو كساب.. وإلا أنا وش مستعجل عليه ؟؟



على الغثا وطولة لسانها اللي متبري منها..




عفراء عقدت حاجبيها: وانت وش عرفك إن لسانها متبري منها تتهمها.. صحيح أنا ما شفتها إلا في مناسبات شوي



وما تكلمت معها إلا مجرد سلامات.. بس أنا أشهد إنها ذربة ومنطوقها زين وعليها صوت.. صوت ماشاء الله ماشاء الله




حينها ابتسم كسّاب دون أن يشعر وهو يتذكر بالفعل رنين صوتها الكرستالي الحريري ولكنه هتف بسخرية:



وقولي بعد إنها مهيب مغرورة؟!!




عفراء عقدت حاجبيها مرة اخرى: شكل حد صاب العلوم في أذنك.. أنا بصراحة ما أعرفها عدل.. بس هيئتها تعطي على الغرور



ثم أردفت وهي تبتسم: ولا جيت للحق يلبق لها الغرور... إذا وحدة مثلها ما تغتر.. فالغرور ماخلق إلا لها



الله يهنيك يامك مابعد شافت عيني أزين منها..




كسّاب ضغط صدغيه بأطراف أصابعه ثم هتف بسخرية: الزين من زانت أفعاله ياخالتي..



وش أسوي بزينها لو كانت ما تنتعاشر



وعلى العموم هذا كلام سابق لأوانه.. خلينا الحين فيش




خالته باستغراب: ليه أنا وش فيني؟؟




كسّاب بحزم: جايش معرس..




عفراء بضيق: يأمك قلت لك قبل ذا الموضوع أنا شالته من بالي




كسّاب بحزم: مهوب على كيفش يا خالتي..




حينها انتفضت عفراء بغضب: نعم يا ولد.. وشو اللي مهوب على كيفي.. لا تكون بتزوجني غصبا عني




كسّاب بحزم أشد: لو حديتيني أسويها بأسويها




حينها وقفت عفراء وهي تهتف بحزم: الكلام انتهى.. قوم قيل شوي قبل الصلاة




حينها شدها كسّاب بلطف وهو يهتف بحنان مدروس : اقعدي جعل يومي قبل يومش (يعرف أن خالته لا يمكن أن تقاومه حين يخاطبها بهذه الطريقة)




تنهدت عفراء وهي تجلس: إلا يومي قبل يومك أنت وأخوانك.. يأمك اللي فيني مكفيني.. جاي تقول لي معرس




كسّاب بهدوء عميق مسيطر: خالتي وضعش عايشة بروحه ماعاد ينسكت عليه..




عفراء تنهدت: يأمك اللي صار ممكن يصير لأي وحدة حتى لو كانت متزوجة وزوجها مسافر وإلا طالع..



يعني مهوب الزوج هو اللي بيحمي.. الله هو الحامي...




كسّاب بهدوء: ونعم بالله.. بس توقعين لو كنتي متزوجة وفي بيت رجالش.. كان كلب مثل ذا تجرأ يسوي اللي هو سواه




صمتت عفراء والذكرى الطرية المؤلمة تقتحمها بكل القسوة..



تحاول أن تلغي هذه الذكرى من حياتها.. ولكنها مازالت طرية وجرحها ينزف في تفكيرها



فهل تحتاج وقتا لتنسى؟؟ وهل هو مجرد الوقت ما تحتاج له؟؟



البارحة رغم أن كسّاب كان ينام في غرفة مجاورة لها إلا أنها لم تستطع النوم



وكل حركة تسمعها تبعث في داخلها ألما وتوترا لا تستطيع تفسيرهما





كانت عفراء غارقة في تفكيرها بينما كسّاب يكمل حديثه بهدوء حازم:



خالتي ذا المرة العريس غير.. وإن شاء الله إنش بتوافقين..




صمتت ولم ترد عليه.. ليكمل هو: عمي منصور متقدم لش.. وملزم عليش بعد




حينها انتفضت عفراء بدهشة: من؟؟ منصور؟؟



ثم أردفت بغضب: لا يكون طاري على باله يستر على اللي شافه قبل يومين




كسّاب بغضب: خالتي الله يهداش هو صار أي شيء أساسا عشان يستر عليش.. محشومة خالتي من ذا التفكير




عفراء بذات الغضب: أجل وش نطط عمك يبيني.. وأنت بروحك كنت تقول إنه حرّم العرس خلاص..




كسّاب يحاول التحدث بمنطقية: غير رأيه وعرف مصلحته.. وقرر ذا المرة يقوم بخيار مناسب وسليم



ثم أردف بمرح: واسمعيني عدل خالتي عمي ملزم عليش ويبيش..



وهددني يكفخني لو ما رضيتي.. يهون عليش كسّاب حبيبش يتكفخ




عفراء بغضب: بكيفك أنت وعمك.. خله يكفخك




حينها تغيرت ابتسامة كسّاب لحزم شديد: خالتي تخيري.. ما تبين عمي تأخذين ابي..



لكن إنش بتقعدين بدون رجّال.. انسي.. انسي




حينها تنهدت عفراء بعمق أفكار عديدة تمور في ذهنها المتعب الموجوع المستنزف من كل شيء..



ومع ذلك همست بهدوء: زايد مستحيل وذا السالفة خلصنا منها..



أما عمك فهو رجّال ما عمروا عنده النسوان.. ثلاث طلاقات ما بين كل طلاق وزواج إلا حول السنة.. وأكثر وحدة قعدت عنده قعدت عشر شهور



مهوب معقول إن العيب في النسوان.. وأنا يأمك ماني بحمل طلاق عقب ذا العمر.... ترضاها لي يأمك؟؟..




كسّاب بهدوء: أنتي عاقلة يا خالتي وكبيرة وفاهمة.. وأعتقد إنش ممكن تحاولين تقبلين عيوب عمي اللي طفشت نسوانه




عفراء بنبرة مقصودة: يعني المشكلة سببها عمك..؟!!




كسّاب بحذر: مهوب بالشكل اللي أنت متصورته




عفراء تنظر له بشكل مباشر: أجل بأي شكل ياولد أختي؟؟




كسّاب بهدوء: عمي رجال حار .. بس هذي مهيب مشكلة لأنه يوم يكون مروق مافيه أطيب منه



المشكلة في إن نسوانه وقتها كلهم يعتبرون صغار في السن.. وعمي كل ليلة وقبل حتى ما يترقى.. مجلسه مليان ضباط ما يفضى لها..



وفي الليل ممكن يجيه استدعاء أو حتى أي حد من ربعه يصير له شيء ويتصلون فيه لأنهم يدرون انه بيزعل لو ما كلموه



المشكلة المسكينة تسأله وين رايح؟؟ يقول لها: مهوب شغلش.. أو رايح في شغل خاص



فالمسكينة تولع غيرة.. وتفكيرها يروح فورا لشيء ثاني..



وهو مستحيل يريحها ويعطيها خبر عن شيء




عفراء بعدم اقتناع: بصراحة ما أشوفه سبب يخلي المرة تخرب حياتها وتطلب الطلاق.. كان صبروا عليه وتفاهموا معه بالعقل




حينها ابتسم كسّاب: شفتي خالتي هذا الفرق بينش وبينهم... وصدقيني هذا السبب مع اختلاف التفاصيل..



يعني أحيانا تصير هوشة كبيرة على سبت الموضوع.. والمرة تشيل قشها تبي عمي يراضيها.. فهو يعند ويقول خلها تقعد مكان ماراحت



ولو جيتي للصدق.. عمي ماحب ولا وحدة منهم ولا حتى ارتاح معهم.. لو كان حب المرة كان ريح بالها ومشى الموضوع



لكن عمي بالفعل ما أرتاح للزواج قيوده.. وكل مرة كان يتزوج عنده إن مرته ربي بيهديها ذا المرة



ويمكن لولا إلحاح خالته عليه الله يرحمها.. ماكان كرر التجربة..




وشوفي الموضوع على بساطته.. عمي يشوفه موضوع كبير واجد..



لأنه يشوفه يتقصد نظام حياته كله



يعني هو في ظنه إن المرة يوم جات.. جات تبي تعفس حياته وتمشيه على كيفها.. فالقضية عنده صارت قضية مبدأ.. أكون أو لا أكون




عفراء بحذر: بصراحة أنا توقعت السبب ممكن يكون له علاقة بالانجاب.. لأنه 3 حريم ولا وحدة منهم تحمل..




كسّاب بحذر أكبر: وأنتي قربتي.. لكنه مهوب سبب لأنه مافيه وحدة منهم درت بشيء




عفراء رفعت حاجبا: أشلون؟؟




كسّاب يتنهد: الأولى قعدت عنده أربع شهور.. يعني ما شكو بشي أساسا ولا فحصوا



لكن الثانية قعدت عنده عشر شهور.. وعمي فعلا كان يبي يكمل معها



وفعلا سوو فحوص عشان يشوفون ليش الحمل تأخر لكن قبل مشكلة الطلاق على طول.. والنتيجة طلعت عقب ما طلقها



أما الثالثة (حينها ضحك كسّاب) تذكرينها خالتي.. كانت مرجوجة.. جننت عمي.. وحتى شهر ما قعدت..



فعمي ماقال لها شيء أساسا لأنهم في مشاكل من أول يوم




عفراء بحذر: وذا الشيء هو؟؟




كسّاب بنبرة حاول تحميلها بأكبر قدر من الطبيعية: إنه عمي فعلا عنده مشاكل في الإنجاب.. لكن هي مشكلة بسيطة جدا



والدكتور قال له إن العلاج بسيط جدا ومتوفر.. لكنه لو ما استخدمه مستحيل يصير حمل وكله بيد الله




عفراء صمتت .. بينما كسّاب أكمل بحذر وهو يسب نفسه على موافقته على قول ما سيقوله:



والحين نوصل للنقطة الثانية.. عمي يقول لش إنه ماراح يتعالج وهذا قرار نهائي



لأنه ما يبي عيال.. يقول ماعاد من العمر مثل ماراح... وماعاد له حتى مزاج على تربية بزران وغثاهم وإزعاجهم




حينها همست عفراء بغيظ من بين أسنانها: تدري إنك قليل أدب أنت وعمك



أنا الحين وافقت عليه هو ووجهه عشان يتشرط أبي عيال وإلا ما أبي..




كسّاب يحاول كتم ابتسامته: والله ماعلى الرسول الا البلاغ المبين..




حينها رفعت عفراء حاجبا وأنزلت الآخر وهمست بغضب: مادام أنت مجرد رسول



أشرايك تقول لعمك.. دامه رجال قصده الشريف أنه يحميني.. وما يبي عيال.. أشرايه لو أنا وافقت عليه نعيش أنا وياه مثل الأخوان... مهوب اقتراح أحسن؟؟



ويا الله قوم.. ما أبي أشوفك الحين..



استح على وجهك وأنت جايب لخالتك معرس عقب ذا السنين وفي ذا الظروف



قوم لا بارك الله في عدوينك..





كسّاب كان يمنع نفسه أن يقهقه بصوت مسموع وهو يصعد الدرج ليتمدد في غرفة الضيوف التي أصبحت مخصصة له



وهو يلتقط هاتفه ويتصل وهو يكتم ضحكاته: عمي..ترا خالتي عندها اقتراح أحسن من اقتراحك بواجد




منصور باستفسار فخم: اللي هو؟؟




كسّاب يحاول التكلم بطبيعية وهو يكتم رغبته في الضحك: تقول دامك رجال شهم.. وقصدك الحماية وما تبي بزران...



وأشرايك تعيشون خوش أخوان في بيت..أخ وأخته وش حليلاتكم..




حينها قال منصور من بين أسنانه التي تكاد تتحطم لشدة ضغطه عليها: كسّاب احمد ربك إنك ماوصلت لي ذا الاقتراح وجه لوجه



وإلا كان ذا الحين تجمع سنونك من القاع يالرخمة



فارق.. فارق لا بارك الله فيك من ولد!!!




حينها انفجر كسّاب بالضحك: شوف ياعمي.. ترا عيب عليك أنت وخالتي



هي تقول لي قوم ما أبي أشوفك



وأنت تقول لي فارق..



خلاص حرمت أصير وسيط..



أنت وإياها منتو بزارين.. هاك خذ رقمها.. وتفاهم أنت وياها



وأنا طلعوني من بينكم... وتراها ما تبيك ياسيادة العقيد..ولو أنت ما اقنعتها فيك تراني بازوجها ابي خلال ذا الأسبوع




حينها هتف منصور بغضب حازم: طلع زايد من السالفة..



وهات الرقم.. ومالك شغل.. وخالتك ذا الاسبوع اللي تشقق حلقك وأنت تقولها



بتكون في بيتي أنا.. ومرتي..

همس المشاعر
09-29-2011, 06:12 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء العشرون







"مبروك.. يقولون ناسبتوا آل كسّاب؟؟"




مهاب ينظر لصاحب الصوت المتهكم وعيناه العسليتان تلمعان ببريق إبتسامة



ليرد عليه بهدوء: الله يبارك فيك




غانم بنبرة ذات مغزى: وش إحساسك وأنت تزوج أختك لأخ اللي أنت نشبت في حلقها من كثر ماكنت تهينها..؟؟




مهاب انقلب هدوء صوته لصرير غاضب يصدر من بين أسنانه: غانم توك قبل كم يوم.. تقول ماعادنا طلاب في الكلية



وإلا أنت مشتاق لطقم أسنان جديد؟؟




غانم يرفع حاجبا وينزل آخر: وإلا أنت يمكن تبي كتفك الثاني ينخلع؟؟




مهاب يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم: غانم اقصر الشر..




غانم يهز كتفيه بهدوء: أنا قاصر الشر من زمان.. بس متعجب من تدابير ربي.. البنت اللي حرقت أعصابها بإهاناتك قبل 4 سنين



ربي ينصرها عليك ويصير إخيها نسيبك..




حينها مال مهاب على غانم ونظر له بنظرة مباشرة: وأنا متعجب من 4 سنين لين الحين وأنت حارق دمك بالدفاع عنها.. ما تعبت..




غانم بحزم: أنا ممكن أتقبل أي شيء إلا إهانة مرة.. لأن المرة ما يهنيها إلا الرخيص..




حينها تصلبت يدا مهاب بغضب وهو يوشك على الإطباق على جيب غانم بدون تفكير...



لأنه شعر أن غانما يوجه له إهانة مباشرة وبشكل مقصود..



لولا فوج كبير من (سكاي تراكس) دخل للتو لاستراحة الطيراين.. جعل مهاب يبتلع غضبته قسرا..



فزيارة السكاي تراكس التفقدية حدث كبير يتم انتظاره بحماس لأنه على ضوءه يتم تقييم درجة خطوط الطيران على سلم من خمس نجوم..



ولن يكون هو من يفسد هذه الزيارة.. لذا استرخى في مقعده وذكرى العراك السابق قبل أربع سنوات تعود لذاكرته...





.



.



.



قبل أربع سنوات..



كلية قطر لعلوم الطيران..





مزون تنسحب بحرج مر وهي تبتلع غصتها وعبراتها بعد موشح إهانات تفنن مهاب في إيلامها به كالعادة



وهي تحاول ألا تنزل رأسها حتى.. كانت تسير برأس مرفوع وخطوات ثابتة..



رغم أنها في داخلها تكاد تنكفئ على وجهها لرغبتها في الهرب من عيون الجميع




كان يقف في الزاوية يحترق حتى كاد يترمد.. يستحيل أن يسكت على مسخرة كهذه..



كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع مهابا يهين مزونا بهذا الشكل..



كان قد سمع من زملائه أطراف حديث عن هذا الموضوع.. ولكن هو لم يسمع.. ولم يتخيل أن مهابا قد يفعلها




وهاهو سمع مالم يصدقه.. بل واحترق بسماعه..



أي رجل يكون هو أن رضيَ أن تهان هذه الفتاة على مسمع منه دون أن يدافع عنها؟!!



وخصوصا إن كانت تبدو بهذا الطهر والنقاء الموجع بشفافيته



مغلفة باحتشامها ومعتصمة بأدب رفيع منعها من أن تنحط إلى مستوى المشاحنة مع رجل



مثلها تستحق أن تُصان.. وتُحمى.. وأن يقف مدافعا عنها..




وهكذا كان... اندفع خلف مهاب الذي كان قد وصل إلى سيارته في مواقف الكلية في زاوية غير واضحة



أمسك بباب مهاب قبل أن يركب وهو يصرخ فيه: أنت أشلون ترضى على نفسك تهين وحدة من بنات جماعتك بذا الطريقة



والله حتى المرة ما تسوي سواتك..




حينها نزل مهاب من سيارته وهو يدفع غانم: لي أنا تقول ذا الكلام يا غنوم..



أنا تقول لي مرة .. أنا؟؟




حينها اتخذ غانم وضعية قتالية: إيه مرة.. والله لا عاد تقول لبنت زايد آل كسّاب شي.. ياحسابك أنه معي..




حينها لكزه مهاب بعنف: تكلم على قدك ياولد




لم يطل العراك طويلا.. فكلاهما قوي البنية..



لكمات قليلة.. خلعت كتف مهاب اليسار.. ووخلخلت بعض أسنان غانم وأطاحت البعض الآخر..




ولكن بعد انتهاء العراك الذي لم يشهده أحد سوى بعض عمال النظافة الذين صمتوا متفرجين..



كان هناك ما يشبه العرف المكتوب..أن لا يصعدا الموضوع أو يأزماه..



فكلاهما من جماعة واحدة.. ولا يليق مطلقا ماحدث بينهما



لذا توجه كلا منهما لبيته.. ليذهب يعد ذلك للمستشفى بشكل منفرد حتى لا يربط أحد بين إصابتيهما



وهما يرفضان إخبار الشرطة بسبب العراك أو مسببه أو حتى من قام بالتعارك معهما!!!





حادثة بقيت في ذاكرة كل منهما..



توقف مهاب عن إهانة مزون.. ليس خوفا من غانم مطلقا.. وإنما لأن الفصل كان يوشك أساسا على الانتهاء



وهو لا يريد مشكلة جديدة مع ابن جماعته




وغانم بقيت أسنانه الجديدة تذكره دائما بمن منحته إياها.. كان يمازح سميرة أنها فعلت به خيرا.. لأنه كان يحتاج لتقويم أسنان



وبأسنانه الجديدة انتفت الحاجة للتقويم وهاهو يزداد وسامة بفضلها




ومزون لم تعلم مطلقا بالعراك الذي حدث من أجلها..



بل هي أساسا لم تكن تعرف غانما.. قد تكون لمحته في الكلية عدة مرات بشكل عابر..



ولكنه كان في سنته الأخيرة في الكلية.. وهي كانت لا تنظر مطلقا لأي زميل خارج إطار محاضرتها.. لذا معرفتها كانت محدودة بطلاب دفعتها فقط






.



.



.



انتهت الذكرى.. حدث كان بالأمس ومازال تأثيره يمتد لليوم.. فهل سيتجاوز اليوم للغد؟؟



.



.




مهاب يخرج خارج المطار لأنه كان اليوم هنا فقط من أجل توقيع بعض الأوراق



بينما غانم مغادر في رحلة ممتدة حتى الغد..




خارج المطار.. عبدالرحمن ينتظر مهابا.. بعد أن كان من أوصله وهاهو ينتظره..




دقائق من حوار اعتيادي هتف بعده عبدالرحمن ويداه على المقود..



ونظره مثبت أمامه: أنت من يوم قلت لي تعال وصلني المطار وأنا داري إن عندك علوم...



وصّلتك.. وهذا أنت طلعت... وعلومك ما بعد طلعت..




مهاب بمودة عميقة: علومي موجعتني يأخيك...




عبدالرحمن يبتسم: وعشان أختك ما تبيني.. تتضايق كذا؟؟




مهاب بدهشة: وش دراك؟؟ حد قال لك شيء؟؟




عبدالرحمن مازال مبتسما: يعني لذا الدرجة شايفني غبي... إن اللبيب بالإشارة يفهم..



يا امهاب جعلني الأول.. الدعوى بسيطة.. كفاية إني أنا أصير خال عيالك.. الله ماكتب لي حد من خواتك..



نصيبي مهوب عندهم.. ولا وهم نصيبهم عندي..وأنا الله أعلم وين بتحط رحالي..



الحين القرار يبي له تفكير.. ماعادني بصغير.. والزواج صار ضرورة لي



وعمري راح وأنا أرتجي نسبك... خلني الحين أرتاح من ذا الموال شوي.. استراحة محارب مثل ما يقولون..وعقب الله يكتب اللي فيه الخير..



ولا تظن أبد إن ذا الشيء ممكن يأثر على أي شي بيننا..




قد يكون فعلا لن يؤثر هذا الشيء مطلقا على العلاقة بين عبدالرحمن ومهاب



فالعلاقة بينهما تجاوزت أن يؤثر بها أي شيء مهما كانت قوته



العلاقة بينهما وصلت حتى التماهي والتمازج التام



حد توأمة الروح وتداخلها!!




ولكن هذا لا يمنع أن إحساس ضيق عميق وخانق وصل لعبدالرحمن وطمر روحه:




" أ لهذه الدرجة لم تجد إحدى ابنتي خالي فيَّ حتى ميزة واحدة تجعلها تقتنع بي؟!



أ لهذه الدرجة كنت سيئا وخاليا من الميزات؟!



وبعيدا عن كاسرة التي ما تمنيتها مطلقا لنفسها ولكن لكونها الشقيقة الكبرى فقط



كيف تفعل بي وضحى الرقيقة الشفافة التي تمنيتها لشخصها هذا؟؟



تمنيت بالفعل أن أبني معها أسرة حقيقية



تمنيت أن تكون هي بالفعل شريكة لحياتي وسكنا لروحي



كنت مستعدا أن أجعلها المرأة الأسعد في الكون



ولكن حتى حلم السعادة الذي أردت أن أمنحه لها استكثرته هي عليّ"








**********************************








عفراء ما زالت تجلس في صالة بيتها عاجزة عن القيام من مكانها.. ودوامات أفكارها تعصف بها..



لم يبق على آذان العصر شيء.. وتريد أن تسحب نفسها لتوقظ كساب ولكنها غاضبة منه بعد الكلام السخيف الذي قاله لها بعد الغداء



"خطبة وزواج وهي في هذا الوضع والظروف والعمر"




شيء في داخلها يطلب منها أن تفكر وتتمهل.. فربما بالفعل هي في حاجة ماسة للزواج ولوجود زوج في حياتها الخاوية بعد جميلة



تحتاج لإحساس مختلف بالأمان باتت تشعر بافتقاده



ولكن تفكير آخر اسمه جميلة يدفعها للرفض.. تخشى أن يؤثر هذا الخبر على نفسية جميلة وتقبلها للعلاج



من ناحية ثالثة لا تتخيل نفسها زوجة... اعتادت أن تكون أم فقط.. ماعادت تعرف حتى كيف من الممكن أن تكون أنثى تهتم بزوج وتعامله كزوج



فهي لا تعرف ان تتعامل إلا كأم ومعلمة فقط..



ولا تتخيل نفسها في دور آخر!!





تنهدت وهي تحاول أن تبعد ذهنها عن هذا التفكير.. فمازال لديها اليوم مشوارين آخرين..



لابد أن تنتهي من شبكة كساب اليوم.. حتى تذهب لأهل عروسه في الليل بالمهر والشبكة



فبالكاد يجدون وقتا للتسوق




وفي خضم كل هذه المشاكل والمشاغل هي عاجزة عن النسيان ولو لثانية.. تعتصر جهاز هاتفها بين كفيها.. كم تشعر بالعطش لسماع همس صغيرتها



تشعر أن قلبها أصبح كصحراء بور شققها الضمأ تنتظر أمطار همسات جميلة لترتوي..



كانت مازالت تحاول قهر نفسها حتى لا تتصل بخليفة الذي أزعجته لكثرة ما تهاتفه... حين فاجأها رنين هاتفها انتفضت (من سيتصل الآن؟)



رقم غريب.. لم ترد.. مرة ثانية وثالثة ولم ترد أيضا..



فهي لم تعتد أن ترد على أرقام غريبة.. وخصوصا لو كانت هذه الأرقام مميزة ومتسلسلة بهذه الطريقة التي تبدو مخيفة بفخامتها..



حينها وصلتها رسالة:




"مساش الله بالخير يا بنت محمد



أنا منصور بن علي آل كساب..



ردي علي لو سمحتي



عيب مخلين كساب مرسال بيننا



أعتقد إنه ناس في عمرنا الأحسن يتفاهمون بأنفسهم"




عفراء تنهدت بعمق: يا ثقل الطينة... وكاتب لي اسمه الثلاثي بعد... ليه أنا كم منصور أعرف



وبعدين وش ذا الوقاحة اللي عنده قال نتفاهم بنفسنا أحسن




حينها عاود نفس الرقم الاتصال.. تنهدت عفراء بعمق وهي تقرر أن تجيب.. فهي لا تجهل شخصية منصور.. وتعرف أنه حين يصر على شيء فلن يردعه شيء...



فبينهما 3 عناصر مشتركة هم ابناء شقيقتها وابناء شقيقه لذا فهي تعرف منصور وشخصية منصور جيدا...



تعرف كم هو عنيد ومتحكم ومتجبر لأبعد حد حين يريد.. وكم هو حنون ومرح لأبعد حد حين يريد أيضا




دفعت في صوتها أكبر قدر من الرزانة والثقل: هلا أبو علي..




صوته كان مثقلا بعبق رجولة طاغ غلفها بعمق مدروس: حيا الله بنت محمد




انتهت السلامات المعتادة بعبق احترام شاسع.. ليهتف بعدها منصور بحزم: أعتقد إن كساب بلغكم بالخطبة وأشياء ثانية غيرها




صمتت عفراء بخجل (وش ذا الوقاحة اللي عنده.؟! أنا على آخر ذا العمر أنحط في ذا الموقف)




كان منصور على وشك التكلم لولا أن عفراء قاطعت فكرته



وهي تهمس بهدوء حاولت أن تنحي عنه خجلها (فهي لن تسمح أن يتلاعبوا بحياتها):



يأبو علي.. أنا مرة ماعادني بصغيرة.. وأنت وولد أخيك مأخذيني لعبة وإلا شاه تقودونها من مكان لمكان



فاسمح لي.. إذا أنتو رضيتوها لي.. أنا ما أرضاها لنفسي..




منصور رد عليها بفخامة: محشومة يا بنت محمد.. الحين يوم أنا أبيش تجين تشرفيني وتشرفين بيتي.. يكون هذا ظنش فيني..؟؟




عفراء تنهدت لترد بحزم: وأنا خلاص ما أبي العرس.. ومن حقي..



بنتي لو أنها بصحتها كان يمكن أنا الحين جدة..وش عرسه اللي أدور له الحين




منصور بغموض: وهذا آخر كلام عندش..؟؟




عفراء بحزم: آخر كلام..




حينها رد عليها منصور بثقة طاغية: اسمعيني يا بنت محمد ..كسّاب مصمم إنش تزوجين



ولو ما وافقتي علي بيغصبش على زايد.. وأظني إنش عارفة إنه كساب ما يتفاهم واللي في راسه يسويه



فيكون من الأحسن لش توافقين علي أنا... بدل ما تنجبرين على زايد




عفراء أغاضها بالفعل لشدة ثقته في نفسه لذا همست بشبح ابتسامة أخفتها خلف رزانة صوتها:



وليش شايف نفسك خيار أفضل من زايد؟!!



لو أنا فكرت بالمنطق والعقل.. زايد خيار أحسن بكثير.. زايد هو أبو عيالي اللي أنا ربيتهم.. وبأكون معهم وفي بيتهم



وسامحني لو قلت إن زايد أخلاقه اسمح.. وطباعه أحسن من طباعك بواجد



عدا أني لو انطسيت في عقلي وبغيت أجيب عيال لأنه من حقي..



ما أعتقد إن زايد بيحرمني أني أكون أم عشان ماله مزاج يكون أب..




منصور ببرود متحكم: بلاها ذا الأسطوانة لأني ما أبي عيال.. وأعتقد إنه صار عندش خبر.. ومستحيل أغير رأيي عشان أرضيش



وبعدين يا بنت الحلال عندش بنت.. هي بتجيب لنا عيال. وأنا وأنتي بنصير جدانهم وندلعهم بدون ما يصدعون رأسنا..




لا تعلم عفراء لما شعرت بتأثر عميق شفاف وهو يذكر لها أطفال جميلة واستعداده أن يكون جدا لهم ومع ذلك أجابت ببرود:



وأنت ليش مسكت في موضوع العيال وخليت المنطق اللي يقول إن المنطق هو أني أوافق على زايد




منصور حينها هتف بنبرة غاية في التجبر والتحكم: والله لو كان آخر يوم في عمري مستحيل أخليش تأخذين زايد




عفراء باستغراب: ومن تكون عشان تفرض رأيك بذا الطريقة..




منصور بنبرة نفاذ صبر: تراش طولتيها وهي قصيرة... الليلة بأحط مهرش في حسابش...



وليلة الخميس بأجيب الشيخ ونملك.. وتجين لبيتي وانتهت السالفة..




عفراء بغضب: أكون بضاعة أنت اشتريتها.. وش ذا الأسلوب الهمجي.. عمري ما شفت واحد شايف نفسه كذا



أنا ما أبيك.. غصيبة هي؟؟




منصور ينتفض غضبا: ليه أنا وش عيبي عشان ترفضيني..؟؟




عفراء بانهيال غاضب: تبي بالمختصر وإلا بالتفصيل.؟؟..



عصبي ولسانك طويل.. ومطلق ثلاث نسوان بدون ذنب..



وثكنتك بتكون عندك في رأس القائمة وأنا في الذيل..



وتبي تحرمني من حقي أكون أم.. ..حتى لو كنت ما أبي.. مهوب من حقك تمنعني.. لأن هذا لازم يكون قرار مشترك...




منصور يبادلها الغضب بغضب مثله: ومعنى كذا إنه أنتي منتي بشايفة فيني أنا منصور آل كساب أي مميزات..؟!!




عفراء بنبرة سخرية مغطاة بنبرة هدوء مدروس: والله إذا الطول والزين عندك إنه يكون ميزة للرجّال.. هذا شيء ثاني!!




منصور حينها بدأ ينتفض غضبا متأججا مستعرا: أنا .. أنا منصور آل كساب.. مافيني من المميزات إلا الطول وما أدري ويش



وش عاد فرقي عن النخلة.. طول وزين وبدون عقل..



أنا تشوفين مافيني أي مزايا؟؟.. أنا؟؟ أنا؟؟



وإلا عيونش ما تشوف إلا العيوب بس...؟؟




عفراء مستمرة بغضبها وهي غاضبة في المقام الأول من نفسها



لأنها سمحت لنفسها أن تنحدر إلى هذا المستوى المتدني من أدب الحديث:



والله عيوني تشوف اللي هي تبي تشوفه.. وإلا بعد بتحكم في رأيي على كيفك..



وخلاص أتمنى أنك تلتزم حدودك.. وما تتصل فيني.. احترم سننا يا بو علي..








**********************************








"يا الله علوي.. احنا طالعين من بيتنا جايينش.. خمس دقايق ونلاقيش واقفة عند باب الحوش.. شنطتش على رأسش"




صوت علياء المرح: حشا بنغالية طاقة من كفيلها وجايين تهربوني..




سميرة تضحك: ليتش بنغالية كان لقينا منش فود.. يالله يا بنـيـ..........




بترت عبارتها وهي تشهق.. بينما كانت تعبر باب باحة البيت لخارج البيت



وترى سيارة تقف عند باب مجلس الرجال الخارجي وينزل منها شابان



لتتعلق عيناها بالمحيا الوسيم بنظرة عينيه الحزينة المغرقة في حزن شفاف...




بينما نجلاء جوارها تهزها: بسم الله عليش وش فيش يا بنت




ويصلها في ذات الوقت صوت علياء القلق والمرح في آن: سمور يالدبة وش فيش لا تكون روحش طلعت لمولاها عى ذا الشهقة..




سميرة عاودت التنفس وهي تهتف بإرتباك: مافيني شيء... روعتوني أنتي وإياها




بينما كانت تهتف في داخلها بوجل عميق:




"ياربي هذولاء أشلوني يجون وإبي مهوب راضي



الحين بيطفشهم .. وخربت السالفة كلها..



يا ربي.. وش ذا المصيبة؟؟



.



وبعدين وش فيه الأخ محزن كنه رايح يعزي مهوب يخطب؟! "








******************************








بداخل مجلس راشد آل ليث.. ثلاثة رجال.. وقلوب كل منها مشغول بهم..



مهاب أخبرته والدته اليوم أن يستعجل بخطبة سميرة من والدها لأخيه تميم..



لذا حينما قابل أبا غانم خارجا من صلاة العصر.. أستاذنه أن يزوره لسبب خاص



فأجابه أبو غانم أن يحضر لقهوة العصر عنده..



مهاب متوجس أن تفسد علاقته المتوترة بغانم هذا الموضوع بأكمله!!





أبو غانم غارق في هم آخر.. طلب منهم أن يأتوا في هذا الوقت بالذات لأن غانما متغيب في رحلة لن يعود منها إلا غدا



وهو لايريد أن يتصادم مع أي أحد قبل أن ينفذ مافي رأسه.. حينها فليغضب من يريد أن يغضب..




لا يريد أن يُعلم شقيقه خالد ولا أبنائه.. حتى لا يجد أحدهما نفسه مضطرا أن يتزوج "سليطة اللسان" التي لم يخجلا من التجريح بها أمام والدها



وخلف هذا الغضب الوقتي.. غضب أعمق بكثير



غضب اسمه نجلاء وصالح..




فراشد متردد بالفعل أن يربط ابنته الثانية بابن شقيقه الذي سيكون فهد غالبا مع تحكم العادات الإجتماعية المعروف



فإذا كان صالح الأكثر رزانة بينهم والأكثر دماثة في أخلاقه.. فعل بنجلاء التي هي أعقل بكثير من سميرة ما جعلها ترفض أن تعود له كل هذه الشهور



فكيف سيكون حال فهد وسميرة؟!!




تلوح له في الآفاق مشاكل هو في غنى عنها



وهم في الختام من أرخصوا ابنته وسخروا منها... لذا لا يريد أن يتزوج فهد من ابنته تحت وطأة الإحساس بالمسؤولية والواجب



سيزوجها ممن تريده هي.. وفي لختام سيكون ذنبها عليها.. لأنها من اختارت



بينما لو أجبرها على ابن عمها.. ثم حدث بينهما مشاكل مستقبلا.. ستلقي اللوم عليه فورا..






تميم.. العالم الصامت.. الزاخر بالسكون.. يشعر تماما كما المثل (أطرش في زفة)



هاهو شقيقه مهاب يخطب له.. ويبدو أنهما يتناقشان في تفاصيل شيء ما



بينما هو يجهل حتى ما الذي يدور في خطبته.. يستطيع أن يقرأ القليل من لغة الشفاه.. ولكنه لم يحاول حتى النظر لشفافهم التي تتحرك بسرعة




متعب من كل هذا..



مــتـــعـــب!!!



ولا يشعر حتى بأي رغبة لهذا الزواج..



يعلم أنه مازال صغيرا في السن.. واستعجاله على الزواج كان لمجرد أن يجد شريكة روح يستطيع أن يتحاور معها كلما أراد..



الآن أي حوار سيصنع مع هذه التي يعرف جيدا أن لديها طاقة حديث تكفي جيشا من النساء؟!!



كيف سيحتوي ضوضاء حديثها؟!!



وكيف ستحتوي هي سكون صمته؟؟!!



كيف ستكون بجنونها الدائم سكنا لروحه المثقلة بالهدوء؟!!



أي حياة تنتظرهما معا؟؟




أخرجه من أفكاره.. مهاب يهزه برفق.. لشير له الإشارة الصدمة:



أبو غانم يقول لك يبي يملكك الليلة..




أُلجم تفكيره وعروق يديه جفتا وأنامله تتخشب عن الإشارة.. بينما مهاب أكمل الإشارة بإبتسامة:



يا الله .. وإن شاء الله يصير عرسي وعرسك في ليلة وحدة..




تميم بحركة ميتة أشار: توكل على الله...




حينها التفت مهاب لإبي غانم وهتف باحترام: نسبكم ينشرى بالذهب يأبو غانم بس مهوب ودك ننتظر غانم.. أدري عنده رحلة على خطنا الجديد



ومهوب راجع إلا بكرة




راشد بحزم: غانم لاحق خير... بيحضر العرس إن شاء الله.. ماعقب الموافقة إلا الملكة.. هذا السنع



جيب الشيخ عقب المغرب وجيب اللي يعز عليك من ربعك..




مهاب باحترام: اجل العشا عندنا الليلة.. علّم جماعتك وربعك...








*******************************************








"أنتي يالخبلة بغيتي تدعمين في الرجال



والله العظيم منتي بصاحية.. من يوم طلعنا وأنتي حالتش مهي بطبيعية"




سميرة ترد على عالية بتوتر وضيق عميقين: مافيني شيء




عالية تشدها لجوارها: علي يا سمور..




سميرة تشعر أنها مختنقة: مافيني شيء.. بس تعبانة وأبي أرجع البيت..




كانت تتحاوران حينما شدتهما نجلاء: يا الله نرجع البيت.. إبي كلمني ويقول ارجعوا الحين..




سميرة بتوتر أكبر وقلق موجع بدأ يتصاعد في روحها: ليه؟ وش فيه؟؟




نجلاء باستعجال: تبيني اقعد أحقق مع إبي؟؟.. قال لي ارجعوا الحين البيت.. قلت له إن شاء الله



امشوا وندري وش السالفة...




عالية بمرح: خلاص أنا بأروح معكم لبيتكم.. بأنام عندكم دام غانم مسافر الليلة...







*******************************








"خليفة تكفى.. قل لهم يشيلون المغذي عني



أنا صرت آكل زين الحين.. إيدي مزرقة من أثر الأبر"




انتشله همسها المتعب من جريدة عربية كان يتصفحها.. طواها جانبا وهتف لها بحنان:



هم أساسا ببشيلونها.. بس باقي الليلة آخر جرعة دوا بيحطونها في الوريد..باجر إن شاء الله بيشلونها




لا ينكر أنه مع الأدوية تحسن تناولها للطعام.. ولكن زادت عصبيتها كثيرا وهي تثور لأتفه سبب ثورة عارمة..



ولكنها على الطرف الآخر أيضا أصبحت ترحمه من ثوراتها لساعات طويلة تقضيها في النوم أو حتى غارقة في صمت غريب



يشبه ما تغرق فيه الآن..




هذه المرة كان هو من انتشلها من صمتها وهو يهتف بحماس مصطنع: أشرايج باجر لا شالو عنج المغذي أطلعج للحديقة شوي



عندهم حديقة.. شنو حديقة.. والله خيال..




جميلة أدارت وجهها للناحية الثانية وهمست بذبول: ما أبي.. مالي نفس أشوف شيء..




خليفة لم يهتم لرفضها: إلا بنطلع.. والأسبوع الياي بأطلعج تشوفين بحيرة أنسي والبياعين اللي حولها.. بتستانسين وايد




تركت كل ماقاله وسألته في اتجاه وجع آخر: أمي كلمتك.. وإلا عمي زايد؟؟




خليفة بحذر توقعا لثورتها القادمة: كلهم كلموني.. يسلمون عليج وايد وايد..




ولكنها ويالا الغرابة لم تثر.. لم تصرخ.. بل سالت دموعها بصمت وهي تهمس بصوت مبحوح مقهور ممزق ألما:



وكالعادة ماحد منهم طلب يكلمني.. قطوني هنا عليك ونسوني...كنهم ماصدقوا يخلصون من همي وينسون إن لهم بنت



حتى أنت تكرهني وتدعي ربك متى يخلصك مني وأموت عشان أنت ترتاح..




أنهت جملتها ثم أدارت جسدها لتولي ظهرها لخليفة.. وتطلق العنان لدموعها لتنساب بغزارة وجعها العميق..



وروحها المثقلة بوجع التجاهل والنكران ممن ترتجي حنانهما ووصلهما ودفء أصواتهما وروحها تغرق في الصقيع بعيدا عنهما



أمها وعمها زايد...







********************************









قبل صلاة المغرب.. والفتيات رجعن.. نجلاء وعالية كل ما خطر ببالهن أنه لابد عشاء للرجال لذا طلب راشد عودتهن..



لكن سميرة كانت تشعر بألم في بطنها.. وحاستها السادسة تنبئها أن هناك شيئا آخر..



لم يخطر عقد القران ببالها مطلقا.. وإنما كانت تخشى أن والدها يريد معاتبتها على خطبة تميم ربما



لذا حينما نادتها والدتها في الأسفل.. بينما نجلاء وعالية كانتا في الأعلى



كانت ترتعش ..مطلقا ليس خوفا من والدها ولكن احتراما له وخشية من إغضابه..



وخشية من الانهيار التام لحلم حياة باتت تحلم بها مع تميم





حين دخلت... كان والدها يجلس بجوار والدتها.. ولم يفتها أن والدتها كانت تمسح دموعا تحاول إخفائها عنها..



شعرت أن عبرة كبيرة سدت مجرى التنفس عندها.. هل هناك من حدث له مكروه ما؟!!




أشار لها والدها أن تجلس جواره.. احتضن كتفيها بحنان وهمس بخفوت خلفه رجاء عميق معقد: تبينه وإلا لأ؟؟



هذي آخر فرصة قدامش تتراجعين



تراهم بيجيبون شيخهم عقب الصلاة.. تبينه.. توكلنا على الله... ما تبينه.. كلمتهم الحين وقلت لهم الوجه من الوجه أبيض




انتفضت سميرة بعنف: من؟؟




أبو غانم بدت الكلمة عسيرة على لسانه: تميم آل سيف..




سميرة صمتت بخجل والصدمة تلجم لسانها.. لم تتوقع أن الأمور قد تتيسر بهذه الطريقة.. لابد أنها دعواتها الطويلة لله عز وجل!!




راشد استحثها لترد بينما دموع أم غانم باتت عاجزة عن إخفائها..



همست سميرة باختناق: أبيه إذا أنت وأمي راضيين..




أبو غانم يشعر بوجع عميق لا حدود له أخفاه خلف حزم صوته: أنتي اللي بتعيشين معه.. المهم تكونين أنتي راضية ومقتنعة..




سميرة هزت رأسها وقفزت لتهرب.. بينما أبوغانم هتف خلفها: لا تقولين لنجلا وعالية شيء لين تخلص الملكة..




ولأن سميرة بلغ توترها الذروة.. قررت أن تستحم حتى تحين صلاة المغرب.. عالية طرقت عليها الباب عشرات المرات: حشا سحتي في البانيو.. هذا ياختي وأنتي تولعين من البياض تسبحين ذا الكثر



وش خليتي للي مثلي...




انتهى عقد القران.. ونجلاء وعالية غائبتان عن الحدث لأنهما مشغولتان بالحديث حينا أو اللعب مع خالد وعبدالعزيز حينا آخر..




بعدها عادت سميرة بأقدام تنقلها بتثاقل.. ومشاعر ملتبسة غامضة.. تشعر أن ذهنها تعطل عن التفكير



هل حقا أصبحت زوجة لتميم؟؟



هل حقا حدث هذا؟؟



هي وتميم؟!!




تحاول أن تتذكر متى بدأ إحساسها الغريب بتميم فلا تتذكر..



هل وهي مازالت في المرحلة الإبتدائية؟!!



وهي تراه واقفا أمام الباب مباشرة يكاد يغوص في أفواج الناس المتدافعة خارج المدرسة..



صامت ساكن.. لا تتغير ملامح وجهه



وكأنه في عالم آخر بعيد عن ضوضاءهم..وجسده الهزيل صامد أمام الدفعات..



حتى يرى وضحى.. حينها يشرق محياه البريء بشيء يشبه ابتسامة..



وهو يطبق على أنامل شقيقته.. ويشدها خارجين من الزحام..





"كم وقفت بجوار وضحى.. وأنا أتمنى أن يمنحني شيئا يشبه الإبتسامة ذاتها



هذه المعجزة المجهولة التي كانت ترتسم على وجهه



كنت أستغرب أن مثله يستطيع الإبتسام



لو عجزت يوما عن الكلام.. سأسيل كل دموع الأرض



فكيف وهو يمضي حياته غارقا في الصمت؟!



.



الأيام مضت.. ونحن كبرنا.. وهو لم يلتفت لي يوما..



لا أعتقد حتى انتبه لوجودي بين هذه الأفواج



هل كنت إلى هذه الدرجة غير مرئية..؟!




بعدها ماعدت أراه.. حتى تخصصنا أنا ووضحى ذات التخصص



أراه معها يوصلها أو يأخذها



مازال كما كان.. إلا أنه ازداد وسامة.. وطولا.. وصمتا..



وابتسامته.. آه يا ابتسامته... زادت سحرا وغموضا..




لن أخدع نفسي وأقول أني أحبه أو حتى أحببته



ولكني تمنيته كشيء مستحيل



تمنيت ابتسامته ..سحره.. عمقه.. هدوءه.. وصمته




ثم أنه لن يشاحنني يوما.. لن يقول (اسكتي ايتها البلهاء طويلة اللسان) مهما تكلمت..



لن يقول (رأسي يؤلمني يا ثرثارة)



والأهم الأهم ..لن يستنقص يوما أمي التي أراها الأم الأعظم في العالم



والتي لو تجرأ زوجي يوما على المساس بها سأمزقه إربا بلساني وأسناني



قد أكون شجعت نجلاء على العودة لزوجها.. لكن نجلاء شخصيتها مختلفة عني



ونجلاء يربطها به أطفال



ولو كان زوجي.. لربما أثرت فضيحة ...لن أكون عاقلة حينها كنجلاء



لذلك نحيث أبناء عمي عن تفكيري تماما.. أردت أن أبتعد عن مجرد فكرة الارتباط بواحد منهم بعد ما فعله صالح بنجلاء



تميم ظل دائما منزويا في ذاكرتي الخيالية التي صنعت منه مخلوقا أشبه بالخيال



لأني كنت أعلم أنه يريد واحدة بحالته



لكن ما أن أخبرتني وضحى أن أمه تبحث له عن عروس سليمة..



حتى قفز لبؤرة الذاكرة والشعور



وحتى سارعت للاعتراف برغبتي للحصول عليه



فهو الزوج المثالي تماما بالنسبة لي



ولن أضيعه من يدي مطلقا"




الأفكار تلتهم سميرة وهي تدخل لغرفة ابناء نجلاء



كانت عالية تتقاذف بالمخدات مع ابني شقيقها.. وصراخهم يتصاعد



سميرة جلست بصمت... هزت نجلاء كتفها: هييييه وش فيش؟؟




سميرة بصوت مبحوح: أنا تملكت..




حينها انفجرت الاثنتان في الضحك.. وعالية تهتف مع ضحكاتها: حلوة ملعوبة يا بنت...




سميرة بهدوء مختنق: والله العظيم تملكت تميم بن ناصر آل سيف الحين..




نجلاء انقلب وجهها: أنتي من جدش؟؟




سميرة تبتلع ريقها: والله العظيم من جدي..




حينها قفزت نجلاء تصرخ بغضب: ومتى صار ذا الشيء؟؟




سميرة بتردد: خطبني قبل يومين.. وتملكنا قبل شوي..




عالية وقفت وهي تلبس لباس الجدية الذي ما أن تتسربل به حتى تتحول لمخلوقة آخرى مختلفة..



رفعت هاتفها واتصلت بحزم: هزاع... دقيقة وتكون عندي أنا في بيت عمي راشد



بتلاقيني انتظرك في الحوش...




بدأت ترتدي شيلتها وعباءتها وهي تهتف بحزم شديد: أرخص من ذا الحركة ما شفت في حياتي..



نعنبو دارش بنت عمش وصديقة عمرش تدسين علي موضوع مثل ذا.. يعني خايفة أقول لأخواني يقرعون مثلا..



يأختي من عافنا عفناه لو كان غالي... وعقبها تملكين وأنا عندش في نفس البيت وماحتى تقولين لي...



الله يهنيش بالأطرم.. غطيه على قلبش لا حد يخطفه




عالية أنهت كلماتها القاسية التي شعرت بها سميرة كما لو كانت تخترق عمق روحها بقسوة.. وخرجت فورا... بينما نجلاء بقيت مذهولة..



لتهمس بعدها بكلمات مبتورة: زين عالية وخفتي تقول لعيال عمي يقرعون



أنا أختش.. أختش.. طول اليوم وجهي في وجهش



وصار لي يومين أقول لش أنتي متغيرة.. تقولين لي مافيه شيء..



أحايلش.. وش فيش ياقلبي؟؟ تكذبين علي وتقولين ولا شيء.. ضغط دراسة بس




هذي آخرتها.. تدسين علي موضوع مثل ذا... تحرميني من أنني أفكر معش حتى



وأمي وأبي أشلون يدسون علي موضوع مثل ذا.. ما كني ببنتهم الكبيرة



صرت غريبة عنكم كلكم..



صرت عدوتكم..




سميرة بدأت دموعها تنهمر بغزارة وهي تنتحب بصمت في داخل روحها.. وفرحتها تُنتهك تماما.. من التجريح للعتب لأقسى ألوان الإيذاء النفسي



لماذا كل هذا؟؟ لماذا؟؟



ماذا يهمهم من تراتبية الحدث... المهم هو الحدث.. لماذا رفضوا مشاركتها فرحتها؟!!



لماذا استكثروا عليها هذه الفرحة؟؟



لماذا الإصرار على تشويهها وإفساد وجهها الزاهي بهذه القسوة؟؟




نجلاء كانت تذهب وتعود كالمجنونة.. وأنفاسها تتسارع بصوت مسموع مؤلم...لأنها كانت تحاول منع نفسها من البكاء



كانت تشعر بغبن شديد.. تشعر كما لو كانت تقف على قمة جبل ليُلقى بها من فوقه وتجد نفسها تنحدر للسفح بلا مقدمات



وعظامها تسحق بكل قسوة وحشية




" شقيقتي الوحيدة يعقد قرانها وأنا معها في البيت دون أن أعلم بأي شيء



أي قسوة هذه؟



أي نكران؟؟



أي تجاهل؟؟



ثم كيف ترمي بنفسها هذه الرمية الشنيعة دون أن تستشيرني حتى



وكيف أمي وأبي يبعدونني بهذه الطريقة



أ هان عليهم أن يفعلوا بي ذلك ؟!!



ماذا فعلت لأستحق منهم كل هذه القسوة الموجعة؟!!"





فجأة التقطت هي أيضا هاتفها لتتصل برقم معين ثم تهمس بحزم شديد:



أبو خالد تعال أخذني بعد نص ساعة لو سمحت.. بأكون لميت أغراضي وأغراض عيالي



أنا الليلة مستحيل أبات في ذا البيت

همس المشاعر
09-29-2011, 06:13 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الحادي والعشرون








بدايات ليل الدوحة..



الليلة الجو حار.. مع رطوبة خانقة.. اختبأ منها الناس في أحضان التكييف..



ولكن من كانت الحرارة في جوفه.. وماهو أكثر لزوجة وأشد وطأة من الرطوبة يكتم على أنفاسه



فإلى أي أحضان يلجأ؟؟؟






*******************************








صالح يقف في باحة بيت عمه.. ينتظر.. وفي قلبه طبول حرب مسعورة ترتفع دقاتها بوجيب متراقص لا هوادة فيه




"ما الذي حدث؟؟ ما الذي جعلها تعود بهذه الطريقة؟؟"





في الداخل نجلاء تقبل رأس والدها ووالدتها.. ورغم عتبها العميق عليهما لكنها لا تستطيع التصريح ولا حتى مضايقتهما



أبو غانم يهتف بحزم: أنتي مقتنعة بالرجعة لصالح؟؟ ترا السالفة مهيب لعبة..




نجلاء بهدوء تحاول إخفاء غصاتها الموجوعة خلفه: أكيد مقتنعة.. أنا وأبو خالد صفينا اللي بيننا..



وصالح عشرة عمر وأبو عيالي.. ما أرخصه ولا يرخصني




أم غانم كانت تحتضن حفيديها ودموعها التي أبت اليوم أن تتوقف مازالت تسيل بغزارة..



عاجزة عن احتمال كل ضغوطات اليوم ومواقفه..




سميرة كانت تنظر لهم من الأعلى عبر حاجز الدرج



وهي تجلس على عتبات الدرج في زاوية مخفية وهي تكتم شهقاتها التي تكاد تمزق صدرها لرغبتها في الانفلات..



عاجزة عن التنفس.. تخشى أن يفضحها تنفسها فيرتفع عويلها المكتوم..



تكاد تموت من شدة الوجع..



تريد فقط أن تقبل خد نجلاء..أن تبعثر شعر خالد وعبدالعزيز وتقرص أنوفهم...



لِـمَ يبدو كل شيء كثيفا ومعقدا هكذا؟؟



لماذا لا تستطيع الركض للأسفل وتنفيذ كل ما تريد...



تُشبع روحها من رائحة نجلاء وطفليها..



تخبرها كم تحبها!! وكم ستشتاق لها!! وكم هي سعيدة أنها ستعود لتأديب صالح!!



تريد أن تقول لها (أدبي صالح حتى يبكي).. تريد أن تسخر منها وبها ومعها.. تريد لمسة من أناملها ونظرة من عينيها الحانيتين..



تريد أن تمسح على خصلات العسل.. وتقول لها: كيف يكون فطوري بدون عسل؟؟



تريد أن تثرثر كثيرا.. وتصرخ بجنون..



وتنثر ضوضاءها في مكانها!!




ولكنها بقيت تنظر لهما بجوع روحها الحاد.. حتى رأت نجلاء تخرج تشد طفليها



لتركض حينها لتنظر لهم عبر نافذة الصالة العلوية..



تشهق بوجع وعيناها تغيمان وهي ترى نجلاء تفتح الباب الخلفي لتركب أطفالها



ثم تركب بجوار صالح الذي وهبها نظرة عاشق أثقله الاشتياق!!




.



.





نجلاء ركبت بجواره وهي لا تشعر بشيء مطلقا



فوجعها من أسرتها اليوم غطى على كل وجع.. مشبعة بألم شفاف انغرز في روحها



كانت صامتة.. بينما الرجل بجوارها يشتعل..



لم يتحادثا مطلقا.. لم يسألها حتى لماذا عدتِ .. ولن يسألها...



يكفيه أنها عادت لأحضانه أخيرا ..فلن يكون أبدا كما المثل الشعبي (قالوا له هاك خير.. قال ماعندي ماعون)



فهو بأكمله (ماعون) ووعاء لها..




نجلاء وصلت لبيت عمها.. استقبلتها أم صالح بحفاوة غامرة.. حاولت أن تجامل أم صالح بدماثة



ثم اعتذرت أنها تريد ترتيب أغراضها



صالح طوال حوارها القصير مع والدته وهو جالس مشغول بمراقبة تعبيرات وجهها الذي أضناه الاشتياق لكل تفصيل صغير في ثناياه



ولم يفته ملاحظة تفصيل جديد.. (حزن جديد يرتسم على محياها)



بدت له حزينة جدا.. وكم آلمه أن تكون حزينة هكذا وهو لا يعرف السبب.. آلمه حتى العمق أنه لا يستطيع أخذها في حضنه..أو مسح حزن عينيها



فربما لم يكن لها من أسباب الحزن سببا عداه!!




حين وقفت.. وصعدت.. تمنى أن يصعد خلفها.. يفتش في روحها..يستكشف خباياها..



يريد أن يطمئن أنه مازال هناك..بأي صورة كانت.. المهم أنه هناك.. مازال ينقش اسمه في حناياها



ولكنه شعر بدون أن تتحدث أنها تحتاج للاختلاء بنفسها..



لم يكن يريد تركها وحيدة..




" أ تريد لها ملجأ سواي؟!! أ تريد صدرا ترمي عليه همومها عدا صدري؟!!



أ تخبئ حزنها حتى عني أنا ونحن من اعتدنا على اقتسام كل شيء حتى التجريح والحزن؟!!



أ تريد أن تهرب بحزنها عن مداي لتعانيه وحدها؟؟



أي قسوة هذه؟!!



أن تحزن لوحدها دون أن تسمح لي ان أحمل الحزن معها؟!!



وأنا أعلم أنها ألتجأت إلي ختاما.. كنت أنا من خطرت ببالها عندما ضايقها شيء لا أعلم ماهو



ثم بعد ذلك كله أشعر أن كل ما تريده هو أن تختلي بنفسها



بينما أريد أن أكون بينها وبين نفسها



بينها وبين أنفاسها



بينها وبين عظامها "




ولكنه أجبر روحه على الإنسحاب.. قرر أن يأخذ ولديه ويذهب بهما ليعشيهما خارجا..بما أنهما في إجازة الآن..



أراد أن يلتهي بهما.. وأن يتيح لأمهما فرصة التنفس بعيدا عن الإنشغال بأي شيء..




وبالفعل وصلت نجلاء لغرفتها لتغلق بابها عليها.. وتنهمر في دموع مثقلة بالجرح والقهر..



(فجرح ذوي القربى أشد مضاضة... على النفس من جرح الحسام المهند) كما قال الشاعر..




صالح بعث لها رسالة يخبرها أنه أخذ الولدين.. ثم أغلق هاتفه.. لم يكن به رغبة للتحادث مع أحد..



لذا لم يتلق اتصال عمه الذي أراد إخباره بملكة سميرة.. وكذلك اتصالات والده الغاضبة بعدها..








***********************************








"ياي ياخالتي.. ما تخيلتها حلوة بذا الطريقة



مافيه حتى كلام يوصفها.. تجنن تجنن تجنن"




عفراء تبتسم بحنان لحماس مزون المتدفق وهما تركبان السيارة خارجتين من زيارة لعروس كساب بعد أن أحضرا لها شبكتها ومهرها



وتهمس لها بمودة: عجبتش يعني؟؟




مزون بذات الحماس: عجبتني وبس.. أنا انسطلت ودخت وسحت بمعنى الكلمة..



صدق إذا هذي ما تفكك عقد ولد أختش يكون خلاص مافيه رجا..



ثم أردفت بحذر: بس ما لاحظتي خالتي نهائي ما ابتسمت..




رغم أن عفراء لاحظت ذلك ولكنها قالت بهدوء: تلاقينها مستحية شوي..




مزون بذات الحذر: بصراحة ما أعتقد إنه سحا.. لأنه ماشاء الله من الجلسة الأولى تعرفين إن شخصيتها قوية وردها حاضر



صراحة هي كانت قمة في الذوق واللباقة ما أظلمها.. بس بعد ما أدري.. حبيت أشوف ابتسامتها




عفراء تهز كتفيها: يمكن عندها شيء شاغلها في شغلها وإلا حياتها... يعني بالش لا يروح بعيد...




مزون تبتسم: بس أشلون هذي أخت امهاب وإلا حتى أمها واختها كلهم ذوق..



سبحان الله من البصل يطلع عسل




عفراء بحنان: أول مرة أسمعش تقولين اسم امهاب وانتي مبتسمة..




مزون هزت كتفيها وهي تسحب نفسا عميقا ثم تزفره: تدرين خالتي.. امهاب بيظل من أسوأ ذكرياتي وعمر ذا الشيء ماراح يتغير



لكن عشانه صار نسيب كساب.. لازم أتعود على اسمه وأحاول أظهر تقبله مهما كان صعب علي..



ما أقدر ما أسوي كذا.. ما أبي شيء يحز بخاطر مرت كسّاب




.



.




وغير بعيد.. في داخل البيت..




صوت مزنة الغاضب: يعني كان صعب عليش تبتسمين للناس لو ابتسامة صغيرة من باب المجاملة



الناس ماباقي شيء ماجابوه لش.. ومتكلفين ومكلفين على نفسهم.. جامليهم.. بيني نفسش مبسوطة فيهم..




كاسرة بهدوء: قعدة وقعدت معهم.. وترحيب ورحبت.. وسوالف سولفت.. ماعاد باقي إلا الابتسامة تبين أغصب نفسي عليها..




مزنة تتنهد وهي تتماسك لتهمس بهدوء: يامش هذولا هم المرتين الوحيدتين اللي يقربون لرجّالش..



احترام له وتقدير وعشان إن شاء الله تكسبينه.. لازم تكسبينهم




كاسرة ببرود: الحين ذا الرجال اللي قبل كم يوم ما أعرفه حتى.. صار لازم أجامل حتى اللي يقربون له عشان سيادته يرضى



عنه ما رضى.. بالطقاق اللي يطقه... أنا أعامل الناس مثل ما أحب أنهم يعاملوني.. مهوب عشان أرضي أي أحد..




مزنة بنفاذ صبر: كل شيء لازم تحولينه لساحة حرب... الله يعين كسّاب عليش.. هذا وأنتي موافقة عليه برضاش



خليني أروح أشوف عشا الرياجيل أحسن...





تنهدت كاسرة بعمق..



لم يكن صعبا عليها مطلقا اصطناع ابتسامة مجاملة تظهر سيطرتها التامة حتى على ردات فعلها




" ولكني كرهت أن ابتسم أمامهما...



فربما ينقلون لذلك التافه الأرعن أنني كنت مبتسمة..



فيجن سعادة لأنه سيظن أني سعيدة به



بينما أنا أرثي لحالي الذي أوقعني بين براثن ذلك الطفل المتفاخر بعقله الخالي من أي تفكير أو تحكم...



يا الله أي حياة تنتظرني معه؟!!



هل هو شر ما كتبته لي أو خير؟!!



أرجوك يا آلهي ألهمني الصواب.. القلق يأكلني.. أشعر كما لو أن حياتي تقف على شفير الهاوية



فهل يكون مصيري أن تلقيني فيها يارب؟!! "








*******************************








المجلس محتشد.. عشاء ملكة تميم..




زايد استغرب موافقة كسّاب أن يأتي معه للعشاء.. حتى وإن كانوا أصبحوا أنسبائه..



لم يكن يعلم أن هناك موال في رأس كسّاب جاء لتنفيذه



وهاهو ينفذه بالفعل.. وهو يميل على أذن مهاب يحادثه بصوت منخفض.. فيقف مهاب وهو يهز برأسه..




زايد بتساؤل يهمس لكساب الجالس جواره: وش قلت لامهاب؟؟




كساب بهدوء يخفي خلفه ابتسامة خبيثة: قلت له أبي أسلم على عمتي..



مالحقت أسلم عليها عقب الملكة.. وعيب في حقي لحد الحين ماسلمت عليها...



فقلت له يفضي لي درب ويعلمها..




لا يعلم زايد أي شعور ملتبس شعر به...



" أ حقا سيراها ابنه؟؟.. بل قد يطبع قبلاته على رأسها كما هو مفترض.."




شعور كثيف شديد التعقيد بدأ يخترم روحه... كان بوده لو أستطاع أن يمنع كسّاب من رؤيتها



لا يعلم لِـمَ يشعر أن رؤيته كساب بعد أن يراها قاسية على روحه..



أن يعلم أن ابنه استطاع أن يرى من لم يرها منذ أكثر من 30 عاما مضت..



وما زالت في ذاكرته هي ذاتها الصبية المشتعلة حسنا في بخقنها المطرز بالزري..




"هي ذاتها ذلك الحسن الذي لا مثيل في ذاكرتي :



خداها المحمران على الدوام..



عيناها الذكيتان المشبعتان سحرا وسوادا وشقاوة..



شفتاها النديتان التي تميلان بكسل مهيب حين تنفث سحر كلماتها أو حتى مجرد غضبها الشقي الدائم



إلى أي مدى تغيرت؟؟



ماذا أخذت منها السنوات؟؟ وماذا أضافت لها؟؟



أ يعقل أن نظرة التمرد المتدفقة بالحياة تلك التي كانت تضيء عيناها قد انطفئت؟؟



أ يعقل أن ذلك اللسان السليط المتفجر بمقذوفات العبارات قد أُلجم؟!!



أ يعقل إن تلك الحيوية التي تسري في عروقها حد التشظي قد تضاءلت وذبلت؟!!



ماذا بقي منكِ يامزنة؟؟ ماذا بقي؟؟ "





مهاب عاد لكساب وهو يشير له بعينيه.. ليخرج معه لمقلط الرجال ثم إلى داخل باحة البيت..



وعينا زايد تتبعانهما ومشاعر كثيفة معقدة تطوف بجوانحه..





في الداخل.. قبل دقيقتين ..



وضحى تقتحم غرفة كاسرة وهي تطل مع نافذتها وتهتف بحماس:



تعالي تعالي.. ما تبين تشوفين رجّالش؟!!



امهاب توه كان عند أمي.. يقول إنه بيجي يسلم عليها..




كاسرة كانت تمسح زينة وجهها التي بقيت من أثر تزينها لمقابلة خالة كسّاب وأخته



همست بدون اهتمام: ما أبي أشوفه.. خله يسلم ويتسهل...




وضحى باستغراب: معقولة ما تبين تشوفينه؟؟ تعرفين شكله على الأقل




كاسرة بنبرة عدم الاهتمام ذاتها: شفته اليوم الصبح.. وشكله ماشي حاله.. مقبول..




وضحى باستغراب شديد: وين شفتيه؟؟ ومتى؟؟




كاسرة بهدوء بارد: هو جاني بنفسه في مكتبي..




وضحى بصدمة كاسحة: معقولة؟؟؟ من جدش؟؟.. بصراحة حركته جريئة واجد..



ثم أردفت بحماس وهي تعاود التمركز عند النافذة المطلة على الباحة: شوقتيني أشوفه أبو الجرائة ذا...



بصراحة خطير وما عنده وقت أبونا ذا




وضحى تركز نظرها على الرجل الذي يعبر الباحة بجوار مهاب متجهين لمجلس الحريم الذي بابه يفتح على الباحة..



وظلت عيناها معلقتان به حتى غاب عن مدى بصرها



لتلتفت لكاسرة وهي تضيق عينيها وتهمس بنبرة ذات مغزى:



أنتي متأكدة أن اللي شفتيه اليوم الصبح هو رجالش نفسه؟؟




كاسرة وقفت وهي تستخرج روبها من الخزانة حتى تستحم وتهتف بدون أدنى اهتمام: قلت لش شفته هو نفسه.. خلاص سكري السالفة




ابتسمت وضحى: بس هذا ما ينقال عليه أبد ماشي حاله..



أنا من يوم شفتش تقولين على منصور آل كساب ماشي حاله



وأنا عارفة إنش عندش خلل في النظر..




حينها هتفت كاسرة بحزم: وضحى عيب.. احترمي أني أختش الكبيرة..




وضحى مازالت تبتسم: أنتي ماعندش تايم آوت..ما تعبتي من الجد..



خليني أعبر عن رأيي في رجّال أختي.. صحيح عمه أحلى بواجد على مستوى الوسامة..



بس هذا يأختي موت موت مووووووووت.. جذاب زيادة عن اللزوم..



أشلون استحملتي تشوفينه من قريب؟!!




حينها وجدت كاسرة نفسها مجبرة على الابتسام: صدق ما تستحين.. تغزلين في رجّالي وأنا أسمع..



وبعدين تعالي.. من هو ذا اللي ما استحمل شوفته؟؟؟..



الغوريلا اللي تحت... اللهم لك الحمد والشكر... إذا وصل لمواطي أرجيلي هذاك الوقت فكرت أصلا أشوفه من أساسه




وضحى تبتعد عن النافذة باستعجال: هذا هو طلع... بأروح أشوف رأي أمي فيه...



أنتي أصلا لا يعجبش العجب ولا الصيام في رجب .. على قولت المثل






قبل دقائق



في مجلس الحريم.. مزنة ترتدي عباءتها وبرقعها استعدادا للسلام على كسّاب..



طرقات حادة على الباب ثم دخل مهاب وهو يهتف بحزم:



كسّاب جا..




ثم أزاح له طريقا.. كساب دخل بهدوء وعيناه تبحثان عن المرأة التي قادته للزواج من ابنتها..



أي امرأة هذه التي أحكمت سيطرتها على قلب زايد حتى الآن؟؟



أي سحر تتسربل به هذه المرأة جعلها عصية على التجاهل والنسيان؟؟




تقدم وهو ينظر لها..



تمنى بكل العمق لو استطاع النظر لها بدون برقع.. والعجيب أنه لم يتمنَ نفس الأمنية مع ابنتها التي رأها اليوم صباحا



فرغم أنه لم يرَ وجه كاسرة ولكنه لم يشعر مطلقا بأي رغبة في رؤيته كما يشعر برغبة عميقة لرؤية وجه مزنة..



عيناها الظاهرتان من فتحي برقعها بدتا له مرسال حسن فاتن لم يندثر بعد...



والذي آلمه حتى النخاع فيهما كم الحنان المهول المتبدي منهما..



مطلقا لم تكن نظرة أنثى..كانت نظرة أم صافية...



شعر بالحنين يجتاحه لأمه بعنف موجع..



انحنى ليقبل رأس مزنة.. بينما تمنى لو أخذها في أحضانه.. ووسمية تحضر في ذاكرته بكل الوجع..



كم هو مشتاق لأحضان أمه..!! مشتاق!! مشتاق!!




هتف باحترام: مساش الله بالخير يمه..



سامحيني ماجيتش ليلة الملكة.. انشغلت بالعشا عقبها...وعقبه السالفة اللي صارت لي..




مزنة باحترام ودود: الحمدلله على سلامتك يأمك.. مجار من الشر..




كساب ابتسم: الله يجيرش من الشر.. وتراني الحين عدت ولدش.. مثل امهاب وتميم..




مزنة ردت له الابتسامة بابتسامة: أكيد يأمك مابه شك... وترانا عطيناك شختنا.. الله الله فيها يأمك..




لم يرد عليها كساب.. فهو لن يعد بشيء قد لا يستطيع الوفاء به..



لذا هتف بحزم: تمسين على خير يمه.. وإذا قاصركم شيء تراني حاضر




مزنة بمودة: أنا أشهد إن خالتك وأختك ماقصروا.. جعلكم من زود في زود يأمك..








*****************************







قفزت من مكانها وهي تمسح دموعها حين سمعت رنين هاتفها ..



" أ يعقل أنها نجلاء..و رضيت سريعا هكذا؟!!"




كانت شعاع هي المتصلة والتي هتفت بحماس مصطنع



لأنها بداخلها حزينة وتشعر بالعزاء بل الشفقة العميقة على سميرة



فمهما كان تميم يبدو رائعا وأوضاعه المادية متينة.. فعيب الكلام والسمع لا يمكن تجاوزهما أبدا:



مبروك ياعروس مبروك.. كذا يالخايسة أنتي ووضوح تطبخون السالفة بدون ما تشركوني معكم




سميرة كانت تحتاج أن ينقرها أحد ما فقط.. لذا انهارت في عويل مفجوع لم تعتده منه شعاع مطلقا..



بل شعاع لم يسبق أن رأت سميرة تبكي حتى.. فكيف بهذا العويل الجنائزي الممزق..



هتفت شعاع بقلق وعبراتها بدأت تخنقها: سميرة أشفيش؟؟ هم غاصبينش على تميم؟؟




سميرة بين شهقاتها: لا لا... بس نجلا زعلانة علي عشان ماقلت لها قبل.. ماقلت لها إلا عقب الملكة..



وحتى عالية زعلانة وجرحت فيني بكلام يوجع..ما تخيلين أشلون



ليه يسوون فيني كذا.. والله إني كنت أبي أفرح معهم.. خربوا علي فرحتي كلها..



حسسوني كني مسوية جريمة في حقهم..




شعاع تتنهد وهي تحاول منع نفسها حتى لا تبكي مع سميرة التي كانت تتكلم وهي تشهق بحرقة:



ياقلبي يا سميرة... نجلا أنتي عارفتها... أطيب من قلبها مافيه.. بس عطيها كم يوم وتروق..



صعب عليها إنه أختها الوحيدة تملك بدون هي ماتدري وهي عندكم في البيت



أما عالية تعرفينها بعد.. لسانها متبري منها.. بس صدقيني الليلة بتلاقينها متصلة تتعذر.. هذا سنعها أصلا




سميرة مازالت تشهق: تخيلي نجلا من زعلها علي.. رجعت لرجّالها اللي هي زعلانة عليه.. يعني زعلها علي أكبر من زعلها عليه..




شعاع رأت أن وضع سميرة مأساوي فعلا.. لذا همست بصوت مختنق من التأثر: تبين أجي لش شوي؟!!




سميرة بسرعة موجوعة: يا ليت!!




شعاع بصوتها المبحوح لمغالبتها للبكاء: خلاص بأكلم عبدالرحمن أول مايخلص عشاء في بيت عيال خالي يجي يوديني عندش شوي








***********************************








فور انتهاء عشاء الرجال.. تميم يعود لغرفته.. اليوم كان مستنزفا له تماما



يشعر كما لو كان سينهار



يريد الإلتجاء لغرفته.. والاعتصام بصمته.. إراحة جسده المرهق وعقله المنهك..




كان على وشك خلع ملابسه حين أضاء جرس الباب.. فتح الباب.. كانت وضحى تشير له بمودة:



وش فيه عريسنا يبي ينام بدري؟؟




تميم يشير بإرهاق: تعبان حدي..




ابتسمت وضحى: زين.. مبسوط؟؟




هز كتفيه: المهم أنتو مبسوطين.. وأمي راضية




وضحى قالت بضيق: ليش تقول كذا.. والله العظيم سميرة مافيه مثلها




تميم بضيق مشابه أشار: تكفين وضحى ما أبي موال مدح في صديقتش



أدري مافيه مثلها.. بس أنا مالي مزاج الليلة لشيء



تكفين.. خليني بروحي




وضحى بألم: تميم تدس عني أنا؟؟ طول عمري أنا وإياك واحد...




حينها انفجر تميم باشارات غاضبة ولون وجهه يتغير: لا ما احنا بواحد



أنا واحد ما أسمع ولا أتكلم... أشلون وحدة تسمع وتتكلم تصير شيء واحد مع واحد أصم أبكم



قولي لي أشلون؟؟




وضحى تنهدت بعمق... علمت أنه لا يعنيها بكلامها هذا.. ولكنها بعتبها عليه نقرت قشرته الرقيقة



فهو متضايق منذ علم بالخطبة.. ومحتاج للانفجار.. وهي يستحيل أن تسمح له أن يكتم ألمه في داخله..



تريده أن ينفجر فيها حتى يرتاح.. ليبدأ يعتاد على فكرة زواجه من فتاة لا تماثله في وضعه..



لذا أشارت له بهدوء عميق حنون: وزين كوني أسمع وأتكلم هل وقف حاجز أني أتفاهم معك




تميم الغاضب المجروح والموجوع: لا ماوقف حاجز بيننا.. أشلون يوقف وأنتي تكرمتي وضيعتي من عمرش شهور وشهور



عشان تنزلين من برجش العالي وتأشرين للأصم الأبكم..



وش بيضرش؟؟ دامش تتكلمين وتسمعين.. تنازلي شوي رحمة فيه وشفقة عليه لا يعيش طول عمره ما حد درا عن اللي في خاطره




وضحى أمسكت كفه بحنو لكي تجلسه وتجلس جواره.. لكنه انتزعها منها بعنف..



حينها علمت وضحى أنه غاضب بالفعل وخصوصا هو ينفجر بمزيد من الإشارات:



أنا ما أنا ببزر تبين تقعدينه وتهدينه... حتى لو كنتو أنتو شايفيني بزر



وتبون تجيبون لي لعبة تتكلم وتسمع عشان تسليني..



بس الظاهر أنكم نسيتوا أني لا أسمع ولا أتكلم... واللعبة بتقعد تتكلم لين تخلص بطاريتها وتموت روحها ما حد درا عنها



أنا الحين أبي أعرف صديقتش ليش توافق علي؟؟ وش اللي في رأسها خلاها توافق؟؟



وإلا لا يكون غصبوها علي مثل ما أنتو غصبتوني عليها




وضحى بألم: تميم .. سميرة ماحد غصبها عليك.. مثل ما أنت ماحد غصبك عليها.. ليش تقول كذا




تميم بسخرية: وضحى تلعبين علي وإلا على نفسش... أنتي دارية عدل إن أمي غصبتني من يوم رفضت مجرد فكرة ارتباطي ببنت في مثل حالتي..




وضحى بذات الألم: أمي تبي لك الزين يا تميم.. والله سميرة مافيها منها.. وهي تبيك ومقتنعة فيك..



تميم ماشاء الله أنت وضعك ممتاز وأخلاقك عالية.. الوحدة وش تبي أكثر من كذا..




تميم تنهد بعمق وهو غاضب من نفسه لانفجاره في وضحى.. كان يريد الاحتفاظ بغضبه لنفسه



أشار وهو يجلس على سريره: وضحى لو سمحتي.. خليني بروحي..










**********************************








اجتماع غاضب في مجلس خالد آل غيث.. خالد وابناءه الثلاثة



والغريب أن أكثرهم ثورة كان هزاع وحماسة الشباب تجرفه بعيدا:



أنا بنت عمي تملك من ورانا.. والله ما يصير ولا يكون.. وليتها خذت حد يستاهل..



عمي مالقى يرميها إلا لأطرم.. ليه هي وش ناقصها؟؟




أبو صالح بغضب: ناقصها طول لسانك أنت وأخيك ذا؟؟ (قالها وهو يشير لفهد)



توكم البارحة معذربين فيها في مجلسي ذا وأبيها يسمع



صدق مافي وجيهكم سحا.. حديتوا راشد على أقصاه.. ووالله لو أني مكانه لأسوي سواته...



أزوجها لكلب حتى ولا أزوجها لرخمة مثلكم..




فهد يهتف بهدوء: أنت الحين وش اللي يرضيك... تبينا نروح لولد آل سيف ونقول له يطلق بنت عمنا.. حاضرين؟؟




هزاع بغضب: وتقولها وأنت بارد مثلج كذا.. أكيد هذا اللي لازم يصير...




أبو خالد بغضب كاسح: تلايط أنت وإياه.. هذا اللي قاصر.. أطلق بنت أخي من رجّالها عشان لحاكم اللي ما تسوى



ياقهري منكم... مافيكم من يبرد الخاطر... راحت عليكم بنت عمكم.. وش عاد الحكي فيه... قوموا فارقوني في السعة..




هزاع بقهر: وأخينا الكبير ليه ساكت؟؟




صالح بهدوء: أختها عندي.. ما أقدر أقرع ولا أسوي شيء..



والله هذي مسؤوليتكم..أنتو اللي أزعلتو عمي وحديتوه يزوجها من وراكم




هزاع بذات قهره: وانا مأنا بساكت.. بس خل أبيك يرخص لي




أبو صالح وقف وهو ينتفض بغضب: والله لا أدري إن حد منكم تعرض لراشد وإلا بنته إن قد يشوف شي ما شافه



أنا ما جمعتكم أبي حد منكم يسوي مثل جهل أول... ويطلق مرة صارت في رأس رجّال



لكن بغيت أفضي حرتي فيكم.. لو أنكم حشمتم راشد وبنته ماكان ذا كله صار..




فهد يتنهد: والله يبه جعلني فداك إنك كبرت السالفة.. وعمي زعل على غير سنع..



ووالله لو أنه بلغنا بالملكة قبلها إنه ما نرخصها لأحد



بس هذا أنت قلتها.. وش عاد الحكي فيه.. البنت وصارت في رأس رجّال..




أبو صالح يمنحهم ثلاثتهم نظرة غضب متزايد.. ويتركهم ويتجه لداخل البيت..




بينما صالح يتنهد بحنين: الله يرحمك ياعبدالله.. ماكان حد يعرف لأبي مثله..



لو أنه موجود الحين كان عرف أشلون يرضي إبي..



الحين الله يعينا على زعله ذا الأيام اللي بتأتي كلها...








***************************************








في سيارة زايد التي يقودها كسّاب عائدين للبيت..



زايد يهتف بعدم اهتمام احترافي: عمتك وش هي قايلة؟؟ وش هي من النسوان؟؟



أربها مهيب قشراء بس؟؟




كسّاب يبتسم بخبث فهو يعلم منذ عاد من السلام على عمته أن والده كان يتحرق للاختلاء به وسؤاله



لذا أجاب بذات نبرة عدم الاهتمام المحترفة التي استخدمها والده: ماشي حالها.. عجوز من جيز العجايز..




زايد كان بوده أن يمنحه كفين



( أ يقال عن مزنة عجوز؟!! بل ولا تختلف عن ما سواها؟!!



مزنة ليست كسواها.. ليست كسواها..)




" وما أدراك يازايد.. قد يكون هذا ماحدث فعلا



ثلاثون عاما مرت.. تصنع المعجزات.. أفلا تحول الصبية لعجوز؟!!



أ ليس هذا هو المتوقع والمفروض؟!!"




بعدها هتف زايد ببروده المحترف: المهم بنتها.. إذا قد جازت لك البنت.. ماعليك من حد..




كساب قطب جبينه قليلا.. يبدو أن الحوار سينحدر لختامه.. وليس هذا ما هدف له.. يريد اللعب قليلا مع والده..



فمؤخرا لا يعلم أي تغيير اجتاحه.. فهو بات يستمتع بهذا اللعب المغطى.. فلا ند لذكائه إلا ذكاء والده..




حينها هتف كسّاب بهدوء مدروس: بس يبه المثل يقول (اقلب القدر على ثمها تطلع البنت لأمها)



يعني عمتي الحين تمثل لي مرتي أشلون بتكون في كبرها..




رد عليه حينها زايد بذكاء: يعني عجوز من جيز العجايز..




ابتسم كسّاب: بس العجايز أشكال وألوان..




ابتسم زايد ابتسامة مشابهة: وعمتك من أي لون؟؟




كسّاب لا يجيبه.. لكن يسأله: يبه دامهم كانوا جيرانكم أول.. أشلون كانت عمتي في شبابها



عشان أحاول أتخيل شكل مرتي الحين..




زايد يبتسم غصبا عنه وذاكرته تحلق للبعيد: والله لو كانت مرتك الحين تشبه أمها في شبابها إنه ربي عطاك من أوسع أبوابه..




كساب يستدرجه بنبرة مقصودة: لذا الدرجة؟!!




زايد ينتبه لمقصد كسّاب في استدراجه.. يبتسم وهو يقطع عليه مقصده: أشوفك مشغول بعمتك زيادة عن اللزوم..




حينها أنتقى كسّاب عبارته بعناية: والله عمتي شكلها تشغل البال أول وتالي..




زايد يتنهد دون أن يريح كسّاب أويسمعه اعترافا ما: خلك من الأول والتالي.. وركز في حياتك أنت..



الله الله في مرتك عقب.. وأتمنى أنك توقف التعامل مع حياتك كأنك في ساحة حرب لازم تكون أنت الربحان فيها








*********************************








"من وين جاية ذا الحزة؟؟"





صراخه الغاضب تعالى من مكان قريب.. انتفضت بعنف وهي تراه يقترب.. جفت الكلمات على لسانها



كانت تريد أن تتكلم تبرر.. تخبره.. لكنها لم تستطع وكل الكلمات تموت وتتخشب وهي ترى عيناه تطلقان شررا ناريا غاضبا



انكمشت وغاص رأسها بين كتفيها وهو ينشب كفه في عضدها النحيل ويصرخ بغضب كاسح:



أقول لش من وين جايه ذا الحزة؟ مالش والي أنتي؟؟ أشلون تطلعين ذا الحزة؟؟




"طالعة معي أنا .. جعلني فداك" هتافه الهادئ العميق...



وهو يخلص عضد شعاع الهزيل من قبضة والده ويشدها ليخفيها خلف ظهره العريض



وشعاع تلتصق بظهره تماما وهي ترتجف..




توقع أن والده سيهدأ فورا كالعادة حين يكون هو من يواجهه.. ولكن هذا لم يحدث.. فوالده استمر بصراخه الغاضب:



طالعة معك على رأسي وعيني.. بس تبلغني.. بنتي ما تكون برا البيت لذا الحزة وأنا ما أدري وينها..



ما فكرتو فيني.. ولا حتى جا على بالكم تعلموني؟!!



تدري إني بغيت أستخف يوم طليت في غرفتها ومالقيتها نايمة في سريرها.. وأدق على جوالها ما ترد علي



ومابغيت أروع أمك وإلا جوزاء أنشدهم منها.. وانا أدور في البيت كني مسكون... وكل الطواري الشينة تطري علي




فاضل أنهى صراخه الغاضب وانسحب فورا لغرفته دون أن يسمح لهما أن يردا عليه



بينما عبدالرحمن وشعاع تبادلا نظرات مدهوشة..



تبعتها أنامل عبدالرحمن الحانية وهو يمسح دمعة تعلقت على أهداف شعاع.. ومن شدة خوفها لم تنزل حتى



وعبدالرحمن يهمس لها بابتسامة: ابيش الليلة ياجايه انفصام في الشخصية.. وإلا شكله بدأ يشيب وقلبه يصير رقيق..








***********************************








يشعر بتوتر عارم وهو يصعد بخطوات هادئة لغرفته... عاد قبل أكثر من ساعتين بأولاده..



الولدان كانا سعيدان جدا بعودتهما لبيتهما وكانا يريدان البقاء معه..لكنه طلب منهما التوجه للداخل لأمهما



بينما توجه هو للمجلس لمقابلة والده الغاضب بعد أن فتح هاتفه وتلقى اتصالاته..



ثم بقي بعد ذلك مع شقيقيه محاولا امتصاص غضب هزاع وتهدئته..



فأخر مايريده شيء يشغل بال هزاع وهو في فترة امتحانات..



بينما فهد كان لا مباليا بصورة غريبة..




" أ يعقل أن الأمر برمته لم يحرك فيه شيئا؟!!



لا حمية ولا غيرة ولا حتى أدنى شعور بالغضب...؟؟"




تنهد صالح وهو ينفض كل هذا عن رأسه.. فهناك مشكلة أكبر تنتظره في الأعلى



لا يعلم لماذا ربط بين ملكة سميرة وعودتها..



ربما لأن المنطق يقول هذا.. فلم يحدث شيء الليلة عداها..



هل يعقل أنها كانت رافضة أن يكون تميم زوجا لأختها؟؟ أو ما الذي حدث؟؟



فهي لم تخبره.. ويعلم أنها لن تخبره..





توجه أولا لغرفة ابنيه.. وجدهما نائمين.. تنهد بعمق أكبر وهو يعود لغرفته...ليصدم بمنظر الغرفة..



فالغرفة يبدو كما لو كان عبرها إعصار ما.. فكل الأثاث مقلوب.. ونجلاء تدعك وتنظف




صالح بدهشة: نجلا شتسوين؟؟




نجلاء دون أن تنظر ناحيته: شوفت عينك.. أنظف




صالح بدهشة أكبر: أدري تنظفين.. بس حد ينظف ذا الحزة؟؟ انتظري لبكرة وخلي الخدامات يساعدونش




نجلاء مازالت تنظف بحركة سريعة وهي تدعك الأرض بقوة: ما فيني نوم.. وأبي أنظف




صالح تنهد بعمق.. يعرف الآن أنها غاضبة بشدة.. فهذه عادتها حين تكون غاضبة



تشغل نفسها بعمل شاق تدفن فيه غضبها وحزنها وضيقها..




صالح أمسك بعضديها من الخلف وهو يديرها ناحيته ويهتف بحزم: بسش تنظيف..



نجلا حطي عينش في عيني.. وقولي لي وش اللي مضايقش؟؟




حينها انهارت نجلاء جالسة على الأرض المبلولة وشهقاتها ترتفع.. فكل القوة التي تسلحت بها انهارت..



وكل الدموع التي حاولت حبسها وهي تنظف انسكبت بدون مقياس..




صالح فُجع من بكائها حاول أن يشدها إليه..يأخذها في حضنه



ولكنها منعته وهي تدفعه عنها وتهمس بين عويلها:



تكفى صالح تكفى.. انسى إني موجودة.. اعتبر إني مارجعت..



تكفى لا تزيدها علي








*****************************







صباح اليوم التالي



نهار جديد.. أي شيء يخبئه بين ثناياه؟؟





.



.




"أصب لك كأس بعد؟؟"




كسّاب يشير بيده علامته الرفض: لا خالتي خلاص.. قومي أوصلش المدرسة وعقبه أروح لشغلي..




عفراء بمودة: لا فديت عينك.. أنا مابعد خلصت.. بألبس وعقب سواقتي توديني



إلا أنت اللي ماشاء قايم بدري..



البارحة أنا نمت وأنت عادك سهران.. وعقب جيت أصحيك لصلاة الفجر لقيتك قدك متوضي خالص..



وعقبه خذت لك كم دورة ركض حوالين البيت العود



متى تريح جسمك يأمك؟؟




كسّاب يبتسم: إذا نمت ساعتين تكفيني..



وأنا نمت أكثر من ساعتين..



ثم أردف بنبرة مقصودة: خلينا مني ومن نومي.. أنتي وش مسوية في عمي... كلمته البارحة لقيته مفول منش..



تقولين نار شابه.. حمدت ربي إني مكلمه تلفون ماشفته وجه لوجه.. وإلا كان كلني بقشوري




عفراء ابتسمت: الظاهر عمك على أقل سبب يولع.. ما قلت له إلا أني ما أبيه



هذا سبب يخليه يولع يعني؟؟؟




كساب بابتسامة: طبعا سبب يخليه يولع... واحد صار له أكثر من 10 سنين وهو معترض على فكرة الزواج



ويوم ربي هداه وخطب.. تردينه...




عفراء بهدوء: والله الشغلة كلها قسمة ونصيب.. وإذا عمك له خاطر في العرس أنا من عيوني أخطب له أحسنها وحدة..



أصغر وأحلى مني..




كساب بذات الإبتسامة: والله أنش عجيبة ياخالتي.. حد يقول عن نفسه كذا.. أصغر وأحلى؟؟



خالتي انت وش قاصرش؟؟ عادش صغيرة وحلوة؟؟




عفراء بذات الهدوء العميق: يامك السالفة مهيب صغر ولا حلاة.. أنا خلاص مالي نفس أتزوج.. مهوب جبرية يأمك..




كساب بهدوء ساكن: والله يا خالتي لو بغيتيها غصيبة.. خليناها غصيبة..



لأنه مستحيل أخليش ترجعين تقعدين بروحش عقب اللي صار




عفراء تنهدت لترد بعدها بحزم: إذا شايفني ثقيلة عليك يأمك.. سافرت لبنتي ورجّالها.. لكن إنك بتغصبني.. بتبطي يأمك.. بتبطي




كسّاب تنهد وهو يعاود تغيير الاستراتيجية: يا خالتي لو ما تبين عمي.. اخذي أبي..



تكفين لا تحرقين قلبي كذا.. توش يا خالتي على إنش تسكرين حياتش بذا الطريقة..



جميلة تزوجت.. وبكرة لا تشافت بتجيب عيال وتلهى فيهم.. تبين تقعدين عالة على رجال بنتش..



الحياة قدامش.. ومن حقش تزوجين.. أنتي عبارة ما تزوجتي.. كل اللي قعدهم عمي خليفة الله يرحمه كم شهر عقب الزواج..



ويمكن لو علي أنا بأقول يا ليت تأخذين ابي عشان تقعدين عندي في البيت... بس عمي منصور فرصة ما تنتفوت..



وسامحيني خالتي.. إذا على سالفة العيال.. صدقيني عقب ما يعرفش بتضيع علومه.. وقتها اقنعيه باللي تبينه واقنعيه يتعالج..




عفراء تقاطع كلامه بوقوفها لتجمع الأطباق وهي تهتف بنبرة هدوء مقصودة:



تأخرت واخرتني... توكل على الله يا ولد أختي.. وانسى ذا السالفة الغثيثة...








***************************








" يبه أشلون تسوي كذا؟!!



حتى أنا مالي احترام.. ماكني باخيها الكبير.. يعني وش ضرك لو انتظرت يوم واحد لين أرجع"




أبو غانم ينظر لغانم الذي كان يصرخ بغضب عارم ليرد عليه بحزم: قصر حسك يا ولد.. بنتي وكيفي أنا وياها..



إذا مت.. تيك الساعة حلل وحرم على كيفك




غانم موجوع بالفعل.. موجوع: يبه العمر الطويل لك..



بس ترمي سميرة ذا الرمية.. أدري إن تميم ماعليه قاصر أخلاق ولا دين ولا فلوس



بس يبه ما يسمع ولا يتكلم... أشلون بتتفاهم معه..



هذي عشرة عمر.. عشرة عمر.. حرام عليك يبه سواتك فيها




أبو غانم يسترخي في جلسته ويمد يده ليرتشف فنجان قهوته التي بردت وبدت له شديدة المرارة كمرارة روحه وهو يهتف بذات الحزم:



سميرة موافقة عليه.. وصلت استخارة كم مرة.. اسألها بنفسك




غانم المنهك العائد لتوه من المطار يتجه لداخل المنزل وهو يحمل حقيبته الصغيرة ويهتف لوالده بحزم موجوع:



والله العظيم لو كانت سميرة مهيب مقتنعة لو واحد في المية إني ما أخليها على ذمته لو على قص رقبتي

همس المشاعر
09-29-2011, 06:14 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الثاني والعشرون









صحى منذ دقائق ولكنه لم يفتح عينيه بعد.. رائحة عطرها تغمر الاجواء



كم يبدو هذا الصباح مختلفا..اختلافا جذريا عن نهاراته السابقة!!



نهار معطر كعطرها!!




البارحة حين أنهت وصلة بكائها.. قامت وأتمت جنون تنظيفها.. بينما تمدد هو على سريره بعد أن صلى قيامه



لينخرط في مراقبتها بنهم.. ظلت عيناه تتابعان حركتها الدؤبة.. ارتعاش شفتيها.. توتر أناملها..



يحفظها.. يحفظ كل ردات أفعالها



يجيد قراءة حتى لغة جسدها.. نظرات عينيها.. ارتعاش يديها.. ومعنى كل حركة..




غفا بهدوء على صورتها تكحل أهدابه.. لم ينم نوما هادئا كما البارحة رغم ضجيج التنظيف فوق رأسه..



ورغم صراخها السخيف (اعتبرني غير موجودة)




وحين صحا لصلاة الفجر وجدها أنهت التنظيف وتستحم .. توضأ في حمام المجلس.. وذهب للصلاة..



وحين عاد كانت قد صلت وغفت على الاريكة



بعد أن تركت له نورا خافتا بالقرب من السرير.. وأغلقت بقية الأضواء



تمنى لو يحملها من مكانها ليضعها على السرير..




"أ بعد أن قضت ليلتها في أعمال شاقة تنام هذه النومة غير المريحة ؟!



لولا أنني أخشى أن تثور وإلا لكنت حملتها لتنام هي السرير



وأخذت أنا مكانها



ولماذا أغلقت الأنوار؟؟ أتريد أن تحرمني من رؤية حسنها الغافي؟!"




اقترب منها قليلا.. يتمعن فيها بولهه الشاسع المصفى.. وفق ماسمح له الضوء الخافت البخيل



ملامحها الرقيقة المسترخية بهدوء



سلاسل الذهب المبلولة تغفو على مخدتها





"المجنونة تبي تمرض.. ماحتى قفلت التكييف"




توجه ليطفئ التكييف.. وهو يشعر برعب أن تكون التقطت بردا من بقاءها في جو التكييف بعد خروجها من الحمام



يخشى عليها تماما مثلما يخشى على طفلته الصغيرة



كان دائما ينهرها ألا تستحم وتخرج في التكييف..



وخصوصا أنها سبق أن أصيبت بنزلة شعبية ألزمتها المستشفى عدة أيام بعد زواجهما بعامين..



وما زالت ذكرى مرضها ترعبه



فلطالما كان حنونا معها لأبعد حد.. بل لحدود قد تتجاوز المخيلة




"فلماذا يانجلا لم يبق لي في ذاكرتكِ سوى ذكرياتي السيئة



لماذا لم تعودي ترين سوى صالح المثقل بالعيوب



أ لم يشفع لي أي شيء عندك؟؟؟"




كل هذا يعبر ذاكرته وهو مازال مغلق العينين يشتم رائحة عطرها أو ربما خياله من صور له ذلك



لأن ذكرى عطرها سكنت كل خلاياه بتمكن انغرز في كل خلية



فكلما ماكان يحتاجه هو معرفته بوجودها.. لتنثر مخيلته رائحة عطرها في الاجواء




فتح عينيه.. وهو يتوقع أنها مازالت نائمة..ولكنه فوجئ أنها غير موجودة..



شعر بالرعب يجتاحه.. أين ذهبت؟؟ أ يعقل أنها غادرت وعادت لبيت والدها



تنهد وهو يسترخي قليلا.. فهو يعرف أن نجلاء عاقلة.. ويستحيل أن تفعلها..



لذا استحم وأرتدى ثيابه ليتوجه لعمله.. وجدها في الاسفل تتولى مسئولية صب القهوة لعمها وعمتها..




تسللت الإبتسامة لروحه قبل شفتيه.. أ لم يقل أن هذا الصباح مختلف؟!!



يكفي وجودها في المكان لتضفي ألقها عليه..




انحنى يقبل رأس والده ووالدته وهو يلقي عليهم السلام...




أبو صالح وجه الكلام له بحزم: انا ماني بناشد وش سبة زعلكم اللي فات.. سالفة وانتهت الله لا يعودها



بس قوم حب رأس أم خالد قدامي ذا الحين.. وأحلف لي ماعاد تزعلها في شيء




صالح بابتسامة عريضة: حاضرين نحب رأس أم خالد.. وأحلف قدامك ماعاد أزعلها بشيء




نجلاء انتفضت وهي تقف بحرج رقيق: لا ياعمي طالبتك.. والله ما تخلي أبو خالد يدنق على رأسي.. محشوم..



والله لا يجيب الزعل.. سالفة وانتهت على قولتك.. وإن شاء الله إن أبو خالد ماعاد يعيدها




قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر لصالح بشكل مباشر نظرة مقصودة



بينما صالح المبتسم أجاب بنبرة ذات مغزى: حرمنا... بس عطينا فرصة







*************************************









مستغرقة في نومها.. صحت على أنامله الحانية تمسح خصلات شعرها وتشدها بخفة:



سمور قومي.. ماقدرت أنام وأنا ما تكلمت معش... وميت من التعب لي يومين مواصل.. قومي كلميني




سميرة تقفز من نومها جالسة وهي تمسح وجهها وتهمس بخجل: دقيقة بس.. أبدل وأغسل وأجيك




غانم يجلس على طرف السرير ويهتف بتعب: من متى تستحين يعني؟؟ مهوب أول مرة أشوفش متشنقطة ببيجامة



اقعدي ما أقدر أنام وأنا ما تكلمت معش




سميرة جلست وهي تعتدل جالسة وتشد طرف اللحاف على ساقيها حتى لا يظهر بنطلون البيجامة القصير قليلا وتهمس بتردد خجول:



أنت بعد زعلان علي عشان وافقت على تميم..؟؟




غانم يتنهد بحزم: ماني بزعلان.. خايف أنه أنتي تكونين منتي بمقتنعة..




سميرة ردت بحزن عميق وأثر بكاء الليلة الماضية واضح على أجفانها المنتفخة: المشكلة إني مقتنعة .. والله العظيم مقتنعة



بس الكل يحاول يقنعني إني ماني بمقتنعة وأني قررت بدون تفكير... والله العظيم ياغانم أني مقتنعة فيه



لذا الدرجة شايفين تميم مليان عيوب الواحد مايقدر يعيش معها.. والله ماشفت فيه عيب



حتى إنه ما يسمع ويتكلم شايفتها أنا ميزة مهوب عيب..



أردفت وهي تحاول أن تبتسم بفشل: كفاية أنا أتكلم نيابة عني وعنه..




غانم مسح على شعرها وهتف بحزن مشابه يخفي خلفه عدم اقتناعه: أنا ما أبي لش إلا الزين..



وحن مجتمعات عقولنا قاصرة.. عاجزين نستوعب نقص البشر



مع إن فيه ناس تكون عيوبهم أكثر بكثير من عيب تميم لكن حن نغض البصر عنها..



أنا ماأبي إلا سعادتش.. ودامش مقتنعة.. خلاص يأخيش.. ألف مبروك




قالها وهو يدني رأس سميرة منه ليقبل جبينها.. حينها تعلقت سميرة بجيبه وهي تنخرط في بكاء حاد وتدفن وجهها في عنقه



غانم هتف بقلق: ها وأشفيش بعد.. توش تقولين مقتنعة فيه




سميرة تشهق: نجلا زعلانة علي.. تكفى غانم كلمها.. لو هي سافرت وأنا ما شفتها والله لا يصير لي شيء.. والله لأموت..



تكفى كلمها.. تكفى








*************************************








تكاد تنهي يومها الدراسي.. مرهقة تماما.. مستنزفة لأقصى حد..



تحاول تعويض طالباتها عن أيام غيابها وخصوصا مع موعد الامتحانات الذي اقترب كثيرا



تسترخي على مقعدها في مكتبها بالمدرسة الخالي من زميلاتها في هذا الوقت



وهي تتناول هاتفها لتتصل بخليفة



رغم أن المسكين صحا من نومه على اتصالها.. تشعر أن طاقتها في المقاومة توشك على النفاذ



تريد أن تسمع صوتها فقط..يأكلها الشوق واللهفة لهمسات صغيرتها



ولكن لأنها تتصل بداليا.. فداليا حذرتها من ذلك.. لأن جميلة تتحسن.. وبدأ أكلها بالتحسن وهي تتقبل وضعها بصعوبة



وهي دائمة السؤال عن أمها.. لذا يجب إبعاد جميع المؤثرات التي أدت بها إلى هذه الحالة... وعفراء على رأس هذه المؤثرات..



تنهدت وهي تنهي اتصالها مع خليفة.. الذي أخبرها كالعادة بكل مافعلته جميلة منذ صحت من نومها حتى الآن..




وهي تتصل كان هناك خط آخر على الانتظار ولكنها لم تهتم للنظر له..



حين أنهت اتصالها.. نظرت للمكالمات التي لميردعليها.. كان المتصل هو منصور ولثلاث مرات..




تنهدت بعمق وهي تقول في داخلها: (يامن شرى له من حلاله علة..) هذا وش الفكة منه




حينما أعاد الاتصال ردت عليه وهي تهمس باحترامها الطبيعي: هلا حيا الله أبو علي..




منصور باحترام بارد: حيا الله بنت محمد




عفراء بذات أدبها الرفيع: أشلونك طال عمرك في الطاعة..؟؟




منصور رد عليها ببرود فيه نبرة غضب: على ذا الذرابة والأدب اللي عندش..



مفروض شفتيني اتصلت مرة والثانية.. تسكرين الخط الزفت اللي معش وتردين علي..




عفراء تنهدت بعمق وهي تحاول تغذية عروقها بالصبر: أول شيء أنا كنت أكلم رجّال بنتي..



الشيء الثاني السموحة لأني مادريت إنك أنت اللي على الانتظار



الشيء الثالث أعتقد أنه في الاتصال اللي فات قلت لك مافيه داعي تتصل مرة ثانية..




منصور بحزم: خلصينا من سالفة التلفونات.. حتى أنا كارهها.. كني صبي مراهق.. عيب يا بنت محمد ذا التنقيعة اللي أنتي منقعتني..




عفراء بدهشة: أنا منقعتك؟؟




منصور بحزم: إيه وانا أنتظر ردش..




عفراء باستغراب: أعتقد إني قلت لك ردي من المرة اللي فاتت..




منصور بحزم أشد: وأنا ما اقتنعت فيه وعطيتش فرصة تفكرين..




عفراء بهدوء: على كذا يأبو علي أنت اللي منقع روحك بروحك.. لأنك أقنعت نفسك بشيء ماصار




منصور بثقة متمكنة: اول شيء أنا أحب ينقال لي أبو زايد..



وثاني شيء أنا أعرفكم يا النسوان.. عودكم مهوب على أول مركازه.. كل يوم برأي..




عفراء بسخرية مبطنة: ما تفرق أبو علي أو أبو زايد دامك ما تبي حد منهم يأتي أصلا



وثاني شيء أنا عودي على أول مركازه ورأيي واحد..




(العود على أول مركازه= مثل يعني الاصرار على الرأي)




تنهد منصور بحزم شديد وهو يسألها: تردين شيء في ديني وإلا أخلاقي؟؟




عفراء بجزع عفوي: حاشاك.. تكرم




حينها ابتسم منصور لنبرتها العفوية: أجل خلاص مالش حق ترديني..



يا بنت الحلال جربيني.. يعني مهوب لذا الدرجة سيء.. ممكن أني أتعاشر وأخذ وأعطي.. ماني بوحش يعني




عفراء بهدوء أخفت خلفه إحساسها بالغيظ منه:



شنو أجرب ذي يأبو زايد..الظاهر عادي عندك الطلاق.. جربته قبل واجد..



لكن وحدة في عمري إذا الزواج صعب عليها...فالطلاق أصعب بواجد




منصور بحزم: ما اشين فالش.. والله المرة اللي هي تسبب بالطلاق عى روحها..




عفراء بحزم مشابه: والمفروض إن الرجال يكون عاقل وما يماشي المرة في خبالها إذا هي استخفت..




منصور بأمر حقيقي: وافقي علي وجربيني.. وإذا كان طيش الشباب غرني أول.. فانا الحين ماعدت مثل أول.. أوعدش ما تشوفين مني إلا خير



عدا أمرين.. كثرة عزايمي ما تناقشيني فيها.. ولا سالفة العيال..




عفراء تكاد تجن منه: الحين أنا وافقت عشان تقدم شروطك بذا الطريقة..؟؟



إذا على العزايم المرة اللي ترد رجالها من الكرم مافيها خير



لكن أنت مقصدك أنك بتكون مشغول بعزايمك ومجلسك حتى عن التزامك بمرتك




منصور بثقة حازمة: أنا واحد سيده وما اعرف ألف وأدور.. وش تقولين؟؟




عفراء تنهدت بعمق..



لو فكرت بموضوعية.. فمنصور ليس مطلقا بالفكرة السيئة.. فهو بالفعل مطمع للكثيرات..



بدت لها الفكرة مغرية بل شديدة الأغراء..أن تحصل هي على هذا الرجل الاستثنائي رغم كل عيوبه..



أن تجرب أن تحيا حياة جديدة.. أن تعيش تجربة الزواج التي لم تعشها فعلا..



أن تجرب أن تعيش من أجل نفسها مع رجل تعلم أنه سيكون سندا قويا لها في مقبل حياتها..



فحياتها أضحت خالية تماما بعد غياب جميلة عنها.. جميلة التي كانت تستهلك منذ مرضها الأخير وقتها بالكامل



لِـمَ لا تفكر في الموضوع؟؟ لتفسح لنفسها مجالا أن تفكر بعيدا عن إصرارها السابق على الرفض؟؟



فهي فعلا لم تفكر..إنما قررت أن ترفض كما كانت ترفض طوال عمرها الفكرة دون نقاش..



ولكنها لم تنتبه أن ظروفها ماعادت كالسابق.. تغيرت بالكامل.. ابنتها تزوجت.. وبالتاكيد أبناء شقيقتها سيتزوجون..



عدا أنها بالفعل أصبحت تشعر برعب عميق ووحشة أكثر عمقا من بقاءها لوحدها..



كساب وسيتزوج قريبا جدا.. فهل تعود للبقاء في بيتها وحدها مع ذكريات الرعب والوحدة؟؟



نفضت رأسها بانفعال وهي تحاول أن ترد عليه بهدوء: خلاص عطني فرصة أفكر وأعطي ردي لكساب..




منصور بأمر حازم غاية في الصرامة: الليلة تردين علي أنا... وكسّاب ماله دعوى.. الرد يوصلني أنا ما أبي وسيط بيننا..







********************************








"شعاع بطلي الباب... قسما بالله بأذبحش"



صراخ جوزاء الغاضب يتعالى.. بينما بكاء حسن يتعالى وهو يشد ثوبها باكيا: أبي صورة بابا




شعاع تهتف بثبات خلف الباب: والله ما افتح لش.. هدي حسن بأي شيء ثاني.. طلعيه.. لاعبيه.. عطيه حلويات



الألبوم والله ما أعطيكم إياه..




جوزاء تنتفض غضبا مع بكاء حسن الذي يذيب قلبها:



الولد مات من البكا.. عطيه صور أبيه..



أنتي وش دخلش..والله لأوريش شغلش بس افتحي الباب




شعاع بذات الثبات: جوزا قلت لهيه بشيء ثاني.. صور مافيه..




انحدر صوت جوزاء للرجاء العميق : تكفين شعاع تكفين.. حسون يبكي.. يهون عليش حسون




شعاع تهمس بألم رقيق: تدرين إنه مايهون علي.. ولا أنتي تهونين علي.. عشان كذا مستحيل أفتح..



روحو أي مكان لين ينسى.. هذا بزر مسرع ما ينسى..



والمهم الكبيرة يكون عندها رغبة بالنسيان..








***********************************








"حيا الله اللي ماصدقت إني أروح عشان تنط عند صالح"




نجلاء تحتضن هاتفها بحرج شديد وهي ترد بذات الحرج: حياك الله.. الحمدلله على السلامة




غانم بمودة واحترام: مبروك ردتش لبيتش يالغالية




نجلاء بذات الحرج: الله يبارك فيك..




غانم بنبرة مقصودة: زين وعشان رضيتي على صالح تزعلين علينا..




نجلاء صمتت وضيقها العميق يعاودها..والعبرات تخنق روحها




بينما غانم أردف بذات النبرة: ها يام خالد.. وش مزعلش علينا..؟؟



سميرة بتموت من الحزن بسبتش.. يهون عليش تسوين فيها كذا




نجلاء بهمها المجروح: إلا يرضيك يأبو راشد اللي هم سووه فيني...؟؟



ماعندهم حد في البيت غيري.. تصير الخطبة وعقبها بيومين الملكة..وانا مادريت بأي شيء...



عدوني غريبة وأنا عندهم في البيت.. إذا كان ذا يرضيك، قل لي؟؟




غانم تنهد: أكيد ما يرضيني.. بس خلاص الموضوع صار.. والمهم توفيق أختش.. تدرين قلبها كنه قلب طير.. الحين كنها تقلى على ضو




نجلاء بحزن: وزواجها من تميم.. تشوفه توفيق؟؟ سميرة كانت تستحق واحد أحسن بواجد




غانم بحزم أخفى خلفه حزنه: حكي في الفايت نقصان في العقل... خلاص سميرة صارت مرته ومقتنعة فيه.. وانتهى الحكي



والحين أبي اشوف خاطري عندش.. أبي أشوفش جايتنا مسيرة علينا وراضية علينا كلنا.. حن من غيرش يام خالد مانسوى




نجلاء تشعر بألم عميق لطلبه اللطيف منها.. لكنها موجوعة ولا تستطيع خداع نفسها أو خداعه لذات همست برقة:



عطني يومين بس فديتك لين أروق.. وعقبه أنا بأجيكم بنفسي جعلني فدا روحك






كانت نجلاء تنهي الاتصال حين تعالت طرقات صاخبة على الباب ثم اقتحمت عالية الغرفة كالأعصار : سلامو عليكو



يعني عشان رضيتي على صويلح قاعدة تحرسين الغرفة لين يرجع



قومي أنا زهقانة.. طلعيني.. خلينا نروح أي مكان..




نجلاء تبتسم: أول شيء كم مرة قد قلت لش لا عاد تدخلين علي بذا الطريقة.. عيب.. يمكن أنا الحين متفسخة ونسيت الباب مفتوح..



ثاني شيء وين نايف عنش اليوم.. أعرف كل مازهقتي سحبتي المسكين يطلعش




عالية تلقي بنفسها على السرير وهي تسحب شهيقا طويلا: يازين الريحة الخنينه.. خنقتي أخي بذا العطور.. بيجيه التنك..




وبعدين أول شيء إذا أنتي متفسخة.. سكري بابش عليش مالي ذنب إذا أنتي تعرضين مشاهدة مجانية



وبعدين التنبيهات هذي قديمة قلت يمكن قعدتش عند بيت هلش غيرت القوانين شوي




وثاني شيء فديت قلبه نويف اليوم خالاتي متهادين عليه.. فيه ثلاث كلهم مسوين له غدا.. تخيلي!!



والمسكين بيتغدا ثلاث مرات.. عزتي لكرشه اللي بتنبط.. الولد آخرته بيموت من كثرة الأكل..




نجلاء باستغراب: من جدش أنتي؟؟




عالية تضحك: والله العظيم.. وبعدين أنتي أساسا عارفة وش كثر يتهادون عليه..



أخيهم الصغير والوحيد على قولتهم.. الولد تعقد والله العظيم.. عزتي للي بتأخذه بيكون عندها سبع عمات..



وأنتي عارفة فيه ثنتين من خالاتي قشرات.. طبعا عارفتهم طيبات الذكر



تذكرين أشلون كانوا يقطون كلام على مرت عبدالله الله يرحمه لين طلعوا روح المسكينة..



أما عاد مرت نويف لو ماهج وسكن وياها في كوكب ثاني والله لا يزهقونها في حياتها لين تطفش.. وتشق ثيابها








******************************









"وافقي خالتي لا تضيعين على نفسش فرصة مثل عمي"




عفراء بابتسامة: الحين عمش فرصة وأنا اللي كخة..




مزون بجزع: حاشاش خالتي.. والله مهوب المقصد



ثم أردفت بحماس: بس أنا أبي الزين للزين



والله يا خالتي عمي يجنن.. شوفي على قد ما طلعت مع ابي ومع علي.. وحتى مع كساب أول



إلا أن الطلعة مع عمي غير.. جد يحسسش إنش أميرة.. برنسيسة من قلب




عفراء بذات الابتسامة وبنبرة مقصودة: معنى كذا عمش مافيه عيوب؟؟




مزون بحذر: مافيه إنسان مافيه عيوب.. هذا طبع البشر.. بس فيه عيوب الواحد ممكن يتعايش معها.. وعيوب ما ينسكت عليها



وما أعتقد إن عيوب عمي من النوع الثاني أبد



صحيح عصبي شوي ودمه حامي وعنيد ورأسه يابس بس والله العظيم قلبه طيب..



وأحلى ميزة فيه إنه مايلف ولا يدور..




عفراء تقلد طريقة مزون في الكلام: (عصبي شوي ودمه حامي وعنيد ورأسه يابس)



وهذي كلها ما تشوفينها عيوب؟؟




مزون تبتسم : ونسيتي إنه قلنا قلبه طيب وما يلف ولا يدور




عفراء تتنهد: يصير خير.. ما يصير ذا الحصار اللي كلكم مسوينه علي أنتي وأخيش وعمش



عطوني فرصة أفكر برواقة... هذا قرار مهوب هين







*******************************************








"أشرايج في جو الحديقة برا.. خيال صح؟؟"




يساعدها على النزول من كرسيها المتحرك.. بعد أن باتت تتقبل مساعدته بعفوية..



ليحملها بعد ذلك ويمددها على سريرها وهي تجيبه بوهن: تعبت من ذا الطلعة..




خليفة بابتسامة: زين تعبتي يعني ما عجبتج كلش؟؟




جميلة بدون اهتمام: حلوة..




خليفة لم يتوقع منها ردة فعل أكثر من ذلك أساسا.. لذا جلس بهدوء وهو يقول: يضايقج أشوف مباراة عندج.. اليوم فيه مباراة للريال..




همست ببساطة واهنة: براحتك..




خليفة يغير بين القنوات يبحث عن قناة تتحدث بالانجليزية وتنقل المباراة حتى وجدها.. وجلس انتظارا لبدء المباراة




بعد لحظات صمت همست جميلة بعفوية طبيعية: علي يشجع ريال مدريد.. بس كساب يشجع برشلونة..




حينها التفت لها خليفة.. لا يمكن أن يحتمل أكثر من ذلك.. طاقته استنفذت.. أي رجل هذا الذي يقبل أن يكون دائما مثار مقارنة عند زوجته



وهي تعقد مقارنة دائمة بينه وبين رجال آخرين



لذا هتف بهدوء كان تأثره يمور تحته: جميلة ما تشوفين إنه عيب في حقي.. إنه في كل سالفة لازم تدخلين عيال خالتج




جميلة ببساطة بريئة: ما أشوف فيها شيء.. ليه؟؟




خليفة مازال يحاول الاعتصام بهدوءه: احترمي إني ريلج.. مافيه ريل يرضى بجذيه..




حينها هتفت جميلة ببرود: والله الرجّال هذا يوم خذني.. يعرف إني متربية مع عيال خالتي وما أعرف حد غيرهم



فليش يستنكر الحين أني أسولف عنهم..



مهوب عاجبه.. الباب يفوت جمل..




خليفة يحاول جاهدا ألا يتسلل غضبه لصوته حتى لا يثيرها: والله أعتقد إن الريل هذا أنتي اخترتيه برغبتج على عيال خالتج



الحين صار الباب يفوت يمل




حينها نظرت له جميلة بشكل مباشر وهتفت بحدة: عقلي صغير وماعرفت أختار.. وما ينشره علي



تكفيك هذي إجابة؟؟




خليفة تقلصت قبضتيه بشدة.. وغضب عات يمور في روحه.. من بين كل المرات التي أطالت لسانها عليه



كانت هذه المرة هي الأقوى.. والأكثر قسوة وتجريحا..



لذا وقف حتى يخرج للخارج..



وهو يحاول قهر روحه وتذكيرها أنه مهما حدث.. فهي مريضة.. وكلامها لا يمكن أن يحاسبها عليه



مهما كان جارحا له ولرجولته!!









*******************************









" ها نروح مكان ثاني بعد؟؟"



صوت فاطمة المتسائل..




كاسرة بحزم: لا كفاية كذا.. أبي ألحق على جدي قبل ينام.. يتعشى عقب صلاة العشا وينام على طول..



وأنا لو ماشفته قبل ينام وخذت علومه.. ما أرتاح تيك الليلة..




وضحى برجاء: مايصير كذا كاسرة.. كذا والله ما تلحقين تخلصين شيء.. تونا الحين قبل صلاة العشاء بشوي




كاسرة بذات الحزم: تعرفين زحمة الدوحة.. على مانرجع للبيت بيكونون العرب صلوا العشا.. وجدي أبدى علي




فاطمة بمودة: خلاص الله لا يخليش من جدش.. نرجع البيت.. حتى أنا ما ابي أتأخر على عيالي..




كاسرة بهدوء: أنا أبي أعرف أنتو ليه شايفين سالفة سوق العروس أزمة.. الوحدة ماراح تهاجر.. والسوق قريب..



عدا عن إن الوحدة أساسا قبل ما تتزوج عندها ملابس..وذا الاسراف والله ماله معنى..




وضحى بهدوء: بس الناس عينهم على العروس.. على الأقل لازم تكون لابسة حلو ومتألقة..




كاسرة بثقة: الدولايب مليانة ملابس.. وأعتقد أني متألقة ومتأنقة عشان نفسي مهوب عشان حد..




فاطمة بهدوء: خلينا على الأقل نلاقي لش فستان.. واللي غير كذا لاحقين خير..




كاسرة بحزم: نطلع السبت الضحى ونأخذ اليوم كامل.. طلعة وحدة بتكفي كل شي.. لأني زهقت من ذا السالفة









********************************








وضعت طفليها في السرير وحصنتهما بالأذكار ثم عادت لغرفتها..



تشعر بتوتر عميق.. لم تر صالحا منذ خرج صباحا.. حتى الظهيرة لم يعد



شعرت أن غيابه مقصود..وكأنه يريد أن يمنحها فرصة للتفكير..



والمشكلة أن التفكير لديها معطل.. فهي غاضبة عليه.. وعلى أهلها.. وعلى كل شيء..



غاضبة من هذا الموقف السخيف الذي وضعت فيه.. من اضطرارها للتعامل مع موقف هي غير مستعدة له



من تسرعها في قرار العودة لتعاقب نفسها قبل ان تعاقب أهلها.. فالقلوب مازالت لم تصفُ..



ولكن بما أنها كانت ستسافر معه قريبا.. فهل يختلف الأمر الآن عن سفرهما..




فتحت دولابها..



ماذا يفترض أن تلبس حتى تبدو طبيعية غير متكلفة.. ومتباعدة.. متباعدة جدا!!



سحبت لها بيجامة قطنية واسعة وارتدتها.. ومشاعرها تنتقل من التوتر للتبلد.. تريد أن تشرنق نفسها بهذا التبلد حتى يصفو عقلها



فهي غير مستعدة لصالح ولتاثيره عليها الذي تعلم أنه تاثير خطير حين يريد ذلك..




وهي في أفكارها.. وصل صالح.. هادئا غامضا.. ألقى السلام بهدوء.. لترد عليه بهدوء مشابه



انحنى ليقبل جبينها.. لم تسمح له وهي تبتعد عن مدى شفتيه.. لم يعلق وهو يتجاوزها ليخلع ملابسه..



ثم يدخل ليستحم.. صلى قيامه.. حينما أنهى صلاته وورده.. توجه ليجلس جوارها على الأريكة



ولكنها نهضت لتجلس على كرسي منفرد.. لم يعلق أيضا.. وعلائم الغموض المتلاعب ترتسم على وجهه بوضوح




حينها نهض من الأريكة ليتوجه للسرير.. ويتمدد وينام دون ان يوجه لها حتى كلمة واحدة..




نجلاء استغربت بالفعل ردة فعله.. فصالح ليس هكذا مطلقا.. بل تعبيره عن مشاعره تجاهها مبالغ فيه في كثير من الأحيان



فهو لا يعترف بالرفض ومثابر لأبعد حد على اقتحام حصونها مهما حاولت رفعها وتعليتها..



فما به اليوم يبدو مهادنا ومتفهما بهذه الصورة؟!!




ولكنها ختاما حمدت ربها أنه تفهم رغبتها في الابتعاد عن تأثيره..



وبما أنه تفهم رغبتها هذه.. فلا معنى لنومها على الأريكة



لذا توجهت لتنام جواره وهي تدير ظهرها له!!








*********************************








"وش فيك طال عمرك؟؟ شكلك تهوجس في شيء؟؟"




منصور يلتفت لفهد الجالس جواره في مجلسه الغاص بالضباط ويهتف بحزم:



مافيه شيء.. مشاغل بسيطة




فهد بابتسامة مغلفة بالاحترام: أفا وش ذا الشيء اللي يشغل بال أبو علي؟؟"




منصور بابتسامة: تجيك العلوم قريب



إلا قل لي.. وش علوم مدرسة السواقة؟؟




فهد يبتسم رغم إحساسه بالضيق: باقي لي أسبوع على التراي.. الشرطي اللي أنت مسكته موضوعي متحلف لي..



ويقول إن ذي وصاتك له..




منصور يبتسم بفخامة: أنا ماأبي إلا مصلحتك.. وأنت داري..




حينها هتف فهد بضيق لم يستطع منعه من التسلل لصوته: ومصلحتي إنك خليتني مسخرة الشباب على سبة ذا الموضوع..



حتى هزيّع يطوّل لسانه علي وهو يشوف سواق البيت يوصلني مشاويري..



والله لولا حشمتك وغلاك وأني ما أبي أفجر حلفك علي.. وإلا كان شقيت ثيابي من زمان




منصور بحزم: اللي يقول كلمة.. قل له عشر.. واللي عنده ريال خله يقطعه..



ترا الروح يأبيك مهيب رخيصة.. (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)



وغير ذا وذا.. مابه حكي..





كان فهد يعلق على ماقاله له منصور.. ولكن منصور لم يسمع حرفا مما قاله وانسحب فكره من ضجيج مجلسه بالكامل وهو يتلقى رسالة على هاتفه




رسالة رأى رقم عفراء يتصدرها

همس المشاعر
09-29-2011, 06:26 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الثالث والعشرون







حينما أخبره كساب أو بمعنى أصح "صدمه" برغبته في تزويج خالته من زايد



لا يعلم أي مشاعر مجهولة غزته بكل الحدة والعنفوان وحركت رتابة حياته التي اعتادها حتى تغلغلت فيه برتابتها




لم يكن مطلقا لأي من مشاعر الصبا أي حضور في عقله الظاهر.. فمشاعر الصبا دفنت مع الصبا



ولكن مشاعر الخذلان لم تدفن أبدا!!




لذا رفض أن تكون عفراء لزايد الذي حرمه منها.. الذي خذله..



الذي جرحه الجرح الأعمق وهو يفضل رجل غريب عليه.. على شقيقه الوحيد الذي لو طلب منه أن ينحر نفسه فداء له لم يكن ليتهاون



وربما كان هناك شيء غامض في داخله ينبئه أنها لن تتزوج وهو يعلم تماما أنها أغلقت حياتها بعد وفاة زوجها



ورفضت فكرة الزواج مرة أخرى.. شعر أنها محمية.. لن تعود لتصبح زوجة رجل آخر.. ستبقى مثله!!



لذا شعر بغبن شديد حين علم أن زايدا قد خطبها مسبقا.. كما لو كنت تترك أمانة عند شخص ما.. فلا يكون حريصا عليها



بل يسمح لنفسه أن يمتد تفكيره لها..



أ لم يكفه ما فعله مسبقا؟!!



تخيلَ لو أن هذه الخطبة التي لم يعلم بها قد تمت.. كان مجرد التخيل قاسيا على روحه الحرة.. وهو يبعث فيها غضبا لا حدود له..




ربما لو كان زايد حينما كان يعرضها عليه قد قال له (إذا لم تتزوجها سأتزوجها أنا..)



لربما كان قد تزوجها قبل زواجه الأول حتى..



لم يستطع مطلقا استساغة أن تكون عفراء لزايد.. أن تكون زوجة لزايد



أن تكون حلالا لزايد



مستعد أن يضحي بحريته ورغبته في العزوبية من أجل ألا يتحقق هذا الأمر...



.



بعد ذلك..



حينما أقدم على الفكرة راقت له.. راقت له بالفعل ولأبعد درجة..



شعر أن هناك روحا جديدة اقتحمت حياته المختنقة بالرتابة والملل



ورفض عفراء أثار عناده ورغبته فيها أكثر وأكثر



وجودها المختلف.. صوتها الرقيق الحنون.. حواره معها.. أشياء تمنى ألا تختفي من حياته..




ثم في الختام سيجد له روحا إنسانية تتحاور معه في لياليه الطويلة الباردة التي يقضيها وحيدا دون أنيس



وبعيدا عن التسرع الذي قاده لخطبتها في البداية وبعد التفكير العميق.. وجد أن عفراء تعد خيارا مثاليا..



سيدة رزينة.. لن تصيبه بالجنون الذي أصبنه به زوجاته السابقات.. لن تحاول تقصيص أجنحته أو حد حريته



الأمر المرفوض تماما عنده.. وهو من يشعر أنه نسر محلق ويريد أن يظل هكذا على الدوام..



والشيء الاخير أنه بالفعل ليس لديه رغبة في انجاب أطفال بعد هذا العمر.. وأي زوجة بظروف عادية سترغب حتما أن تنجب



بينما عفراء لديها ابنة.. ولا يعتقد أن فكرة الإنجاب ستبدو مغرية لها..



لذا أصبحت عفراء تمثل له خيارا مثاليا عقلانيا لإيجاد شريكة تكمل معه مابقي من سنين حياته



.



وهاهو يمسك هاتفه بين يديه.. وينفصل عن كل ضجيج المجلس وهو يفتح رسالتها التي شعر فورا أنها تحتوي شيئا مهما



فلا يعقل أن عفراء برزانتها المعروفة سترسل له شيئا غير مهم:




" أنا موافقة عليك وعلى شروطك



عزايمك فوق رأسي



والعيال عندي الحمدلله بنت



و أنا أساسا مالي خلق حمل وولادة عقب ذا السنين



بس أنا بعد عندي شرط"




منصور كان بوده أن يتصل بها فورا.. ولكنه لم يستطع ترك ضيوفه أو الانشغال عنهم.. لذا بقي يتقلب على جمر حتى غادر آخر ضيف



كانت الساعة قاربت منتصف الليل.. وعفراء بالفعل خلدت للنوم حين تعالى رنين هاتفها



التقطته بجزع وجميلة هي من تخطر ببالها: نعم من؟؟




منصور بثقة: من؟؟ أنا منصور




عفراء انحدر صوتها لحرج شديد به رنة قلق: عسى ما شر يا أبو زايد.. حد فيه شيء؟؟




منصور بذات الثقة: أعتقد بيننا كلام معلق..




عفراء بضيق: أبو زايد مافيك تصبر للصبح.. صحيتني من نومي..والوقت أبد مهوب وقت اتصال حتى لو كنت أنا مانمت




منصور بابتسامة: وأنا أقول البحة الحلوة هذي من وين جايه.. أثرها من أثر النوم..




عفراء شرقت واتسعت عيناها دهشة وحرجا وهي تكح بصوت مسموع



بينما منصور أكمل حديثه بثقة وكأنه لم يكد أن يتسبب بأزمة قلبية لمن يحاورها بجرأته:



دام أنتي وافقتي علي.. مسألة الوقت صارت مسألة شكلية



واعتبر أني أقدر أتصل في أي وقت



والحين أبي أسمع شرطش.. لأني أبي الملكة بعد بكرة وتجين بيتي على طول.. وبكرة الصبح مهرش بيكون في حسابش..




عفراء بدأ رأسها يؤلمها من الحرج من هذا الجريء الذي اقتحم أمسيتها الهادئة ولكنها حاولت دفع الثقة في صوتها وهي تقول:



أنت عارف إن يمكن يكون سبب ترددي في الموافقة عليك هو طلاقاتك الثلاث.. حسيتك واجد تتسرع في الطلاق



وكأنه هو الحل الأول عندك مع أنه مفترض يكون الحل الأخير بعد استنفاذ كل الحلول..



لكن بصراحة هذا بيكون شرطي الوحيد..




منصور بتساؤل فخم: مافهمت قصدش بصراحة




عفراء بثقة: بنتي الحين ما اراح أبلغها بزواجي عشان ماشيء يأثر على علاجها.. لكن هي مسيرها تعرف



فلو موضوع الزواج ضايقها وطلبت مني أني أتطلق.. تطلقني..




منصور بغضب مكتوم وهو يصر على أسنانه: لذا الدرجة مرخصتني من أولها.. تبين أطلقش لو بنتش بغت.. وش ذا الخبال..




عفراء بذات الثقة الهادئة: يا أبو زايد.. بنتي وحدة مريضة.. وما أدري وش ظروفها بترسى عليه.. ما أدري حتى لو هي بتستمر مع زوجها أو لا



أنا أبي أتحسب للظروف بس.. وتأكد إن بنتي لو طلبت إني أتطلق بيكون عشان ظروفها ما تحتمل وجود زوج أم



يعني يمكن تكون هذي احتمالية واحد في الميه.. وأنا أبي أحطك في الصورة



ومثل ما أنا وافقت على شروطك اللي ما أعتقد إنه فيه حد بيوافق عليها



تقدر توافق على شرطي أو ترفضه.. هذا احنا على البر




منصور يريد أن يهشم الهاتف بين أصابعه من شدة ضغطه عليه ومع ذلك أجاب بحزم:



ما أعتقد إن جميلة ممكن تجبرش على قضية الطلاق ذي...ما أدري ليه حاس إنش تلككين.. وتبين لش حجة..




عفراء بهدوء: يأبو زايد وحدة في عمري تأكد إن الطلاق صعب عليها وهي تتزوج عقب ذا السنين كلها



لكن أنا ما أبي أخلي شيء للظروف..




منصور بثقة: زين يا عفرا.. انا موافق على شرطش.. مع أنه إن شاء الله ماراح يصير..




عفراء بغموض: ما تدري يمكن أنت اللي تصير تبي تطلق.. متعود على السالفة




منصور بحزم: بلاها ذا الحكي المغطي.. وطاري الطلاق ذا ما أبي أسمعه..



وخلاص أتناش تنورين بيتش بعد بكرة إن شاء الله




حينها هتفت عفراء بحزم مغلف بخجل وأدب رفيع: بس تخطبني من أبو كساب.. ويكون هو وليي في عقد الزواج..



أنا مارباني غير زايد.. وما ينكر الفضل إلا البوار.. وأنا ما أنا ببوارة








***********************************





اليوم التالي



صباح جديد






صحا من نومه للتو على رأسها مستندا لكتفه..بعد أن كان حينما صحا لصلاة الفجر لم يجدها لأنها سبقته للقيام للصلاة



وحين عاد كانت صلت ونامت معتصمة بطرفها البعيد وكأنها بذلك ترسل له رسالة ما..



لذا ابتسم وهو يتنفس من قرب خصلات الذهب وأمواج العسل



يشعر كما لو كان يتنفس رائحة الحياة التي افتقدها طوال الأشهر الماضية



مال بعفوية حانية ليقبلها..



لكنها ما أن شعرت بأنفاسه القريبة الثقيلة على بشرتها مع نومها الخفيف حتى قفزت مبتعدة لطرف السرير



تبدلت نظرة الوله في عينيه لنظرة أخرى مجهولة.. وهو يقف دون أن يقول شيئا..



يغتسل ويرتدي ملابسه ويغادر دون أن يقول كلمة



بينما استغراب نجلاء منه يتزايد ويتزايد



وإحساس أقرب للوجل يتسرب لروحها



فهذا الرجل بردات فعله غير المسبوقة يبدو عصيا على التفسير..مجهولا بالنسبة لها



فهل تحاول اكتشافه من جديد؟؟



أو ما هذا الذي يحدث؟؟








*******************************








" منصور أنت من جدك؟؟



جاي تخطب عفرا؟؟ عقب ذا السنين كلها؟؟"




منصور يرد على اندهاش زايد بحزم: عفرا شارطة إنك وليها في العقد.. وأنا واحد مستعجل أبي أتملك بكرة وتجي هي لبيتي




حينها رد زايد بحزم غاضب: ودامكم متفقين وش شوري فيه؟؟




حينها هتف منصور باحترام فهو لا يرغب مطلقا في التقليل من قدر أخيه الكبير عنده: وش حن من غير شورك يأبو كساب



جعلني فداك أنا قلت لكساب يأخذ شورها قبل أخطب رسمي.. ويوم وافقت هذا أنا جيتك..




نظر زايد لمنصور نظرة مباشرة وكأنه يريد أن يسبر ماخلف الملامح المشدودة بحزم غامض (ماذا تخفي يامنصور؟؟)



هتف زايد بنبرة مقصودة: وممكن أعرف أسبابك اللي خلتك تبي عفرا عقب ذا السنين مع أني عرضت عليك واجد تاخذها



وأنت كنت تعيي.. وش اللي تغير؟




كان منصور على وشك أن يقول (اللي تغير إن كسّاب كان يبي يزوجها لك) لكنه أمسك عبارته التي بدت له وقحة جارحة وخالية من أي تهذيب



وقال بهدوء عميق فيه كم صراحة شاسع.. ففي نهاية هذه هي الحقيقة فعلا:



اللي تغير إني حسيت عمري راح وأنا عايش بروحي



تعبت يأخيك من الوحدة.. وما أبي لي بنت صغيرة تجنني



أبي مرة عاقلة تونس وحدتي وأكون أنا وإياها على نفس المستوى من التفكير



ومالقيت أنسب من عفرا.. وإلا انا غلطان في الاختيار؟؟




ابتسم زايد: إلا أشهد أنك اخترت وأحسنت الاختيار.. بنت محمد نادرة.. وانا أشهد إنه مافيه مثلها في النسوان



الله يوفقكم..



وبكرة عشا ملكتك علي أنا وأنا اللي بأعزم عليه هنا في مجلسي..




منصور نهض ليقبل رأس زايد ويهتف بمودة شاسعة: اللي تقوله تم ولو أني كنت أبي العشا في مجلسي



بس مجلسي ومجلسك واحد.. جعل المجلس مايخلا من راعيه..








***********************************








"من البارحة مندسة مني يالخايسة"



همس جوزاء الودود وهي تقرص خد شعاع بمودة..




شعاع تبتسم وتهمس بعذوبة: أبي الحالة لين تستقر تمام ست جوزا.. وبعدين لقيت لي وقت أخلص المادتين اللي باقيات علي في الامتحانات



خوش حبسة جات بنتيجة...




جوزاء تبتسم: بس جد يا بنت أنش خطيرة... إذا انا صدعت روحي.. أشلون استحملتيني أنت




شعاع بمودة: لأجل عين تكرم مدينة.. تدرين إني ابي مصلحتش ومصلحة حسن..




جوزاء تتنهد: والله العظيم اشعيع.. ما أدري أشلون أشكرش إنش ما طاوعتيني وعطيتيني الصور



والله إني كنت أصارخ وكان ممكن أضربش لو فتحتي لي.. بس شيء في داخلي يقول يارب ما تفتح يارب ماتفتح



حسن البارحة جنني.. ونام وهو يبكي يبي صور أبيه..




شعاع برقة: بس صحا اليوم وهو ناسي.. وهذا هو المطلوب ياجوزا.. صدقيني بكرة بعد يمكن يطلبهم ويبكي



وبعد بكرة بعد.. ثم عقبها شوي شوي ويسج.. ولا تحاتين.. وراكم رجالة!!








*********************************








"ماشاء الله زايدة 2 كيلو"



هتاف داليا السعيد.. وهي تساعد جميلة لتنزل عن الميزان




لترد عليها جميلة بدون اهتمام: يعني رجعت دبة مثل أول..




داليا بمودة: إذا وصلتي لـ80 هذاك الوقت قولي دبة..




جميلة تمسك خصرها المتخشب وهي تهمس بوهن: من الحين دبة.. بس خلاص ما يهم.. اللي تبوني أكله بأكله



لو تجيبون لي خروف كامل كليته.. مايهم




داليا تبتسم: الرجال يحبون الوحدة المليانة.. شو يعني ما تبين تعجبين أستاذ خليفة..




جميلة بذات النبرة الواهنة غير المهتمة: أنا ما أبي أعجب حد.. وأولهم خليفة هذا




داليا بحذر: إلا أستاذ خليفة على غير العادة ساكت.. وما رضى يدخل معنا للميزان




جميلة ترد بألم .. غيظ.. عدم اهتمام: الأخ زعلان من البارحة.. خله يزعل لين السنة الجايه بعد..








**********************************








" في ويش سرحان؟؟ تدري إن فنجالك برد..



ياولد تعال خذ ذا الفنجال وصب غيره"




صوت مهاب يرتفع وهو يوجه حديثه لعبدالرحمن ثم لمقهوي مجلسه الذي تناول الفنجان من أمام عبدالرحمن



الفنجان الذي برد بعد انشغل عنه عبدالرحمن بأفكاره الخاصة وهمومه التي أخذته للبعيد




عبدالرحمن يقول بعمق وكأنه يحادث روحه: جايني منحة بحث في جامعة أمريكية ورفضتها.. مع إنها كانت بتكون في مصلحتي فوق ما تتخيل




مهاب بغضب: وليش ترفضها زين..؟؟




يتنهد عبدالرحمن: عشان أمي وخواتي... ابي صاير عصبي عليهم بشكل... كفاية اللي جاهم وأنا في بريطانيا



ماعندي استعداد ولا حتى واحد في المية إني أخليهم يعانون من جديد معه..




صمت مهاب.. فليس لديه ما يخفف به عنه..



رغم أنه كان يتمنى لو يحمل كل الهم عن توأم روحه.. ويدفنه في أعمق نقطة في روحه بعيدا عن حنايا عبدالرحمن الغالية




ثم أردف عبدالرحمن بذات العمق المتجذر: امهاب.. طالبك شيء




حينها انتفض مهاب حميةً.. وهو يهتف بحزم: تطلبني؟؟ آمرني وبس.. لو تبي رقبتي ماتغلى عليك




عبدالرحمن يبتسم: الرقبة وراعيها سالمين لي..



أنا أبي أوصيك وصية..




مهاب بدهشة: توصيني؟!!




عبدالرحمن بإيمان عميق: تدري يا سنايدي.. الدنيا موت وحياة.. وماحد يدري متى ساعته



وأمي وخواتي مالهم غيري.. الحين تطمنت على جوزا إنها عندك.. بس باقي شعاع وحتى أمي



امهاب وصيتي لك أمي وخواتي لو صار لي شي..




مهاب قفز بجزع وهو يهتف: فال الله ولا فالك




لتصدم يده بالدلة الحارة التي كان المقهوي يحملها وتنسكب القهوة المغلية على يده




عبدالرحمن قفز معه وهو يمسك بجزع مرتعب يد مهاب التي انسلخت فورا لشدة حرارة القهوة التي اُنزلت للتو من النار ويصرخ بغضب عارم:



قسما بالله منت بصاحي.. ماتشوف ذا الرجال ودلته..




مهاب يصرخ بغضب مشابه وهو ينفض يده بألم: إلا أنت اللي منت بصاحي.. أنت وذا الفال الشين




عبدالرحمن يشده خارجا وهو مازال يعنفه بغضب: أمش أوديك المستشفى يا الخبل.. والله ماعليك شرهة








**********************************








" هلا والله بالغالية.. أشلونش وش أخبارش طمنيني عنش"




مزون بابتسامة غلفت بها عمق شاسع به رنة حزن متجذرة: أخباري إني علقت سالفة الطيران كلها لأجل غير مسمى..



وسجلت ماجستير إدارة هنا في جامعة قطر وبأبدأ من فصل الخريف الجاي



فخلاص هروبك من الدوحة ماله داعي.. ارجع يأختك.. والله إني محتاجتك جنبي




علي بغموض: يصير خير يامزون.. يصير خير




تنهدت مزون لأنه لم يرح قلبها ثم أردفت بابتسامة: وعندي خبر أهم متصلة أقوله لك.. وأتمنى ماحد سبقني..




علي بتساؤل: اللي هو؟؟




مزون بابتسامة شاسعة: عمي منصور بيتزوج بكرة




علي بدهشة سعيدة: لا لا.. مستحيل أكيد هذي تأليفة من عندش..




مزون تضحك: والله العظيم بكرة ملكته والعروس بتجي لبيته على طول



ثم صمتت لثانية وأردفت بنبرة مقصودة: وخالتي عفرا بعد بتتزوج بكرة




حينها شهق علي من الصدمة: لا هذي أكيد من عندش.. مستحيل خالتي تتزوج




صوت ضحكات مزون يتعالى: بسم الله عليك.. والله العظيم من جدي..




علي مازال مصدوما: عمي وخالتي في يوم واحد وش ذا الصدفة..



ثم أردف كالمضروب على رأسه وهو يشهق: إلا لو.. معقول...؟؟




مزون مازالت تضحك: أول مرة أدري إنك متنح كذا ياعلي... إيه معقول.. عمي بيتزوج خالتي بكرة...




حينها بدأ علي يضحك بسعادة حقيقية: والله العظيم مايردني من الجية للدوحة شيء إن شاء ربي..



أنا بأرتب وضعي اليوم وخلاص جايكم الدوحة إن شاء الله



مستحيل أفوت مناسبة مثل ذي..



عمي وخالتي مع بعض.. معقولة؟؟ والله لحد الحين ماني بمصدق..



كني في حلم!!







****************************







"وين وضحى؟؟ ماشفتها اليوم.."



همس كاسرة الهادئ




مزنة تصب فنجان قهوة لوالدها.. وتقربه من يده حتى تضعه في باطن كفه وتحكم إغلاق قبضته عليه وتهمس بطبيعية:



خبرش بكرة آخر امتحان عندها وتدرس



حتى أبي أودي شبكة سميرة ومهرها.. وهي مترجيتني تقول تبي تروح معي.. فبنروح بكرة قبل المغرب



لولا إن عرسش عقب 3 أسابيع وإلا كان قلت لش تروحين معنا..




كاسرة تميل على كتف جدها لتقبله ثم تهمس لأمها وهي تتجاهل حديثها عن موعد زواجها: قومي يمه أنا بأقهويكم




مزنة بمودة: خلش جنب جدش.. أنا مشتهية أتقهوي وأقهويه..




كاسرة تلمس طرف لحيته الطويلة وتهتف بحنان: شعره ولحيته تبي ترتيب بأقول لامهاب يجيب له الحلاق بكرة..




الجد حينها هتف بوهن: تو الحلاق كان عندي ماله حتى أسبوعين..




كاسرة تحتضن عضده بقوة وهي تلصق خدها بكتفه وتهتف بمودة شاسعة: أنا أبي شكلك مرتب.. عشان نذوب قلوب العذارى الذايبة فيك




الجد يبتسم: أشهد أنهم على العازة اللي مالقوا لهم حد يذوبهم غيري




كاسرة تبتسم له بعذوبة خلابة: إلا كلهم نظر.. إذا أنت ما تذوب القلوب من اللي كفو يذوبها..




الجد حينها هتف بعمق: يالله حسن الخاتمة يأبيش.. أنا أشهد أني خذت حقي من الدنيا..




وحينها قفز ضيقها للذورة فورا.. ولكنها لم ترد عليه.. تعبت من تكرار الحكي والاعتراض..



صمتت.. ولم تجد شيئا سوى الصمت




عم الصمت لدقيقة لتقول مزنة بعفوية: بلغتي شغلش بموعد عرسش على أساس تأخذين إجازة؟؟




كاسرة حاولت تنحية ضيقها من حديث جدها جانبا: مابعد.. تو الناس..




مزنة بهدوء: وش تو الناس.. عرسش عقب ثلاث أسابيع... بلغيهم من الحين عشان يوافقون على الإجازة..



وخذي لش فوقهم أسبوعين والا ثلاثة من رصيد إجازتش



ذا السنة ماخذتي أي شيء منها




كاسرة بحزم: مافيه داعي أخذ من إجازتي السنوية شيء.. كفاية الأسبوعين إجازة الزواج




مزنة بحزم أشد: أنتي عارفة إنه نظام بيع الاجازات ألغوه.. ولو ماخذتي الإجازة بتروح عليش..




كاسرة بثقة: خلها تروح.. كفاية أقابل وجهه أسبوعين.. تبين أقابله شهر..




حينها هتفت مزنة بحزم بالغ الشدة: كذا يعني.. ها والله ثم والله إن قد تأخذين رصيد إجازتش كامل فوق إجازة الزواج




حينها وقفت كاسرة وهي تنتفض غضبا: يعني عشان دارية إني ما أقدر أفجرش يوم حلفتي تسوين فيني كذا



يعني أنتي تعاقبيني على صراحتي.. أنا كان أقدر أقول لش زين.. وعقب أسوي اللي في رأسي



يعني هذي جزات صدقي معش..




حينها وقفت مزنة وهي تهتف بغضب مشابه: كم مرة قايلة لش إذا قدش تحاكيني يا بنت بطني قصري حسش...





"وش فيكم صوتكم طالع؟؟"



قاطع نقاشهم الحامي الوطيس صوت مهاب العائد من المستشفى بضماد شاش خفيف جدا فيه مادة دوائيه على يده



ولابد أن ينزعه بعد قليل لأن الحريق لابد أن يكون مكشوف



وهو يحمل كيس مراهم الحريق في يده




الاثنتان شغلتا عن كل شيء به وهما تنظران بجزع ليده.. وإن كانت كاسرة عجزت عن التعبير عن اهتمامها وجزعها بانتاج الكلمات



فإن مزنة صرخت بقلق جازع: وش فيك يأمك؟؟




مهاب بهدوء: حرق بسيط من قهوة..




مزنة بقلق: وحرق بسيط يخليك تلف يدك وشكلك جاي من المستشفى بالكيس اللي في يدك




مهاب يصلهم ليقبل رأس والدته وجده الذي كان في عالم آخر حينها كما صار يحدث له مؤخرا



ويبعثر شعر كاسرة بيده السليمة ويبتسم: والله العظيم بسيطة.. وأقلها حصلنا لنا إجازة طبية أسبوع




حينها همست كاسرة بهدوء فيه رنة قلق: خلني أشوف يدك.. أشلون تقول بسيطة.. ويعطونك إجازة طبية.. لا وأسبوع كامل



أنت عارف حتى يوم واحد ما يعطون إلا بطلوع الروح




مهاب جلس وهو يهتف لجده باحترام ودود: أشلونك يبه اليوم؟؟



ثم يلتفت لكاسرة ويبتسم: يا شين تدقيقاتكم يارؤساء الأقسام أنتو.. توقفون المراكب السايرة



الله رزقني بإجازة.. حاسدتني أنتي..




كاسرة بذات هدوءها المحمل برنة قلق وهي تحاول كبح جماح قلقها الاكبر خلف هدوءها الواثق:



زين وش يضرك لا وريتني.. أصلا الحرق مهوب زين يتغطى




مزنة ساندتها وهي تهتف بحزم: إيه يأمك خل نشوف حرق يدك زين وإلا مهوب زين




ليرد الجد أخيرا وهو ينتبه لما حوله: سلامتك يأبيك ماتشوف شر.. أش قومك ما تريح أمك وأخيتك وتوريهم يديك



كود يتريحون إذا شافوك طيب




مهاب وقف وهو يبتسم وهو يخفي خلف ابتسامته إحساسه بألم مريع في يده التي تآكل جلدها الخارجي وهتف بذات الابتسامة:



قلت لكم طيب .. تبون السالفة كايدة غصب



ثم هتف وهو يستعد للمغادرة: بانسدح شوي لا حد ينسى يقومني لصلاة المغرب




مهاب صعد.. بينما كاسرة التفتت لامها وهي تهمس بقلق: والله يمه إن حرقه مهوب زين وإنه مستوجع منه



وإلا متى كان امهاب يرقد ذا الحزة إلا كنه جاي من رحلة







**************************







"خالتي يا الله نروح السوق بسرعة"




عفراء ترفع شعرها وتربطه وهي تنزل درجات السلم بهدوء وتقول بذات هدوء خطواتها: الناس يقولون السلام عليكم أول




مزون باستعجال: السلام عليكم ويالله نروح صار لي ساعة أنتظرش تصحين من النوم




عفراء ترد بصوت مازال أثر النوم فيه: اليوم أصلا ما طلعت من المدرسة إلا وأذان العصر يأذن.. جيت البيت صليت العصر نمت على طول



حتى كساب ما أدري شيء عنه.. ما أدري لو تغدى وإلا لا




مزون تنهدت.. لا تستطيع التغلب على هذا الحزن مهما مرت السنوات دونه.. بعد أن كانت من تعرف كل تفاصيل يوم كسّاب بدقة..



أصبح يومه وما يفعله فيه مجهولا لها.. وحتى بعد أن كان قلبها يطمئن برؤيته صاعدا أو نازلا من غرفته



حُرمت من هذا الشيء وهو ينتقل للإقامة مع خالته من بعد خروجه من التوقيف..




هتفت حينها مزون بهدوء ساكن: كسّاب يصرف نفسه.. قومي نروح للسوق




همست عفراء بهدوء: تبين شيء من السوق يعني؟؟




توسعت عينا مزون دهشة: أنا أبي شي من السوق؟؟ و اللي بتروح لبيت رجالها بكرة ماتبي شي من السوق؟؟




حينها وقفت عفراء وهي تتجه للمطبخ: أنا ما أبي شيء أبد.. بأقوم أسوي قهوة وشاي..أتقهوى أنا وياش




مزون حينها وقفت وهي تهتف بحزم: بأقول للخدامة تسوي.. وانتي اطلعي البسي عباتش..




عفراء بهدوء: يأمش إذا أنتي تبين شيء وديتش.. شيء ثاني أنا آسفة




حينها قالت مزون بخبث: إيه والله ناقصني أشياء واجد.. وديني خالتي تكفين..




حينها عادت عفراء وهي تتجه للدرج: خلاص خلي الخدامة تسوي لنا كأسين كرك... بس نعدل المزاج على السريع



وأنا طالعة ألبس عباتي.. وكلمي جينا تشغل السيارة...








*************************








" يمه... نجلا كلمتش اليوم؟؟"




أم غانم المشغولة بالتبديل لصالح الصغير ترد بهدوء منهمك: إيه كلمتني..




سميرة بتردد موجوع: ما سألت عني؟؟




أم غانم بعفوية: والله مش فاكرة.. أكيد سألت..




حينها ردت سميرة بحزن لا يشبه أبدا روحها المطرزة بابتسامتها الدائمة: إيه صح.. أكيد سألت عني




أم غانم بذات العفوية وهي تزيح صالح جانبا ثم تنتقل لمها الصغيرة لتبدل لها ملابسها: وأنتي زاكرتي زين؟؟ بكرة آخر امتحان صح؟؟




سميرة بعدم اهتمام: ذاكرت يمه.. هو أصلا امتحان سهل..



ثم أردفت بتردد: يمه ممكن بكرة أروح لنجلا..




"إذا كانت هي هربت مني



فلن اسمح لها بمزيد الهروب



إن كانت ترفض أن تكلمني ..ستجدني أمامها



لن تفلتي نجلا.. لن أسمح لكِ ان تبتعدي وتبعديني



أي قسوة هذه تقترفينها ضدي؟؟



تبتعدين عني وأنتِ تعلمين أن الحياة لا نكهة لها بدون رضاكِ وابتسامتكِ وحنانكِ ؟؟"




أم غانم ترد وهي منهمكة: ماعليه يأمش مايخالف.. أوديش بكرة عقب المغرب إن شاء الله



لأنه أم امهاب كلمتني تبي تجي العصر قبل المغرب يعني... إذا راحت أم امهاب رحنا لنجلا ولا يهمك







******************************








طرقات هادئة على بابه..



يخفي يده في زاوية غير مرئية جواره ويهتف بصوت عال: ادخل يا اللي عند الباب..




تدخل كاسرة بخطوات هادئة وهي تحمل بين يديها صحنا فيه مجموعة من الشطائر الصغيرة المتنوعة وكأسا من العصير



وهي تبتسم: أخينا الكبير مسوي نفسه تعبان ويتدلع وحتى العشا ما تعشى..




مهاب يبادلها الابتسام: من وين الشمس طالعة الشيخة كاسرة بنفسها جايبة لي عشا..




كاسرة بهدوء واثق : يعني من بيجيب لك؟؟.. وضحى ماعلمناها عشان ماتسوي فيلم هندي وهي عندها بكرة أخر امتحان




لم ولن تخبره أنها أصلا من أعدت عشاءه له حين أخبرتها والدتها أنه رفض أن ينزل للعشاء



وتحجج أنه شرب كثيرا من القهوة والشاي في المجلس حينما عاد من صلاة العشاء



ولكن كاسرة فهمت فورا أنه لا يريد أن يمد يده أمامهم حتى لا يعرفوا مدى سوء إصابته




كاسرة سحبت طاولة صغيرة ووضعتها بقرب سريره ووضعت العشاء عليه ثم جلست جواره وقالت بحزم:



يا الله ورني يدك اللي أنت داسها وراك..




مهاب مد يده لها ببساطة.. ولو كانت وضحى أو حتى أمه القوية من طلبت ذلك لتردد أن يصدمهما بمنظر يده المتسلخة



ولكن كاسرة لا يخشى عليها الصدمة.. فهي مضادة للصدمات في نظره..




كاسرة تمنت أن تشيح بنظرها وقلبها يقفز في حنجرتها وهي تتأكد الآن من مقدار الالم الذي يعانيه



ولكنها لم تستطع الإشاحة بنظرها حتى لو أرادت.. فهذا لا يتناسب مطلقا مع شخصيتها المرسومة للجميع وأمام الجميع




سحبت لها نفسا عميقا قبل أن تجيب بحزم: يعني مستوجع؟؟




مهاب يجيب ببساطة وهو يرجع كتفيه للخلف: شوي.




حينها وقفت كاسرة.. كانت تتمنى بداخلها لو استطاعت البكاء.. ولكنها لا تعرف كيف يبكون



وكما هي على الدوام :لم تخلق يوما لتبكي



لذا هتفت وهي تصر على أسنانها بغضب: لا مهوب شوي.. واجد وواجد بعد



وش فيها لو خليتنا نشاركك شوي في إحساسك..؟؟



دامك مستوجع كذا.. أقلها قول إيه أنا مستوجع..



خلنا نقول لك كلام مؤازرة سخيف.. ونقول سلامتك وما تشوف شر وفي العدوين ولا فيك..




حينها ابتسم مهاب وهو يكاد يضحك: دامه كلام مؤازرة سخيف أنا وش عازتي فيه؟؟




كاسرة بذات الغضب: كذا.. عشان هذا هو طبع البشر.. يحبون حد يخفف عنهم بالهذرة..




حينها هتف مهاب بنبرة مقصودة: يعني أنتي لو كنتي مستوجعة من أي شيء.. تبين لش كلام مؤازرة سخيف بعد؟؟




كاسرة صمتت ولم ترد عليه.. حينها أكمل مهاب حديثه بحزم: يا بنت أمي .. أنتي لو تكونين بتموتين من الوجع جسدي وإلا نفسي



ماقلتي لأحد أنا مستوجعة.. مستكثرة علي أنا الرجّال أحتفظ بوجعي لروحي








**********************************








تجلس أمام المرآة.. تنظر لنفسها.. مشتتة.. وتغتالها الحيرة.. تشعر أنها تقف على أرض رخوة تميد بها




" ما الذي يحدث بيني وبين صالح؟؟



تغيير صالح يصيبيني بالحيرة



صالح الصامت المتجاهل.. مخلوق غريب بالنسبة لي



سابقا كان من الممكن أن اتوقع ردات فعل صالح



فهو لا يكل ولا يمل من التعبير عن مشاعره بكل الصور



كنت أتوقع أن هذا هو ما سيفعله.. وأنا سأتقوقع داخل برودي



حتى يصفى ذهني للتفكير في مشكلتنا



فإذا به يفاجئني ببروده غير المعتاد..



منذ أن عدت للبيت.. ماعدت أراه حتى.. لا يهاتفني إلا لحظات ومن أجل الصغيرين فقط



لا أنكر محاولاته للتقرب.. ولكنها محاولات لا تشبه صالح حتى



فهذه المحاولات الخجولة المترددة التي تتوقف فورا مع صدي الأول له



لا تشبه أبدا صالح الجريء الذي لا يقبل الرفض مطلقا



وأنا من كنت أخشى أن تنهار مقاومتي له مع قدرته الغريبة للتسلل لطيات قلبي



وهو يذيب هذا القلب مع غزله المنتقى بعناية



ولكنه حتى الآن لم يلجأ إلى هذه القدرة.. أو ربما كان فقدها



وأنا أقف أمام صالح جديد يشعرني بالحيرة لعدم قدرتي على توقع ردة فعله القادمة"




وهي غارقة في أفكارها.. دخل بخطوات هادئة واثقة.. سلم بهدوء وردت السلام بتوتر



اقترب منها ثم مال عليها ليقبل كتفها.. حين رأته يهوي عليها كان بودها أن تبقى ساكنة.. حتى ترى ماذا ستكون خطوته التالية



ولكنها لا تضمن ردات فعل صالح ولا حتى رداتها المشوشة وهي لا تريد أن تفاقم المشكلة قبل أن تحلها



عدا أنها فعلا غير متقبلة لأي لمسة من صالح مع غضبها منه.. لذا مالت بجسدها جانبا ونهضت قبل أن تصل شفتيه لكتفها




صالح هز كتفيه بعدم اهتمام ثم اتجه للسرير وجلس على طرفه وهو يهتف ببرود حازم:



نجلا ..اليوم ثالث يوم لش من يوم رجعتي لبيتش.. وأنتي حتى اللمسة العفوية اللي والله ما اقصد منها شيء منتي بمتقبلتها مني..



خلاص الرسالة وصلت يا بنت عمي..




أكمل عبارته ثم نهض بحزم وهو يخلع ملابسه ويتجه للحمام.. بينما نجلاء تتساءل في داخلها



( أي رسالة اللي وصلت؟)







********************************








" بصراحة أنتي استخفيتي على السوق اللي خليتيني أشتريه اليوم"




عفراء المنهكة تلقي بالأكياس وترتمي على الأريكة




مزون تلقي بأكياسها وترتمي بجوارها وهي تبتسم بتعب: صدق زطية ياخالتي.. الحين عمي حاط في حسابش فلوس وش كثر



مهوب هاين عليش تشترين كم شغلة تلبسينهم قدامه.. تحسسينه إنه فعلا رجّال متزوج..




حينها اعتدلت عفراء بحرج: ليه عمش حط في حسابي شيء؟؟ ما انتبهت.. بعدين الملكة عادها بكرة.. ليه يحط اليوم..




مزون تبتسم: يعني ما انتبهتي للتضخم في رصيدش وأنتي تسحبين اليوم..



وثاني شيء إيه لازم منصور يدفع دم قلبه.. تبينه يتزوج بلوشي..




عفراء ترد عليها بثقة باسمة: الحمدلله ترا خيري واجد من قدام عمي.. عشان كذا ما انتبهت للبهانس اللي عمش حطها في حسابي




حينها انفجرت مزون ضاحكة: إخس ياخالتو والله منتي بهينة



ثم أردفت مزون بحماس: يا الله ياخالتي يانا متحمسة لبكرة.. أحس بكرة يوم أكشن من أوله



من بكرة الصبح بأروح لبيت عمي أنا وشغالات بيتنا.. أشوف شنو قاصره وش يبي ترتيب.. خبرش ترتيب صبيان



ما يعرفون في الترتيب شيء.. وهم في صوب والنظافة في صوب..




عفراء نهضت وهي تهتف بهدوء: خلش في تخطيطاتش وأنا خلني أقوم أجهز حق المدرسة بكرة..




مزون تمسك بخالتها وهي تقول بدهشة: من جدش خالتي بتروحين بكرة المدرسة..




عفراء تهز كتفيها باسمة: أكيد بأروح.. وليه ما أروح يعني؟؟

همس المشاعر
09-29-2011, 06:28 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الرابع والعشرون







"وش فيش شكلش تعبانة موت وطافية؟؟"




كاسرة بإرهاق: لأني فعلا طافية.. وما نمت أساسا وتقريبا جايه مواصلة




فاطمة بقلق: ليش عسى ماشر؟؟




كاسرة بتعب: امهاب محترق حرق شين.. أنا من لما شفته البارحة كنت متأكدة إنه لازم بتجيه حمى عليه في الليل لأنه شكله ملتهب



عشان كذا ماقدرت أنام وأنا كل شوي أطل عليه..




ثم ابتسمت بحنان: وأمي وتميم كان عندهم نفس التفكير.. كم مرة تقابلنا ثلاثتنا عند باب غرفته



أخرتها تميم جاب فراشه ونام عنده.. وفعلا قبل صلاة الفجر ارتفعت حرارته فوق الأربعين ووداه تميم للمستشفى ولحد الحين مارجعوا




فاطمة بتأثر عميق : زين والآنسة رقيقة وينها عنكم..




كاسرة بابتسامة مرهقة: وضحى ماقلنا لها شيء.. لأنه اليوم آخر امتحان عندها.. ولو كانت عرفت والله ماتدرس شي



وكان عسكرت عنده في غرفته.. والحين إذا درت بتزعل علينا..




ثم أردفت وهي تنهض: أنا بأخذ أذن باتطمن على امهاب وبأرجع البيت أنام خلاص ما أقدر.. تعبانة




وهي تنهض رن هاتفها.. التقطته بعفوية.. صوت أنثوي رقيق..



بعد السلامات المتحفظة لأنها لم تعرف من المتصلة همست كاسرة بلباقة حازمة: عفوا من أنتي؟؟




الصوت الأنثوب بذوق رفيع: أنا آسفة سامحيني.. حسبت أنش عرفتي صوتي



بس طبعا مهوب كل الأصوات مثل صوتش ما تنسى



أنا مزون بنت زايد أخت كسّاب..




حينها رحبت بها كاسرة بلباقة رغم استغرابها اتصالها.. لتهتف لها مزون بعذوبة: الليلة بيكون زواج عمي منصور من خالتي عفرا



طبعا ماراح يكون فيه حد.. أنا بأعزمكم أنتو بس.. تفضلوا أنتي والوالدة وأختش




حينها اعتذرت كاسرة منها بذات اللباقة: سامحيني والله كان بودنا.. بس والله عندنا ظرف يمنعنا




حينما انتهى الاتصال سألت فاطمة عن الاتصال الذي بدا غريبا لها وأخبرتها كاسرة



لتبتسم فاطمة وتسأل بخبث: وليش ما تبين تروحين؟؟




كاسرة تقف وترتدي نقابها وتهتف بحزم: يا شينش لا سويتي روحش غبية.. ماعليش مردود..




فاطمة تضحك: يعني عشان عرسش قرب بتحبسين روحش ما تقابلين الناس



ذا الشيء كلش ما يركب عليش..



لا تكونين مستحية بس؟؟




كاسرة تستعد للخروج وتهتف بثقة: حتى لو ماكنت مستحية.. أنا وحدة أعرف الأصول..



يا زيني رايحة لبيته وأنا عرسي عقب 3 أسابيع!!!









****************************








" هلا والله أبو علي؟"




منصور بابتسامة: وهلا والله بأبوخالد عقبال ما نشوف خالد قريب..




فهد باحترام شاسع: في حياتك إن شاء الله.. وتراني بأسمي الأول منصور




منصور بفخامة: يبشر منصور الصغير بسماوة ماجات لمولود في الدوحة..




فهد بابتسامة: كفو يأبوعلي كفو..




حينها هتف منصور بمودة وبلهجة حازمة أقرب للأمر فيها رنة غموض:



زين أنا أبيك تجيني عقب صلاة العشا في مجلس أبو كساب..




فهد باستغراب: حاضرين.. ليه فيه شيء؟؟




منصور بابتسامة: أبيك تشهد على ملكتي... وعقبه العشا عند أبو كساب



وأنت والوالد وأخوانك كلكم معزومين




فهد بصدمة كاسحة: من جدك حضرت العقيد؟؟ أنت بتزوج؟؟




منصور انقلب صوته من الابتسامة للحزم: ليه مواضيع مثل ذي فيها شيء غير الجد




فهد بحرج: السموحة مهوب القصد



ثم بتر عبارته وهو يردف بحزم: خلاص تم.. أبركها من ساعة أنك تختارني أنا أشهد على عقد زواجك



وتبديني على القادة والضباط الكبار..




ابتسم منصور: أبي عيالي هم اللي يشهدون.. أنت وكساب..




انتهى الاتصال وألقى فهد بهاتفه جواره بقوة وانفعال..



الصوت الذي لفت انتباه صالح الذي كان يجلس جواره غارقا في تفكيره الخاص..ولم ينتبه لشيء من مكالمة فهد..



والاثنان كانا ينتظران والدهما وهزاع حتى يتغدوا سويا...




ابتسم صالح: وشفيك معصب يأخينا.. فكها الله يفكها عليك.. بغيت تكسر التلفون المسكين..



تراه ماله ذنب المسيكين..




فهد بضيق عمق كتم على نفسه: اسكت مني يا صالح.. ماني برايق لك..




صالح بذات الابتسامة: اخس ياوجه البومة وتنافخ بعد أنت ووجهك..



اعرف اشلون تكلم اخيك الكبير قدام أسنعك




فهد كأنه يكلم نفسه: العقيد بيتزوج الليلة وعازمكم كلكم في مجلس أخيه




صالح ضحك: عشان كذا زعلان.. المفروض تنبسط.. يالله عقدة العقيد انفكت.. باقي عقدتك..




فهد بضيق حقيقي: تدري إنك متفرغ..




حينها التفت له صالح بشكل مباشر وهو يقول له بجدية: الحين أبي أدري وش مضايقك



أدري أنك تحب منصور وتحترمه وتغليه.. المفروض تفرح له




فهد بذات الضيق العميق: منت بفاهمني ياصالح.. والله ما تفهمني..




صالح بذات الجدية الحازمة: جربني..




فهد كأنه يحادث نفسه: حضرة العقيد لي ولربعي مهوب مجرد قائد.. تقدر تقول اب.. رمز.. ملجأ لنا..



عمرنا ما تضايقنا وإلا صادفتنا مشكلة.. إلا يكون هو أول واحد نفكر نلجأ له



مجلسه أول مكان الواحد منا يفكر يروح له.. وحنا كنا نأخذ راحتنا في انه ممكن نتصل فيه أو نجيه أي وقت



لأنه حن ندري إنه ماوراه شيء يشغله.. لكن الحين مرة وعقب عيال..



تدري صالح.. حاس بإحساس اليتيم والله العظيم




حينها هتف صالح بحزم: إلا إحساس الأناني وأنت صادق..




فهد انتفض بغضب: أنا.. أناني؟؟




صالح بثقة: إيه أناني..



ثم أردف وكأنه يحادث نفسه: وأنتو ياعيال آل ليث.. أنانيتكم غير شكل.. مايهمكم إلا نفسكم ومشاعركم.. واللي غيركم بالطقاق



المهم يكون هو مسخر لكم وبس..




فهد بغضب متزايد: أنا ياصالح؟؟ أنا؟؟




رغم أن صالح في جزء الحديث الأخير كان يقصد فردا آخر من آل ليث غير فهد.. ولكنه عاد بذهنه إلى فهد وهو يهتف بثقة:



الحين يا الشيخ.. منصور آل كساب اللي عايش طول عمره لكم.. وعمره راح وهو لا ونيس ولا ولد



يوم جا بيتزوج.. تضايقت..



مسيره يشيب ويتقاعد.. وأنتو بتلهون في دنيتكم ولا حد منكم بطال في وجهه



تبونه أنت وربعك يقعد بس ستاند باي لكم.. حقكم بروحكم.. ومستكثرين عليه حقه في السعادة



وعقب ذا تقول أنك منت بأناني.. إلا أيش الأنانية غير هذي؟؟



يا الله قل لي..




فهد وقف وخرج وهو ينتفض غضبا من كلام صالح



والذي ضايقه أكثر أنه بالفعل كان كلامه على جانب كبير من الصحة








**************************








" ها وضحى منتي برايحة معي لسميرة؟؟"





وضحى بعتب رقيق: لا ما أبي أروح.. باقعد عند امهاب.. مهوب كفاية البارحة كلكم تدرون وما علمتوني




مزنة بهدوء حان: يأمش امهاب طيب.. وهذا هو في المجلس.. تبين تروحين يالله البسي..



ماتبين رحت للعرب عشان أرجع قبل آذان المغرب




وضحى تجلس وهي تهمس بهدوء: لا يمه باقعد.. أخاف امهاب يجي وما يلقى حد..





صوت كاسرة التي كانت تنزل الدرج يصلهم واضحا حازما: وليش ما يلقى حد.. هذا أنا موجودة..



تبين تروحين مع أمي لصديقتش روحي




وضحى بهدوء ساكن: مابي أروح.. أنا أساسا كلمتها وقلت لها..




مزنة ترتدي عباءتها وتستعد للخروج وهي تحمل أكياسا فخمة بيدها وتهتف بحزم:



أحسن بعد.. خلني أروح وأرجع بسرعة من غير مريس البنات وتمرطاسهم




كاسرة تجلس وهي تهمس بهدوء: وش سويتي في امتحانش..؟؟




وضحى من بين أسنانها لأنها كانت تعاني غضبا تحاول كتمانه: زين.. زين..



الامتحان التافه اللي ماعلمتوني بحرق امهاب عشان ما أنشغل عنه؟؟




كاسرة تنظر لها بنصف عين: إيه الامتحان التافه نفسه؟؟




حينها انفجرت وضحى بغضب: أنا أبي أعرف أنتو أشلون تسمحون لنفسكم تدسون علي موضوع مثل حرق امهاب



ويتعب ويروح للمستشفى وأنا ما أدري عن شيء.. ماكني بأخته وأختكم




كاسرة بهدوء حازم ودون أن تتغير جلستها المسترخية: قصري حسش.. تراني اسمع عدل..



مافيه داعي للاسراف في استخدام الحبال الصوتية عندش




وضحى تحاول السيطرة على نفسها وتفشل: زين ومتى استخدم حبالي الصوتية وأنتي كاتمة علي كل وقت..




كاسرة بذات الهدوء المثير: والله الطبقة العالية من الصوت ذي لها مواقف تقدرين تستخدمينها فيها



وأكيد مهوب منها أنش تبين تعاتبين أختش اللي ما بينش وبينها إلا شبرين..




ماقلنا لش عشان مصلحتش.. وإصابة مهاب شيء بسيط لاهو بمرقد في المستشفى ولا شيء




وضحى ينحدر صوتها بألم لأنها تحاول منع نفسها من البكاء.. فآخر ما تريده هو أن تبكي أمام كاسرة لتجده سببا فعليا لتعنيفها:



من حقي أدري.. وأنا اللي أقرر كايدة وإلا بسيطة..



حسسوني إني معكم في البيت.. إني ماني بطوفة في ذا البيت..



واشمعنى انتي تدرين وأنا لا ؟؟.. عشان أنا ما حد يهتم أدري وإلا عني مادريت بشيء.. بالطقاق




كاسرة بذات هدوءها الحازم: أنا دريت لأني كنت موجودة يوم دخل امهاب علينا



وأما على سالفة طوفة وماحد يهتم.. فعمري ماشفت وحدة تحور الحقايق مثلش..



لا تكبرين السالفة وهي صغيرة.. امهاب طيب ومافيه إلا العافية.








********************************








سميرة وأم غانم وصلتا بعد صلاة المغرب مباشرة..



وهاهي سميرة تجلس مع والدتها وأم صالح وهي تشعر كما لو كانت تجلس على نار متوقدة..



تود أن تصعد لنجلاء ولكنها تخجل أن تجد أحدا في طريقها..



وخصوصا ان عالية ليست هنا.. لترى لها الطريق..فهي مع خالها نايف من بعد صلاة العصر..



عدا أن عالية بنفسها حكاية آخرى تحتاج الحل.. بعد الكلام القاسي الذي جرحتها به في زيارتها الأخيرة لهم




سميرة تنحنحت: خالتي أم صالح.. أبو خالد هنا وإلا أطلع لنجلا؟؟




أم صالح بحنان: لا يامش صالح أصلا ما رجع هنا من يوم طلع من صبح



روحي يأمش استعجليها.. أنا أرسلت عليها الخدامة تعلمها.. قالت بتلبس وتنزل الحين




سميرة صعدت بخطوات مترددة.. حتى وصلت لباب غرفة نجلاء.. تنهدت بعمق.. وطرقت الباب بخفة



وصلها صوتها العذب الغالي على قلبها: دقيقة بس.. ألبس




انتظرت قليلا ليفتح الباب وتظهر على عتبته نجلاء التي تغلق أزرار قميصها الأخيرة وهي تفتح باستعجال..



لتجف يدها على زرار عنقها الأخير وهي ترى العينان الدامعتان الظاهرتان من فتحتي النقاب




سميرة خلعت نقابها وكأنها تريد من نجلاء أن ترى تأثير مافعلته به على ملامح وجهها المرهق..



نجلاء تأخرت خطوتين للداخل وهي تهمس بنبرة مموهة غير واضحة الملامح وهي تتحاشى النظر لسميرة:



ادخلي.. دقيقة بس أسوي شعري وأنزل..




سميرة دخلت واغلقت الباب .. بينما نجلاء توجهت للتسريحة حتى تمشط شعرها..



ولكن سميرة لم تسمح لها بتنفيذ ماخططت له لأنها شدتها لتجلسها على السرير.. ونجلاء طاوعتها وهي مازالت تتحاشى النظر لها



ثم ركعت سميرة جوار نجلاء وهي تنحني لتخفي وجهها في حجر نجلاء



ثم تنفجر في بكاء هستيري عال الشهقات



مثقل بالوجع لأبعد حد..




قلب نجلاء قفز لبلعومها وهي تشد سميرة عن الأرض وتجلسها جوارها وتحتضنها بحنو شاسع وتهتف بجزع قلق حنون:



وش فيش يالخبلة؟؟ هذا سنع وحدة جايبين لها شبكتها اليوم.. أمي يوم كلمتني قالت لي تو أم امهاب طالعة منكم




سميرة تدفن وجهها في ثنايا رائحة نجلاء وهي تشهق: والله ماحسيت بطعم شي وأنا دارية إنش زعلانة علي..



والله العظيم يانجلا إني ماقصدت أدس عليش شي.. الموضوع جا كذا بدون قصد..



والله العظيم إنش عارفة غلاش عندي.. أنتي أمي الثانية.. يهون عليش اللي سويتيه فيني.. من يوم طلعتي من بيتنا دمعتي ماجفت



أنا اللي كنت ما أبكي إلا في المناسبات الرسمية كل عشر سنين.. أصير صياحة كذا



تدرين يانجلا عادي عندي الدنيا كلها تزعل بالطقاق.. بس أنتي لا.. أنتي لا.. والله العظيم ضاقت علي الوسيعة من عقبش




نجلاء ازدحمت العبرات في حنجرتها.. لم يخطر ببالها مطلقا أنها تسببت بكل هذا الحزن لصغيرتها التي ماعرفت الحزن يوما



أن كانت سببا لاختفاء ابتسامة ماعرفت الانطفاء يوما



أنها كانت السبب أن تذرف العينان الغاليتان كل هذا الكم من الدموع




أنزلت شيلة سميرة على كتفيها وهي تدخل أناملها بحنان في خصلات شعرها وتهمس بحنان تخفي خلفه اختناق صوتها:



تعرفين حن العجايز نحب نتدلع.. ونجرب غلانا..




سميرة تمسح دموعها وتدعك أنفها المتفجر احمرارا الذي بدا احمراره واحمرار خديها شديد الوضوح في شدة بياضها وتبتسم أخيرا بعد كل هذه الأيام:



أنا قلت لش تدلعي على صالح.. شكلش فهمتي نصيحتي غلط




حينها ابتسمت نجلاء: نصايحش كلها تودي في داهية.. ماقدرت أتدلع على صالح قلت أتدلع عليش..




سميرة تضحك بصوتها المبحوح ضحكة طفولية مغردة: والله أني اشتقت لش.. تكفين ما تزعلين علي مرة ثانية



تدرين حتى شبكتي وكل هداياهم مارضيت أفتحها لين أنتي تجين وتفتحينها معي








********************************







انتهى عقد قران منصور وعفراء



.



أصبحا زوجين..



.



قرار متسرع .. ولكن العجيب أنهما فكرا فيه بحكمة



العمر يمضي.. والسنوات تمضي.. وسنوات غيرها قادمة لتحمل مزيدا من الوحدة والوحشة لكليهما



كل واحد منهما محتاج لروح يأنس إليها.. يشكو إليها همه.. تشاركه أفكاره.. تحاوره.. تحتويه وتشعره بكينونته البشرية



لم يعد أيأ منهما يبحث عن الحب ولا الولع ولا كل مسميات الغرام المتهاوية في نظرهما



كلاهما يبحث عن شريك حياة.. رفيق درب..



روح يشعر بالانتماء إليها حين يعود في نهاية اليوم من عمله يريد أن يجد من يسأله (ماذا فعلت؟؟ كيف كان يومك؟؟)



وليس مجرد بيت بارد تصفر رياح الوحدة في جنباته..





"مبروك ياعريس.. وأخيرا"




منصور ينظر لكساب ويبتسم بثقة: الله يبارك فيك..




كساب يبتسم: إن شاء الله الرابعة ثابتة.. وخصوصا أني شاهد العقد.. توقيعي بيجيب لكم البركة..




منصور بثقة رائقة: بركاتك ياعم كساب..




مشاعر مجهولة تغزوه.. ليست المرة الأولى التي يجرب هذا الإحساس.. ثلاث مرات سابقة..



فلماذا يشعر هذه المرة بالاختلاف..؟؟



لماذا يشعر بلهفة حادة لرؤية عفراء لم يشعر بها مطلقا مع زوجاته السابقات؟؟




يتمنى أن ينتهي العشاء بسرعة.. هذه الرسميات التي كان طوال عمره حريصا عليها.. يتمنى لو ينسفها الآن



يريد أن تمضي الساعات القليلة التي تفصل بينهما بسرعة..



حتى يستطيع أخذها لبيته.. يصبح له حق رؤيتها



معرفة سبب إحساسه العميق بالاختلاف هذه المرة..




"في كل زواجاتي السابقة.. كنت أشعر بضرورة الزواج وليس ضرورة الزوجة نفسها



علاقة اجتماعية رسمية لمظهري أمام الناس وأنجب أطفالا يحملون اسمي



ولكن هذه المرة الأمر مختلف.. مختلف



اهتمامي هنا هو بالمرأة نفسها



فلم يعد الزواج كمظهر اجتماعي يهمني.. ولم أعد أريد أطفالا



أريدها هي..



أريد روحها أن تنتمي لي أنا فقط



أريدها أن تحتوي روحي التي أتعبتها الوحدة والترحال"





كان منصور غارقا في أفكاره حينما سمع السلام الجهوري الذي أحدث موجه ترحيب هائلة سعيدة في كل أطراف المجلس الضخم



ابتسامة شاسعة ترتسم على وجه منصور.. بينما قلب زايد غرد رغم أنه بالكاد مضى ما يقارب عشرة أيام على رؤيته له




علي وصلهما ليسلم على الجميع.. ثم يهتف لعمه بمودة واحترام:



مبروك ياعريسنا.. كان مستحيل أخلي مناسبة مثل ذي تفوتني




منصور بمودة شاسعة وسعادة حقيقية: بصراحة مافيه أحلى من ذا المفاجأة..



كفاية تشوف التعبير اللي على وجه أبيك.. كنه واحد لقى شي مضيعه




زايد يبتسم ويهتف بعمق شفاف: ليته بس يرد علي ضايعتي على طول.. مهوب يشفقني فيها ثم يأخذها..




علي مال على رأسه ليقبله للمرة الثانية: مايصير إلا اللي يرضيك إن شاء الله




علي لا يريد إخباره أنه بدأ بالفعل في إجراءات عودته وطلب نقله لقسم آخر عدا التمثيل الخارجي



يريد أن يتأكد من انجاز الإجراءات ثم يفاجئه بالخبر..




علي يلتفت لكساب ويهتف بمودة صافية: ها نروح نشوف العروس؟؟




كساب يبتسم بسعادة حقيقية: يا الله..




زايد يهتف للاثنين بحزم: لا تاخرون.. عشان تقلطون الرياجيل على العشا..




علي يرد عليه بمودة واحترام شاسعين: خمس دقايق بس ونعوّد.. وحن اللي بنقلطهم..



.



.




في الداخل..




عفراء متوترة.. بل غارقة في توتر عميق قلق حاد



جوانحها تذوب قلقا



وأكثر ما تخشاه هو ردة فعل جميلة



ماذا ستقول لو علمت؟؟



لا تستبعد انها قد تقول (إنكِ تركتني هناك حتى تعودي وتتزوجي)



والكلام مهما كان موجعا لا يهمها.. ولكنها تخشى أن يكون لذلك تأثير على صحتها وتحسنها



لولا أنها صلت استخارة عدة مرات.. وكانت ترى نفسها شديدة الطمأنينة لهذا الزواج لم تكن لتقدم عليه



شعرت أن الله سبحانه يهديها لخير ما ..كرهت أن ترفضه..




مزون كانت متأنقة لأبعد حد.. رغم أنه لا يوجد أحد سواها وخالتها.. ولكنها شعرت بالرغبة في التأنق لهذا الحدث الاستثنائي



همست لخالتها بابتسامة صافية: عروستنا الحلوة وش فيها من يوم وقعت العقد وهي ساكتة..؟؟




عفراء تحاول ن تبتسم فتفشل وبجدارة فتهمس بهدوء: متوترة بس.. ليس إلا




مزون بمرح: مافيه داعي للتوتر.. هذا منصور آل كساب على سن ورمح..



ثم أردفت وهي تنظر للساعة: تدرين خالتي فيه مفاجأة لش كان المفروض إنها وصلت.. ما أدري ليه تاخرت




عفراء باستغراب متسائل: أي مفاجأة..؟؟




فور انهاءها جملتها.. تعالت طرقات على الباب.. لتقفز مزون بحماس: شكل المفاجأة وصلت ياخالتي..




فتحت الباب.. ليدخل علي يتبعه كساب.. ويشرق وجه عفراء بابتسامة حقيقية وهي تهتف بسعادة: علي؟؟




علي يتوجه ناحيتها ليحتضنها بحنو ويقبل رأسها ويهتف بمرح حنون:



بحب بشويش بس..ما أبي اخرب شكلش.. ماشاء الله تبارك الله



صدق أحلى عروس



ألف مبروك ياخالتي... سبحان الله.. والله انكم متناسبين.. ما أدري ليه ماعمره خطر ببالي..




علي يفلت خالته ويتوجه لمزون ويحتضنها بحنو دافئ وهو يلصق خده بخدها ويهمس:



عفية على اللي كتمت سر جيتي.. صدق كانت مفاجأة حلوة لهم..




بينما كساب يبتسم ويهتف بمرح مزاجه الرائق هذه الليلة:



ترا ماخطر ببالك لأنهم مهوب متناسبين... لا تألف من عندك..



عمك جلف وثقيل طينة.. وخالتي رقيقة وعسل




يلتف له علي ويهتف بمرح مشابه: إذا عمي جلف وثقيل طينة.. تراك مطوف عليه دبل الدبل.. الله يعينها بنت ناصر عليك




كساب بذات الابتسامة الدافئة: إلا الله يعين بنت ناصر عليكم.. من الحين حطيتوها علكة في ثمكم..




مزون كان وجهها يشرق بابتسامة دافئة كذلك.. ابتسامة حقيقية تَشَارَكها الأشقاء الثلاثة الليلة



حتى وإن كانت لا تشترك في الحوار.. فهي سعيدة جدا هذه الليلة



ولن تفسد سعادتها بالتفكير في أي شيء يكدرها



منذ زمن طويل لم تشعر بهذه السعادة.. شقيقاها أمامها مبتسمان سعيدان



خالتها الغالية تجد لها سكنا حانيا قويا تلجأ إليه



تكفيها كل هذه السعادة الليلة.. لن تطالب بالزيد!!



.



.





بعد حوالي الساعة




كساب يعود لبيت خالته.. لا يقول أي شيء.. فقط كان ينظر إليها بنظرة غامضة.. خليط من ود وعمق وغرابة وحنين



عفراء تهمس له بحنو: وش فيك يأمك تطالعني كذا؟؟




حينها انحنى كساب عليها وأمسك عضديها بخفة ليوقفها.. قبل جبينها ثم همس في أذنها بعمق حنون: عمي ينتظرش برا..



ثم أردف بابتسامة: كنت أبي أوصلكم.. بس هو مارضى.. يقول مايبي دريول..




حينها ارتعشت عفراء.. وشعر كساب بارتعاشها بين كفيه عاود الهمس في أذنها بحزم:



حتى لو كان عمي وغالي علي.. والله ثم والله لا أدري إنه قهرش وإلا ضامش وإلا حتى زعلش بأقل شيء



وأنتي ماقلتي لي.. إن قد يصير شيء مايرضي حد منكم..




عفراء تنهدت وهي تهمس بصوت مبحوح عانى ليخرج من حنجرتها الجافة توترا: جعلني ماخلا منك يأمك.. قول آمين




عفراء ارتدت عباءتها بذات التوتر الذي لا يفارقها



وخرجت فقط بحقيبة يدها.. فيها أوراقها الثبوتية.. محفظتها وهاتفها.. بعد أن أخذت مزون اليوم عصرا كل أغراضها ورتبتها في بيت منصور



تشعر كما لو كانت مسافرة فعلا.. تشعر بإحساس مسافر مهاجر.. يهاجر ليبدأ حياة جديدة مختلفة جذريا



مهاجر يترك كل ما عرفه وأطمأن له في وطنه ليتوجه إلى وطن آخر مجهول



ومهما وعده الوطن الجديد بالراحة والطمأنينة.. فالحنين للوطن القديم لا يمكن أن يخبو أبدا



.



.



في الخارج



كان منصور وزايد وعلي يقفون جميعا في انتظارها.. ومزون خرجت معها أيضا



كانت عفراء تتحاشى بصورة عفوية النظر لمنصور.. وخجل عميق يجتاحها



لم تعد صغيرة لتشعر بكل هذا الخجل..



ولكن هل للاحساس بالحياء عمر؟؟



ولم يكن ما تشعر به مجرد إحساس بالحياء..



بل تكاد تنكفئ على وجهها لشدة احتكام خجلها الذي زاده قلقها العميق من الحياة المجهولة التي هي مقبلة عليها



حتى الأمس فقط كانت رافضة تماما لفكرة الزواج كما رفضتها طوال العشرين عاما الماضية.



فإذا بها اليوم زوجة..فــــجـــأة!!



هكذا بدون مقدمات أو تمهيد..



فهل استعجلت في الموافقة؟!!




زايد كان أول من تحدث وهو يهتف بحزم صارم وفي ذات الوقت مثقل بالمودة:



يا بنت محمد.. ترا بيتش مفتوح لش أي وقت.. وأنا على طول أخيش الكبير..



أنتي وصات الغالية الله يرحمها.. وأنتي أم عيالي اللي ربيتهم.. وجميلش فوق رأسي



وإذا منصور في يوم ضايقش بأدنى شيء تراني بأقطع أذانيه..



وتراش المبداة عندي على خلق الله




منصور يبتسم: وش ذا؟؟ من أولها تبون تعصون مرتي علي .. وتقوون رأسها علي..




زايد يلتفت له ويهتف بمودة: بنت محمد عاقل.. وحظ بيتك اللي بيضويها.. الله الله فيها




علي يهتف بابتسامة: تراك خذت أمنا.. الله الله فيها..



أنا أعترف مافيني حيل أناطحك لو زعلتها.. بس بأغري عليك كساب يخبزك..




منصور يتجه ليشغل سيارته ويبتسم: الله يكفي شركم.. بنت محمد فوق راسي.. أزهلوها كلكم.. بس اطلعوا من بيننا..




عفراء بلغ تأثرها الذروة مع حديث زايد وابني شقيقتها.. ثم انقلب التأثر إلى الانفعال إلى توتر عارم..



وكساب يفتح لها الباب المجاور لعمه ويشير لها لتركب..



عفراء تقدمت بخطوات متوترة حاولت تغليفها بالثقة وهي تركب



ثم شعرت حين استوت جالسة.. وتحركت السيارة أن الأكسجين بدأ يتناقص بسرعة حتى كادت تختنق ومنصور يهمس لها بصوت منخفض:



حيا الله بنت محمد




حاولت عفراء الرد ولكن الكلمات اختنقت في حنجرتها..



لم ترد مطلقا أن تبدو بهذا المظهر أمام منصور.. فهي ليست طفلة



ولكن رغما عنها كانت تشعر بهذا الإحساس الخانق الذي تزايد مع خروجها من بيت زايد..



لتشعر كما لو كانت تدخل مرحلة عدم توازن وهي تغادر البيت الذي احتواها طوال سنين..



فهي لم تعرف لها بيتا غير بيت زايد منذ وفاة والديها وهي طفلة في الثامنة..



حتى حينما تزوجت خليفة غادرت البيت لثلاثة أشهر فقط عادت بها لتقضي حدادها في عند أختها



وزايد حينها حلف ألا يدخل المنزل أبدا حتى تنهي حدادها.. وهو يقيم في المجلس الخارجي..



تشعر بامتنان عميق لزايد لكل مافعله من أجلها.. لم تشعر يوما في وجوده أنها دون سند.. أو تخاف من ظروف الحياة




قطع حبل أفكارها صوت منصور الفخم ذاته: قلنا حيا الله بنت محمد.. وبنت محمد ماعبرتنا




عفراء اغتصبت الكلمات بصعوبة وحاولت إخراجها رزينة هادئة: الله يحييك يا أبو زايد




منصور يبتسم بتلاعب: وش أبو زايد ذي بعد؟؟




عفراء بحرج خجول: أنت قلت لي إنك تحب ينقال لك أبو زايد..




منصور بذات الابتسامة الغامضة: هذاك أول.. الحين قولي منصور




صمتت عفراء والكلمات تجف على لسانها ثم تتبخر..



منصور تركها لصمتها بقية الطريق حتى بيته القريب الذي لا يبعد عن بيت زايد سوى شارع واحد..








**********************************







سيارة منصور تتوقف في باحة بيته.. تغتاله لهفة غريبة عميقة لرؤية وجهها



يريد أن يرى ماذا بقي من الطفلة التي كان يشد ظفائرها الطويلة مشاكسا .. ليسكتها بعدها بقطعة من الحلوى وهو يسخر منها:



"أنتو يا البنات كل شيء يبكيكم وكل شيء يسكتكم"




يريد أن يرى ماذا بقي من الصبية التي كانت تسهره ليال طويلة خلف النوافذ يتصيد أي لمحة لها ..؟؟



يريد أن يرى ماذا بقي من حلم قديم أضناه التفكير به ثم أضناه نسيانه؟!!



يريد أن يرى ماذا بقي من ملامح حلم أسكنه زايد قلبه رغما عنه ثم انتزعه رغما عنه كذلك؟!!



.



.



دخل أمامها وهو يشرع الباب الخشبي الضخم ويهتف بترحيب فخم دافئ: نورتي بيتش يا بنت محمد




عفراء دخلت بخطوات مترددة.. ثم همست بمجاملة: ماشاء الله بيتك حلو




رغم أنها لم تكد تبصر شيئا لشدة ارتباكها...منصور اقترب منها خطوة وهتف بغموض:



البيت بيتش مهوب بيتي.. وترا مافيه حد داخل البيت.. أنا نبهت على الصبيان كلهم يشيلون قشهم للغرف في المجلس الخارجي



يعني اخذي راحتش




عفراء صمتت وهي تشعر بتوترها يتزايد ويتزايد حتى كادت تختنق.. حينها أكمل منصور بنبرة مقصودة: ماتبين تحطين عباتش؟؟




عفراء بحرج شديد بصوتها المختنق: بلى .. بس وين؟؟




منصور تنهد وهو يردد في داخله (شكله عمري ماراح أفهم النسوان أشلون يفكرون)



ثم قال لها بهدوء: تفضلي معي..




عفراء صعدت خلفه وتوترها وارتباكها في تزايد.. حتى وصلوا لغرفته الشاسعة وهو يهتف لها بتلقائية:



سامحيني.. غرفة عزابي.. ما لحقت أغير شي.. واللي تبين تغيرينه.. غيريه بكيفش..



وعلى العموم أنا توني مغير الديكور كله قبل كم شهر



الفاضي يعمل قاضي..




عفراء حتى لم تستوعب كلامه لأن توترها بلغ ذروته..



حين تزوجت لأول مرة شابة صغيرة في السابعة عشرة..



سعيدة بلعبة الزواج.. وأختها هيئتها مطولا.. وقضت وقتا طويلا في التجهيز.. لذا في ليلة زواجها شعرت أنها مستعدة لتقوم بدور العروس



ولكن الليلة وبعد مرور عشرين عاما.. امرأة ناضجة تعي مفهوم الزواج ومتطلباته ولكنها سقطت في فخ الزواج بسرعة هائلة لم تتح لها حتى فرصة التهيؤ النفسي له




سألت بتوتر: وين غرفة التبديل؟؟




أشار لها منصور لناحية غرفة التبديل.. وهو يخلع غترته ويلقيها على طرف الأريكة ثم يجلس مترقبا وعيناه تتبعان حركتها بلهفة غريبة




عفراء توجهت لغرفة التبديل وأغلقت الباب عليها..



ثم جلست وهي تنزع نقابها عن وجهها وتسحب لها نفسا عميقا..وهي تحرك يديها أمام وجهها وكأن حرارة وجهها المشتعل ستبرد..



وتحاول تهدئة وجيب قلبها المتصاعد هلعا وتوترا.. مضت عدة دقائق وهي على ذات الوضع



رأت أن موقفها بات محرجا.. وهناك رجل اسمه زوجها يجلس خارجا في انتظارها وهي أطالت في الإغلاق على نفسها



خلعت عباءتها.. ورتبت شكلها.. وهي تكثر الدعوات وقراءة آيات الذكر الحكيم



ثم خرجت.. رغم أنها كانت تتمنى لو تبقى لوقت أطول حتى تهدئ توترها الذي تجاوز كل حد



ولكنها في الختام كانت تعرف أنها حتى لو بقيت حتى الصباح فإن هذا التوتر لن ينطفئ بتأخيرها للمواجهة..




كان منصور جالسا على الأريكة حين خرجت..



وقف.. لا يعلم لِـمَ شعر حينما سمع صوت الباب يُفتح أنه سيراها مازالت بعباءتها ونقابها



لذا تسللت الابتسامة لشفتيه وهو يرى بهائها الكامل



فستانها الحريري البنفسجي الذي احتوى تفاصيل جسدها باتقان..



شعرها المنسدل على كتفيها في تدرجات كثيفة تصل حتى منتصف ظهرها



عذوبتها التي زادها خجلها وارتباكها عذوبة لا تقاوم




عجزت عن إكمال طريقها لأي اتجاه والتوتر يشل حركة قدميها وهي عاجزة عن إكمال النظر لمنصور بعد أن رفعت عينها وأنزلتها بذات السرعة



كانت تعرف شدة وسامته الطاغية.. ولكن رؤيتها في هذا الظرف وبهذا القرب.. بعثر أفكارها تماما



وعلى كل حال يكفيها وجود رجل معها لتشعر أنها عاجزة عن التفكير..




وعلى كل حال أيضا هو لم يسمح لها بإكمال الطريق وهو يتجه ناحيتها متمعنا في تفاصيل وجهها..



تسللت ابتسامة دافئة لشفتيه...بدت له لم تتغير مطلقا عن المرة الأخيرة التي رآها فيها



ملامحها مازال بها كم كبير من الطفولة.. يستحيل لمن يراها أن يصدق أنها سيدة متزوجة.. فكيف وهي لديها ابنة على أعتاب العشرين..




وصلها.. مد يده لها.. توترت أكثر ولم تحرك أصبعا وهي تنزل نظراتها للأرض



ليمسك هو بيدها ويشدها.. إحساسه بنعومة أناملها بين صلابة أصابعه.. بدا له خياليا لحد الألم الموغل في شفافيته



وبدا لها خانقا لحد الاختناق الحقيقي وأناملها تتصلب وأكسجين رئتيها المتناقص أصلا بدأ يتناقص أكثر..




منصور شدها ليجلسها على الأريكة ويجلس هو جوارها.. كانت عيناه تطوفان بها وهو يمسح كل تفاصيلها بدقة..



بينما عيناها مثبتتان على يديها التي تدعكها بتوتر.. مد أصبعه تحت ذقنها ورفع وجهها..



انتفضت بحدة شعر بها.. هتف لها بعمق دافئ: ليش متوترة كذا؟؟




لم ترد عليه مطلقا.. والكلمات التي أبت الانصياع تتبعثر وتهرب شاردة..



نقل يده من ذقنها ليدخلها في طوفان شعرها ويهتف بابتسامة متلاعبة:



وين الجدايل الطويلة اللي كانت أول؟؟




عفراء بحرج دون أن ترفع بصرها مطلقا إليه: تذكرهم..؟؟




منصور يدخل يده الثانية في الناحية الآخرى من شعرها بينما عفراء كانت تحاول أن تتأخر فلا تفلح



وهو يكمل بذات الابتسامة المتلاعبة: أكيد أذكرهم.. كم مرة شديتها؟؟ واجد..




عفراء تريد أن تقف ولكنها لا تستطيع وهو يمسك شعرها بهذه الطريقة ويوترها بنظراته التي كانت تتفحصها بعمق.. لذا همست باختناق:



أبي أقوم أتوضأ.. ممكن تهدني لو سمحت..




منصور حينها همس بصوت خافت عميق النبرات: كلنا بنقوم نتوضأ ونصلي مع بعض ركعتين الحين



بس أول شيء أنا كنت وعدت نفسي بشي صغير من زمان..



ولحد الحين ماصار..

همس المشاعر
09-29-2011, 06:29 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء الخامس والعشرون







كفاه يسكنان طوفان شعرها وهو يهمس بصوت خافت عميق النبرات: كلنا بنقوم نتوضأ ونصلي مع بعض ركعتين الحين



بس أول شيء أنا كنت وعدت نفسي بشي صغير من زمان..



ولحد الحين ماصار




عفراء جفت الكلمات في حنجرتها مع تلميحاته الغامضة التي لم تفهمها




منصور أكمل بعمق: تدرين وش وعدت نفسي..؟؟



أشوف عيونش




عفراء بحرج: تشوف عيوني؟؟




منصور يبتسم: من أول ماخذ زايد أختش وأنتي عمرش 7 سنين وعقبها بسنة ماتوا هلش الله يرحمهم..وجيتي بيت زايد



وأنا خاطري أشوف عيونش..




عفراء عاجزة عن رفع عينيها وهي تهمس باختناق خجول: وأنت شفتهم.. وواجد مهوب شوي




منصور بابتسامة ذات مغزى: مثل ما أنا شايفهم الحين يعني..




عفراء صمتت بحرج.. بينما منصور مد يده ليرفع وجهها له وهو يهمس بثقل فخم:



تدرين إنش من يوم أنتي بزر.. عمرش ما حطيتي عينش في عيني.. كان خاطري أشوف عيونش عدل




حينها نظرت عفراء له ثم عادت لتنزل عينيها وهي تهمس بخجل عميق:



أمي الله يرحمها كانت دايما تقول لي البنت ما تكاسر الرجّال حتى لو هو إبيها وإلا أخيها



وذا الشي عمره ما راح من بالي..




(تكاسر= تنظر إلى العين بشكل مباشر)




منصور همس لها بتلاعب: زين أنا أبيش تكاسريني..ارفعي عيونش خلني أشوفها يا بنت الحلال




عفراء لم ترد عليه.. وارتباكها يتزايد



ولكنها أدخلت يديها في شعرها وهي تمسك بيدي منصور الاثنتين وتبعدها عن شعرها..



بدت لها ضخامة كفيه لصغر كفيها مرعبة.. ومع ذلك أبعدتها وهي تقف مبتعدة



وتهمس بخجل: أبو زايد.. خلنا نصلي




منصور وقف وهو يردد في داخله (زين يا عفرا.. وين بتروحين مني)



رد عليها وهو بتسم: نصلي أول..



أنا على وضي العشا.. توضي أنتي..




عفراء همست بحرج: أبي لي ربع ساعة.. عادي؟؟




منصور جلس: خذي راحتش..




عفراء متوترة بالفعل.. هذا القرب الرجولي الباذخ يشعرها بالارتباك.. لا تعرف حتى كيف تتعامل معه..



اعتادت التعامل مع كساب وعلي كابناء.. ولا تعرف كيف يكون التصرف مع رجل من هذا القرب خارج إطار دورها كأم..




مسحت مكياجها.. وخلعت ملابسها.. توضأت ثم بقيت محتارة ماذا ترتدي.. لتستقر لها جلابية حرير مغربية بما أنها تريد أن تصلي أولا



تناولت سجادتها وجلال الصلاة من دولاب الملابس ثم خرجت..




منصور وقف حين رآها وهتف بحزم :نصلي..




اجابته بخفوت: نصلي..




وقفت خلفه وصليا.. وحينما أنهى الصلاة التفت لها ووضع يده فوق راسها ودعا بالدعاء المأثور



"اللهم أني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه.. وأعوذ بك من شرها وشر ماجبلتها عليه"




ثم ردد في داخله بعمق شفاف( صليت ودعيت الدعاء مع كل وحدة تزوجتها.. وما الله كتب لي التوفيق



يا الله أنك تكتبه لي ذا المرة)




حينما أنهى الدعاء رفع وجهها ثم ابتسم: تدرين لا عاد تحطين مكياج أبد.. ما تحتاجينه.. وانا أحب أشوف شكلش طبيعي قدامي




عفراء وقفت بخجل همست وهي تخلع جلالها: إن شاء الله..




كانت توشك على الاتجاه لأي مكان بعيدا عنه ولكنه شدها ناحيته: وين بتروحين؟؟




عفراء بخجل عميق: ولا مكان.. بقعد




وكانت بالفعل بحاجة إلى أن تجلس.. فطوله جوارها أشعرها بالضآلة



وإحساسها بقربه يوترها ويجعلها عاجزة عن التفكير




شدها وأجلسها وجلس جوارها.. ثم هتف بثقة وهو يسند كتفيه للخلف:



حاسة إني استعجلت عليش في موضوع العرس؟؟




عفراء ابتلعت ريقها الجاف ولم ترد.. منصور أكمل بذات الثقة: من يوم دخلنا هنا حتى كلمتين على بعض ما قلتيها



أدري إني استعجلت عليش .. وانش أكيد متوترة ومستحية..



بس تدرين عفرا.. ماعاد حد منا بصغير وإلا يمكن يأخذ قرار مهوب عقلاني..



يعني ما اعتقد إنش وافقتي علي وأنتي مترددة لو واحد في المية..



صح وإلا أنا غلطان؟؟




عفراء تهمس بصوت مبحوح: أكيد إني ما وافقت إلا وانا مقتنعة



أنا يا ابو زايد محتاجة بالفعل لشريك حياة




منصور قاطعها بفخامة: قلنا منصور..




ولكن عفراء لم تستطع أن تنطق اسمه مجردا لذا أكملت حديثها بذات صوتها المبحوح الجاف:



بس أنا طول عمري ويمكن من طفولتي وأنا أم.. ربيت مع وسمية الله يرحمها عيالها كلهم.. من أول واحد كساب وأنا عمري 8 سنين



وأنا حاسة إني أمه مهوب خالته لين علي ومزون ثم بنتي.. عمري ما كنت أنثى بمعنى أنثى



فسامحني لو ماعرفت أتصرف معك في البداية بالطريقة اللي ترضيك




حينها مد منصور اصبعه ومسح على طرف خدها نزولا لعنقها وهو يهمس بثقل خافت: هذا كله ومنتي بأنثى.. أجل الأنثى من تكون؟؟







****************************







قبل ذلك بساعتين




" عالية حبيبتي.. فيه عجوز تحت تقول لش عمتي أم صالح تقهوينها لين تجيش"




عالية تلتفت لباب غرفتها حيث تقف نجلاء وهي تخلع عباءتها بعد عودتها للتو مع نايف:



الحين أنتو منتظريني أرجع عشان تنطون في حلقي.. أقهوي عجوز النار.. قهويها يا بنت الحلال.. لين أخذ شاور.. وعقب يصير خير..




نجلاء تغمز وتبتسم : عجوز النار ذي جايه تخطب.. تعدلي بسرعة وانزلي سلمي وخلش ذوق معها..



أمش مادرت أنها بتجي ذا الحزة...وهي رايحة مع أمي يسلمون على جارتنا الوالدة..



فقالت لي خل عالية تقويها لين أجي




حينها قفزت عالية بمرح: والله فلة.. وأخيرا حد تذكر يخطبني..



خلني أروح أشوف أم المعرس لا بارك الله فيه ولا في أمه..وش فيه أبطأ الخايس..



ومهوب لازم أتعدل.. واجد عليها شوف خشتي..




عالية تقفز الدرج وهي ترى الموضوع كله من زاوية مرحة.. بينما نجلاء تهتف وراءها: لا تفضحينا في المرة تراها غريبة شوي




عالية تكاد تصل أسفل الدرج: أشلون غريبة لها قرون يعني... القرون أنا الحين بأطلعها لها هي وولدها..




عالية دخلت مجلس الحريم.. وهي ترحب بالطريقة المعتادة: ياهلا والله ومرحبا..حياش الله.. أمي على وصول مهيب مبطية




اقتربت من الطاولة التي وضعت دلال القهوة عليها وهي تتمعن في العجوز التي لا يكاد يظهر منها شيء



وهي ترتدي قفازات سوداء.. وتلبس نظارات عريضة وسميكة جدا فوق برقعها




عالية همست لنفسها بصوت خافت: شكلها عميا مرة وحدة.. الله يستر لا يكون ولدها مثلها



ثم أردفت بصوت عال: أشلونش يمه؟؟ أشلون صحتش؟؟




ولكن العجوز لم ترد عليها مطلقا....عالية صبت لها فنجان قهوة ومدته لها وهي تستغرب أن العجوز لم تتحدث مطلقا..



العجوز وضعت الفنجان على الطاولة الصغيرة أمامها..



ثم شدت عالية لتجلسها جوارها.. عالية اُحرجت من تصرف العجوز ومع ذلك بقيت جالسة جوارها



ولكن ما لم تحتمله مطلقا أن العجوز بدئت في تحسس جسدها بطريقة محرجة..



حينها تفجر غضبها وقفزت وهي تصرخ بغضب:



أنتي شتسوين؟؟ لا تكونين قاعدة تستكشفيني لولدش..



برا.. يا الله اطلعي برا.. لا بارك الله فيش من عجوز




العجوز مدت عصاها وضربت عالية بخفة على فخذها.. عالية حينها صرخت بغضب:



لولا إنش عجوز كبر جدتي وفي بيتنا و إلا والله لا تشوفين شي عمرش ماشفتيه..




أنهت جملتها واتجهت للباب.. لتفجع أن الباب انغلق عليهما..



التفتت ناحية العجوز.. لتجد العجوز تتقدم ناحيتها بظهرها المنحني تلوح بعصاها



عالية صرخت: قسما بالله منتي بصاحية.. ياعجوز روحي وراش.. تراش منتي بمستحملة كفين.. خايفة من الله تموتين في يدي..




ولكن العجوز استمرت في التقدم لتهرب عالية منها ورعبها بدأ يتصاعد لأنها ايقنت العجوز يستحيل أن تكون طبيعية



بدأت سلسلة من المطاردات عالية تركض والعجوز خلفها وهي تضربها بالعصا كلما تمكنت منها..



وعالية تصرخ برعب حقيقي: يمه.. نجلا.. افزعوا لي..




كانت عالية على وشك أن تصعد فوق طرف الأريكة حتى تصعب على العجوز الوصول لها



لكن حينها لمحت ساقي العجوز التي رفعت عباءتها لتصعد خلف عالية



كانتا ساقين ناعمتين مصقولتين ناصعتي البياض..



حينها نزلت وهي تغافل العجوز لتشد البرقع عن وجهها..



لتنفجر سميرة ضاحكة وهي تهتف بين ضحكاتها الهستيرية: عادي يا بنت الحلال تكفير عن مقالبش فيني أنا واختي طول ذا السنين



وعلى إنش طولتي لسانش علي أنا ورجالي..




عالية بدأت تضربها وهي تضحك بصوت عال: صبيتي قلبي.. جعل رجالش يطلقش..




وحينها فُتح الباب لتظهر نجلاء التي كانت تسمع عبر الباب وهي تضحك أيضا بشكل هستيري: ها أكيد انبسطتوا.. خوش مقلب ياهل المقالب




عالية تضحك ووجهها احمر من كثرة الضحك: أنا التالية ما تقعد فيني.. إذا مارديتها دبل فأنا ما أنا بنت خالد آل ليث..




سميرة مازالت تضحك : لا تكفين.. مافيه دبل لذي إلا لو أنتي ناوية تذبحيننا




حينها التفتت عالية لسميرة وهمست برجاء لطيف شفاف: منتي بزعلانة علي.. صح؟؟




سميرة ابتسمت: لا.. خلاص.. تعرفينني أنسى بسرعة




عالية حينها همست بضيق عميق: بس أنا زودتها..زودتها واجد بعد.. بس والله من غلاش عندي.. آجعني الموقف كله




نجلاء تهمس بمودة: خلاص من غير عتب.. يالله اطلعوا لغرفة عالية.. وأنا بأروح أسوي لكم خوش عشا



المهم لاعبوا عيالي وونسوهم معكم









*******************************








"ماشاء الله طولتوا في السهرة؟؟"




انتفضت وهي تسمع صوته الساخر وتراه جالسا على الأريكة ممدا ساقيه الطويلتين على طول الأريكة




قالت بهدوء وهي تشيح بنظرها عنه وتتجه لدولابها: غانم توه جا وخذ سميرة..




تناولت بيجامتها واستحمت لتصلي قيامها.. وهو مازال جالسا على نفس الوضعية




صالح أصبح مخلوقا غريبا بالنسبة لها.. أصبحت تشعر بعدم الأمان الفعلي



فهي تجهل هذا الرجل الصامت المثقل بالغموض



لا يشبه أبدا الرجل الذي عاشت معه ما يقارب عشر سنوات



باتت عاجزة عن التفكير.. لأنها لا تعلم كيف ستكون نتائج التفكير



سابقا كانت حينما تتصرف تصرفا ما.. كانت تتوقع تماما ردة فعل صالح..



ولكن الآن ردات فعله غير متوقعة مطلقا..




سابقا حينما كانت تغضب منه.. وتنام وهي توليه ظهرها.. كان يشدها ناحيته وهو يهمس لها بعمق عاشق:



حتى لو زعلانة علي.. نامي على ذراعي.. تبين تعذبيني بزعلش وبعدش.. كفاية علي عذاب واحد..




ولكن هذه الأيام هاهي تنام جواره.. ويبدو كما لو كان لا يشعر بوجودها مطلقا..



يظل معتصما بطرف السرير.. حتى ينهض لصلاة الفجر ثم يعود ليتمدد قليلا حتى يحين موعد ذهابه لعمله



ثم لا يعود بعد ذلك إلا ليلا..




حينما رسمت مخططها الفاشل مع سميرة.. كانت ستعذب صالح بالصد والبرود بينما هو سيظل يرتجي ويتودد



ولكنها لن تلين حتى يشعر بفداحة الذنب الذي ارتكبه في حقها



ويجعله هذا الأمر يفكر كثيرا قبل أن يكرر ذات التصرف



ولكن لا شيء من هذا حدث.. فالمخطط انهار من أساسه لأنه رُسم من أجل صالح القديم.. ولكن هذا الصالح المريب مجهول التصرفات تماما




مثلما فعل الآن وهو يتجه للنوم دون أن يقول لها حتى (تصبحين على خير)



نجلاء تنهدت بحيرة وهي تتجه لتتمدد جواره وتغرق في أفكارها الخاصة..








****************************








" يا أبو زايد قوم.. ماعاد باقي على صلاة الظهر إلا ساعة "




وصلها صوته الناعس العميق: قلنا منصور..




عفراء بحرج: قوم الله يهداك.. يا الله تلحق تتريق وتتوضأ وتروح للصلاة




منصور يفتح عينيه بتثاقل وهو يبتسم: الذنب ذنبش انتي اللي سهرتيني لين صلينا الفجر




عفراء تراجعت بحرج: أنا؟؟




منصور بذات الابتسامة: إيه أنتي.. وش ذا الهذرة اللي عندش كلها؟؟



تقولين صار لش سنين محرومة من الكلام




حينها ابتسمت عفراء: والله أنت اللي تسأل وأنا كنت أجاوب بس..




ابتسم منصور وهمس بغزل رائق: أحلى ابتسامة في أحلى صبح مر علي بحياتي كلها..




عفراء تقوم من جواره وهي تهمس بعذوبة: يكونون يعلمونكم النصب في العسكرية..




شدها ليعيدها جواره وهو يعتدل جالسا: علمونا أشياء واجد.. بس النصب مهوب من ضمنها..



ثم أردف وهو يحتضن كفها: تبين نسافر مكان؟؟




عفراء ردت بحرج رقيق: لا طال عمرك.. الحين ماباقي شيء على نهاية الفصل



أبي أخلص مع طالباتي..



ثم عقب لو ماعندك مانع.. أبي اسافر لبنتي إذا دكتورتها قالت إن حالتها تسمح




تصلبت يد منصور التي تحتضن كفها..وهو يستعيد شرطها الوحيد للموافقة عليه..



البارحة تحدثا كثيرا وحدثته عن ابنتها مطولا.. بدت له ابنتها مدللة وعنيدة وبها كم كبير من الأنانية



رغم أن عفراء كانت تتكلم عنها بحنان شاسع وهي تحاول إظهارها الابنة الأفضل في الكون



ولكن لم يفت ذكاءه التقاط الإشارات بين السطور



لا يعلم لِـمَ تصاعد قلق مر في روحه.. أ يعقل أن ابنتها قد تطلب مثل هذا الطلب؟؟



والمأساة أنه وافق طلبها ووعدها به..



ولكنه لأول مرة يشعر بالراحة مع مخلوق ما كما يشعر به معها



بها كم حنان مهول.. وقدرة هائلة على الاحتواء



ورغم أنه لم يعتد عليها بعد.. ولكن بدت له فكرة خسارتها.. غير مقبولة أبدا




طوال حديثهما الطويل البارحة كان رأسه يتوسد فخذيها.. بدت له محرجة من جرأته وتحاول التفلت..



ولكنه لم يسمح لها بالافلات أو الابتعاد وهو يحاصرها بلمساته وبأسئلته



كان يستحثها أن تتحدث بأسئلته التي لا تتوقف عن كل شيء في حياتها.. ابنتها أبناء شقيقتها.. عملها..



كان يشعر كما لو كان يعاني العطش طوال عمره.. ثم وجد نبعا متدفقا من الماء الأصفى والأعذب في الكون



طريقتها في الكلام تصب في عمق الروح بحنانها واحتواءها..



شعر أنه مستعد أن يعيش حياته كلها رأسه في حجرها.. مكتفيا بالاستماع لأحاديثها وتنفس عبق أنفاسها من قرب




عفراء همست له باستغرابخجول : منصور أشفيك؟؟




منصور شدها ليدفنها بين أضلاعه ثم همس في أذنها بعمق فيه نبرة حزن لا يعلم لها سببا: أول مرة أدري إن اسمي حلو كذا








***********************************







"صباح الخير ياحلوة"




مزون تنظر لعلي وتبتسم: الله يحلي أيامك




علي يجلس وهو يضع غترته بحرص على الأريكة حتى لا تتجعد ثم يهتف بتساؤل: وين أبي وكساب؟؟




مزون أجابت وهي تسكب له فنجانا من القهوة: إبي طلع من بدري.. وكساب توه طلع من شوي..



ثم أردفت بألم: ماشرب إلا فنجان قهوة هو اللي صبه لنفسه



وزين إنه سلّم على الكرسي اللي كانت قاعدة هنا..




علي يربت على كتفها ويهتف بحنان: مسيره يرضي.. تعرفين يباس رأسه..




مزون بألم: تعبت ياعلي من ذا الوضع.. الطيران وخليته.. وسجلت في شيء جديد.. أبي أعرف وش عاد اللي مزعله مني



والله العظيم تعبت أدور رضاه وهو يتمنن به علي..



شكلي بأموت وهو ما رضى..




علي يحتضن كتفيها ويهتف بذات حنانه الخالص: بسم الله عليش.. صدقيني بيرضى.. ولو ما رضى هو الخسران



حد يلقى له أخت مثلش ويزعلها.. والله ماعنده سالفة..




مزون تسند رأسها لكتفه وهي تحتضن خصره وتهمس برجاء عميق:



تكفى علي وأنت بعد كفاية هربان منا... هذا أنا خليت اللي كان مزعلك مني أنتي بعد



تكفى علي أنا محتاجتك جنبي.. كفاية علي اللي كساب يسويه فيني




علي يشدد احتضانه لكتفيها ويهمس بعمق: يصير خير ياخيش.. يصير خير... ادعي بس الله يسهل







*********************************








" أنا باروح أتوضأ ماعاد باقي على صلاة الظهر إلا شوي



جهزي محضر اجتماع بكرة لين أجي"




فاطمة تستوقف كاسرة وهي تقلب اوراق في يدها: لا تروحين الحمام.. الحمام بابه خربان



قبل شوي تسكر علي.. ماحد فتحه إلا البوي الفراش مستخدم سكين..




كاسرة تقف لترتدي نقابها وتهتف بثقة: عادي لو تقفل علي.. ناديه يفتح لي..



وكلمي حد من تحت يجي يصلحه..




فاطمة تهز رأسها وهي مشغولة بالورق أمامها.. مرت عدة دقائق قبل أن تبدأ بشم رائحة دخان.. استغربت ولكنها لم تهتم



ثم دقيقتين أخريين قبل أن تسمع جرس الأنذار وسماح تقتحم عليها الباب وهي تصرخ بجزع: المبنى يحترق.. يا الله بسرعة..




فاطمة قفزت وكل ما يشغل بالها كاسرة.. ارتدت هي أبضا نقابها على عجل وهي تركض لباب الحمام الخاص الموجود بجانب مكتبهم



كانت ترى الجميع ينزلون ركضا والطابق يكاد يخلو



صرخت برعب وهي تطرق الباب بهستيرية: كاسرة.. كاسرة.. كـــاســـــرة




كاسرة همست بهدوء مستغرب: وش ذا الإزعاج اللي برا.. وش فيش روعتيني.. توني خلصت وضي الحين



خلني لين ألبس عباتي




فاطمة بدأت تبكي وهي تحاول فتح الباب وتصرخ: كاسرة المبنى يحترق.. بأروح أدور حد يفتح الباب




حينها صرخت بها كاسرة بحزم: لا تدورين حد.. انزلي بسرعة.. أكيد المطافي على وصول..




فاطمة ركضت تدور بين المكاتب ولم تجد بالفعل أحد..



توجهت للمطبخ وأحضرت لها سكينا وبدأت تحاول معالجة قفل الباب وهي تصرخ وتكح: كاسرة أنا هنا



الحين بافتح الباب..




كاسرة تصرخ بها بانفعال: أقول لش روحي.. أنا صرت أشم الدخان قريب.. أنا مسكر علي في حمام مهوب جايني شيء إن شاء ربي



بس انتي في الممر.. والله إن قد تروحين.. حلفت.. يالله روحي




فاطمة تعالى نشيجها وهي تحاول فتح الباب وتكح من رائحة الدخان بعد أن انتقل الحريق من الطابق الثالث للثاني حيث مكتبهم




كاسرة تصرخ بها بانفعال أشد: فاطمة والله العظيم لو مارحتي الحين إنه عمري في حياتي كلها لساني ما يخاطب لسانش



يا الخبلة عندش ولدين.. تبين ترجعين لهم ميتة وإلا محترقة..




كاسرة سكبت على نفسها الكثير من الماء وجلست في الزاوية على الارض



وهي تحاول الاعتصام بالجَلد ومنع الرعب من التسلل لقلبها الذي تعالت دقاته بشكل هستيري خوفا وجزعا..



وهي تهتف في داخلها بلوعة حقيقية :



" أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله



يا ربي لو كان ذا آخر يوم عمري



موتني مختنقة.. لا تموتني محترقة



لا تفجع أمي فيني بذا الفجيعة!!"




بينما فاطمة بدأت تنشج بهستيرية وهي ترمي بالسكين وتنزل راكضة للاسفل لتجد أن الحرق انتقل للسلم وتلسع يدها من النار وهي تركض للخارج




حين رأت رجال الأطفاء بدأت تصرخ فيهم بهستيرية: فيه وحدة متسكر عليها في الطابق الثاني




الإطفائي يصرخ بحزم: الطابق الثاني الحين انتقل له الحريق.. احنا الحين بنطفي الحريق.. وخبير اقتحام الحرايق الحين على وصول




فاطمة لم تشعر بنفسها إلا وهي تهزه بعنف وتصرخ: يعني تبونها تتفحم لين يأتي خبيركم ذا




الرجل يزيحها جانبا: مايصير إلا خير.. هذا هو على وصول







****************************







قبل ذلك بدقائق



كساب في سيارته متوجها لشركته.. رأى الدخان المتصاعد من المبنى الذي عرفه فورا.. مكان عمل زوجته



وفي وقت الدوام الرسمي أيضا..





أوقف سيارته بعيدا لأنه رأى ازدحام الشارع بالسيارات المتوقفة.. وركض متجها للمبنى دون تفكير..



إحساس فطري بالشهامة والمسؤولية




حاولوا منعه من الاقتراب لكنهم لم يفلحوا وهو يتعرف على السيدة التي كانت تبكي بهستيرية..



يتوجه لها بحزم ويسألها بنبرة أقرب للأمر العالي النبرة: شاللي صار؟؟ وفيه حد باقي فوق؟؟؟




فاطمة حينما تعرفت على صاحب الصوت تعالى صراخها: كاسرة فوق تقفل عليها الحمام.. وهم يقولون ينتظرون خبير يطلعها



والحريق وصل للطابق اللي هي فيه... بتموت.. بتموت




حينها صرخ فيها كسّاب بحدة: وين الحمام؟؟




فاطمة وهي تشهق: جنب مكتبنا على طول..




كساب توجه للمبنى وهو يركض.. حاول رجال الإطفاء منعه ولكنهم لم يستطيعوا أبدا إيقافه.. أوتثبيته في مكانه



لم يكن لكون كاسرة زوجته أي اهتمام عنده.. ربما لو قالوا له أن هناك قطة في الأعلى لصعد لإنقاذها



هناك روح تحتاج للإنقاذ ولن يتوانى هو عن تقديم المساعدة



وخصوصا ان الموضوع كان هينا بل غاية في السهولة بالنسبة له وهو يدرس احداثيات المبنى ومعطيات المهمة في عقله بسرعة فائقة..




مبنى من ثلاثة طوابق.. بدأ الحريق في الطابق الثالث وانتقل للثاني ولجزء من الاول.. وهناك ضحية محتجزة في حمام في الطابق الثاني



( مهمة غاية في البساطة..)




صعد متحركا بدقة وهو يدرس هندسة المبنى مع حركته البارعة..



فهناك أماكن تتأثر بالحريق أكثر من غيرها.. لذا كانت حركته مدروسة..لا تردد فيها



وهو يتجاوز الأماكن التي يعلم أنها قد تنهار..



لسعت النار أطراف ثوبه وغترته ولكنه لم يصب مطلقا



وهو يقفز ببراعة مذهلة من مكان لآخر ليصل في دقيقة واحدة لباب الحمام



ويخلع قفله بركلة واحدة..

همس المشاعر
09-29-2011, 06:33 AM
بين الامس واليوم/ الجزء السادس والعشرون







كان الممر ممتلئا بالدخان إلى درجة العجز عن الرؤية..



ولكن الحريق -الذي بدأ ينطفئ بسرعة مع ازدياد ضخ مياه المطافىء- لم يصل لكل أجزاءه بعد..



ولكن الدخان مع انطفاء النار كان يزداد بصورة متضاعفة..



خلع كسّاب قفل باب الحمام.. وحين رأى أن الدخان مازال قليلا في الحمام.. عاود إغلاقه عليه بسرعة..



لأنه رأى المخلوقة الموجودة في الحمام يبدو أنها مغمى عليها ورأسها ينحني على ركبتيها



ومعنى ذلك أنها ستحتاج للأسعاف الأولي قبلا.. ودخول الدخان للحمام.. قد يقضي عليها




توجه أولا لنافذة الحمام وخلعها تماما من مكانها.. حتى يسمح للهواء بالدخول.. ثم مد وجهه عبرها وأخذ نفسا عميقا من الهواء النظيف



ورأى عبر النافذة أنهم يكادون يسيطرون على الحريق وبسرعة هائلة




كان يتحرك بتلقائية مدروسة دون أن يخطر له شيء سوى انجاز المهمة كما خطط لها




كانت كاسرة قد أغمي عليها فعلا من رائحة الدخان.. ومن تناقص الأكسجين في الحمام..



كانت تجلس في الزواية ومازالت على نفس وضعية الجلوس



كانت عباءتها مازالت معلقة على باب الحمام.. ولا ترتدي سوى تنورة وتيشرتا قطنيا واسعا..



وشعرها كان ملفوفا بشيلتها..



بعد أن تناولت شيلتها ولفتها على رأسها بإحكام حين علمت بالحريق



ولكن خوفها من احتراق الباب جعلها تتأخر للزواية



وفي ظنها أن الباب حين سيفتح عليها إن كانت مازالت حية



فهي ستلتقط عباءتها ونقابها عن الباب بسرعة



كان لديها إيمان كبير بالله أما أنه سينقذها أو سيميتها دون أن تتألم



كان لديها ثقة برحمة الله على كل حال إن كان الحياة أو الموت



لذا حاولت طمر إحساس الخوف المتزايد في قلبها وتهدئة روعها أن النجدة قادمة لا محالة.



إما نجدة فعلية من رجال المطافئ أو رحمة الله تنتشلها للعالم الآخر دون تعذيب..




" ياآلهي سامحني إن كنت أذكرك في مكان لا يليق بجلال قدرك



ولكنك معنا في كل مكان.. وهذه قد تكون لحظاتي الأخيرة في الدنيا



فأشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله



أشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله



أشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله




.



يارب إن كان ما قد كتبته لي في علم الغيب عندك هو الحياة أو الموت



فلا تكشف ستري يارب



لا تكشف ستري يارب على كل حال"




بقيت معتصمة بمكانها تكثر الدعوات والتشهدات في قلبها .. ولم تشعر بنفسها حين أغمي عليها وبقيت على نفس الجلسة.




كسّاب توجه ناحيتها وهو يشدها ثم يمددها على أرضية الحمام.. كانت ملابسها غارقة تماما بالماء..



شعر أن رأسها ليس مستويا.. لذا انتزع شيلتها ليجد أن شعرها كان كصرة مبلولة مجموعة أسفل رأسها..



كان يتصرف بآلية مهنية .. أزال مشابك شعرها بسرعة.. وعاود تثبيت رأسها باحتراف.. ثم بدأ بإجراء تنفس اصطناعي لها



للوهلة الأولى بدا الأمر له محرجا.. لكنه تذكر أن هذه الممدة أمامه هي في نهاية المطاف زوجته.. لذا باشر إجراء التنفس دون تفكير



بدت له رائحة الأنفاس التي كان يخرجها من صدرها وهو يضغط بكفيه على رئتيها عطرة وعذبة بصورة بدت له غير طبيعية.. خيالية.. أشبه بشيء كالحلم..



ولكنه نحى كل التفكير جانبا وهو يركز على عمله لدرجة أنه لم يدقق في ملامحها حتى..



بعد نفسين وخلال النفس الثالث.. استعادت كاسرة وعيها..وفتحت عينيها.. لتفجع بكل رعب بالموقف..



كل ماخطر ببالها حينها أنها لابد تتعرض للاغتصاب



ومع انتهاء كساب من دفع النفس الثالث في رئتيها حتى سمع كحتها وشعر في ذات الوقت بلكمات متتابعة توجه ناحية صدره..




كاسرة حين رأت الرجل أبعد شفتيه عنها سحبت نفسها للزواية وهي تحاول شد جيب تيشرتها القطني لأعلى بجزع كاسح.. ثم صرخت بتهديد حاد:



يا ويلك تقرب مني..




كساب وقف على قدميه وهو يعيد وضع غترته على رأسه ويهتف بسخرية: هذي كلمة شكرا اللي تقولينها لرجّالش اللي رمى نفسه في النار عشانش..




حينها استوعبت كاسرة من هو الرجل أمامها.. بعد أن كان رعبها والوضع المريع الذي هي فيه لم يجعلها تدقق النظر فيه



جفت الكلمات على شفتيها وهي ترى نفسها أمامه بدون غطاء وشعرها المبتل متناثر على كتفيها ..



عدا عن ملابسها المبتلة التي التصقت بجسدها تماما



ولكنها ورغما عنها في ختام الأمر حمدت ربها أن يكون هو وليس أحدا سواه..



حمدت الله الذي استجاب دعوتها وهي تشعر بتأثر عميق أنه لم يكشف سترها كما رجته..



وشعرت بتأثر آخر عميق مجهول وهي ترى ملابسه التي لسعتها النيران في أماكن متعددة



" أ حقا ألقى بنفسه في النار من أجلي؟!"





كاسرة بعد ذلك وقفت يغتالها طوفان مشاعر مختلفة أبرزها كان شعور حرج مر ومع ذلك هتفت بكل ثقة: خلاص مشكور



اطلع خلني ألبس عباتي واطلع...أظني طفوا الحريق.. صح؟؟




كساب لم يجبها.. لم يجبها!!



فهو أيضا كان للتو ينتبه للمخلوقة أمامه..



ولكن هل يصح أن يسميها مخلوقة؟؟ مجرد مخلوقة؟؟!!



فهو شعر أن هذه الأنثى المستحيلة أمامه يستحيل أن تكون تنتمي لجنس البشر



يستحيل أن تكون خُلقت لتمشي على سطح الأرض كباقي الخلق



هذا التشكيل الرباني الذي يتجاوز كل حدود المثالية العصية على التخيل يستحيل أنه تشكيل لمخلوقة بشرية..




لو كان بالغ في استهلاك كل مخيلته ليصنع مجرد خيال امرأة حسناء لا وجود لها على سطح الأرض



فبالتأكيد إن الكائن العصيّ على كل التسميات الذي يقف أمامه تجاوز كل الخيالات التي لا وجود لها بل التي يستحيل حتى مجرد تخيل وجودها!!



فكيف وهو يراها أمامه.. متجسدة في صورة مخلوق بشري..



ويصدف أن هذا المخلوق هو زوجته هو!!



زوجــتــه هــــو!!




شعر أن ما يراه قد يكون نوعا من خداع البصر.. فمازال يظن ان ما يراه أمامه ليس إلا خيالا لا يمكن وجوده على أرض الواقع



لذا تقدم خطوة للأمام وهو يمعن النظر إليها.. كالمبهوت.. المأخوذ.. المسلوب الفكر



بوصلة نظره تتبع هذه التفاصيل المستحيلة المرتسمة أمامه




كاسرة تأخرت خطوة للخلف وهي تهمس بثقة واستعجال تخفي خلفها حرجها وتوترها: كساب الله يهداك وخر .. ما أدري طفوا الحريق أو لا..




كساب حينها هتف بثقة طاغية: أنا متأكد أنهم طفوه الحين.. ظنش باخليش هنا وأنا عارف إن المبنى عاده يحترق




لا يريدها أن تغادر .. يريدها أمامه كما هي الآن..



مازال يريد أن يتأكد ممايراه .. وخصوصا أن كل تفاصيلها وملامحها واضحة أمامه لدرجة صفاء الصورة المذهل..



التضاريس الأنثوية الباذخة.. البشرة المرمرية التي لا تصدق لشدة النقاء والشفافية



العنق الشامخ الناصع في نحر أكثر سطوعا.. الشعر المعتم كليل سرمدي انحدر شلاله حتى خصرها



وخصلاتها المبلولة تلتصق بأطراف وجهها في صورة مبهرة يعجز أعظم الرسامين عن رسمها..




ود أن يقترب أكثر ليتلمس تفاصيل وجهها..التي انسابت نظرات عينيه تتبعها تفصيلا تفصيلا



التفاصيل المثالية أكثر مما يجب...الباهرة أكثر مما يجب.. الشاهدة على عظم خلق الخالق في تجلي مذهل




" أ يعقل أن هاتين العينين المعجزتين لا تنتميان إلى حورية من حوريات الجنة؟!!



وهذا الأنف المذهل المنحدر كأسطورة قد نُحت لمخلوقة أرضية؟!!



وهاتان الشفتان المهلكتان الخياليتان المرسومتان كحد الحديد والنار.. الانتهاء والبداية قد خُلقتا لينتجان كلمات ككلمات كل البشر؟!



وهذا الجبين المنير كشمس أشرقت للتو على استحياء حتى لا تحرق البشر بشدة سطوتها هو لمخلوقة تمشي بين البشر؟؟



أ يعقل أن كل هذا الحسن الذي لو وزع على كل نساء الأرض لكفاهم وزاد



هو لي وحدي..؟



لي أنا فقط ؟!! "




اقترب كسّاب أكثر.. ماعاد يعرف ما الذي يسيره..



كاسرة تأخرت أكثر ..ونظرات كساب المتفحصة تبعث توترا وخجلا طبيعين فطريين في نفسها



تأخرت أكثر لتجد نفسها تلتصق بالحائط حينها همست بحزم:



يا ويلك تقرب مني أكثر من كذا.. وخر خلني ألبس عباتي..



عاجبك الموقف السخيف اللي حن فيه؟؟



ياويلك تقرب بعد..




حينها انتبه كساب من الغيبوبة الساحرة الخيالية التي انتشى بها للحظات



عاد إلى أرض الواقع وهو يرفع حاجبا وينزل الآخر ويهتف بلهجة متهكمة:



تهدديني.. وتقولين ياويلك.. ليه أنتي شايفتني وحش باهجم عليش




ثم أردف بنبرة مقصودة: يا حليلش!! ماحد قد علمش أشلون تكلمين على قدش..



زين وقربت.. وسويت أكثر من أنني أقرب.. أيش بتسوين؟؟



تصرخين؟؟ عادي.. أنتي مرتي وحلالي..



تبين تلمين جمهور يتفرجون؟؟ عادي ماعندي مانع..



حينها ابتسم بسخرية: وانا ترا ما أبي إلا بوسة وحدة..



اللي قبل شوي.. كنتي مغمى عليش.. ماحسيت فيهم..



أبي وحدة برضاش الحين.. وإلا غصبا عنش ما تفرق



وعقب يالله أوصلش البيت




حينها صرت كاسرة على أسنانها وهي تتحفز: إذا فيك خير.. سوها..وقرب مني



والروحة للبيت والله ثم والله لو أنزل مكسرة.. مستحيل أروح معك




حينها اقترب كساب أكثر منها.. لم يحاول مطلقا تقبيلها ولكنه أمسك كفيها الاثنتين بيد واحدة .. حاولت أن تقاوم لكنها لم تقدر مطلقا



وهو يمد يده الثانية بسرعة هائلة ويضغط على عرق ما خلف أذنها بحرفنة عالية



لتسقط فورا مغمى عليها بين يديه..



حينها أسندها لكتفه بيد واحدة وتناول عباءتها المعلقة ولفها بها .. ثم حملها وهو يخفي وجهها في صدره




نزل بها السلالم بسرعة.. وهو يتحاشى المناطق التي مازالت تتجمر..



فاطمة التي كانت مازالت تنتحب.. حين رأته ينزل بها توجهت ناحيته وهي تصرخ بقلق: وش فيها؟؟




كساب بثقة وهو يغادر: مافيها شيء.. بأوديها بيتهم الحين..




الأطفائي استوقفه: وين بتروح يا أخ؟؟




كساب نظر له بقسوة: رايح أودي مرتي اللي كنتو بتخلونها تموت للبيت



وإلا عندك مانع بعد؟؟




الإطفائي تأخر بحرج وهو يسأل إن كانت زوجته فعلا..وفاطمة تأكد له أنها فعلا زوجته وتوقع على ذلك..



بينما كساب توجه بها لسيارته والكل ينظر له مستغربا دون أن يهتم مطلقا بنظرات الاستغراب..



كل ماكان يهمه أن لا يظهر أي شيء منها.. حين وصل سيارته مددها على المقعد الخلفي..



ثم حرك سيارته.. بعد دقيقة واحدة وصله الصوت الساحر الغاضب: أنت أشلون جبتني هنا؟؟ وأشلون أغمي علي؟؟




كساب لم يرد عليها.. عاودت السؤال بنبرة أكثر حزما: أنت أشلون تجيبني وأنا حالفة ما أروح معك؟؟




كساب رد ببرود دون أن ينظر ناحيتها: ادفعي اطعام عشرة مساكين.. ماعندش عطيتش..




كاسرة بغضب: أنت وش جنسك.. أنا مستحيل أقدر أعيش مع واحد مثلك




كسّاب بذات البرود: عادي أبركها من ساعة.. لا تكونين عشان أنا شفتش تظنين بأموت وأشق ثيابي على زينش



لا يا شاطرة ترا الزين ماقام ولا قعد عندي.. المرة بدالها عشر.. والباب يفوت جمل..




كاسرة هتفت بثقة طاغية: والله ياطويل العمر.. فيه مرة ماتسوى حتى ربع مرة.. ومرة تسوى مية مرة..



وإذا أنت من أولها عندك إنك تقدر تبدلني بعشر.. فأنت ماعرفت قيمتي.. وماظنتي بأصبر لين تعرفها..




كساب بسخرية: بصراحة غرورش ماله حل..



وعلى العموم عشان تشوفين من البزر ذا المرة..اللي الانفصال أسهل كلمة على لسانها




كاسرة تنهدت بغيظ عميق لم يظهر للسطح.. وهي تعلم أنه يلمح لمقابلتهم الأخيرة حين اتهمته أنه طفل.. والطلاق كلمة سهلة عنده..




بينما كسّاب أكمل بنبرة تهكمية بارعة مغلفة بثقة طاغية:



اسمعيني ياحرمنا المصون



إذا أنتي بتظنين إنه عشان أنا شفتش.. وشفت إنه مثل مازينش مافيه



فهذا شيء أنا أعترف فيه إنه فعلا مثل زينش ماشفت ولا ظنتي بأشوف



أنا تاجر شاطر وأعرف أقيم البضاعة عدل..




كاسرة تستمع له وهي تشعر أنها تريد أن تتقيأ من أسلوبه البغيض الكريه في الكلام..



" إن كان هذا هو الغزل الذي يعرفه



فيبدو أن حياتي معه ستكون مأساة حقيقية "




ولكنها لم تعلم ان كسّاب لم يهدف مطلقا للغزل ولكنه يهدف لشيء آخر بدأ يتضح وهو يكمل حديثه:



لكن حطي في بالش إن الزين ممكن يحرك في الرجّال الإعجاب المادي.. مجرد إعجاب رجّال بمرة..



لكن عشان يكون فيه حياة زوجية بمعناها الحقيقي.. فيه شيء يتعدى الجمال بواجد.. والجمال أبد ماله أهمية



وحتى لو كان مهوب موجود الحياة بتمشي وتستمر..



الحياة الزوجية تبي مرة تعرف أشلون تدير بيتها ..مهوب وحدة كل تفكيرها إنها شايفة نفسها فوق العالم... و..




كاسرة قاطعته وهي تلتقط فورا مقصده مما يقول: على فكرة.. إذا أنت ذكي نص حبه.. تراني ذكية عشرين حبة



وذا الفلسفة الفاضية احتفظ فيها لنفسك.. مهوب أنت اللي بتعلمني أشلون أتصرف في حياتي الزوجية



وما أبي حضرتك تعلمني شيء أنا عارفته.. لأنه فاقد الشي لا يعطيه



قاعد تفلسف.. وتبي توريني إنك أبو العريف وحكيم زمانه.. وأنت مخك فاضي



وما تعرف من الحياة الزوجية إلا اسمها




كساب لم يهتم مطلقا لهجومها وهو يهتف ببرود مستفز: وأنتي وش عرفش إني ما أعرف.. تحكمين قبل ماتعاشريني؟؟




كاسرة تشيح بوجهها وهي تعدل وضع طرف العباءة على وجهها: ماشاء الله الكتاب باين من عنوانه..




حينها هتف كسّاب بحزم: زين إنش عارفة إن الكتاب باين من عنوانه..



وهل يا ترى عندش تصور أنا أشلون بأكون في حياتنا الزوجية؟؟




كاسرة بسخرية: بزر.. ماعنده استعداد يتحمل المسؤولية..



ويبيني أخليه برقبته يهيت.. لا أسأله وين رايح ولا من وين جاي..



كأنه في فندق يجي يرتاح فيه شوي ويروح




كسّاب لا ينكر أنه مبهور بما قالته رغم غضبه منها ومن أسلوبها في قوله وهي تتهمه بهذه الطريقة المستفزة..



فرغم اختلاف المصطلحات والتعبيرات فالحقيقة واحدة



وفي نهاية الأمر هذا هو ما يريده فعلا..



لا يريدها أن تقيد حريته أو أن تظن أنها تستطيع تغيير شيء في حياته.. لأنه يرى نفسه عصيا على التغيير



ومافي رأسه وتغلغل في طباعه يستحيل أن يتغير أو يتبدل..




كساب بتهكم وثقة: أبهرتيني بصراحة.. زين إنش عارفة.. أنا واحد مستحيل أتغير أو أسمح لأحد يغيرني..



اللي أبيه هو اللي يصير.. وانتي عليش السمع والطاعة وبس..




كاسرة ترد عليه بتهكم مشابه لكنه مغلف بثقة صارمة: لا يا زوجي المبجل.. ماحزرت.. كون إني عارفة وش اللي أنت تبيه.. مهوب معناه أني بأنفذه..



أنت صرت رجّال متزوج.. غصبا عنك بتلتزم فيني.. وبتلتزم بواجباتك ومسؤولياتك.. وبتكيف حياتك كرجل متزوج..



لأنه العزوبية أيامها انتهت خلاص...



آسفة ماراح أكون وسيلتك لحمل لقلب متزوج وأنت عايش عزابي..




كساب بسخرية عارمة: يعني من الحين تهدديني بالنكد الزوجي؟؟




كاسرة تتأخر للخلف وهي تسند رأسها لزجاج النافذة وتهمس بهدوء واثق:



والله اعتبرها مثل ما تبي.. ما يهمني..




كسّاب بغموض: أمممممم مايهمش.. زين..




غرقت السيارة في صمت عميق لعدة دقائق.. ليهتف كساب بعدها بقسوة:



كاسرة اعرفي أشلون تتكلمين على قدش



لأنه هذي شكلها بتصير مشكلة كبيرة بيننا..



مشكلتش ما تعرفين حدودش.. شوفي وين حن الحين.. في شارع بيتي..



لو بغيت دخلتش الحين فيه.. والله ما تقدرين تفتحين ثمش بكلمة.. وعلى فكرة بيتي انا مافيه حد..



لكن أنا مستحيل أسويها لأني ماني برخيص أسوي مثل ذا التصرف..



أنا أرفع روحي عن الدنايس.. لكن أنا ما أحب حد يتحداني..



لأنه لو أنتي تبين تنكدين علي.. أقدر أوريش اللي أكبر من النكد بواجد..




كاسرة كانت تنظر برعب حقيقي لسور بيت زايد الضخم الذي تعرفه جيدا لأنه غير بعيد من بيتهم..



ولكنها استعادت توازنها بسرعة.. فهي لم تعتد إحساس الخوف.. ولن تسمح له أن يشعرها به..



ولكنها قررت أن لا تستفزه أكثر من ذلك.. لأنه بدا لها فعلا مستثارا من الغضب وهي بعقلانيتها لا تريد أن تزيد الأمر سوءا



لذا همست بهدوء واثق: كساب لو سمحت.. بيتي صار قريب.. بتوديني وإلا كلمت هلي..




كساب يحاول السيطرة على ثورته: جبتش ذا المسافة كلها بأعجز أوصلش كم شارع يعني..



وبعدين وش ذا الذكاء اللي عندش.. أشلون تتصلين وأنتي تلفونش ما تدرين وينه




قالها وهو يكمل طريقه باتجاه بيتها.. حتى دخل باحة بيتها.. كاسرة تنهدت بعمق وهي تحمد الله على انتهاء هذا الكابوس



لم تعلم أن تنهيدتها كانت مسموعة حتى شعرت باليد التي امتدت بين المقعدين وأمسكت بعصمها ومنعتها من فتح الباب



ويصلها همسه العميق الغامض: لذا الدرجة ماكنتي طايقة وجودش معي؟؟




كاسرة بثقة طبيعية: والله تفكيرك بصراحة ما يرقى لتفكيري.. فانت فسرها مثل ما تبي على قد تفكيرك الضيق المحدود..




حينها شد معصمها ناحيته أكثر وهو يهتف بذات الغموض: إذا على اللي تفكيري الضيق المحدود يبيه.. فهو هذا




قالها وهو يقبل نعومة معصمها وباطن كفها ببطء.. وأنفاسه الدافئة تلفح يدها بتقصد



كاسرة حاولت شد يدها بكل قوتها وقلبها يكاد يقفز من بين جنبيها..



وهي تشعر كما لو كانت قبلاته تحرق يدها فعلا صرخت من بين أسنانها: عمري ما شفت وقاحة كذا..



الحين لو شافك حد من أخواني.. أشلون موقفي أنا.. لأنه أنت ما تهمني..



على الأقل احشم مرتك قدام أهلها..




لم يرد عليها حتى شعر أنه أتلف أعصابها فعلا بقبلاته



تمنى أن يجعلها تبكي وترجوه أن يفلتها حتى يحطم تكبرها.. وتمنى في ذات الوقت بقوة أكبر ألا تبكي..



تمنى أن يجعلها تبكي لأنه رآها كند أصابه بالقهر.. وتمنى ألا تبكي لأنها تبقى في الختام مجرد امرأة لا ترضى رجولته بدموعها



ولكنها في كلا الحالين لم تبكِ..



ولكنه شعر من ارتعاش يدها بل جسدها كاملا أنها نضجت تماما من الرعب والحرج والجزع والتوتر.. لذا هتف بثقة وهو مازال يمسك بيدها:



عشان تعرفين دايما أشلون تتكلمين على قدش



وما تفكرين يوم تحطين رأسش برأسي..



أحيانا لساني وكلامي يكفوني عن كل شيء.. ووقتها بتمنين إنش مازعلتيني..



لأنش ما بعد جربتيني يوم أزعل.. ولا الكلام اللي أقوله أشلون ممكن يوجع..



وكل مرة بيكون الرد على قد سواتش.. يعني أكيد عقب عرسنا.. ماراح يكون أني أحرجش بمسكة يدش..




كاسرة انتزعت يدها منه وهتفت بهدوء تخفي خلفه غضبا عاتيا: من قال أحرجتني.. عادي.. ماخذت إلا حلالك..



وشيء ما يغضب ربي ماعليه منقود..




ثم هتفت بحزم وهي تستعد للنزول: وعلى فكرة حط في بالك أني ماحد يقهرني ولا يذلني..



ولا يخطر في بالك ولو لثانية أني بأصبر عليك لو أنت تجاوزت حدودك معي



اعرف أشلون تحترمني.. لأنه زواج بدون احترام مستحيل يستمر



وعلى فكرة بعد.. ترا أرخص تصرف يسويه رجّال إنه يخضع مرته لرغباته بالقوة الجسدية اللي هو يدري زين إنها ما تقدر تجاريه فيها




كاسرة شدت عباتها عليها ونزلت.. وهي تغلق باب السيارة خلفها بكل هدوء..



بينما كانت تتمنى لو أغلقتها بكل قوتها وعلى رقبة كساب لو استطاعت




في الوقت الذي كانت عروق كساب اشتعلت بغضب عارم وهو يراها تدلف البيت بخطوات واثقة..



بقي للحظات واقفا في مكانه.. حتى وصلت كاسرة لغرفتها.. نظرت عبر النافذة لا تعلم لماذا



لتجده مازال واقفا.. أشاحت عن النافذة بنفور شديد.. وهي تخلع ملابسها المبتلة..



عشرات الأفكار كانت تدور في المخيلتين في ذات الوقت



تلوح في الأفق صورة قاتمة لحياة زوجية ستكون سلسلة متصلة من المشاكل



كلاهما أصبح يعرف عناد الآخر وقوة بأسه..



كلاهما بدا للآخر مخلوقا غير قابل للتعاشر..



ويبدو بالفعل أنهما يتجهان لنهاية متوقعة قبل أن تبدأ حياتهما الزوجية




" هل يفكران كلاهما بالطلاق قبل أن يتزوجا فعليا!!!"








**************************









" ما أشوفش كلتي شيء؟؟ "




عفراء بابتسامة: أعذرني بس بصراحة ما اقدر أكل من طبخ هنودك.. ما أدري عن نظافتهم..



وبعد أذنك بكرة بأجيب شغالتي وبنطبخ في المطبخ الداخلي.. أبي أطبخ لك أنا




منصور بفخامة: جعلني ما أخلا من الطبخ وراعيته.. ولا تشاورين في بيتش.. لولا إني عزايمي كثيرة وإلا كان سفرت الطباخين..



وما أبي أتعبش تطبخين لذا الأمة .. كفاية أذوق أنا اللي بتسوينه بيدش..



الحين أنا من أمس كلمت مقاول بيفصل بين البيت والمطبخ الخارجي بطوفة عشان يصير اتصاله بالمجلس الخارجي وبس



وأنتي تأخذين راحتش في بيتش




عفراء بحرج: كني سويت لك ربكة في بيتك؟؟




منصور بشفافية: ياحلوها الربكة اللي منك.. صار لي زمان وحياتي صاخة جامدة.. ذبحني الروتين..



ثم أردف وهو يتذكر شيئا: ترا كساب وعلي كلهم كلموني يبون يجيون



يعني مسوين فيها ذربين ويستأذنون.. علي عادي تلبق عليه الذرابة بس كساب لا..



قلت لهم تعالوا أي وقت.. قالوا بيجون عقب العشا




عفراء تقف وهي تهمس برقة: ومزون بعد بتأتي بعد المغرب..








******************************








" ياي يا سوسو لو تشوفين الأكشن اللي صار اليوم



زين لحقت على شنطتش وتلفونش سليمين وجبتهم..



بس جد أحلى شيء الإجازة اللي خذناها لين يلاقون لنا مبنى جديد وإلا يرممون مبنانا



بس ماشاء الله أنتي اللي إجازتش صارت طويلة من قلب



3 أسابيع قبل الزواج وأسبوعين عقبها وعقبها إجازتش السنوية ماشاء الله"




كاسرة تتنهد وتهتف بعمق: ماظنتي أني بأخذ ذا الإجازة كلها




فاطمة بمرح: إلا تأخذينها ونص.. يستاهل أبو زايد من يتفرغ له.. عقب اللي سواه اليوم



تخيلي.. تخيلي.. ياربي.. رياجيل الأطفاء ما قدروا يدخلون المبنى وهو دخل عشانش



الله أكبر على عيون البنات طلعت من مكانها وهو نازل شايلش



كل البنات يسألوني (هذا رجّال كاسرة؟؟)



والله ماعلي منهم.. كبرت في وجيهم .. ومسكت في حلوقهم لين كلهم قالوا ماشاء الله ولا وحول ولا وقوة إلا بالله




كاسرة بسخرية: من جدش؟؟ على شنو ياحسرة؟؟ على البودي جارد اللي الله أرسله لي؟؟




فاطمة باستغراب: اشفيش يا بنت الحلال.. أنتي اللي من جدش..




كاسرة تنهدت بعمق أكبر ثم هتفت بحزم: ترا يوم قلت لش يمكن ما أخذ الإجازة كلها



ترا كنت أقصد أني أفكر أنهي سالفة العرس كله قبل يصير..



بس اللي هامني في الموضوع كله جدي.. ما أبيه يأخذ على خاطره وأنا وافقت علشانه..



لكن الحياة مع ذا الشخص مستحيلة فعلا




فاطمة شهقت بعنف: قسما بالله أنش استخفيتي.. يوم الله هداش وأخيرا وافقتي على واحد ..تبين تطلقين



أنتي عارفة وش الجريمة اللي تبين تسوينها في روحش



ذا السنين كلها تردين الخطاطيب.. وعقبه يوم الله هداش وتملكتي تبين تطلقين



يمديش على السمعة الحلوة اللي بتطلع عليش..




كاسرة بحزم: ما يهمني كلام الناس.. أنا الحين يهمني جدي أشلون أمرر السالفة بدون ما يدري بشيء



فاطمة كسّاب واحد ما ينتعاشر.. والله العظيم ما ينتعاشر..




فاطمة بغضب: وش العيب اللي فيه؟؟؟ ماشفت منه إلا مواقف تدل إنه رجّال فيه خير..



إلا رجّال مافيه اثنين في حميته وشجاعته..




كاسرة بتهكم: وانا أبي لي واحد يشتغل لي بودي جارد..؟؟



أنا أبي زوج..



ثم أردفت بنبرة صوت أهدأ: اسمعيني فاطمة.. يمكن كسّاب كرجّال بشكل عام مافيه عيب



ويمكن كزوج لوحدة غيري تحمد ربه عليه... لكن أنا شخصيتي ما تمشي مع شخصيته



لما وافقت عليه عشان جدي.. قلت سنه صغير مهوب مشكلة.. أستحمل وأكبر عقلي..



لكن لما شفته وتعاملت معه..تأكدت إنه مافيه أي فرصة للتفاهم بيننا



تقابلنا بس مرتين وقامت بيننا حرب.. وجرَّحنا في بعضنا فوق ما تتخيلين



أشلون عقب حياتنا بتكون...؟؟؟



أنا والله أفكر في المستقبل.. بكرة بيكون بيننا عيال.. وطبايعه صعبه ودمه حامي وعلى أقل سبب ممكن يثور ويهدد ويتوعد



وتعامله قاسي ومتحفز..



بصراحة ماني بمستعدة اقضي الباقي من حياتي في عذاب عشان واحد ما يستاهل







*********************************








" أشفيك سرحان؟؟"




كساب يتنهد بحزم: فيه شوي قررات تنطبخ في الرأس




منصور بحزم مشابه: ممكن نعرف وش هالقرارات اللي شاغلتك؟؟




كسّاب بنبرة أقرب للسخرية: أفكر أطلق..




منصور بجزع: أنت تزوجت عشان تطلق.. وش ذا الخبال.. بنات الناس لعبة عندك




كساب بحزم: محشومين بنات الناس.. بس إذا كانوا بنات الناس على قولتك ما ينفعون يكونون ربات بيوت



وش حادني على الغثا؟؟




منصور بنبرة متهكمة: جبان يعني؟؟ تبي تهرب من الحياة الزوجية قبل تجربها




حينها وقف كساب وهو يصر على أسنانه: ما أسمح لك ياعمي تقول عني جبان




منصور يشير له بيده أن يجلس ويهتف بحزم شديد: ألف مرة قايل لك صوتك ما يرتفع علي



وإيه جبان وألف جبان.. تبي تهرب من المواجهه قبل تصير حتى



يا أخي على قولتك (كل السالفة مرة).. وش فيها المرة مخوفتك يعني




حينها رد عليه كساب ببرود حازم: عمي مهوب أنا اللي أخاف من ألف رجّال عشان أخاف من مرة



لكن ياعمي المرة ذي بتصير أم عيالي.. لو ما فكرت في نفسي بأفكر في عيالي عقب..




قاطع حوارهم صوت عفراء الحنون وهي تضع صحنا يحتوي عدة كاسات من العصائر المتنوعة



ومزون خلفها تضع صحنا آخر: اشفيك يابو زايد شكلك مزعل كساب؟؟




منصور ينظر لكساب ويهتف بنبرة مقصودة: أنا وولد أخي لا تحاورنا.. حوارنا حاد شويتين



الله مهوب هادينا لين روسنا تكسّر..




حينها وقف كسّاب وهو يهتف بحزم: لازم أروح.. وراي شغل




والحقيقة أنه لم يرد أن يتطور الحوار بين بينه وبين عمه وأمام خالته ومزون.. فكلاهما متحفز حاد العبارات لأبعد حد حينما يغضب أو ينفعل أو يحتد..




عفراء برجاء: وين بتروح يأمك.. توك جاي.. وحتى علي مابعد وصل




كسّاب يمد يده بكيس فخم كان جواره ويهتف بمودة: على جاته شغلة ضرورية وما ظنتي إنه بيجي والوقت تأخر كذا..



ثم أردف وهو يقبل رأسها: وهذي هديتش وسامحيني عالقصور




عفراء تناولتها بخجل وهي تهتف له بحنان: زين يأمك تغدوا عندي كلكم بكرة..




كسّاب بهدوء مقصود: لا جعلني فداش.. اخذي راحتش أنتي وحضرت العقيد..



لأن العقيد شكله مهوب طايقنا..




قال العبارة الأخيرة بنبرة مقصودة وهو ينظر لعمه.. عفراء تنظر لمنصور ثم تنظر لكسّاب وهو تهمس برقة: تدري بغلاك عند حضرت العقيد



وإن قال شيء ضايقك فأكيد عشان مصلحتك...




حينها اقترب منصور وهو يضع أطراف أصابعه على كتفها ويهتف بابتسامة: الله لا يخليني من اللي ترقع لي..




عفراء حركت كتفها بحرج لكي يزيل يده عن كتفها ولكنه لم يستجب لحركتها المترجية



بينما كسّاب كان يستعد للخروج ويبتسم: لولا ترقيعة بنت محمد وإلا كان علوم




مزون حينها همست باختناق: كسّاب ممكن تأخذني معك..؟؟




كسّاب نظر لها بحدة.. ولكنه بعد ذلك هتف بحزم: أنتظرش برا




فهو شعر بحرجها أن تبقى مع العريسين الجديدين بعد أن تأخر الوقت.. وقرر أن يأخذها معها من باب الذوق معهما وليس معها..




مزون ارتدت عباءتها وهي تقبل عمها وخالتها وتخرج على عجل.. بينما عفراء انشغلت بجمع الأطباق والكاسات..



منصور شدها لتجلس جواره وهو يهتف بحزم: خليهم.. إذا صرت موجود لا تنشغلين عني بشيء..




عفراء بحرج: إن شاء الله



مع إن ما اسمي هذا انشغال أساسا.. أشلون لو انشغلت فعلا..




منصور مد كفه ليمسك بكفها وهو يمر أصابعه على كل أصبع من أصابعها ويهتف بمودة مختلطة بحزمه الطبيعي:



أنا أكثر وقتي أصلا مشغول.. فشوي الوقت اللي بأكون فيه عندش أتمنى تكونين متفرغة لي أنا وبس..




عفراء التفتت له وابتسمت: بصراحة ديكتاتوري..




منصور مد سبابته ليمسح على طرف خدها وهو يهمس بخفوت: زين عرفتي من أولها أني ديكتاتوري



لأن الديكتاتوري مايستحمل حد يخالفه..




عفراء أمسكت يده التي تمسح وجهها وأنزلتها بجوارها برقة وهي تهمس بذات الرقة أيضا: زين ياحضرت الديكتاتوري



يا ليت ما تحرجني مرة ثانية قدام عيال أختي .. أحرجتني يوم حطيت يدك على كتفي..




حينها شدها منصور ليقبلها بولع دافئ وهو يهمس في أذنها: زين لو مسوي كذا قدام عيال أختش وش كان سويتي؟؟



ترا كل السالفة كفي على طرف كتفش بحركة عفوية.. ماقصدت شي




عفراء تتخلص من حضنه بحرج .. مازالت تحتاج مزيدا من الوقت للتعود على جرأته التي تجده يغمرها فيها دون مقدمات أو تمهيد



مازالت في طور التعود على محض وجود رجل في حياتها... فكيف بهذا الرجل الذي لم يمنحها وقتا للتعود حتى



وهو يفرض نفسه على كل شيء ويريد امتلاك كل شيء فيها:



ماعليه أبو زايد.. تكفى حتى يدي ما تمسكها قدام أحد..








*****************************








في خارج بيت منصور



مزون تركب بجوار كساب بتردد.. هيبة الموقف ألجمت كل أحاسيسها..



أربع سنوات مرت لم تجلس مطلقا في هذا المكان



بعد أن كان مكانها المفضل في كل مكان تخرج إليه...



تعلم أن كل المدة التي ستجلسها جواره لن تتعدى دقائق فبيتهما قريب جدا



تمنت أن يحدث شيئا يجعل هذه الدقائق تمتد وتمتد



لم يوجه لها الحديث مطلقا ونظراته ثابتة على الطريق أمامه.. بينما كانت تسترق النظرات له..



تحاول أن تعرف ما الذي تغير..



من أين جاء بكل هذه القسوة؟!! كيف تغير هكذا؟؟




تأخذ لها نفسا عميقا.. حتى رائحة عطره تغيرت..



سيارته وحتى غرفته دائما مثقلة برائحة عطره الفاخر الثقيل الذي تبدو رائحة دهن العود هي الغالبة فيه..



بعد أن كان يفضل رائحة المسك..




كانت تود أن تسرق من هذا الزمن لحظات تعيد لها شقيقها الأثير ولو لحظات.. ولكن اللحظات انقضت سريعا.. كلمحة بصر



لتتفاجأ بهما يصلان سريعا ويقفان في باحة بيتهما..شعرت بقلبها يهوي بعد لحظات سعادة يائسة مبتورة



لم يكلمها وهو يستعد للنزول.. همست بصوت مختنق: كسّاب ممكن تعطيني ميدالية مفاتيحك؟؟




كساب حينها التفت لها بحدة: نعم؟؟




مزون باختناق: دقيقة وحدة وأرجعها لك..




كساب كان سيرفض قطعا.. ولكنه شعر بالفضول (لماذا تريد مفاتيحه؟) لذا أخرجها من جيبه وأعطاها له ببرود



والسبب الآخر الذي ينكره على نفسه.. أنه لم يستطع ردها وهي تطلب هذا الأمر التافه بهذه النبرة الموجوعة..



فهو كان يقاوم في داخله رغبة أعمق.. وركوبها جواره يعيد له ذكريات قديمة.. أثيرة.. تبدو مشوشة غائمة خلف ضغط الجرح والتجريح




مزون أخرجت من حقيبتها ميدالية أخرى.. نزعت ميداليته بحركة سريعة رشيقة ووضعت مفاتيحه في الميدالية الجديدة



همست بضعف وهي تعيد المفاتيح له وتستعد للنزول: هذي هدية ملكتك.. شيء بسيط



كنت بأعطيك إياها في علبتها مغلفة .. بس كنت عارفة إنك ماراح تفتحها



حلفتك بالله ما تشيل مفاتيحك منها.. تراها قطعة حديد لا تأكل ولا تشرب



ويارب أنك تقدر تحتوي صاحبة الحرف مثل ماحرفك احتوى حرفها



تراها تيتمت صغيرة ومهما بدت للناس قوية.. تبيك تكون أقوى وأحن




مزون أنهت عبارتها ونزلت.. بينما كساب تنهد بعمق وهو ينظر للميدالية البالغة الأناقة والفخامة والرقي ..



بلاتين وجلد أسود.. على أحد وجيهها اسم ماركة عالمية شهيرة جدا وعلى الوجه الآخر حُفر على البلاتين حرفين كلاهما k الإنجليزي



أحدهما كبير ويحتوي في داخله حرف k أصغر بطريقة فنية رائعة..




ابتسم كساب بسخرية مريرة موجوعة تنزف مرارة سرمدية لا حدود لانغراسها في روحه: احتويها وأنا ما أحتويتش؟!!




إنا مخلوق صعب التعامل معي.. وقلبي أسود.. إذا أنا ماقدرت أحتوي الغالية اللي كانت قاعدة جنبي



إذا انا ماقدرت أسامحها وهي أغلى من أنفاسي



وأشلون وحدة ما أعرفها.. جايتني تظن إنها تقدر تفرض علي اللي هي تبيه



أسهل ماعلي إني أكسر رأسها.. أخليها ما تسوى.. أعرفها حجمها وحدودها



أخليها تعرف إنها مالها في حياتي قيمة .. أروضها وأمشيها على الصراط المستقيم



لكن أنا ما أبي أقهر لي مره ثانية.. كفاية حسرتي بقهر مزون.. وقهري بحسرتها




رفع يده ينظر للميدالية وهمس بحنان عميق مثقل بالوجع : بأخليها عشانش يامزون..



وإلا صاحبة الحرف ماتستاهل إلا اللي يدعس خدها



خلاص باعتبرها أحرف اسم شركتي..



.



.



.



آه يا مزون لو تعلمين كم أعاني بعذابي المخفي في أعماق لم يصلها أحد..



كم أعاني من ألم النكران والجرح ولبس ثياب التجاهل!!



إذا كان جرحي في قلبك لا يتوقف عن النزيف



فقلبي مطعون منك على الدوام



إن كانت الطعنة قد انتهت عندك وبقي فقط ألمها ماثلا ينزف



فأنا أشعر أن سكينك ماغادرت قلبي يوما



ووهي تتحرك بشفرتها في كل الاتجاهات.. تقطع شرايين قلبي بلا رحمة



هل تتصورين هذا الألم؟؟ هل تتخيلينه؟؟



أ لم يكن هذا ما فعلته مابي وأنتي تبعثرين كرامتي وكل محبتي لك دون أي اهتمام أو رحمة؟!!



لذا أنا عاجز عن الغفران.. عن المسامحة.



كيف أغفر أو أسامح من سكينها مازالت تغرسها بقلبي



مهما حاولنا كلانا انتزاعها..



فالسكين رشقت في مكانها... وأبت أن تغادر



كيف تغادر وأنتِ من تأكدتِ الآف المرات أنكِ غرزتها حتى أعمق الأعماق؟؟



كيف تغادر وأنتِ من تأكدتِ أنكِ ثبتها في مكان لن تصل له يد رحمة أو غفران؟؟



.



.



.



قبل أربع سنوات..







تنزل الدرج متألقة.. سعيدة.. محلقة.. مغرقة في شفافية عميقة.. محاطة بالاحتواء والحنان



وكل ذلك انعكس على روحها وحتى إحساسها بشكلها



ومع نزولها للدرج كان يدخل هو من الخارج يحمل بيده كيسا بالغ الفخامة.. التقت النظرتان والابتسامتان..




تلاقيا في منتصف الصالة ..قبلت رأسه بمودة خالصة: وينك مختفي اليوم؟؟ اشتقت لك..




يجلس وهو يشدها جواره ويهتف لها بابتسامة حانية: رحت أجيب هديتش..




همست له بخجل: قلت لك مالها داعي.. ما أدري ليه سويت ذا الهدية قضية الشرق الأوسط




يحتضن كتفيها ويقبل رأسها وهو يهتف بمودة مصفاة: ابي وعلي وحتى عمي وخالتي وجميلة كلهم جابوا لش هداياهم إلا أنا



قدني متفشل من روحي.. بس شاسوي كنت أبي لش شي غير..



هذي هدية الثانوية العامة وأنتي بعد غير شكل بيضتي وجهي من قلب



ما تخيلين وناستي الله يونسش بالعافية.. أنا يوم خلصت ثانوية ولا حتى الجامعة عقبها ما فرحت حتى واحد على ميه من فرحتي بنجاحش..



فقلت لازم الهدية على قد النسبة اللي جبتيها وعلى قد فرحتي أنا فيها..



صار لي أسبوع ماخليت محل في الدوحة مافليته فل..




مزون بتأثر عميق: الله لا يخليني منك.. ليه تكلف على نفسك كذا..




كساب بمودة: وش كلافته؟؟ عيب ذا الكلام... المهم خلني أكمل لش الفيلم الطويل



اليوم ثالث مرة أجي نفس المحل.. فالبياع مستغرب مني.. يقول لي أنت وش تدور؟؟ صار لك كم مرة تجي.. لو تحب ساعدناك



قلت له أبي هدية ماجا مثلها في الدوحة.. لأحلى وأشيخ بنت في الدوحة



فطلع لي هديتش هذي .. كان على قولتها مخبيها لزباين خاصين..



ثم أردف وهو يبتسم: بس جد سويتي لي خلل في الميزانية... على الراتب اللي إبيش يعطيني عقب هديتش بتشوفيني أطر على بيبان المساجد




مزون تبتسم: يا النصاب أدري عندك فلوس غير عن ورثك من أمي..



وبعدين أنت يأما تقول لابي يزيد راتبك أو تسوي لك أنت بيزنس خاص فيك..




كساب بجدية: ما أقدر أطلب من إبي كذا ولا أخليه بروحه في الشركة.. لأني فاهم ليه هو يسوي كذا



إبي يبي يحكني.. يبيني أبدأ من أول السلم وأعرف الشغل صغيرة وكبيرة



يعني من أول ما اشتغلت معه عقب التخرج قبل 4 سنين لين الحين صار عندي فرق شاسع في الخبرة..




مزون بحنان: بس جد أنا شايفة إبي يزودها عليك.. وخصوصا إني عارفة طبعك حاد شويتين..




كساب يبتسم: أنتي اللي قلبش رهيف... لو إبي ما سوى كذا أشلون باتعلم.. والطبع الحاد إلا لازم يظهر بس أكيد مهوب مع إبي..



كفاية علي ما يبي يشتغل معنا.. مخه مافيه الا السياسة..



ثم أردف باهتمام: إلا خلينا في المهم... الحين أنتي وش قررتي تدرسين؟؟




صمتت مزون باختناق.. كساب يستحثها للحديث: ها يا قلبي.... لا تكونين ما بعد قررتي؟؟




مزون جفت الكلمات في حنجرتها: إلا قررت... إبي ما قال لك..؟؟




كساب باستغراب: ومن متى كان فيه وسيط بيني وبينش؟؟ وليه إبي يقول لي؟؟



أبي أسمع منش




مزون نهضت من جواره وجلست في كرسي مقابل له وهتفت بأحرف مقطعة: أبي أدرس طيران..




حينها انفجر كساب ضاحكا: حلوة ذي يا بنت.. طيران مرة وحدة... إلا ما تبين تدخلين الجيش مع عمي منصور بالمرة؟؟




مزون باختناق أكبر: كساب أنا من جدي.. أبي أدرس طيران




حينها تغير وجه كساب للجدية: مزون يا قلبي السوالف ذي مافيها مزح..




مزون ابتلعت ريقها: وأنا ما أمزح




حينها تنهد كساب بعمق ثم وقف وجلس جوارها احتضن كفها في كفه ثم هتف لها بعمق أخوي شاسع:



يا حبيبتي أنتي .. اسمعيني... أدري إنه أحيانا ممكن يطري على الواحد أفكار مستحيلة أو صعب تحقيقها..



أنا وأنا بزر تمنيت أكون رائد فضاء ...ويمكن أنتي تمنيتي تكونين كابتن طيار



بس الواحد يوم يكبر يشوف شنو ظروفه وإمكانياته تسمح له..



التحدي حلو.. والمجال الصعب مطلوب.. والاستثنائية أكيد مطلب لوحدة متفوقة مثلش



واللي تبينه على رأسي وعيني.. بس مهوب طيران عاد... تبين طب؟؟.. هندسة..؟؟



حاضر... وأنا اللي بسافر معش لين تخلصين دراستش... تدرين إني ما أقدر أخليش تغيبين من عيني



أنا باروح معش بدل السنة عشر سنين...تدللي




مزون غير مقتنعة بما قاله لذا همست بذات اختناقها: وتعطل حياتك كلها عشاني؟؟



أنت وش حادك تتغرب؟؟.. بأدرس هنا.. وإبي ما عنده مانع




كساب يعاود التنهد ويهتف بثقة: ماعليش مني ماراح تعطليني من شيء.. بأحضر معش ماجستير ودكتوراة ويمكن أسوي بيزنس هناك



بأصرف روحي... المهم أنتي..



أما إبي فمستحيل مايكون عنده مانع.. أكيد إنه يظنش تمزحين..




مزون حنجرتها جافة لأبعد حد: إبي يدري إني ما أمزح... وأنا مصممة على ذا التخصص




حينها هتف كسّاب باستغراب: نعم؟؟ مصممة؟؟ وإبي يدري..؟؟



ثم أردف بنبرة عدم تصديق: مستحيل أصدق ذا الخرابيط أصلا...



بنت زايد آل كساب كابتن طيار مع الرياجيل كتف بكتف..!!




مزون حينها هتفت بثقة: والله أنا تربيت عدل وهذا شيء أنت واثق منه...



وفيه شغلات واجد فيها اختلاط حتى الطب والهندسة اللي أنت تعرضهم علي




كساب بحزم: لا لا تألفين على كيفش... مافيه شغلة مثل الطيران.... أقل شيء فيها أنش بتسافرين بدون محرم...



وإلا كابتن طيار بتأخذ محرمها في كل رحلة...؟؟



وبعدين في الطب ممكن تصيرين طبيبة نساء... أطفال.. وما تسوين شيء يغضب ربش



والهندسة مع أنها فكرة صعبة... بس بعد ممكن الواحد يخليها تتناسب مع ظروفه..



الحين وش كثر سيدات الأعمال النسوان.. بنسوي لش شركة نسائية



يعني في كل حال احنا نقدر نتحكم بالوضع



لكن الطيران لا.... مجتمع مفتوح ومختلط لأبعد حد...



شوفي أنا هذرت ذا كله... وأنا متأكد إنش مستحيل تكونين تكلمين من جدش




مزون تنهدت بعمق ثم هتفت بتصميم: وأنا أتكلم من جدي.. من حقي اختار المجال اللي أبيه




حينها وقف كساب هتف بحزم: وأنا مستحيل أوافق على ذا الخبال..




مزون بحزم: مهوب من حقك ترفض.. هذا مستقبلي أنا..




كساب بصدمة حقيقية: مزون هذي آخرتها؟؟.. توقفين في وجهي عشان موضوع ما يستاهل؟؟..



لو أنا منعتش من الدراسة كلها.. لش حق تعترضين



لكن أنا أعطيش ألف خيار وأمنعش من خيار واحد أدري إنه ما ينفعش.. ليش العناد ذا؟؟




مزون برجاء: كساب تكفى لا تعقدها كذا..




كساب بنفس النبرة المصدومة: أعقدها؟؟ هي أصلا متعقدة بدون شيء..




مزون بتصميم: إذا بغيت أنت ما تعقدت..




حينها هتف كساب بحزم شديد: وأنا ما أبغي ذا السالفة كلها... وسكري ذا الموال كله ولا عاد أسمعه عندش




مزون تنهدت بعمق ثم هتفت بحزم: وأنا ما عندي غير ذا الموال..




حينها وقف كساب ثم أوقفها... نظر في عينيها بشكل مباشر ثم هتف بصرامة:



وأنا أقول لش يا أنا... يا ذا الخبال اللي في راسش



أنا والله لحد الحين أظنش تمزحين



لكن لو على فرض إنش جادة.. هذا أنا أقول لش



لو دخلتي ذا التخصص انسي إن لش أخ اسمه كساب



وأظني إنش تعرفين إني واحد ما أهدد.. ويوم أقول شيء أكون قاصده






.



.



.




بعد ذلك بعدة أيام






الجو في البيت مكهرب لأبعد حد... الكل يحاول ثني مزون عن هذا التخصص وأولهم عمها وخالتها..



كساب كان ثائرا لأبعد حدود... وأكثر ما يؤلمه أنه بعد كل هذه السنوات التي قضاها أما لها وأبا



تختار عليه شيئا تافها.. يحاول أن يجد لها عذرا ولكنه لا يستطيع.. لا يستطيع..



فجرحها في قلبه كان عميقا جدا..



(أعلمه الرماية كل يوم..فلما اشتد ساعده رماني)



أن يكون قد أوقف كل حياته الماضية من أجلها.. كانت هي الأولوية في حياته



لا يغادر الدوحة إلا في أضيق الحدود حتى لا يتركها



تكون هي رقم واحد حتى على احتياجاته الخاصة... منذ أن تخرج من الجامعة وهو يتمنى لو أكمل دراسته العليا



ولكنه أجل الموضوع بل مستعد لإلغاءه من أجلها



ثم في أول موقف ينتظر منها أن تثبت له أن تضحياته من أجلها لم تذهب سدى



لم يطلب منها شيئا كبيرا حتى... رفض فقط تخصصا لا يناسبها



وفتح لها كل الأبواب عداه.. ولكنها لم ترد سوى هذا الباب بل وتفضله عليه



فأي حزن أسود غرق فيه قلبه؟؟



مازال لديه أمل أنها قد تتراجع.. مازال لديه أمل أنه في النهاية سيكون له بعض الاهتمام عندها



رغم أنها جرحته ومزقت شرايين قلبه بسكين صدئة ..ولكنه مستعد للمسامحة.. من أجلها مستعد للغفران..



لا يستطيع أن يصدق أنها فضلت عليه شيئا تافها كهذا.. ومع ذلك هو مستعد لتناسي هذا الجرح العميق



المهم ألا تستمر في جنونها هذا!!



.



.



هو وعلي يجلسان في الصالة السفلية ينتظران حضور زايد ومزون.. في قلب كل منهما أمل عميق



أن تنتهي هذه المشكلة التي عصفت بأمان بيتهم..





فور أن دخلا من الخارج



كساب وعلي كلاهما قفزا.. علي سأل بحذر: من وين جايين؟؟




زايد تنهد بعمق ثم أجاب بحزم: من كلية الطيران .. سجلنا مزون..




حينها صرخ كساب بانفعال كاسح: يعني خليتها تسوي اللي في رأسها.. خليتها تسوي اللي في راسها؟!!!




مزون انكمشت واختبئت خلف زايد.. بينما علي توجه ناحيتها وهو يهمس لها بحنو:



مزون عاجبش حالنا... ما يسوى علينا ذا التخصص



أكثر ما أكثر الله الجامعات والتخصصات... اختاري اللي تبين



حرام عليش أنا وكسّاب.. على الأقل فكري في شكلنا قدام الناس.. فكري بالكلام اللي بينقال عليش



وأنتي بنت كل شيء بيأثر عليش




مزون بتصميم وهي تسند جبينها لكتف زايد من الخلف: ماعلي من الناس..




حينها هتف علي بألم عتب شفاف: وحن بعد ماعليش منا؟؟ مالنا اهتمام عندش




مزون بضيق عميق: أنتو مكبرين السالفة وهي صغيرة... أنا ما أشوف فيها شيء..




حينها انتفض كسّاب بعنف وهو يشدها ليتناولها من خلف زايد ويصرخ فيها بنبرة مرعبة: ما تشوفين فيها شيء؟؟ ما تشوفين فيها شيء؟؟




مزون انكمشت مع انقضاض كساب عليها بينما زايد لطم يد كساب التي تمسك بمزون وخلصها ليعيدها خلفه وهو يصرخ بنبرة مرعبة:



وبتمد يدك عليها وأنا واقف مالي احترام ولا تقدير




كساب يصرخ بكل وجيعة العالم وقهره: وبأكسر رجلها بعد... والله ما أخليها تروح ذا الكلية...




زايد بحزم مرعب: إلا أنت اللي والله ثم والله لأدري إنك مديت اصبعك عليها إنه زعلي عليك دنيا وآخرة




حينها بدأ كسّاب يصرخ بانفعال لا حدود له.. لا مقياس له.. غضب مجرد .. قهر مجرد.. حزن مجرد:



تبون تقهروني؟؟ تبون تقهروني؟؟...خافوا الله فيني..



أنا وش سويت فيكم..؟؟ وش سويت فيكم.؟؟.. والله لو أني عدو ما تسون فيني كذا



هي.. سنين عمري كلها وأنا حاطها فوق رأسي ومبديها على خلق الله



وأنت.. طول عمري وأنا عصاك اللي ما تعصاك...



وش سويت فيكم تسوون فيني كذا..؟؟




كساب كان يرتعش من الغضب والانفعال ووجهها يكاد يتفجر من الاحمرار والغضب والكلمات تتناثر كبركان ثائر من الغضب والقهر والانفعال




علي التزم الصمت من شدة تأثره والكلمات تختنق في حنجرته.. ماعاد للكلمات معنى!! ماعاد للكلمات معنى!!




بينما مزون بدأت تبكي وهي تنشج وتقول: كساب تكفى لا تسوي في روحك كذا



والله السالفة بسيطة..




حينها صرخ بها كساب بكل انفعال الكون: خلاص شايفتها بسيطة.. خليها.. أنا لآخر مرة أقول لش يأنا.. ياذا الدراسة.. اختاري الحين




مزون بألم عميق: كسّاب تكفى لا تقارن نفسك بشيء ما يسواك عندي.. بس في نفس الوقت ما أقدر أخليه..



أنا خلاص مستحيل أخلي الطيران..




كساب يصرخ بثورة هائلة: وانت يبه من جدك موافقها..؟؟




زايد بهدوء يخفي خلفه أملا وألما شاسعين.. فهو ممزق.. ممزق بينهم: أنا قلت لها وقدامكم أكثر من مرة إنه ذا التخصص ما ينفعها..



بس هي لزمت وقالت ماتبي غيره.. وأنا يوم وعدتها أخليها تدخل اللي تبي ماكنت أدري إنها تبي ذا التخصص



والحين هذا أنا أقول لها قدامكم للمرة الأخيرة:



يا أبيش ترا الفرصة قدامش تراجعين.. التخصص ذا ما ينفع لش وأخوانش زعلانين منه




مزون باختناق: يبه أنت وعدتني.. وعدتني..




زايد بحزم: وأنا ما أرجع في وعدي.. وتدرين بذا الشيء زين... لكن لا تخلين وعدي لش سيف على رقاب أخوانش




مزون تنشج وهي تخفي وجهها في عضده: يبه تكفى ما تحرمني من حلمي اللي أبيه.. أنت وعدتني..




زايد يتنهد بعمق مرير ثم يربت على خدها: خلاص يا أبيش خلاص.. لا تبكين.. ما تضامين وأنا راسي يشم الهوا..




كساب يصرخ بصدمة مريرة موجوعة: قد ذا اللي الله قدرك عليه (لا تبكين يا أبيش) خلها تبكي بدل الدموع دم..



بكرة بتدري إن حن كنا نبي مصلحتها.. تكفى يبه لا تطاوعها.. تكفى..




مزون تنشج: تكفى يبه ما تردني من شيء طول عمري أحلم فيه..




زايد بصرامة : خلاص الحكي خلص... مزون بتدخل اللي هي تبي... وإن شاء الله ما يلحقها شر وأنا وراها




حينها انحدرت نبرة كساب بألم شديد: تكفى يبه.. تكفى..



طالبك طلبة.. طالبك ماتخليها تدخل ذا الكلية..




رد عليه زايد بنبرة باردة صارمة تفيض صقيعا مدروسا: أظني إني عادني حي.. وشورها في يدي



وأنا قلت لها إذا جابت ذا النسبة .. بأخليها تدخل اللي هي تبي




حينها انهار كساب على ركبتيه..وانكب على يد والده يقبلها.. وهمس باستجداء موجع.. موجع حتى عنان السماء..



موجع حتى نهايات الوجع الموغلة في اليأس والألم والتشبث بمعاني رجولته البدوية الغالية:



تكفى يبه لا تخليها تفضحنا.. تكفى..



والله ماعاد أطلب منك شيء في عمري كله



بس لا تردني.. تكفى.. تكفى



طالبك يبه.. طالبك طلبة



يبه تكفى.. ما تهمك سمعتنا بين الناس؟!!




زايد انتزع يده بحدة وهو يحترق ألما لهذا الجاثي المبعثر عند قدميه..



يود أن ينتزعه من الأرض ليزرعه بين النجوم.. أن يمحي نظرة الإنكسار الذابحة في عينيه



فهو الذي علمه ألا ينكسر ولا ينحني ولا يتردد..



تركه جاثيا في مكانه وابتعد عنه ليهمس بثقة صارمة.. مرعبة.. نبرة من لا يهمه في الحياة سوى قناعاته هو:



أنا ما يهمني حد



وهي بتدخل اللي تبي



ولا حدن بقاهرها وأنا رأسي يشم الهوا





شيء ما في روحه انكسر.. انكسر.. انكسر وتحطم إلى فتات متطاير



يحاول أن يجمع أشلاءه المتناثرة .. أن يقف مانعا نزيف روحه من الظهور علانية



وتحل في عينيه نظرة آخرى.. مختلفة.. مختلفة تماما



وقف وهو يمد قامته.. ثم هتف ببرود صارم موجوع:



خلاص يبه لا تقهرها.. لا تقهرها.. خلها تدخل اللي تبي..



بس من اليوم اعتبروا كسّاب مات.. ومالكم شغل فيه



أنا من اليوم مقدم استقالتي من شركتك



وهي أنا مقدم استقالتي من حياتها... تنسى إن لها أخ اسمه كساب



أدري إنها مسيرها تندم ومسيرها ترجع تدور رضاي



بس من الحين أقول لش.. اللي انكسر يامزون ما يتصلح



وأنتي وابيش كسرتوني.. كسرتوني



.



.



.



اليوم





يتنهد كساب بألم.. يحاول أن يتناسى هذا الألم.. فلا يفلح.. لا يفلح



يشد على ميدالية المفاتيح بين يديه بقوة حتى شعر بألم انغزازها في كفه



عل الألم الجسدي يلهيه عن ألم الروح.. ولكن لا فائدة.. لا فائدة



فهذا الألم لا يتزحزح ولا ينتهي.. ولا ينقضي..



يتنهد تنهيدة أعمق ثم ينزل من سيارته متجها للبيت..








******************************








الوقت يقترب من منتصف الليل



مازالت عاجزة عن النوم.. تشعر أن يدها مازالت تحترق بأثر قبلاته.. وصدرها ممتلئ برائحة أنفاسه التي دفعت في رئتيها الحياة اليوم



والأهم من هذا وذاك إحساسها بالنفور الغريب من لمساته وأنفاسه.. نفور لا تعلم كيف تفسره.. نفور معقد مضطرب



تخجل حتى من تفسيره لنفسها..



تشعر أن الحياة معه مستحيلة... لم تستطع احتماله حتى لدقائق فكيف لسنوات



ومع ذلك فإن الأغرب فهو رغبتها الجامحة أن تجرب كيف ستكون الحياة بقربه فعلا



هذا الرجل الغريب بجاذبيته وشخصيته .. المعقد في تصرفاته التي يصعب تفسيرها




كما يصعب تماما تفسير إحساسها الغريب به.. شعرت أنها تريد أن تتقيأ وهو يقبل يدها



ومع ذلك ويا لا الغرابة -رأسها يؤلمها حرجا من مجرد الفكرة- مع ذلك تمنت ألا يتوقف..




تشعر أنها تريد أن تدعك يدها حتى تسلخ جلدها لكي تمسح أثر قبلاته الذي التصق ببشرة يدها



ومع ذلك أيضا تشعر برغبة بذات القوة أن تتلمس بزهر شفتيها مكان شفتيه الدافئتين على حرير يدها..




وقفت وهي تنفض رأسها وتشعر بالحرج العميق من أفكارها..



يبدو أن هذا الكساب يقودها لجنون فعلي لابد أن تنقذ نفسها منه..



يستحيل أن تسمح لنفسها بالانخراط في حياة عبثية مثل هذه ومع رجل يبدو عاجزا عن فهمها أو حتى احترامها



محض طفل يبدو أنه سيتعامل معها كلعبة لن يتردد في تحطيمها إن لم تعجبه




قرار ما يرتسم في قرارة فكرها..



توجهت لحقيبتها... بحثت في ثناياها عن شيء معين بثقة... فهي حين تقرر لا تتراجع..



لا تتراجع أبدا !!







**************************








قبل ذلك بحوالي ساعتين...





"هلا حيا الله أبو زايد.. مهوب عوايدك راجع بدري"




كساب يلقي غترته جواره ويهتف بهدوء: أولا مهوب بدري الساعة 10 الحين..وأنا مابعد تعشيت أنتظر علي نتعشى سوا




زايد يغير لقناة اقتصادية ويهتف بهدوء مشابه: عليكم بالعافية.. ادعوا مزون عقب تتعشى معكم



توها داخلة من بيت عمها..




كساب بهدوء: أدري.. أنا اللي جايبها




زايد شعر باستغراب عميق أشبه بالصدمة.. ومع ذلك لم يعلق مطلقا.. يعلم أن مجرد تعليقه على الموضوع سيجعل كسّاب يتحفز



لذا تنهد بعمق وهو يدعو الله من أعماق قلبه أن يكون هذا الأمر دلالة لتحرك شيء من الصفاء بين مزون وكساب..




زايد أراد أن يُظهر الأمر كأمر اعتيادي لذا هتف بحزم: بكرة بأخلي مدير مكتبي يتصل بسكرتيرك عشان يحدد موعد توقيع العقد



المحامي خلص من كتابة العقد..




كساب هز كتفيه وهتف بحزم مشابه: أجل توقيع العقد .. لأنه يمكن ما نوقعه




زايد باستغراب عميق: ليش؟؟




كساب بهدوء واثق: لأني ولد سوق.. وأحسبها بعقلي.. صحيح أنت بتعطيني مشروع بيقفز بشركتي خطوة كبيرة قدام



بس في نفس الوقت بتورطني في مشروع فاشل من أساسه




زايد بذكائه لم يحتج أن يفهم ما يقصده كساب بالمشروع الفاشل لذا هتف بحزم:



هذي مساومة تبيني أرفع قيمة العقد عشان تستمر في المشروع الفاشل على قولتك؟؟




كساب استرخى في مقعده وهو يهتف بحزم صارم: لا طال عمرك.. نبي نفسخ العقد بكبره



اختيارك ماجاز لي .. وأبي أطلقها

همس المشاعر
09-29-2011, 06:34 AM
بين الأمس واليوم/ الجزء السابع والعشرون








يعود لغرفته وهو ينتفض غضبا



نعت كسّاب بمختلف النعوت.. نعته أنه جبان وليس برجل و (رخمة)



أ بعد أن أصبحت كاسرة زوجته يريد أن يتخلى عنها بسهولة؟؟



أي جنون يعصف برأس هذا الفتى؟!!



أ يريد أن يقهره ؟!!



لا يستطيع أن يجد له مبررا آخر.. فهو لم يعرف الفتاة بعد ..



فلماذا هذا التحامل الشديد عليها؟؟




يستحيل أن يسمح له أن يفعل هذا بابنة مزنة..فزايد مازال لم يدخل المعركة بكامل عدته وعتاده



لن يسمح له أن يكون السبب في خدش مشاعر مزنة وابنتها!!



يبدو أن هذا الفتى لا يعلم بماذا ورط نفسه... بما أنه دخل المعمعة لن يسمح أن يتراجع.. لن يسمح له!!



فهو من أدخل نفسه عرين الأسد!!



يبدو أن هذا الفتى لا يعرف من يناطح بعد



فهو سيناطح -إن استمر في جنونه- زايد بن علي آل كساب شخصيا



نعم أمهله طوال السنوات الماضية وهو يرجوه أن يتزوج بينما هو يرفض



لكنه الآن فعلها.. فعلها.. أصبح رجلا متزوجا.. وانتهى الامر



وهو من وافق بكامل رضاه!!



إذن فليحتمل ما سيلاقيه!!






لم تنتهِ معركتهما الحامية إلا مع دخول علي عليهما.. وهو يقوم بدور المصلح



ولكن كلاهما قرر الانسحاب لغرفته تلافيا لمزيد من الشد بينهما



فكلاهما كانا على وشك الإنفجار



ليتركا علي يبتسم ويهتف لهما بمرح شفاف: زين واحد منكم يتعشى معي يا عيال الحلال.. وش ذنبي أنا؟؟



.



.






كساب في غرفته يزفر بحرارة.. يخلع ملابسه ويقرر القيام بتمارين الضغط للمرة الثانية اليوم.. حتى يفرغ بعض طاقة الغضب المتزايدة في روحه




" أنا الغلطان من البداية يوم وافقته..



خليت الحق يركبني..



حسسني إني الكسبان.. وفي النهاية مافيه خسران غيري"



.



"زين لو جينا للحق البنت مالها ذنب تسوي فيها كذا



أشلون ترضى على مرجلتك تضر سمعتها لو طلقتها قبل العرس بأسابيع بس؟"



.



"بس ما أبيها .. ما أبيها



ما تنطاق.. ما تنطاق!!



دسم على الكبد.. ما تنبلع ولا تنصرط!!"



.



" ليه بتلاقي أحلى منها؟؟"



.



يبتسم : " لا تذكرني بس



لا تذكرت عيونها وإلا شفايفها وإلا نعومة بشرتها



أحس عظامي تبرد



وكهرباء تمشي بجسمي"



.



" يعني عقب ذا كله تبي تطلقها ؟؟



وذا الزين اللي أنت لمسته بيديك يصير لرجّال غيرك؟؟"



.



يزداد سرعة في القيام بتمارين الضغط وهو يزفر بغضب:



" أعوذ با الله منك يا أبليس.. فارقني قدام أقتل قتيل الليلة"



.



" ومن قال لك أنا أبليس.. أنا أفكارك اللي في عقلك الباطن



أنت عادي فكرت تطلقها عشان تريح بالك من غثاها



بس ما فكرت إنك إذا طلقتها بتأخذ حد غيرك"



.



"خذك ربي ياعقلي الباطن أنت وإياها"



.



.



مع تزايد أفكاره تعقيدا كان يزداد سرعة في القيام بتمارين الضغط ارتفاعا وانخفاضا



فهو فعلا لم يرَ فيها أي ميزة سوى الجمال.. فهل تكفي هذه الميزة لصنع حياة زوجية؟؟



يخشى أنه بعد أن يعاشرها حتى جمالها سيتحول إلى قبح في عينيه..



ولكن جمالها كان بالفعل من النوع الذي قد يصيب بالجنون والهوس..



أن يعلم أن كل هذا الجمال الذي لا مثيل له والذي كان له.. قد يصبح محرما عليه قبل أن يكون له فعلا



ويصبح من نصيب رجل آخر.. يلمس بيديه ما لمسه هو بنفسه اليوم..



يتحسس بشرتها.. شفتيها.. شعرها.. يتنفس من قرب رائحتها العذبة المسكرة التي شعر بها تلتصق به اليوم وهو يحملها قريبا من قلبه




ازدادت حركته عنفا وهو يزفر أنفاسا محرقة.. غضبا محرقا مدمرا على هذا الرجل غير الموجود الذي سيمد يده عليها



وهو خلال كل هذا يستمع لرنين الهاتف عدة مرات.. قبل أن يصمت ثم تصله رنة رسالة..



لم يهتم مطلقا حتى وصل للحد الأدنى من رضى التمارين



ثم تناول منشفته ليستحم.. وهو في طريقه للحمام التقط هاتفه على عجالة



اتصالان من رقم غريب ثم رسالة:




" أنا كاسرة



لو سمحت ابي أشوفك بكرة في بيتنا



حدد الوقت اللي يناسبك "




كساب استغرب بشدة..



قد يكون فعلا قابلها ولكن في مكان عملها.. ولكن في بيتها وأمام أسرتها ..



أي أمر كبير تخطط له حتى تتجاوز بهذا الطلب كل العادات المعروفة؟!!




لن ينتظر للغد حتى يعرف... اتصل بها فورا..




همسها الناعم الحاد الساحر الأثيري المثقل بالتناقضات: هلا كسّاب..




كساب بسخرية: المهلي ما يولي..




كاسرة بهدوء: أنت كذا على طول تمسخر على خلق الله




كساب بتهكم: بزر.. وش تتوقعين مني؟؟




هزت كاسرة كتفيها بثقة: صحيح وش أتوقع منك؟؟




كساب يلقي منشفته على السرير ويتمدد ليصبح صوته أكثر ثقلا وتأثيرا:



طيب ودامش ما تتوقعين من ورا البزر شيء.. ليش تبين تقابلينه..؟؟




كاسرة تنهدت بعمق وبدت له تنهيدتها أشبه بسحر مصفى وهي تنفث بعدها سحر صوتها ولكن بحزمها المعتاد:



لولا إنه عندنا إجازة الحين من الشغل أو كان طلبت تقابلني هناك



لأني ما أبي هلي يدرون بالكلام اللي بيصير بيننا



لكن بما أنه الهيئة احترقت فما فيه مكان إلا بيتنا




كساب يتجاهل ماقالته وهو يهتف بتهكم: خاطري أسمع منش شي غير عنطزتش وأنتي مسوية فيها السيدة الحديدية




كاسرة تشعر بغيظ لم يظهر في هدوء صوتها: كساب أنا أبي أتكلم في موضوع مهم.. أجل مسخرتك لغيري..




حينها هتف كساب بحزم: نعم.. وش تبين.. واختصري.. أبي أقوم أسبح..




كساب بحزم مشابه: أفضل نتناقش وجه لوجه..




كساب بصرامة: مافيه داعي.. لا هو من سلومنا ولا من عوايدنا أجيش في البيت..



وأنا ما أقدر أحرج نفسي.. عشان خرابيط في مخش تبين تصدعيني فيها..




كاسرة حينها ردت بحزم: خلاص مثل ما تبي



ثم أردفت وهي تستخدم نبرتها العملية الجدية : كساب أعتقد إنه ما يخفى عليك عقب ما تقابلنا إنه مابيننا أي توافق ولا تناسب



ومبين إن الحياة بتكون صعبة بيننا.. هذا واحنا بعدنا على البر أشلون بكرة لا صار بيننا عيال



المنطق يحكم علينا نفكر بمصلحتنا.. هذا مستقبل وعشرة عمر مهوب شهر ولا شهرين.




صمتت لثانية ثم أردفت بحزم أشد : أنا أبيك تطلقني.. ودامك رجّال فيك خير وتعرف السلوم والعوايد..



أتمنى إنك أنت اللي تقول إنك طلقت من نفسك.. ما أبي هلي يدرون إني اللي طلبت الطلاق..



وخصوصا جدي.. ما أبيه يدري بأي شيء..




حينها انتفخت أوداج كسّاب غضبا كاسحا أشبه بالصدمة..



" أ حقا تجرأت هذه البغيضة وطلبت الطلاق مني؟!!



أ حقا فعلت ذلك ؟!



تطلب مني أن أطلقها؟؟ أي جنون هذا؟!"




قد يكون هذا هو ما كان يريده.. لكن أن ينفذه من أجل رغبتها هي.. ثم تتزوج شخصا آخر تكون له..



لا وألف لا.. يستحيل!!



أي جنون معقد بات يسيره؟؟.. وإلى أي جنون تقوده هذه الكاسرة؟! :



تدرين والله ماعليش مردود.. وحدة عرسها عقب أقل من 3 أسابيع تبي الطلاق



نعنبو ما تهمش سمعتش أنتي.. وش تبين الناس يقولون عليش



أنا رجّال ما يعيبني شيء.. لكن أنتي الناس بيأكلون وجهش..




كاسرة بثقة: ما يهمني كلام الناس.. المهم حياتي أنا.. ماني بمستعدة أعيش حياتي الباقية كلها في تعاسة..




كسّاب بسخرية: لذا الدرجة شايفة حياتش معي مأساوية..




كاسرة بحزم: قلنا الكتاب مبين من عنوانه..




كساب بحزم كاسح: والكتاب يقول لش روحي بلطي البحر..



أنتي مرتي وبتكونين لي غصبا عنش وإلا برضاش



ومستحيل تعرفين حد غيري عمرش كله..



لي أنا وبس.. واضح كلامي أو تبين أعيده..




كاسرة تنهدت بحزم وهي تبث أكبر قدر من الجدية والمنطقية في كلامها:



صدقني كساب ماراح ترتاح معي.. أنا وحدة شخصيتي قوية ورأسي يابس... وبتتعب معي..



وش حادك على ذا الحياة.. أنا أحلك من كل شيء قبل ما تطيح الفاس في الراس



خلك عقلاني.. وفكر بعقلك..




كساب هز كتفيه وهتف بحزم مرعب: نعم.. رأسش يابس؟؟



توش ما عرفتي وش يباس الرأس.. خلش تجين عندي.. وبأكسر لش راسش اليابس




لم يكن مطلقا يريد أن يكون هذا آخر المطاف.. لم يكن يريد قهرها ولا إيذائها



ولكنها من دفعته لذلك



هي من دفعته للتحدي والتهديد..



يستحيل أن يسمح لها أن تفرض شروطها وشخصيتها بهذه الطريقة



يستحيل أن تتقبل كرامته أو رجولته المفترضة المرسومة أطرها بتقليدية هذا الأمر!!




كاسرة ردت عليه ببرود مدروس: أنت اللي نعم؟!! تكسر رأسي؟!! أنا ماحد يكسر رأسي



ماعليه قلنا زوجي ولك الاحترام والتقدير على فرض إنه بنتزوج



لكن إنك تظن إنك بتسيطر علي وإلا تخليني مسلوبة إرادة .. لا يا كساب



ما عرفتني.. أنا مستحيل حد يفرض علي شيء...




كساب بتهكم بارد: عادي.. نروضش مثل المهرة اللي تعسف لين يطيح اللي في رأسها..




حينها بدأت كاسرة تغضب لكنها ردت بحزم محترف: أنا ما أنا بحيوان تعسفني



ولو هذا التفكير المتخلف هو اللي في رأسك.. صدقني الحياة بيننا مستحيل تستمر



طلقني يا ابن الحلال.. أنا لولا خاطر جدي وإلا والله ثم والله لأخلعك.. عادي عندي




كساب بغضب كاسح: نعم؟؟ تخلعيني؟؟ وتقولينها بكل وقاحة يا قوية الوجه.. زين يا كاسرة دواش عندي.. زين..




كاسرة ببرود مستفز: أعلى مافي خيلك اركبه .. صدق بزر وعصبي...



أنا ما أبيك.. وقلتها لك بصراحة واحترام مثل ما الناس المتحضرين يتفاهمون



لكن أنت أسلوبك همجي في الحوار والتعامل.. وتحد الواحد ينزّل مستواه في الكلام عشان تفهم عليه




كساب بحزم صارم شديد: كاسرة اقصري الهرج الماسخ.. لا تحديني على شيء ما يرضيش



أقلها أني ممكن بكرة أروح لأخيش وجدش وأقول عندي سفرة مهمة



وأبي أروح بمرتي.. وأكنسل العرس.. وأخذش بدون عرس..



ثم أردف بتهكم حاد: اعقلي يامره.. وعندش ذا الأيام كلها تعودي على فكرة البزر اللي بتأخذينه..








***************************************








كان يصلي قيامه.. حين سمع صوت الباب يُفتح



وخطوات ثقيلة تدخل لداخل غرفته




حينما التفت بعد تسليمته وجد كسّاب يجلس على مقعد قريبا منه



زايد لم يوجه له مطلقا أي حديث وهو يتناول مصفحه ويتلو ورده بصوت منخفض



حينما انتهى اتجه لسريره ليتمدد دون أن يوجه كلمة واحدة لكساب الذي كان جالسا طوال هذا الوقت..





كساب اقترب من سرير والده وانحنى ليقبل طرف رأسه اليسار لأنه كان يتمدد على يمينه ويهمس في أذنه:



لذا الدرجة زعلان عشانها..؟؟




زايد دون أن يلتفت ناحيته هتف بحزم: كسّاب اقصر الشر .. وفارقني لغرفتك



أنت جاي لاحقني هنا.. تبي تكمل لغو



لا تخاف بنكمل.. بس مهوب الليلة!!




كسّاب ابتسم وهو يهتف بخبث: إلا جاي أقول لك لا تنسى بكرة تحدد موعد لتوقيع العقد..




حينها اعتدل زايد جالسا وهو يهتف بنبرة مقصودة: وش اللي صار.. فكرت وشفت إن المشروع ماحد يفرط فيه؟؟




كسّاب ينظر له بشكل مباشر ويهتف بنبرة ذات مغزى: إلا وأنت صادق صاحبة المشروع يبه



والله لو حتى ما تبي تعطيني مشروع المجمع.. والله واللي رفع سبع سموات بليا عمد إنه مايردني منها شيء إلا الموت..




زايد يرفع حاجبا: غريبة !! وش غير رأيك؟؟




كساب يهز كتفيه ويهتف بذات النبرة المقصودة: مهرة يبه تبي من يعسفها..



وعلى قولت خالد الفيصل: أحب أعسف المهرة اللي تغلى



وأنا أشهد يبه إنها تغلت.. خلها تغلى لأن مسيرها للعساف..




حينها ابتسم زايد وهتف بنبرة اعتزاز: كفو.. كفو



ثم أردف بتساؤل خبيث: الحين قل لي..أنت شفتها وإلا كلمتها؟؟




كساب وقف وهو يتجه للباب ويرد على والده بشبح ابتسامة:



كلها يبه.. كلها








***********************************







"تأخر في العودة



مابه هذا الرجل؟؟



أكاد أجن منه



ليس مطلقا زوجي الذي عاشرته لسنوات



شخص غريب لأبعد حد



أين صالح المتدفق الشاعري الرومانسي بل حتى المندفع في كل شيء



كان يغمرني في طوفان من مشاعره واشتياقه الدائم



فأي برود هذا اللي تسلل لروحه وجعلني عاجزة عن معرفة ردة فعله القادمة"




نجلاء تدور في الغرفة..



تقرر الليلة أن تلبس لباسا أكثر جرأة بقليل..



لا تعلم بالفعل إلى أي شيء تهدف.. فهي بالفعل لا تريد أن يقترب صالح منها.. ولكنها تريد أن تجري تغييرا ما.. عل صالح يصدر منه تصرف يدل على انه صالح القديم



تشعر بالفعل بالتشويش.. تريد لها أرضا ثابتة تقف عليها..



ماعادت تعرف حتى كيف تجري معه حوارا





ارتدت بيجامة بدون أكمام وبنطلونها يصل للركبة.. نثرت شعرها العسلي على كتفيها.. تعطرت بكثافة



ثم جلست تنتظر



كانت تشاهد لها برنامجا عن تأثيث المنازل..



ليثير البرنامج فيها شعورا عميقا بالحزن اخترق كل جوانحها




حينما غضبت من صالح.. كان بيتهما الخاص على وشك الانتهاء..



ومع وصول البيت لتشطيباته الأخيرة.. كانت عصبيته بلغت الذروة.. كان يقضي طوال النهار مع العمال..



ويعود لها آخر النهار بغبار البيت وعرقه.. تحاول أن تحتوي تعبه وإرهاقه.. ولكنه كان ينفجر فيها بدون سبب



ليعود بعد دقائق ليعتذر... شعرت أنه يستنزف كل طاقتها وصبرها ومرونتها



كرهت ذلك الوضع.. ماعاد بها صبر..



بات كل شيء يستثيره.. غاضب على الدوام



غاضب على الدوام من موضوع البيت.. وتأخر العمال.. وعدم دقة المهندس



غاضب على الدوام من موضوع حملها الذي كانت تأجله..



بالفعل هو كان يتراجع معتذرا ما أن ينفجر فيها... لكنه لن يرتاح ما لم ينفجر



تعبت من احتواء غضبه.. ثم مدارة حزنها حينها يأتيها يائسا معتذرا



كانت تفضل أن تكتم في ذاتها على أن تؤذيه بأدنى شيء



كانت تقول لنفسها: يكفيه مافيه..



لكنها وصلت لمنتهى الطريق... صبرها نفذ.. ومرونتها ماعادت تفيد..



تحتوي غضبه وإرهاقه وعصبيته وتضغط على كل مافيها من أجل إرضاءه



ثم يكون رده عليها بعد كل ذلك معايرتها بأمها



حينها قررت أن ترحل لبيت والدها... ولأول مرة تفعلها..




اعتذر لها كثيرا.. أكثر من كل مرة وأشد وأكثر حزنا...كان يعتذر ويترجى ويعدها ألا يتكرر هذا الامر ..وهما يتعاركان على حقيبتها...



هي تضع ملابسها في حقيبتها... وهو يعيدها للخزانة



رجاها بعمق ألا تفعل به هذا وفي هذا الوقت بالتحديد.. فهما كان يخططان لبدء تأثيث المنزل.. وهذا الأمر كان بالغ الأهمية عنده



ولكنها هربت وتركته..



وهاهو البيت توقف على مراحله الأخيرة.. فصالح أوقف كل شيء بعد مغادرتها..



كم حلما معا بلون معين لغرف الاولاد.. ولغرف البنات اللاتي سيأتين.. خشب المطبخ.. وسيراميك الدرج



ألوان الصبغ.. وأثاث الصالات... أشكال الستائر.. وحتى نباتات الحديقة




الآن حتى لا تستطيع أن تسأله عن البيت.. أو عن أي شيء في حياتهما المشتركة كزوجين..



لا تستطيع سؤاله عن عمله الذي كانت تعرف أدق تفاصيله لأنه كان يخبرها بكل شيء..



لا تستطيع سؤاله إن كان مازال يخيط ملابسه عند ذات الخياط.. ويحلق عند ذات الحلاق..



لا تستطيع سؤاله هل مازال حريصا على رياضة المشي..



وهل مازال يحب أن يتناول قهوته بالقرنقل الذي كانت تنهاه عنه..لأن رأسه يؤلمه إن افتقده..



لا تستطيع حتى سؤاله كيف هو مستوى الكوليسترول عنده الذي اكتشف قبل خلافهما بقليل أنه مرتفع قليلا




كانا لا يتوقفان عن الحديث.. عن كل شيء.. وحول كل شيء...



وإذا بهما يتحولان إلى مخلوقين غامضين صامتين لا وجود لأي حوار بينهما



فهل الذنب ذنبها أو ذنبه؟؟



هل تريد أن يحلا ما بينهما؟؟ أم لا تريد؟؟




"بالتأكيد أريد



ولكني مجروحة منه.. لا أريد ان أغلق الجرح قبل تطهيره



لا أريد أن يعاود الجرح الالتهاب



أريد أن أحل كل ما بيننا قبل أن نستأنف حياتنا كزوجين"





نسف تفكيرها دخوله الهادئ عليها..



ألقى التحية.. نظر لها نظرة توحي بعدم الاهتمام.. ثم انسحب للحمام



صلى قيامه.. قرأ ورده.. ثم تمدد دون أن يوجه لها كلمة واحدة..




نجلاء كادت تجن منه.. اقتربت منه وهزت كتفه.. وهتفت بغضب:



يعني عشان أنا اللي ذليت روحي لك.. وطلبت أرجع للبيت تعاملني كني والطوفة واحد..



قوم كلمني.. لمتى وحن على ذا الحال..؟؟




صالح اعتدل جالسا وهتف ببرود: نعم يأم خالد.. وش اللي يرضيك؟؟



وش إطار العلاقة الزوجية اللي ترضي أنانيتش؟؟



الحين أنا اللي حطيتش مثل الطوفة يا نجلا؟؟؟



مهوب أول كلمة قلتي لي إياها : "صالح اعتبرني ما رجعت.. اعتبرني ماني بموجودة"



وعقبه أثبتي لي بالدليل القاطع إنه هذا فعلا اللي تبينه..



يعني ما راعيتي إني محروم منش كل ذا الشهور.. مااهتميتي من لهفتش عليش



ما همش إلا نفسش ومشاعرش.. وأنا بالطقاق..



الحين أنا صرت اللي أعاملش مثل الطوفة؟؟؟



أنا ما سويت إلا تنفيذ رغبتش.. معتبر نفسي قاعد في غرفتي بروحي.. مثل ما كنت قبل ما ترجعين..



يعني من تبيني أكلم.. أكلم حد مهوب موجود..



يا بنت عمي إذا طاح الخبال اللي في رأسش.. أظني إني قريب.. قولي لي وقتها أنا رجعت يا صالح




نجلاء انتفضت غضبا منه وهي تقرر أن تتوجه لتنام في غرفة ابنائها.. كعادتها حينما تعجز عن مواجهته.. تجد أن الهرب هو أسهل طريقة




بينما صالح تنهد بعمق.. وهو يعاود التمدد على سريره وهو يعلم أنه لن يذوق النوم الليلة..








******************************








" توك تتعشا؟؟"




همس مزون الحاني لعلي الذي يجلس على طاولة مطبخ التحضير في الطابق العلوي




علي يبتسم: شأسوي كنت متفق أنا وكساب نتعشى سوا.. بس ثارت القنابل بينه وبين أبيه



ومارضى حد منهم يتعشى معي




مزون تبتسم مثله: وش القضية ذا المرة؟؟




علي بمرح: والله ما أدري.. تقولين ديكة... كلمة من ذا وكلمة من ذا وما فهمت شيء..



بس اللي فهمته إنه عشان موضوع زواج كساب




مزون بحنان ونبرة مقصودة: وأنت متى بيكون زواجك؟؟




علي يتنهد ثم يهتف بعمق: أنا تو الناس علي.. عندي مشاريع الحين في رأسي تبي لها تفرغ



ولا والبال ولا الروح مستعدين لذا الموضوع







******************************








يفتح عينيه بكسل.. يتلمس المكان جواره فيجده خاليا



يعتدل جالسا فيجدها تتحرك بخفة في أنحاء الغرفة




هتف بصوت ناعس ثقيل: صباح الخير




عفراء انتفضت بخفة ثم ردت بعذوبة: أنا قاعدة أتحرك بشويش ما أبي أصحيك



أزعجتك؟؟



وإيه.. صباح النور والسرور




منصور يبتسم وهو يعتدل ويضع المخدات خلف ظهره ويستند لها: لا ما أزعجتيني.. أنا صحيت بروحي



وبعدين أنا ما أبي سلامات وصباحات بلوشي..



تقولين لي صباح الخير .. لازم تجين وتحبين خشمي..




عفراء تتوجه ناحيته وهي تبتسم بخجل: قلنا لك مهلك علينا يأبو زايد..




ثم انحنت لتقبل أنفه ليشدها هو إلى حضنه .. عفراء تحاول التخلص من عناقه برقة وهي تهمس بذات الرقة: منصور تكفى لا تاخرني..




حينها كان منصور هو من أبعدها عن حضنه وهو يهتف بصرامة: أوخرش عن ويش؟؟




عفراء وقفت وهي تهمس بطبيعية وهي تتناول حقيبتها وتضع فيها أغراضها: عن المدرسة طبعا




حينها هتف منصور بحزم: وحدة توها متزوجة مالها ثلاث أيام.. وتبي تروح لدوامها



إذا أنا على كثر مشاغلي أخذت إجازة أسبوع




عفراء بخجل عميق: ماعليه السموحة يابو زايد.. بس أنت تدري إنه خلاص البنات أخر الفصل والامتحانات عقب كم يوم



بس يومين أخلص شغلي وأسلمه زميلاتي.. وعقبه اوعدك أتفرغ لك..




منصور بحزم بالغ: آسف.. طلعة من البيت وأنا موجود آسف.. اتصلي واعتذري منهم




عفراء تضايقت بالفعل من أسلوبه المستبد ومع ذلك همست برقة بالغة:



منصور الله يهداك.. لو قايل لي من امس كان تصرفت بس الحين لازم أروح




منصور يلقي بالغطاء جواره لتنتفض بخفة وهي ترى طوله الفارع جوارها ويهتف بحزم متزايد:



وأنتي لو قلتي لي من أمس.. كان قلت لش أمس.. والحين انتهينا من ذا السالفة.. طلعة مافيه..




ثم تجاوزها وهو يجلس على الأريكة ويزفر بغضب..




عفراء تنهدت بعمق وضيقها منه يصل الذروة
<